تخطى إلى المحتوى

حق المسلم على المسلم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

طريق السعادة والسبق إلى الله

أما بعد:

أيها الإخوة، لا شك أن المسلم يجب عليه واجبات، ويَحْرُم عليه محرَّمات، فإذا قام بالواجبات وابتعد عن المحرَّمات كان من السعداء في الدنيا والآخرة، وأوجب الله له الجنة؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لرجلٍ سأله: يا رسولَ الله، أرأيتَ إذا صليتُ المكتوبة، وحرَّمْتُ الحرام، وأحلَلْتُ الحلال، أَأَدْخُلُ الجنة؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم[1]رواه مسلم: 15..

ولكن، هذه هي من صفات أصحاب اليمين الذين يكونون من الناجين، الذين ابتعدوا عن المحرمات وقاموا بالواجبات.

أما السابقون فهم غير ذلك، أعظم من ذلك؛ لأن السابقين هم الذين قاموا بالواجبات، وابتعدوا عن المحرمات، وعمِلوا المستحبات، وتركوا المكروهات، وربما عملوا أو تركوا بعض المباحات حتى يتقوَّوا على الطاعات.

هؤلاء هم السابقون الذين بيَّنهم الله في كتابه بقوله : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:100].

هم من الناجين، لكنهم من أهل الدرجات العُلَى؛ ولهذا الجنة درجاتٌ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ أهل الجنة لَيَتَرَاءَوْنَ أهلَ الغُرَف من فوقهم كما تَتَرَاءَوْنَ الكوكبَ الدُّرِّيَّ الغابرَ من الأُفُق من المشرق أو المغرب؛ لِتَفَاضُلِ ما بينهم. قيل: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يَبْلُغُها غيرُهم. فقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: بلى والذي نفسي بيده، رجالٌ آمنوا بالله وصَدَّقُوا المرسلين[2]رواه البخاري: 3256، ومسلم: 2831..

فلا شك أن العبد يجب عليه واجبات؛ ومن هذه الواجبات حقوق المسلم أو حق المسلم على المسلم، واجبٌ يجبُ عليك لأخيك المسلم، سواء كان بعيدًا أو جارًا أو من جملة المسلمين، هناك حقوق أوجبها الله على المسلم لأخيه المسلم، وعليها من الثواب العظيم ما ستسمعون إن شاء الله، ثوابٌ كبيرٌ، ثوابٌ عظيمٌ بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

ولا شك أن الإنسان لا يكون راغبًا وعنده الرغبة في القيام بهذه الواجبات إلا إذا كان عنده من الأمور العظيمة التي تَحْفِزُه وتُرَغِّبُه في القيام بالحقوق والرغبة فيها، وإلا -إذا لم يكن عنده رغبة- لا يعمل هذا، وإن عمِل فلا يُحتسب هذا وليس له عنده رغبة.

أمور معينة على أداء الواجبات وترك المحرمات

ومن هذه الأمور التي تُعِين الإنسان على القيام بالحقوق الإسلامية -حقوق المسلم على المسلم- قبل أن أبدأ في الحقوق، يجب أو ينبغي لكل مسلم أن يَعْلَمَ هذه الأمور، حتى يَرْغَبَ في القيام بالحقوق، ويحتسب الأجر على الله :

الإكثار من ذكر الموت

من هذه الأمور التي تُعينك وتشرح صدرك للقيام بهذه الواجبات: أن تذكر الموت، ذِكر هاذم اللذات كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: أكثِروا ذِكرَ هاذِمِ اللذَّات[3]رواه الترمذي: 2307، والنسائي: 1824، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3333.، الموت؛ فإذا ذكرتَ الموت وعلمتَ أنك ستنتقل من هذه الحياة الدنيا ولا ينفعك إلا ما قدَّمْتَ من عمل؛ رغبتَ في القيام بالواجبات؛ لأنك تطمع في رضا رب الأرض والسماوات، تطمع في رضاه وتتقرَّب إليه؛ لأنك تخشى أن يَهْجُمَ عليك الموت بغتةً؛ كما قال القائل:

الموتُ يأتي بغتةً والقبرُ صندوقُ العَمَلْ[4]لم نقف على نسبته. يُنظَر: "صيد الخاطر" لابن الجوزي: ص513.

إذَن تتأهب لذلك؛ ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ أعقل الناس هو الذي يقوم بالواجبات، لا شك في ذلك. لكن جاء رجلٌ إليه وقال: يا رسول الله، أيُّ المؤمنين أفضل؟ -احفظ هذا الحديث حتى تعلم مَن أفضل الناس- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أحسنُهُم خُلُقًا[5]رواه ابن ماجه: 4259، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3335..

والخُلُق يدخل فيه كل أمرٍ أَمَرَ الله به وأَمَرَ به النبيُّ عليه الصلاة والسلام؛ كان النبي عليه الصلاة والسلام خُلُقه القرآن[6]رواه مسلم: 746..

قال : أحسنُهُم خُلُقًا، قال: فأيُّ المؤمنين أكيس؟ -معنى "أكيس": أعقل؛ من هو أعقل الناس يا رسول الله؟- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أكثرُهُم للموت ذِكْرًا، وأحسنُهم لِما بعده استعدادًا، أولئك الأكياس[7]رواه ابن ماجه: 4259، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3335.؛ يعني: العقلاء.

فإذا سُئِلتَ: مَن أفضلُ الناس؟ تقول: أحسنُهُم خُلُقًا، وإذا قيل لك: مَن أعقلُ الناس؟ فقل: أكثرُهُم للموت ذِكْرًا، وأحسنُهم لِما بعده استعدادًا، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

فلا شك أن هذا يجعل الإنسان يرغب في القيام بالواجبات والابتعاد عن المحرمات، ويَطْهُر قلبه، يكون طاهرًا مُقْبِلًا على طاعة ربه .

إدراك حقارة الدنيا بغير طاعة الله ​​​​​​​

من هذه الأمور التي تُعِين الإنسان على القيام بالواجبات والابتعاد عن المحرمات: أن يعلم أن الدنيا لا قيمة لها بدون طاعة الله وبدون طاعة النبي عليه الصلاة والسلام، ما هي شيء، لا تُعَدُّ شيئًا عند الله  إلا بطاعة الله .

ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في الحديث الثابت: لو كانت الدنيا تَعْدِلُ عند الله جناحَ بعوضةٍ؛ ما سقى كافرًا منها شَرْبَةَ ماء[8]رواه الترمذي: 2320، وابن ماجه: 4110، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3240.؛ فلو تصورتَ هذا الأمر لرغبتَ فيما عند الله ، ولم تشغلك هذه الدنيا؛ لأنها لا تَعْدِل عند الله جناح بعوضة.

كذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى الناس قد شُغلوا في السوق، فمرَّ بجَدْيٍ في السوق -جَدْي: تيس- وأخذه بأذنه، جَدْيٍ أَسَكَّ -قيل: الأسَكُّ هو قصير الأذنين، ويُسمى عندكم الأصمع- ميتٍ، فأخذ بأذنه وقال: أيُّكُم يُحِبُّ أنَّ هذا له بِدِرْهَمٍ؟، قالوا: ما نُحِبُّ أنه لنا بشيء. قال: أتُحِبُّون أنه لكم؟ يعني: مجانًا. قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيبًا فيه لأنه أَسَكُّ، فكيف وهو ميت؟! فقال النبي عليه الصلاة والسلام: فوالله، لَلدنيا أهونُ على الله مِن هذا عليكم[9]رواه مسلم: 2957.؛ أهون من الجِيفة.

النيات ميزان الأعمال وبها تتحول العادات إلى عبادات

لكن قد يقول الإنسان: لماذا هذه الأعمال: طلب الخير، وطلب الأموال الطيبة؟ هذا إعانة؛ ولهذا ثبت في الحديث أن الإنسان إذا استخدم هذا المال في طاعة الله فنِعْمَ المعونةُ هو[10]رواه البخاري: 6427، ومسلم: 1052.، إذا استخدمه في طاعة الله  فلا يدخل هذا في الدنيا، إذا قصد به وجه الله أو -عمل- القيام بالواجب والقيام بالنفقة التي أوجب الله، أو القيام بالصدقة، أو غير ذلك من ابتغاء مرضاة الله ؛ فإنه في هذه الحالة يُثاب حتى على العمل الدنيوي.

لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن ذلك في الحديث الصحيح بقوله عليه الصلاة والسلام: إنما الأعمالُ بالنيات[11]رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.، فلو قَلَبَ العمل للدنيا عملًا صالحًا استطاع -حتى في البيع والشراء- ابتغاء مرضاة الله. يريد أن يبتعد عن المحرمات ويريد أن يستغنيَ عن الناس؛ هذا فيه طاعة لله.

وليس ذمُّ الدنيا على إطلاقه، وإنما ذمُّها إذا كانت في غير طاعة الله، أو تشغل عن طاعة الله وطاعة النبي عليه الصلاة والسلام.

ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه أنه ينبغي للمسلم أن يعتبر هذه الدنيا كالكَنِيف[12]ينظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 10/ 189. -الكَنِيف: الحمَّام أكرمكم الله الذي تُقضى فيه الحاجة- أو كالحمار، فأنت تستخدم الكَنِيف لتقضيَ حاجتك، وتركب الحمار إن كان هناك حمار. كانت الحمير سابقًا يستفاد منها، لكن الإنسان لا يحب هذا الحمار، لا يحبه لكنه يستخدمه، أليس كذلك؟ لكن هل وقع حُبُّ هذا الحمار في قلبه؟ أو حُبُّ هذا الكَنِيف في قلبه؟ يقضي حاجته ويحب أن يخرج فورًا من هذا المكان، أليس كذلك؟

فهذه الدنيا، استخدِمْها هكذا حتى لا تكون في قلبك، فلو كانت في قلبك فحينئذٍ هذه مصيبة عظيمة.

تذكُّر قِصَر الدنيا وسرعة انقضائها

من الأمور التي تُعِينك على القيام بالواجبات والابتعاد عن المحرمات: أن تعلم أن الدنيا ما هي إلا كلَمْح البصر أو أقل، أو ما هي إلا كيَوْمٍ أو بعضِ يوم، كما بيَّن الله ذلك في القرآن الكريم.

أنت الآن إذا بلغتَ السبعين أو الستين أو أكثر من ذلك أو أقل، انظر إلى أول عمرك حينما كنت صغيرًا، تَذْكُر أنك كنت صغيرًا وكنت تعمل كذا وكذا كأنه بالأمس! لو سُئِلتَ قلت: ما كأنه إلا أمس، هذا وهو قبل ثلاثين سنة أو أربعين سنة أو أقل من ذلك أو أكثر، ما كأنه شيء!

يوم القيامة حينما يُسأل الناس: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ۝ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [المؤمنون:112-113]، يقولون: بقينا يومًا أو بعضَ يومٍ. وفي الآية الأخرى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [يونس:45].

يوم القيامة يتعارفون بينهم، تعرف أن هذا فلان وهذا فلان وهذا فلان، يتعارفون بينهم: كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ [يونس:45]، كأنه ما مضى عليهم شيءٌ يوم القيامة، لكن قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [يونس:45].

الرابح والخاسر يوم القيامة

لكن مِن هؤلاء "الرابح"؟ ومِن هؤلاء "الخاسر"؟

الرابح الذي اغتنم طاعة الله وطاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وعلم أن هذه الحياة هي مزرعة الآخرة، يَجِدُّ ويغتنم أيامًا ولياليَ حتى يسعد في السعادة الأبدية التي لا نهاية لها، لا موت، حياة أبدية، الموت مرة وليس مرات؛ ولهذا أهل النار يتمنَّون الموت: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ۝ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف:77-78].

إذَن فما هي إلا أيامٌ وليالٍ ثم تنتقل، وقد تموت وأنت صغير، وقد تموت وأنت كبير، العلم عند الله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34].

أنت ربما تحب أن تموت في بلدٍ من البلدان أو في بلدك أو في مكة أو في المدينة أو في غير ذلك، على حسب رغبتك، لكن هذا ليس باختيارك: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا [لقمان:34]، هل تعلم ماذا تكسب غدًا؟ ما عندك خبر، صحيح عندك تفكير، لكن هل يتحقق هذا أو لا يتحقق؟ هذا بيد الله .

إنا لَنَفْرَحُ بالأيامِ نَدفعُها وكلُّ يومٍ مضى نقصٌ من الأجلِ
فاعملْ لنفسكَ قبلَ الموتِ مُجتهدًا فإنما الرِّبحُ والخسرانُ في العملِ[13]البيتان للفُضَيل بن عِياض. يُنظَر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر: 48/ 451.

عليك يا عبدَالله أن تَذْكُرَ هذا؛ حتى يُعِينَك على القيام بالواجبات؛ ولهذا بيَّن الله في آياتٍ كثيرةٍ عن الكفار وعن غيرهم حينما يُسأل الكفار: يحشرهم الله يوم القيامة زُرْقًا ۝ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا [طه:102-103]، ما بقيتم إلا عشر ليالٍ أو عشرة أيامٍ في الدنيا: إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا[طه:104]، ما بقيتم إلا يومًا؛ سبحان الله!

إذَن هذا يدل على أن الدنيا قصيرة مهما عشتَ، مهما بقيتَ فإنك ستنتقل إلى ربك ولا ينفعك إلا ما قَدَّمْتَ من عمل؛ فأَحْسِن رفيقك، أَحْسِن صديقك، أَحْسِن الرفيق الذي يُلازِمك في الدنيا والآخرة وفي القبر.

العمل الصالح جليس الميت في القبر

ربما سمعتم أن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أن منكرًا ونكيرًا يسألان الميت في قبره، فإذا أجاب -وهم المؤمنون- يقول: ربيَ الله، ودينيَ الإسلام، ونبيِّي محمد ، بعد ذلك يأتيه رجل طيب الريح، حسن الثياب، فيقول: أبشِر بما أعدَّ الله لك، أبشِر برضوان الله وجناتٍ فيها نعيمٌ مُقِيمٌ. فيقول: بشَّرك الله بخيرٍ، من أنت؟ فوجهك الوجه الذي جاء بالخير. فيقول: هذا يومُك الذي كنتَ تُوعَد، والأمر الذي كنتَ تُوعَد، أنا عملك الصالح؛ فوالله ما عَلِمْتُك إلا كنتَ سريعًا في طاعة الله، بطيئًا عن معصية الله[14]رواه أحمد: 18614.. يُبَشِّره؛ فعَمَلُك جليسُك في القبر ومُرافِقُك، وهو الذي يجب أن تُحْسِنَه.

أما الثاني -المجرم أو الكافر- فيأتيه رجل كريه المنظر كريه الرائحة، فيقول: أبشِر بعذابٍ من الله وسَخَطِه، فيقول: من أنت؟ فوجهُك الوجه الذي جاء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث، والله ما عَلِمْتُك إلا كنتَ بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا إلى معصية الله[15]رواه الطيالسي: 789.، فيرافقه: هذا رفيقك وصديقك إن صح التعبير، وجليسك؛ فعليك أن تُحْسِنَه يا عبدالله، هذا مما يُعِينك على الاستعداد.

تذكُّر حال المحتضرين وأمنياتهم عند الموت

مما يُعِينك على ذلك كذلك: أن تَذْكُرَ أحوال المُحْتَضَرين وأمنياتهم عند الموت، كما بيَّن الله ذلك: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99-100]. ومنهم من قال فيه الله : كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ۝ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ[القيامة:26-27]. هل من طبيب؟ هل من مُعالج؟ هل من راقٍ؟ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ۝ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ ۝ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ۝ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ[القيامة:27-30].

فعليك يا عبدالله أن تَذْكُرَ هذا: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ۝ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ۝ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ۝ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ۝ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[الواقعة:83-87]. ارجعوها إن كنتم صادقين عندكم شيء، تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ۝ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ۝ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ۝ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ۝ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ۝ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ۝ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ۝ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ۝ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ۝ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:87-96].

اذكر هذا يا عبدالله، اذكر ذلك، اذكر حينما تُنْزَع الروح وتخرج من جسدك، فإن كنت مؤمنًا لا تحب أن ترجع إلى الدنيا مطلقًا إلا إذا كنت شهيدًا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما من عبدٍ يموتُ له عند الله خيرٌ يَسُرُّه أن يرجعَ إلى الدنيا وأنَّ له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد؛ لِما يرى من فضل الشهادة، فإنه يَسُرُّه أن يرجعَ إلى الدنيا فَيُقْتَلَ مرةً أخرى[16]رواه البخاري: 2795، ومسلم: 1877.، وفي روايةٍ أخرى: فَيُقْتَلَ عشر مراتٍ؛ لِما يرى من الكرامة[17]رواه البخاري: 2817، ومسلم: 1877.، ما يريد الدنيا!

إذَن، إذا كان لك عند الله خير؛ ما تحب أن ترجع إلى الدنيا، صحيحٌ أنت الآن لا تحب الموت، كلنا لا يحب الموت، لكن إذا جاء الموت وهجم على الإنسان فإن كان من المؤمنين فيسمع ما يَسُرُّه ويرى ما يشرح صدره: اخرجي أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوانٍ، وإلى ربٍّ غير غضبان[18]رواه أحمد: 8769 و18534، وصحَّحه محققو "المسند".، فيحب لقاء الله كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: من أحبَّ لقاءَ اللهِ أحبَّ اللهُ لقاءَه، ومن كرِه لقاءَ اللهِ كرِه اللهُ لقاءَه، فقيل: يا رسول الله، إنَّا لَنَكْرَهُ الموتَ. فبيَّن عليه الصلاة والسلام أن الإنسان إذا كان في الاحتضار في الغرغرة يُبَشَّر إذا كان مؤمنًا برحمة الله وبرضوانه وبالجنة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فيحب لقاء الله ويحب الله لقاءه، وإذا كان غير ذلك فإنه يُبَشَّر بسخط الله وغضبه وبالنار فيكره لقاء الله ويكره الله لقاءه، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[19]رواه البخاري: 6507، ومسلم: 2684..

الدنيا دار العمل والآخرة دار الجزاء

فعليك أن تَذْكُرَ هذه الأمور حتى تستفيد، عليك أن تَذْكُرَ في هذه الأمور: أنك تُجْزَى بالعمل عند الله، فكل ما تعمل تجده أمامك خزينة إن صح التعبير، رصيد.

بعض الناس يُكثر من جمع الأموال من أجل... أخبرني بعض الإخوة: كان بعض الناس يأتي -وهو كبير السن- يسأل في رمضان في مدينة الرياض، فمات في يوم من الأيام، فسُئل جماعته أو سُئل أقرباؤه: هذا كان فقيرًا؟ فوجدوا عنده مخزنًا تحت الأرض، ونقودًا من عهد الملك عبدالعزيز، ونحن الآن في عهد الملك فهد. إذَن هذا الرجل يجمع الأموال ويجعلها في هذا المخزن، يذهب يجمع، ومات وتركها في هذا المخزن من عهد الملك عبدالعزيز، وربما بعضها يكون قمامة لا يُستفاد منه؛ فهذا يدل على عدم الرغبة فيما عند الله ، وعلى عدم الخوف من الله . بعض الطمع يُسبب المشكلات.

كذلك مما يُعِينك على الإقبال على العمل الصالح: عدم الطمع في الدنيا، بل يكون قلبك فيه قناعةٌ وفيه توكُّلٌ على الله ؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ليس الغِنَى عن كثرة العَرَض، ولكنَّ الغِنَى غِنَى النفس[20]رواه البخاري: 6446، ومسلم: 1051.، وقال: قد أفلحَ مَن أسلمَ، ورُزِقَ كَفَافًا، وقنَّعَه اللهُ بما آتاه[21]رواه مسلم: 1054.. عليه الصلاة والسلام.

فإذا علمت ذلك: أنك تُثاب على العمل، كذلك -هذا مما يدل على الرغبة في القيام بالواجب والابتعاد عن المحرم- ما قاله جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام: يا محمد، عِشْ ما شئتَ فإنك ميتٌ، وأحبِبْ مَن شئتَ فإنك مُفارِقُه، واعمل ما شئتَ فإنك مَجْزِيٌّ به، كل ما تعمل من الأعمال الصالحة مجزيٌّ عند الله، الإخلاص، لا بد من الرغبة فيما عند الله، وأحبِبْ مَن شئتَ فإنك مُفارِقُه، مهما تحب من أقرباء فلا بد من الفراق، أحبِبْهم فإنك مفارقهم. واعلم أن شَرَفَ المؤمن قيامُ الليل، وعِزَّه استغناؤه عن الناس[22]رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 4278، والحاكم: 8158، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 627..

هذه من الأمور -قبل أن أتكلم في موضوع المحاضرة- التي تُرَغِّب الإنسان في القيام بالواجب.

حقوق المسلم على أخيه المسلم

أما الواجبات التي تجب على المسلم لأخيه المسلم فهي كثيرة لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، لكن نذكر بعضها، ويدخل كلُّ حقٍّ يدخل في هذا، في أمر الله وأمر النبي عليه الصلاة والسلام؛ وقد قال الله : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة:2].

نصرة المسلم

من هذه الأمور:

أن تنصر أخاك: انصره، ليس النصر أن تقتل من قتله أو تضرب من ضربه أو غير ذلك، لا، النصر أعمُّ من ذلك، قد يكون بالكلمة، وقد يكون بالإعانة، وقد يكون بغير ذلك، وقد يكون بالأخذ على يديه ورده عن الظلم، ترى أنه ظالم فترده عن الظلم؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: انصُر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيتَ إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: تَحْجُزُه أو تَمْنَعُه من الظلم؛ فإنَّ ذلك نصرُه، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[23]رواه البخاري: 6952..

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: المؤمنُ للمؤمنِ كالبُنْيَان، يَشُدُّ بعضُه بعضًا. تعرفون البُنْيَان؟ حينما يُبْنَى يَشُدُّ بعضُه بعضًا، وشبَّك بين أصابعه عليه الصلاة والسلام[24]رواه البخاري: 481، ومسلم: 2585.. هذا يدل على أن المؤمن للمؤمن؛ يُعِينه ويُساعده فيما يحبه الله ويرضاه.

ومثَّل النبي عليه الصلاة والسلام المؤمنَ والمؤمنَ كالجسد الواحد: مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهِم وتَرَاحُمِهِم وتَعَاطُفِهِم مَثَلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تَدَاعى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمَّى[25]رواه البخاري: 6011، ومسلم: 2586.. تصور! لو كانت قُطِعَتْ إصبعك -لا قدَّر الله- أو رِجْلك أو يدك، هل تنام عيناك؟ لماذا تسهر العين والألم في اليد، أو في الأذن، أو في الأنف، أو في الرجل، أو في البطن؟ العين لماذا تسهر؟ تتألم.

مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهِم وتَرَاحُمِهِم وتَعَاطُفِهِم مَثَلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تَدَاعى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمَّى، فأنت كذلك إن رأيت أخاك قد أُصِيبَ بمرضٍ، أو قد أُصِيبَ بفقرٍ، أو قد أُصِيبَ بشيء؛ فعليك أن ترحمَه وتتألَّمَ له وتدعوَ له وتُحسِنَ إليه إن استطعت، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام. هذه من صفات المؤمنين، أنهم يعملون هذا العمل.

الحقوق الستة للمسلم على أخيه

من الحقوق التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام على المسلم ستة حقوق: حقُّ المسلم على المسلم سِتٌّ[26]رواه مسلم: 2162.:

  • إذا لَقِيتَه فَسَلِّمْ عليه[27]رواه مسلم: 2162.، قل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حقٌّ عليك أن تُسَلِّمَ عليه، هذا حقٌّ عليك بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام.

كثيرٌ من الناس لا يُسَلِّم على أخيه المسلم، وإنما لا يُسَلِّم إلا على من يعرف، أما الذي لا يعرفه فلا يُسَلَّم عليه. انظر في الأسواق أو عند الإشارات -إذا كنت ذهبت إلى الإشارات- أو إلى الأماكن، تنظر الإنسان يمر على الإنسان إذا كان لا يعرفه لا يُسَلِّم عليه، ينظر إليه وهو ماشٍ في طريقه -ما شاء الله- لا يقول "السلام عليكم" إلا إذا عرفه. إذا عرفه تبسَّم في وجهه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حسنًا، هذا الذي ما سَلَّمتَ عليه -يُنَبَّه!- لماذا؟ هذا حقٌّ عليك، إذا لَقِيتَه فَسَلِّمْ عليه؛ لأنك لا تعرف الفضل في هذا، لو أنك إذا قلت: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" حصلتَ على ثلاثين ريالًا، وإذا قلت: "السلام عليكم ورحمة الله": عشرين، ولو قلت: "السلام عليكم": عشرة ريالات، ما شاء الله.

إذَن؛ يذهب الإنسان ويُسَلِّم على الناس، ثم يذهب إلى السوق ويشتري ما يريد من الأموال، وتجده: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، ولا يترك منها شيئًا، لماذا؟ يريد النقود، والنبي عليه الصلاة والسلام قد بيَّن: أن الرجل إذا قال "السلام عليكم"... سلَّم رجلٌ فقال: السلام عليكم. فقال : عشرٌ، والثاني قال: السلام عليكم ورحمة الله. فقال : عشرون، وقال الثالث: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال : ثلاثون[28]رواه أبو داود: 5195، والترمذي: 2689، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2710.، أي حسنة. ثلاثون حسنةً لك، ليست ثلاثين ريالًا، وهذه ثلاثون حسنة لا تفنى ولا تُصْرَف ولا يُسَدَّد بها الكهرباء أو تُصرَف في أشياء وتضيع عليك بدون فائدة، لا، تبقى لك عند الله، تجدها في موازين حسناتك حينما تلقى ربك؛ فعليك أن تعلم أن هذا حقٌّ عليك لأخيك.

  • وإذا دعاك فأَجِبْه[29]رواه مسلم: 2162.، الدعوة: إذا دعاك إلى وليمةٍ لتأكل عنده طعامًا ما لم يمنعك مانع، قد يكون عندك مانع فلا تُجِبْه، إذا كان الإنسان عنده محرمات في بيته ودعاك فحينئذٍ لا تُجِبْه إلا إذا أمرتَه بالمعروف ونهيتَه عن المنكر، إذا كان عنده منكر كمن يشرب الدخان في المجالس وفي الولائم، أو من يكون في بيته صور أو أمور محرمة تحصل في الوليمة كالغناء وغيره فلا تُجِبْ؛ هذا من موانع الإجابة. ولكن إذا استطعت أن تُنِكر: تَحْضُر وتُنْكِر.
  • وإذا استنصحك فانصح له[30]رواه مسلم: 2162.، انصح له، انصحه، وَجِّهْهُ إلى الخير، أخلِص معه. والنُّصْح هو التصفية، تكون مخلصًا معه في كل شيء؛ في الكلام، وفي النصيحة، وفي المعاملة، وفي البيع، وفي الشرط، تكون ناصحًا له.
  • وإذا عَطَسَ فحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْه[31]رواه مسلم: 2162. وتسميتُ العاطس: أن يقول له "يرحمك الله"، بالسين والشين جميعًا. يُنظَر "مختار الصحاح" للرازي: ص153.. بعض الناس يَعْطِس فلا يقول أحد: "يرحمك الله"، بل هو لا يقول: "الحمد لله"؛ ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن المسلم إذا عَطَسَ فقال: "الحمد لله"، كان حقًّا على كل مسلمٍ سَمِعَه أن يقول له: يرحمُك الله[32]رواه البخاري: 6226.؛ هذا يدل على العموم.

بعض أهل العلم يقول بأنه إذا كان المجلس كبيرًا وعطس وقال: "الحمد لله"؛ فحينئذٍ يكفي واحد. ولكن الحديث عمَّم، قال: كان حقًّا على كل مسلمٍ سَمِعَه أن يقول له: يرحمُك الله، وهو يقول: يهديكم الله ويُصلِحُ بالكم[33]رواه البخاري: 6224.. بعض الناس تقول: "يرحمك الله" إذا عطس، فيقول: "يهدينا ويهديكم الله". لا، السنة أن يقول: يهديكم الله ويُصلِحُ بالكم، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.

  • وإذا مَرِضَ فَعُدْه[34]رواه مسلم: 2162.، معنى العيادة: الزيارة للمريض؛ ولهذا قيل العيادة والله أعلم. الفرق بينها وبين الزيارة: الزيارة للحي، والعيادة للمريض، وكأنه في العيادة لأنها تعود؛ لأنه ينبغي للمسلم أن يَعُودَ أخاه المريض مرةً بعد مرةٍ في الأوقات المناسبة التي يرى أنها تُدخِل السرور عليه، ويدعوَ له؛ هذا حقٌّ عليك. أما إذا مَرِضَ فلم تَعُدْه فقد تركتَ حقَّه الذي أحقَّه النبي عليه الصلاة والسلام وأوجبَه عليك.
  • قال : وإذا مات فاتَّبِعْه[35]رواه مسلم: 2162.، إذا مات فاتَّبِع جِنازته، شَيِّعْه إلى المقبرة أو إلى المسجد، وصلِّ عليه؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أعطاك أجرًا بالصلاة على الميت، ونفَّع الميت بصلاتك إن كان من المسلمين؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما من رجلٍ مسلمٍ يموت فيقوم على جِنازته أربعون رجلًا لا يُشركون بالله شيئًا؛ إلا شفَّعهم الله فيه[36]رواه مسلم: 948..

فضل عيادة المريض واتباع الجنازة

هذا فضل، الفضل له، لكن لك أنت بيَّن عليه الصلاة والسلام أن من صلى على الجنازة فله قيراط، ومن تَبِعَها حتى تُدفَن فله قيراطان، فسُئل عن القيراطين، فقال: مثل الجَبَلَين العظيمَين[37]رواه البخاري: 1325، ومسلم: 945.، أو قال عليه الصلاة والسلام: القيراط مِثلُ أُحُد[38]رواه مسلم: 946.، جبل في المدينة عظيم. الله أكبر! جبل عظيم! ولهذا سمع ابن عمر رضي الله عنهما هذا الحديث من أبي هريرة ، فصار يأخذ الحصى ويرمي به ويقول: "لقد فرَّطنا في قراريطَ كثيرة"[39]رواه البخاري: 1324، ومسلم: 945.؛ يعني: فاتنا قراريط كثيرة.

هذا يدل على عناية المسلم بالزيارة، ولك فضل وأجر على زيارة المريض، بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه: ما من مسلمٍ يَعُود مسلمًا غُدْوَةً إلا صلَّى عليه سبعون ألفَ مَلَكٍ حتى يُمْسِي[40]رواه الترمذي: 969، وابن ماجه: 1442، وأحمد: 612، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3476.، سبعون ألف ملك يصلون عليك.

وصلاة الملائكة ما هي؟ صلاة الملائكة الاستغفار، يستغفرون لك: "اللهم اغفر له، اللهم ارحمه"، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام: أن الملائكة لا تزال تصلي على أحدكم ما دام في مُصَلَّاه، تقول: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له. ما لم يُحدِث، ما لم يُؤْذِ[41]رواه البخاري: 445، ومسلم: 649.. هذا يدل على فضل المبادرة والتبكير إلى الصف الأول، والتهجير، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، والمكوث في المسجد بعد انتهاء الصلاة قليلًا أو ما تيسر فأنت في صلاةٍ، ولا تزال الملائكة تقول: "اللهم ارحمه، اللهم اغفر له" حتى تُحدِث أو تُؤذي.

إذَن فهذه الملائكة سبعون ألفًا يصلون عليه حتى يصبح إذا عاده عَشِيَّةً، وإذا عاده غُدْوَةً صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، هذا فضلٌ عظيمٌ، وكان له خريفٌ في الجنة.

تدرون ما هو الخريف؟ بستانٌ عظيمٌ ليس مثل بستان الدنيا، بستان عظيم في الجنة، قال : عائدُ المريض في خِرافة الجنة حتى يرجع[42]رواه مسلم: 2568.، يعني ذلك أنك تُثاب على ذلك بخِرافة الجنة، بساتين في الجنة.

لو علم الإنسان أنه إذا زار مريضًا يُعطَى بستانًا فيه من أنواع الثمار في الدنيا -الله أكبر!- لرأيته يسأل: "هل أحدٌ مريضٌ في هذه الحارة أو في هذه القرية؟"؛ يريد بستانًا في الدنيا، لكن في الآخرة يُفرِّط فيه! لا تفرط فيه، عليك أن تغتنم هذا الفضل العظيم الذي بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

الإيمان الكامل في حب الخير للغير

وهذه الحقوق التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام، تَدخُلُ كلُّها في قوله عليه الصلاة والسلام: لا يؤمنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه[43]رواه البخاري: 13، ومسلم: 45.، لا يؤمن والله، لا يؤمن الإيمان الكامل حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

والله لو أحب الناس لإخوانهم المسلمين ما يحبون لأنفسهم؛ لم تجد اثنين عند المحكمة يتطالبان، ولا عند الشرطة، ولا عند الحقوق المدنية؛ لأنه يعتبره كنفسه، فكيف يخاصم نفسه؟ يتنازل، يرحم أخاه مثلما يرحم نفسه. وهذا يدل على أنه كذلك يكره لأخيه ما يكره لنفسه، هل وُجد هذا؟ نسأل الله أن يُوجَد عند المؤمنين!

فإذا قلَّت الشحناء بين الناس، وقلَّت المخاصمات عند الشُّرَط وعند الدوائر الحكومية والمطالبات والحقوق والقضاة؛ دلَّ ذلك... لأن هناك خصمًا واحدًا كاذب، أحدهما يعلم أنه كاذب. ما يوجد -في الغالب- اثنان يتخاصمان إلا وأحدهما كاذب أو مخطئ، وهو يعرف نفسه في الغالب، فلو كان يحب لأخيه ما يحب لنفسه ما عمل هذا العمل.

النهي عن الحسد والنَّجْش والعداوة

كذلك من الحقوق التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام ما جاء في قوله : لا تَحَاسَدُوا الحسد، ولا تَنَاجَشُوا[44]رواه البخاري: 6066، ومسلم: 2564.، النَّجْش: الزيادة في السلعة وهو لا يريد شراءها؛ يذهب إلى السوق فيجد إنسانًا يشتري سيارة مثلًا، من يشتري السيارة؟ من يشتري السيارة؟ فيقول بعض الناس: "خمسين ألفًا"، فيجيء ويعرف صاحب السيارة، فيريد أن يقول: "واحدًا وخمسين"، ما يريد الشراء، يريد أن يرفع ويريد أن يَضُرَّ المشتري، فيأتي إنسانٌ مسكينٌ آخرُ فيقول: "اثنين وخمسين"، فيقول: "خمسة وخمسين"، يريد أن... وهذا الإنسان قد يبيع على هذا، لكنه يريد أن يَضُرَّه. هذا نَجْشٌ في البيع، هذا محرم، إما لقصد ضرر المشتري أو لقصد نفع البائع، قد يكون من أجل أن ينفع البائع فيأتي وينقص في السلعة، لا، لا تَزِد في السلعة وأنت لا تريد شراءها مطلقًا؛ لأن هذا هو من حقوق المسلم.

ولا يَبِعْ بعضُكم على بَيْعِ بعضٍ[45]رواه البخاري: 6066، ومسلم: 2564.؛ معنى البيع على بيع أخيك: كأن يكون عندك سيارة وعند جارك سيارة، فيأتي إنسانٌ ويريد أن يشتري هذه السيارة من عند هذا الإنسان، فيقول له: "بكم؟"، فيقول: "أربعين ألفًا" أو "عشرين ألفًا"، فتقول له: "عندي لك مثلها بأقل" أو "عندي لك أحسن منها بمثل هذا الثمن". هذا البيع على البيع: ما يصلح.

ولا تشترِ على شرائه؛ كأن يَسُومَ الإنسان السلعة، فأنت تزيد فيها لتشتري، يقول: "بكم السيارة؟"، قال: "أراد أن يبيعها"، يقول: "لا، أنا عندي لك أكثر فيها". السيارة يريد أن يبيعها بأربعين لفلان من الناس، وقد يكون مال إلى الموافقة، فيقول: "لا، عندي لك أكثر، أعطيك واحدًا وأربعين". إلا إذا كانت المزايدة قائمة: "من يزيد؟ من يزيد؟"، هذا لا بأس أن تزيد فيه، لكن إذا مال ووافق: لا، لا يجوز لك. رأيتَه باع: انتهى، تقول له: "عندي لك زيادة مئة أو زيادة"، لا، ما يصلح؛ أنت اشتريت على شراء أخيك، فقد هضمته حقَّه.

قال : لا تَحَاسَدُوا ولا تَنَاجَشُوا ولا تَبَاغَضُوا ولا تَدَابَرُوا[46]رواه البخاري: 6066، ومسلم: 2564.، المُدابرة: الغِيبة، تتكلم في عرضه وهو غائب. ولا تَدَابَرُوا في الدُّبُر، أمرٌ من النبي عليه الصلاة والسلام: المسلم أخو المسلم، لا يَظْلِمُه ولا يَخْذُلُه ولا يَحْقِرُه، التقوى ها هنا ويُشير إلى صدره ثلاث مرات، بحَسْبِ امرئٍ من الشرِّ أن يَحْقِرَ أخاه المسلم يكفيه من الشر احتقار أخيه المسلم، كل المسلم على المسلم حرامٌ؛ دمُه، ومالُه، وعِرْضُه[47]رواه مسلم: 2564.. حرامٌ عليك مالُه، أن تأخذ ماله عن طريق السرقة أو عن طريق الغش أو عن طريق التدليس أو عن أي طريق. وعِرضُه الغِيبة؛ لا تَغْتَبْه. ودمُه كذلك؛ فعليك أن تعلم أن هذا من الحقوق التي لأخيك عليك.

خير المسلمين من سلم الناس من لسانه ويده

كذلك يُبَيِّن صلوات الله وسلامه عليه: أن الإنسان ينبغي له أن يعلم أن أفضل الناس وخير المسلمين مَن سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لرجلٍ قال: يا رسول الله، أيُّ الإسلام أفضل؟ قال : مَن سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده[48]رواه البخاري: 11، ومسلم: 42..

فإذا سلم المسلمون من لسانك ويدك فاعلم أنك خير الناس، وهل هناك أحد سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده: لا غِيبة ولا نميمة ولا كذب ولا أي عمل؟ هل هناك أحد؟ نسأل الله ذلك، أنت اسأل نفسك: إذا سلم المسلمون من لسانك ويدك؛ فهذه غنيمة عظيمة.

فضل السلام والمصافحة

وكذلك يحثُّ النبي عليه الصلاة والسلام على الحقوق، ويُبَيِّن فضلها عليه الصلاة والسلام كما تَقَدَّم في فضل السلام وفضل المصافحة؛ لأنها تُزيل الشحناء وتُقَرِّب القلوب إلى بعضها. فبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه: ما من مُسْلِمَيْن يلتقيان فيتصافحان؛ إلا غُفِرَ لهما قبل أن يفترقا[49]رواه أبو داود: 5212، والترمذي: 2727، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2718..

إن لقيتَ أخاك فصافِحْه، وهذه المصافحة سنة، البعض يُسَلِّم: "السلام عليكم"، يكفي؟ لا، المصافحة سنة، لكن بمجرد المصافحة يغفر الله لك ولأخيك قبل التفرق. بعض الناس إذا صافح يقول: "اللهم اغفر لي ولأخي"، هذه لا أعلم عن النبي عليه الصلاة والسلام فيها شيئًا مشروعًا وأنه يقول: "اللهم اغفر لي ولأخي"؛ المغفرة حاصلة إن شاء الله بدون الدعاء، بحيث إذا قابلتَه وصافحته حصلت المغفرة قبل التفرق. وهذا من فضل الله على عباده، لكن بالنية؛ جاء في الحديث الآخر: أن المسلمَين إذا التقيا فتصافحا تحاتَّتْ ذنوبُهما كما يتحاتُّ وَرَقُ الشجر، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[50]رواه البزار في "مسنده": 8335، والبيهقي في "شعب الإيمان": 8544، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2721..

ذُكر هذا الحديث عند سماحة شيخنا الإمام عبدالعزيز ابن باز رحمة الله عليه، فقال بأنه ثابت، وبعد الدرس العلمي صار بعض الطلاب عند سماحة الشيخ يُسَلِّم: "السلام عليكم ورحمة الله"، يريدون الفضل والثواب، يُطَبِّقُون السنة.

فأنت إذا سمعت هذا الكلام... المصافحة سنة، خيرٌ من المُعَانَقَة إذا كنتَ في البلد؛ لأن المُعَانَقَة للقادم من سفر، أما أن تقابله فتعانقه اليوم، ويجيء غدًا فتعانقه، فهذه ليست من السنة، وإنما السنة كما قال أنس : كان أصحاب النبي إذا تلاقَوا تصافَحُوا، وإذا قَدِمُوا من سَفَرٍ تَعَانَقُوا.

فالمعانقة -وضعُ العُنُق على العُنُق- عند القدوم من السفر، والمصافحة المعروفة هذه سنة؛ فعليك أن تغتنمها حتى تستفيد مما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

إفشاء السلام طريق إلى الجنة

ومن هذا: قوله عليه الصلاة والسلام: لا تدخلون الجنةَ حتى تُؤمنوا، ولا تُؤمنوا حتى تَحَابُّوا، أوَلَا أدُلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تَحَابَبْتُم؟ أفشُوا السلام بينكم[51]رواه مسلم: 54..

والسلام هو من أسباب دخول الجنة، ومن أسباب دخول الغُرَف في أعلى جنات النعيم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ أهل الجنة لَيَتَرَاءَوْنَ أهلَ الغُرَف من فوقهم كما تَتَرَاءَوْنَ الكوكبَ الدُّرِّيَّ الغابرَ من الأُفُق من المشرق أو المغرب؛ لِتَفَاضُلِ ما بينهم. قيل: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يَبْلُغُها غيرُهم. فقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: بلى والذي نفسي بيده، رجالٌ آمنوا بالله وصَدَّقُوا المرسلين[52]سبق تخريجه..

وبيَّن أعمالهم عليه الصلاة والسلام، فبيَّن أن من أعمالهم إفشاء السلام وإطعام الطعام وإلانة الكلام[53]رواه أحمد: 22905، وابن خزيمة في "صحيحه": 2137، والطبراني في "المعجم الكبير": 3466، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب … Continue reading. إلانة: تعني الخُلُق والكلام الطيب. إذَن من أسباب دخول الجنة هو إفشاء السلام بين المؤمنين؛ فعليك يا عبدالله أن تغتنم هذا الفضل العظيم الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام في حق أخيك المسلم.

ثلاثٌ من جمعهن فقد جمع الإيمان

ولهذا قال عمار : "ثلاثٌ مَن جَمَعَهُنَّ فقد جَمَعَ الإيمانَ":

  • "الإنصافُ من نفسك...". أنصِفْ من نفسك، مع أخيك، ومع جارك، ومع أقربائك، ومع الناس، ومع الكفار، حتى مع الكفار أنصِفْ من نفسك.
  • "الإنصاف من نفسك، والإنفاق من الإقتار..."، يعني لا تكن بخيلًا، لا تكن مُقَتِّرًا. الإقتار: الذي هو القبض على المال؛ ولهذا بعض الناس جَمُوع مَنُوع، يجمع الأموال ويمنع إنفاقها. معنى الإنفاق: الإنفاق على الأهل، والإنفاق على الفقراء والمساكين، والقيام بالواجب (الزكاة)، وإكرام الضيف، وإكرام الجار، وغير ذلك من الحقوق التي تجب عليه.
  • "والإنفاق من الإقتار، وبذل السلام للعالم".

هذه ثلاثٌ مَن جمعهنَّ فقد جمع الإيمان، تُنْصِف من نفسك مع كل إنسان، أي تُعطي حقَّ كل إنسان، لا تستأثر عليه بحق، وإنما تُنْصِف؛ فبهذا تحصل على الثواب الذي بيَّنه هذا الصحابي الجليل .

حقوق الجار في الإسلام

ومن الحقوق العظيمة التي هي أعظم من حق المسلم على المسلم: المسلم القريب أو الجار لك، له حقوق عظيمة، خاصةً إذا كان مسلمًا؛ أي: للمسلم ثلاثة حقوق إذا كان قريبًا وجارًا: حق الإسلام، وحق القرابة، وحق الجوار. أما إذا كان بعيدًا -ليس من أرحامك- وهو جارٌ لك فله حقان: حق الإسلام، وحق الجوار. أما إذا كان كافرًا يهوديًّا أو نصرانيًّا مستأمَنًا؛ فله حق واحد: حق الجوار.

حتى اليهودي له حق، وزيارته لو مرض لا بأس بها، تزوره لكن بشرط أن تدعوَه إلى الله؛ ولهذا زار النبي عليه الصلاة والسلام غلامًا يهوديًّا كان يَخْدُمُه، زاره عليه الصلاة والسلام في مرض موته، فأثَّرت هذه الزيارة في هذا الغلام، زاره ودعاه إلى الإسلام عليه الصلاة والسلام، فنظر الولد إلى أبيه ينظر ماذا عند أبيه، وأبوه يهودي، فتأثر هذا اليهودي وقال: أطِعْ أبا القاسم. فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فمات، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار[54]رواه البخاري: 1356..

لو كان لك جار: يهودي، نصراني، أو من الكفار، قد يُبتلَى الإنسان، قد يقال: كيف يكون جاري غير مسلم؟ بعض الناس يأتي له بعامل وهو لا يجوز له، هناك فتوى من سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمة الله عليه بأنه لا يجوز لمسلمٍ أن يستقدم كافرًا، ما يجوز لك مطلقًا، لا سائقًا ولا راعيًا ولا خادمًا ولا غيره، لا يجوز لك أن تستقدم الكافر. هذا للدولة، إن احتاجت الدولة إلى استقدام الكافر في أوقات محددة معينة على حسب حاجتها، أما أنت فلا تستقدم الكافر مطلقًا، لا يجوز لك.

ولهذا؛ نَبِّهوا إخوانكم، أيُّ إنسانٍ عنده سائق أو خادم أو أي إنسان: لا يتعامل معه ولا يستقدمه، عليه أن يُسَفِّره فورًا ويُبعِده من البلاد إلى بلاده، بدون ظلم، ويعطيه حقوقه. بعض الناس يظلم الكافر، يقول: "لا، هذا كافر، ننقص من راتبه ونُسَفِّره ونظلمه". لا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: من قتلَ مُعاهَدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجنة، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[55]رواه البخاري: 3166.. له حق: أعطِه حقَّه، وادعُه إلى الإسلام، وسَفِّرْه.

تعظيم حق الجار في السنة

كذلك بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن جبريل شدَّد في حق الجار، فقال : ما زال جبريل يُوصِيني بالجار حتى ظننتُ أنه سَيُوَرِّثُه[56]رواه البخاري: 6015، ومسلم: 2625.، يجعله مع الأولاد يرث. حينما أكثر من ذكر الجار ظنَّ النبي أن جبريل سيجعله يرث مع الأولاد ومع الزوجة، لكن لم يحصل ذلك. وهذا يدل على عناية النبي عليه الصلاة والسلام، وعناية جبريل، وعناية الإسلام بالجار وأن له حقًّا.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر...، الكلام عن الجار لأنه مسلم، له حق عليك مع حق الإسلام، له حق بالجوار كذلك: من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فلْيُكْرِمْ جارَه[57]رواه البخاري: 6019، ومسلم: 47.. ومن كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فلا يُؤذِي جارَه[58]رواه البخاري: 5185، ومسلم: 47.. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فَلْيَقُلْ خيرًا أو لِيَصْمُتْ[59]رواه البخاري: 6019، ومسلم: 47.. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: واللهِ لا يُؤمِن، واللهِ لا يُؤمِن، واللهِ لا يُؤمِن، قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جارُه بَوَايِقَه[60]رواه البخاري: 6016، ومسلم: 46..

إذا خفتَ منه لأن عنده بوائق وعنده ظلمًا فهو لا يؤمن؛ ولهذا ينبغي للمسلم أن يبتعد عن أذى الجار؛ لأن أذى الجار من أسباب دخول جهنم؛ ولهذا يُقال: إن امرأة كانت تصوم النهار وتصلي الليل، فقيل: إنها من أهل النار؛ لأنها كانت تؤذي جيرانها بلسانها[61]رواه أحمد: 9675، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2560..

فعليك يا عبدالله ألا تؤذي جارك، لا بلسانك ولا... حتى حثَّ النبي عليه الصلاة والسلام على إكرام الجار ولو بشيء يسير، قال : يا أبا ذَرٍّ، إذا طبختَ مَرَقَةً فأكثِر ماءَها، وتعاهَدْ جيرانك[62]رواه مسلم: 2625.، إذا كانوا بحاجة. أما إذا كانوا ليسوا في حاجة، فلا تُعطِه المرق، إذا كان بحاجة: فقراء يحتاجون إلى العناية؛ فأكثر المرق وأعطِهم، لكن على حسب الحال. أما إذا كان عندك قدرة على أن تكرمه أكثر من ذلك... ولهذا قال : يا نساءَ المسلمات، لا تَحْقِرَنَّ جارةٌ لجارتها ولو فِرْسِنَ شاةٍ[63]رواه البخاري: 6017، ومسلم: 1030.. تعرفون فِرْسِنَ الشاة؟ ولو حافر شاة، ظِلف شاة؛ هذا من باب الهدية ومن باب العطية، ولو شيء يسير. فعليك يا عبدالله أن تعتنيَ بجارك.

وقال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: لا يَدْخُلُ الجنةَ مَن لا يأمنُ جارُه بوائقَه[64]سبق تخريجه.. ما يدخل الجنة -نسأل الله العافية- هذا خطر عظيم.

ولهذا بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه في حديثٍ آخر لمن قال: أيُّ الذنب عند الله أكبر؟ قال : أن تجعلَ لله نِدًّا وهو خلقك، أعظم الذنوب أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك، الشرك بالله. قال: قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشيةَ أن يَطْعَمَ معك، هذا في الجاهلية. قلت: ثم أيٌّ؟ قال: أن تُزَانِيَ بحليلةِ جارِك[65]رواه البخاري: 4761، ومسلم: 86..

هذا من أعظم الذنوب بعد الشرك بالله، الزنا حرام، حرَّمه الله ورسوله؛ ولهذا جاء في الحديث: ما تقولون في الزنا؟. الصحابة  قالوا: حرامٌ؛ حرَّمه الله ورسوله، فهو حرامٌ إلى يوم القيامة. قال : لَأَنْ يزنيَ الرجلُ بعَشَرَةِ نسوةٍ أيسرُ عليه من أن يزنيَ بامرأةِ جارِه، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[66]رواه البزار: 2115، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2404..

نعوذ بالله! هذا لا يدل على حِلِّ الزنا، يدل على أن الذنب عظيم، ذنب مضاعف؛ ولهذا ينبغي للمسلم أن يقوم بحقوق جاره، الحقوق كلها؛ حتى يُرضِيَ اللهَ ويَرضى اللهُ عنه. وإذا لم يقم بها فهو يخشى من سخط الله، أو أن يهجم عليه الموت بغتةً فيخسر في الدنيا والآخرة.

ولهذا؛ الحقوق كثيرة، لكن يجمع الحقوقَ ما بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام بقوله: لا يؤمنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه[67]رواه البخاري: 13، ومسلم: 45.. والحقوق كثيرة لو تكلم عنها الإنسان؛ منها: إبرار القسم[68]رواه البخاري: 1239، ومسلم: 2066.، وغير ذلك. إذا حلف عليك، قال: "والله لتأكل عندي" أو كذا؛ فمن حقه عليك أن تَبَرَّ قَسَمَه، لا تَرُدَّ هذا الإنسان، بل أَبِرَّ قَسَمَه ما لم يكن عندك مانع من الموانع التي لا تستطيع معها ذلك. وغير ذلك من الحقوق التي يجب على المسلم أن يعتنيَ بها.

وننتقل إلى الأسئلة لاتساع الموضوع؛ لأن الحقوق كثيرةٌ كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.

أكتفي بما سمعتم، وأسأل الله لي ولكم التوفيق والعلم النافع والعمل الصالح والقَبول؛ إنه على كل شيءٍ قدير.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الأسئلة

هنا مجموعة من الأسئلة، نبدأ بها:

س: يقول: أنا أذهب إلى الخليج، وبعد ذلك تحضرني.....

ج: إذا كنت مسافرًا فَلَكَ أن تُصلِّيَ صلاة الظهر مع العصر قصرًا وجمعًا كذلك، أما إن لم تكن مسافرًا واتصلَ البنيان، من "طريب" إلى "خميس مشيط"، واتصل البنيان ولا يكون هناك سفر، أو يكون في العرف عند الناس بحيث لو سُئل عنك: أين ذهب فلان؟ قال: ذهب إلى "خميس"، يأتي بعد ساعة، هل يُقال: مسافر، أو لا يقال؟ لا، ما يُقال له مسافر، "مسافر" أي في العرف عند الناس أنه مسافر، أين ذهب فلان؟ والسفر هو الذي يأخذ الإنسان معه الطعام والشراب ويستعدُّ لذلك، أو السفر الذي يُطلَق عليه سفر عند الناس.

عملك هذا الظاهر أنه لا يجوز؛ لأنك لا تُعَدُّ مسافرًا من هذا المكان إلى "خميس مشيط"؛ لأن هذا عند الناس لو سألت: أين ذهب فلان؟ هل يقول: سافَرَ حفظه الله إلى "خميس مشيط"، أم يقول: ذهب إلى "الخميس" ويأتي -إن شاء الله- بعد نصف ساعة أو بعد ساعة؟ في العرف أن هذا ليس بسفر؛ فلا يجوز لك على هذا، وعليك التوبة، تتوب إلى الله، وتستغفر لذنبك.

س: ما حكم من صلى صلاة العصر قصرًا بعد أداء صلاة الجمعة؟

ج: هذا لا يجوز كما ذكر أهل العلم؛ لأن صلاة الجمعة ليست صلاة ظهر، وإنما هي صلاةٌ مستقلةٌ، هي خامسةُ يومها، الصلاة الخامسة في يوم الجمعة صلاة الجمعة وليست صلاة الظهر؛ ولهذا ذكر أهل العلم أنه لا يجوز له أن يصلي العصر بعد الجمعة قصرًا. وإنما إذا صلى الجمعة مع الناس: إذا جاء وقت صلاة العصر يصليها.

س: ما حكم سجود السهو مع الإمام وأنا ما زلتُ واقفًا عندي ركعة في الصلاة؟

ج: إذا سجد الإمام بعد الصلاة، بعد السلام أو قبل السلام، الخلاصة أن الإمام إذا سجد تسجد معه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال إنما جُعل الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به[69]رواه البخاري: 734، ومسلم: 417.، فتسجد معه للسهو، ثم تقوم تكمِّل صلاتك.

س: هل يجوز المسح على .....؟

ج: إذا كانت تستر الكعبين وثابتةً بنفسها وقد لُبست على طهارة؛ فيجوز لك المسح عليها. إذا لُبست على طهارة، وهي ثابتة تثبت بنفسها ولا تخلعها: تصلي بها. أما إذا كنت تمسح عليها وتخلعها؛ فهذا الصحيح أنه لا يصلح، تمسح عليها ثلاثة أيام بلياليها للمسافر، وللمقيم يومًا بليلة.

س: إذا خرج مني ريح بعد أن أتوضأ وضوءًا تامًّا بالاستنجاء، هل أجدده؟ وما معنى التجديد؟

ج: إذا خرج من الإنسان ناقضٌ من نواقض الوضوء، فهو إن كان الخارج من السبيلين رَطْبًا كالبول أو الغائط: هذا يستنجي منه. أما إذا أكل لحم جمل -جَزُور- ثم ذهب يتوضأ: هل يستنجي الإنسان؟ ما يستنجي منه، يتوضأ وضوءًا، يبدأ بقول: "بسم الله"، ويغسل يديه، ويتمضمض ويستنشق. لو أمسك فَرْجَه، أفضى بيده إلى فرجه بدون حائل: لا يستنجي، وإنما يتوضأ؛ حصل النقض في الوضوء، لكنه لا يستنجي.

أما الريح كذلك، لو خرجت ريحٌ لا يستنجي منها، انتقض الوضوء، ولا يقبل الله صلاته لو صلى حتى يتوضأ، لكنه لا يستنجي. الاستنجاء يكون من الخارج من البول أو الغائط.

وليس بشرطٍ أن يكون الاستنجاء مع الوضوء، لا، قد تقضي حاجتك الساعة السابعة صباحًا، ولم تكن من أصحاب صلاة الضحى، فقضيت حاجتك ثم استنجيت ثم لم تتوضأ، وجاءت صلاة الظهر؛ ماذا تعمل؟ تستنجي مرة؟ لا، تتوضأ؛ لأنك على استنجاء.

س: ماذا يفعل المصلي إذا أتاه الشيطان في الصلاة، أو جاءه الشيطان وهو يتوضأ؟

ج: يستعيذ بالله من الشيطان، ويتفُل عن يساره إذا كان في الصلاة، يتفُل عن يساره إن لم يكن بجانبه أحد، أما كونه يتفُل عن يساره وعن يساره أحد: لا. ويقول: "أعوذ بالله من الشيطان"، يستعيذ بالله من الشيطان.

س: سائل يقول: متى .....؟

ج: في الوضوء وفي الصلاة، في الوضوء تقول: "أعوذ بالله من الشيطان"، ولا تزيد على ثلاث، تتوضأ ثلاثًا ثلاثًا ولا تزيد؛ لأن من زاد على الثالثة فقد أساء وتعدَّى وظلم.

س: سائل يقول: لقد ورثت عن والدي مبلغًا من المال .....؟

ج: ما شاء الله، ما شاء الله! هذا يحاول -جزاه الله خيرًا- أن يهدم ركنًا من أركان الإسلام! نعوذ بالله؛ نسأل الله العافية. ما يصلح هذا العمل للمسلم، يُخشى أن بعض المسلمين لا يُزَكِّي أمواله على هذه الطريقة، ويُخشى أن بعض المسلمين يترك الزكاة ويقول: "هذه زكاة" وفي الأعياد يُعطيها أرحامه الأغنياء، يقول: "هذه هدايا"، ما شاء الله، حتى يقولوا: "هذا رجل كريم". وهي زكاة، وهم أغنياء! أما لو كانوا فقراء ولا تَعُولهم فلا بأس أن تُعطيهم من الزكاة، وليس بشرطٍ أن تُخبرهم إذا كانوا فقراء؛ تقصد وجه الله، ابتغاء مرضاته سبحانه، لكن إذا كانوا أغنياء: لا يجوز.

فعليك يا عبدالله أن تُؤَدِّيَ الزكاة جميعها، من وقت ما ورثت هذا المال إذا بلغ النصاب، إذا بلغ ستةً وخمسين ريالًا عربيًّا فعليك أن تُزَكِّي في كل مئةٍ ريالين ونصفًا، وفي كل ألفٍ خمسةً وعشرين ريالًا، وفي كلِّ عَشَرَةِ آلافٍ مئتين وخمسين، وفي كل مئةِ ألفٍ ألفَيْن وخَمْسَمئةً، وهكذا، تعطي رُبع العُشْر من هذا المال، ولا تهدمه. أما كونك تتصدق في رمضان، تَصَدَّقْ نفلًا جزاك الله خيرًا، لكن لا بد أن تنويَ الزكاة على الفقراء أو المساكين.

س: .....

ج: لا، إذا كان المال... فلا، ليس فيه زكاة. لو كان عندك عَشَرة ملايين تجعلها في سبيل الله لبناء المساجد والنفقة على الفقراء والمساكين وإصلاح -يعني- ذات البين، ما تريد أن تأكلها ولا تشرب منها، وإنما هي في سبيل الله؛ فلا زكاة؛ لأنها هي أصلًا زكاة، هي أصلًا في طاعة الله وفي سبيل الله.

س: سائل يقول: هل .....؟

ج: أما إذا كانوا إخوانك، فلا تُنْفِق عليهم. مستقلون، لا تلزمك نفقتهم شرعًا، فتعطيهم من الزكاة بشرط أن يكونوا فقراء ما عندهم شيء، أما إذا كانوا أغنياء فلا. وإن كنت تصرف عليهم في بيتك، ملزمًا بنفقتهم في بيتك، فلا، لا تُعطِهم.

والأقرباء يجوز أن تعطيهم من الزكاة إن لم يكونوا الأصل أو الفرع، فلو كان أبوك أو جدك أو جد جدك أو أمك أو جدتك أو جدة جدتك أو ابنك أو بنتك أو ابن بنتك أو بنت بنتك وهكذا؛ فلا يجوز الفرع والأصل؛ لأن هذا تلزمك نفقته إذا كان فقيرًا.

أما الحواشي، يعني الأعمام والعمات والأخوال والخالات وأبناء الأعمام وأبناء العمات، إذا كانوا فقراء ولا تلزمك نفقتهم بحيث كنت تنفق عليهم؛ فتُعطيهم من الزكاة إذا كانوا من أهلها.

س: سؤال في الطهارة، يقول: هل هناك ..... الملائكة في انتظاره؟

ج: يُرجى له إن شاء الله؛ لأنه رجع. هذا ينطبق على الإنسان الذي يبقى في المسجد عبادةً، سواء توضأ ثم عاد... لكنها تتوقف إذا أحدث أو آذى: ما لم يُحدِث ما لم يُؤذِ[70]رواه البخاري: 2119، ومسلم: 649.، فإذا أحدث توقف، أو آذى يعني يتكلم بكلام فيه غِيبة أو نميمة أو تكلم مع الناس في شيء فيه أذًى؛ توقف.

س: سائل يقول: .....؟

ج: ليس عليك شيء؛ لأن المتطوع أمير نفسه[71]رواه الترمذي: 732، وأحمد: 26893، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 3854.؛ لو صُمْتَ الاثنين وجاء الضحى وتعبت وأردت أن تُفطِر فلا بأس، صُمْتَ الخميس فلا بأس أن تُفطِر. لكن المؤمن يَرْغَب في الخير، إذا رغب في الخير ما يُفطِر، هذا تطوع، وإن قضى مكانه يومًا يكون أفضل له.

س: ما حكم من تكلم في .....؟

ج: هذا تكلم فيهم، لا يجوز أن يتكلم في الناس العاديين، فكيف إذا تكلم في الناس الذين يَدْعون إلى الله ؟! هذا أعظم من غِيبة الإنسان العادي؛ لأنه جمع بين الإثمين: جمع بين الغِيبة وبين تنفير الناس من هذا الداعي أو من هذا المعلم للناس الخير؛ فلا يجوز.

لهذا؛ هذا إثمه أعظم من الغِيبة؛ فعليه أن يتوب إلى الله ويستغفر ربه.

والعلماء وطلاب العلم لحومهم مسمومة؛ لهذا ذكر ابن عساكر رحمة الله عليه قول: إن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في... منتقصيهم معلومة، ومن أطلق لسانه في ثلب العلماء ابتلاه الله بموت القلب قبل أن يموت. أو كما قال رحمه الله تعالى[72]ينظر "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر: ص29.. فعليه أن يتوب إلى الله.

س: .....

ج: هذا اجتماعٌ مبارك، عمل خير، عملٌ طيب، عملٌ مبارك، تَحُفُّهم الملائكة، وتغشاهم الرحمة، ويَذكرهم الله فيمن عنده؛ فعليهم أن يزيدوا من هذا، وعليهم أن يعلموا أن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أن الله يقول في نهاية هذه الحلقة التي يتحلَّقونها ابتغاء مرضاة الله ويتدارسونها في ذات الله، يقول سبحانه للملائكة: قد غفرتُ لهم، فيقول بعض الملائكة: ربِّ، فيهم فلانٌ، عبدٌ خطَّاءٌ إنما مرَّ فجلس معهم؟. فيقول الله: وله غفرتُ، هم القوم لا يشقى بهم جليسُهم[73]رواه مسلم: 2689.. هذا فضلٌ عظيم.

وكل إنسان يذهب إلى هذه الحلقة في طريقه هذا يذهب في طريقٍ من طرق الجنة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة[74]رواه مسلم: 2699.، ويُرجَى لهم قول النبي عليه الصلاة والسلام: مَن يُرِد اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدين[75]رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037..

هذا عمل مبارك، لكن التسمية "الجهد"، لماذا ما يكون للذكر حلقات ذكر؟ "الجهد" هذا يعني يلتزم الإنسان بالألفاظ الشرعية، حتى لا يكون قد جاء بكلمة مبتدعة، أو بكلمة تُزيل المحبة بين الإخوان، أو بكلمة مستغربة بينهم؛ ولهذا سمَّاها النبي عليه الصلاة والسلام مجالسَ الذكر، سمِّها "مجالس الذكر"، سمِّها "الحلقات العلمية"، سمِّها "الدرس"، سمِّها بأي تسمية من الأسماء الموجودة. أما "الجهد" هذا: ينبغي أن تبتعد عن شيء يؤذي إخوانك.

س: .....

ج: جماعة التبليغ قسمٌ من الناس يدعون إلى الله ، وأصل جماعة التبليغ كانت في الباكستان سابقًا، والخلاصة أن هؤلاء أناسٌ يَنفع اللهُ بهم الناسَ، وربما أَخرجوا الناس من الخمَّارات، ونَفَع الله بدعوتهم، وعندهم أسلوب عجيب في الدعوة إلى الله. لكن النقص الذي عندهم أنهم لا يعتنون بالعلم النافع ولا بالدراسة الشرعية ولا بالسنن، وربما يقعون في البدع.

فإذا كان هذا الإنسان يَخرج مع جماعة التبليغ، فينبغي له أن يكون طالب علم، إذا خرج معهم يكون طالب علم يوجههم إلى الخير ويرشدهم إليه، ويُعَلِّمهم التزام سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ويُبعِدهم عن الأشياء التي ربما قالوا: إنها واجبات من التي أوجب الله.

فالخلاصة أن جماعة التبليغ: الرأي الوسط فيهم هو كلام سماحة شيخنا الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمة الله عليه، وهو أنهم جماعة ينفع الله بتوجيههم ودعوتهم، ولكن الذي عنده علم يخرج معهم، والذي ما عنده علم يتعلم أولًا، يتعلم السنة ثم يخرج معهم، يتعلم التوحيد ثم يخرج معهم في الدعوة إلى الله ، ولكن لا يُقِرُّهم على باطل أو بدعة من أشياء معروفة؛ لأن طالب العلم إذا خرج معهم ربما يستفيد التواضع، ويستفيد توجيههم، إذا أرادوا أن يعملوا شيئًا يقول: يا إخوان، هذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، تريدون أن تعملوا شيئًا لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام؟ وهكذا.

فهذا الرأي السديد إن شاء الله فيهم: أنهم يُوجِّهون إلى الخير، ويُعلِّمون الخير، وهم لا يتعرَّضون للحكومة، ولا يتعرَّضون للأمور الأخرى؛ ولهذا الناس لا يتعرَّضون لهم في الغالب.

س: ما حكم من أقسم بالله ..... ويُرضي الله، ثم .....؟

ج: عليه كفارة يمين، وعليه التوبة. أولًا: عليه أن يتوب إلى الله؛ لأنه عاهد الله، هذا عاهده المعاهدة؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام من صفات المنافقين: أربعٌ مَن كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خَصْلَةٌ منهن كانت فيه خَصْلَةٌ من النفاق حتى يَدَعَها: إذا اؤتُمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ[76]رواه البخاري: 34، ومسلم: 58.. فهو عاهَدَ الله، هذه معاهدة مع الله: أنه ما يعود إلى هذه المعاصي، فغدر.

جاء في الحديث الآخر -وإن كان هذا في الكفار ومعاني الكفار، لكن يُخشى أن يدخل في هذا-: إنَّ الغادر يُنصَبُ له لواءٌ يوم القيامة، فيقال: هذه غَدْرَةُ فلان بن فلان[77]رواه البخاري: 6178، ومسلم: 1735.، هذه وإن قيلت في الغدر فيما بينه وبين الناس، لكن فيما بينه وبين الله هذا ينبغي له أن يُعَظِّمَه، ولا يعاهد الله ثم يُخفِر.

والغدر بالناس عظيم، وكذلك الغدر وعدم الوفاء بالعهد فيما بينه وبين الله، هذا الغادر الذي يعاهد الناس -سواءٌ كانوا من الكفار أو من المؤمنين- ثم يغدر، هذا يوم القيامة يُقام له لواءٌ عند اسْتِه[78]رواه مسلم: 1738.؛ عَلَمٌ. ذكر بعض أهل العلم -وهذا عندكم- أنهم كانوا في سابق الأزمان ينصبون السوداء لمن عمل كذا وكذا؛ حتى ينتبه الناس.

فهذا في الموقف العظيم في يوم القيامة، يُنصَب له لواءٌ عند استِه -نسأل الله العافية- ينظر الناس إليه حتى يُفضَح؛ نسأل الله العافية.

س: .....

ج: هذا غني، وعليه ما تُجزئك ما دمت تعطيه وتدري أنه غني؛ لأن الذي يُعطي الفِطْرة ويعطيها الأغنام، هذا ما شاء الله عنده أغنام أصلًا، ما هو فقير، فكأنك دفعت الزكاة إلى الأغنام، جعلت الأغنام فقراء!

ما ينبغي لك يا أخي أن تعمل هذا العمل. تَدفع الزكاة لأهلها، وبعض الناس يجمع الزكوات وهو لا يستحقها؛ هذا حرامٌ عليه، لا يجوز له.

والفقير الذي يستحق الزكاة هو الذي لا يجد ما يكفيه طعامه وطعام عياله وأكله وشربه، سواء ما يكفيه نصف سنة فيقال له: فقير، أو ما يكفيه السنة كاملة فيقال له: مسكين. هذا يُعطَى من الزكاة ما يكفيه لمدة عام واحد.

س: .....

ج: لا بأس ما دامت غَنَمًا، الغَنَم بالغَنَم ليست من الربا: أعطيته مئةً من الغنم بخمسين ألفًا، وجاء السنة ما حصل عنده شيء؛ تأخذ مئةً من الغنم أو مئتين أو مئةً أو خمسين لا بأس.

س: سائل يسأل، يقول: أعطيت رجلًا .....

ج: أولًا: يُسأل عن بيعك هذا الصابون، وإن كنتَ أقرضته قرضًا هذا يكون قرضًا، ولا تُكلِّفه أن يشتريَ لك صابونًا. أما إذا كان عقدًا من الأول، يقول: أنا أشتري منك خمسة وثمانين أو أربعين كرتونة صابون، فلا بد من التحديد بالأوصاف، بأن يكون الصابون من النوع الفلاني، ومن الوزن الفلاني، بالوزن، والنوع، يكون محددًا بجميع الصفات؛ فلا بأس.

س: .....

ج: يعني عقد في البداية؟ يقول: أنا أشتري منك خمسة وثمانين كرتونة، أليس كذلك؟ .....

أعطاه نقدًا؟ ..... هذا الذي يقول أنا، ما وصلنا إلى هذا، الآن ما وصلنا إلى هذا.

أنا أقول على أساس أُبَيِّن لكم بيع السَّلَم، هذا يُقال له "بيع السَّلَم"، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن أسلفَ في شيء؛ فَلْيُسلِف في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ[79]رواه البخاري: 2240، ومسلم: 1604..

لا يجوز هذا البيع إلا بشروط:

أولًا: أن يكون مُؤَجَّلًا.

ومنها: أن تَعرِف الصفة، تُحدِّدها، إذا أردت سيارة تقول: اشترِ لي سيارة مثلًا "داتسون"، لا بد أن تحدد ..... ولا بد أن تُحَدِّد هل هي غمارتان أو غير غمارتين؟ ولا بد أن تحدد القوة، تضبط الصفات كلها. أو مثلا صابون، تحدد اللون... لا، الأحسن أن تبيع، وهذا يُقال له "بيع السَّلَم"؛ يُسَلَّم الثمن مُقَدَّمًا والسلعة مؤخرًا، لكن لا تَبِعِ السلعة قبل أن تقبضها، لا بد أن تقبض السلعة. فالصابون الذي تبيعه في الرياض لا بد أن تتسلَّمه، فإذا تسلَّمته فبِعْ كيف شئت، أما أن تبيعه وأنت ما تسلَّمته ما يصلح.

س: أعطيته مبلغ خمسة آلاف ريال، واشترطت أن يُعيد هذا المبلغ بعد عامٍ سبعةَ آلاف ريال، فما حكم ذلك؟

ج: هذا لا يصلح، هذا ربا، أنت محارب لله ورسوله، أنت تحارب الله ورسوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:278]. الله نهى عن هذا العمل، وبيَّن أنهم يحاربون الله ورسوله، فهذا عملٌ قبيحٌ، محاربة لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام.

وهذا هو عين الربا الذي كان في الجاهلية ولو تأخذ ريالًا، لو تقول: "أنا أعطيك خمسة آلاف ريال على أن تُعطيني خمسة آلاف ريال وريالًا واحدًا زيادة"؛ فإنك تُصبح من المُرابين الذي قال فيهم الله : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275].

فعليك يا عبدالله أن تتوب من هذا العمل، إن كنت قد أقرضته خمسة آلاف فقل: "أعطني خمسة آلاف، وأنا تُبْتُ"، وإن كنت قد أخذتَها فعليك أن تتوب إلى الله ، وتردَّها عليه إن كان حيًّا أو تردَّ عليه الزائد، وإن كنت لا تعرفه فاجعلها في عملٍ ينفع المسلمين، ولا تجعلها في المساجد، اجعلها في طرقاتٍ أو في حمامات؛ لأنها مالٌ فاسد، وعليك التوبة إلى الله.

وقد جاء في الخبر -وإن كان فيه نظر، لكن بعض أهل العلم قال: إن له وجهًا-: دِرْهَمُ ربًا يأكله الرجل وهو يعلم أشدُّ من ستةٍ وثلاثينَ زنيةً[80]رواه أحمد: 21957، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1855.، وبيَّن أن: الربا ثلاثٌ وسبعون بابًا، أيسرُها مِثلُ أن ينكحَ الرجلُ أُمَّه[81]رواه عبدالرزاق في "المصنف": 16296، والطبراني في "الأوسط": 7151، والحاكم في "المستدرك": 2286، وصحَّحه الألباني في "صحيح … Continue reading. نسأل الله العافية، هذا خطر عظيم؛ فعلى الإنسان أن يَتَّقِيَ الله، ولا يتعامل بهذا العمل.

س: ما حكم من ..... مبلغًا من المال على أن يُعيده بعد عام، ولكن...؟

ج: الله ​​​​​​​ يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:278-279]، إن لم تَتُبْ يا فلان فاعلم أنك تحارب الله ورسوله، ومن حارب الله ورسوله هل يُغلَب أو لا يُغلَب؟ إذا حاربك الله ورسوله فأنت مهزومٌ في الدنيا والآخرة. نسأل الله العافية.

س: ماذا يفعل في هذه الحالة؟

ج: يتوب إلى الله، يأخذ الباقي عنده، يأخذ خمسة آلاف فقط مع التوبة، ويرد له الألفين، يقول لصاحبه الأول: خذ هذا، اعتبره قرضًا لله . يأخذ خمسة آلاف فقط.

س: يقول: أقرضتُ رجلًا مبلغًا من المال على أن يُعيده بعد عام، ولكن هذا الرجل ماطل سنوات عديدة..... هل يجوز أن أسامحه في هذا الدَّيْن؟

ج: جزاك الله خيرًا، عملٌ طيب، لو سامحتَه فالله يُعَوِّضك خيرًا في الدنيا والآخرة؛ بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن: نفس المؤمن مُعَلَّقَةٌ بدَيْنِه حتى يُقضَى عنه[82]رواه الترمذي: 1079، وابن ماجه: 2413، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1811.. وكان النبي عليه الصلاة والسلام لا يصلي -في أول الإسلام- على الذي عليه دَين: كان يُؤتَى بالرجل الميت عليه الدَّيْن، فيَسأل: هل ترك لدَيْنِه من قضاء؟ فإن حُدِّث أنه ترك وفاءً صلى عليه، وإلا قال: صلُّوا على صاحبكم...[83]رواه البخاري: 5371، ومسلم: 1619..

كان على رجلٍ ديناران أو كما جاء في الحديث، فامتنع النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة عليه، فقال رجل: الديناران عليَّ. فصلى عليه ، ثم سأله بعد ذلك بيوم: ما فعل الديناران؟، فقال: إنما مات أمس. يقول: يا رسول الله، هذا اليوم قريب، أنا لم ألتزم بها إلا قريبًا، أو كما قال. فعاد إليه من الغد، فقال: لقد قضيتُهما. فقال رسول الله : الآن بَرَّدَتْ عليه جِلدَه، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[84]رواه أحمد: 14536، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1812..

فإن سامحته فأسأل الله أن يُعَوِّضك في الدنيا والآخرة خيرًا، وإن لم تُسامِحْه بَلِّغْ ورثته، أو يعطيك الله منه يوم القيامة.

س: ما حكم شراء سيارة من البنك؟

ج: فيه تفصيل: إن كان الشراء من البنك كما تتعامل البنوك المعروفة الآن فهذا فيه فتوى، ما يجوز لي أتكلم فيه وأهل العلم قد أصدروا فيه فتوى؛ لأنه لا يجوز المعاملة مع البنوك الآن التي تتعامل بالربا.

أما إذا كان البنك يملك السيارات كبنك الراجحي، عنده السيارات موجودة، سياراته يملكها موجودة في حوشه، يملكها مِلكًا تامًّا؛ فلا بأس؛ تشتري منه إلى أَجَل، ولا تبِع عليه، تخرج بها وتبيعها في مكانٍ آخر.

أما ما تفعل البنوك الآن: ما عندهم سيارات، يقولون: "اذهب فاختر لك سيارة من المعرض، وتعالَ أعطنا ألف ريال حق أتعابنا وحق كتابتنا"، يريدون أن يُلزموك؛ فأهل العلم أفتَوا في ذلك، وفيه فتوى مكتوبة من الإفتاء في هذه المسألة.

س: شخصٌ كَفَلَ أحد الأشخاص، وتُوُفِّي هذا الكافل، وبعد وفاته ..... فهل يُلزَم أقاربه بالتسديد؟

ج: نعم، يُلزَم أقاربه بالتسديد؛ لأن الكفالة غير الضمان: الكفيل يُحضره عند الطلب، أما الضمان يُحْضِره ويكفله، كفيل ضمين، فإذا قال: "أنا أكفله، وأنا ألتزم بجميع ما عنده من المال"، فهذا يُلزَم بدفع المال عند المحكمة.

أما إذا كان كفيلًا؛ فعليه أن يُطالب الورثة بذلك، وهو -لا شك- نفسه مُعَلَّقَةٌ بدَينه كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام حتى يُقضَى عنه[85]رواه الترمذي: 1078، وابن ماجه: 2413، وأحمد: 10599، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 6779..

الخلاصة: أن صاحب الحق لا بد أن يأخذ حقه، وإلا يبقى في رقبة المستدين.

س: شخص يقول: لديه مشكلة، وهو أنه لا يتوقع شيئًا إلا ويحدث، فماذا يفعل؟ ..... يقول: لا أتوقع ما هو شر إلا ويقع، فماذا أفعل؟

ج: يُخشَى أن يكون عقوبةً لك لسوء ظنك بالله، عليك أن تُحسن ظنك بالله، أحسِن ظنك بالله، واعمل بالأسباب، واتق ربك ، وأحسن ظنك، ولا تتوقع الشر من ربك، ولا يأتي من الله شرٌّ سبحانه، ما يأتي منه إلا الخير، حتى لو حصل لك حادث، هذا في ظاهر الناس شرٌّ، لكن الله ما يأتي منه إلا الخير، قد يكون لك خيرٌ في الدنيا والآخرة من هذا الحادث.

فأنت عليك ألا تفكر في الأشياء، ولا تُسِيءَ ظنك بربك، أحسِن ظنك بربك، وثِق بالله ، واعلم أن الله إذا كتب شيئًا وقدَّر شيئًا فلا بد أن يحصل.

واسأل الله التوفيق، وعليك بأذكار الصباح والمساء، والدعاء بالتوفيق والسلامة، وعليك ألا تُسِيءَ ظنك بربك.

أنا أخشى أن تكون هذه عقوبةً لك لأنك تسيء الظن، ما دام أنك ذكرت أنك تتوقع أنك ترسب فترسب، وتتوقع أن يصير لك حادث فيصيبك حادث، وتتوقع أن تسقط من الطائرة فتسقط؛ -نسأل الله العافية- هذه عقوبة عاجلة؛ نسأل الله العافية.

س: أُعطيت مبلغًا من المال لأَجْل أن أُعطِيَه للفقراء والمساكين، ولكن صرفتُ ذلك المال كلَّه، فماذا أفعل؟

ج: ما شاء الله عليك! نسأل الله العافية، ظاهرك الصلاح وباطنك الخراب، نسأل الله العافية! يعطيك الناس الزكاة لتعطيها للفقراء والمساكين فتأكلها وتصرفها لك؟ نسأل الله العافية!

عليك أن تُبادِرَ من الآن، تأخذها وتدفعها إلى الفقراء والمساكين، وبعض الناس يَغُرُّ الناس بظاهره، ظاهرُه الصلاح ما شاء الله...

^1 رواه مسلم: 15.
^2 رواه البخاري: 3256، ومسلم: 2831.
^3 رواه الترمذي: 2307، والنسائي: 1824، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3333.
^4 لم نقف على نسبته. يُنظَر: "صيد الخاطر" لابن الجوزي: ص513.
^5, ^7 رواه ابن ماجه: 4259، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3335.
^6 رواه مسلم: 746.
^8 رواه الترمذي: 2320، وابن ماجه: 4110، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3240.
^9 رواه مسلم: 2957.
^10 رواه البخاري: 6427، ومسلم: 1052.
^11 رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.
^12 ينظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 10/ 189.
^13 البيتان للفُضَيل بن عِياض. يُنظَر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر: 48/ 451.
^14 رواه أحمد: 18614.
^15 رواه الطيالسي: 789.
^16 رواه البخاري: 2795، ومسلم: 1877.
^17 رواه البخاري: 2817، ومسلم: 1877.
^18 رواه أحمد: 8769 و18534، وصحَّحه محققو "المسند".
^19 رواه البخاري: 6507، ومسلم: 2684.
^20 رواه البخاري: 6446، ومسلم: 1051.
^21 رواه مسلم: 1054.
^22 رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 4278، والحاكم: 8158، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 627.
^23 رواه البخاري: 6952.
^24 رواه البخاري: 481، ومسلم: 2585.
^25 رواه البخاري: 6011، ومسلم: 2586.
^26, ^27, ^29, ^30, ^34, ^35 رواه مسلم: 2162.
^28 رواه أبو داود: 5195، والترمذي: 2689، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2710.
^31 رواه مسلم: 2162. وتسميتُ العاطس: أن يقول له "يرحمك الله"، بالسين والشين جميعًا. يُنظَر "مختار الصحاح" للرازي: ص153.
^32 رواه البخاري: 6226.
^33 رواه البخاري: 6224.
^36 رواه مسلم: 948.
^37 رواه البخاري: 1325، ومسلم: 945.
^38 رواه مسلم: 946.
^39 رواه البخاري: 1324، ومسلم: 945.
^40 رواه الترمذي: 969، وابن ماجه: 1442، وأحمد: 612، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3476.
^41 رواه البخاري: 445، ومسلم: 649.
^42 رواه مسلم: 2568.
^43, ^67 رواه البخاري: 13، ومسلم: 45.
^44, ^45, ^46 رواه البخاري: 6066، ومسلم: 2564.
^47 رواه مسلم: 2564.
^48 رواه البخاري: 11، ومسلم: 42.
^49 رواه أبو داود: 5212، والترمذي: 2727، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2718.
^50 رواه البزار في "مسنده": 8335، والبيهقي في "شعب الإيمان": 8544، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2721.
^51 رواه مسلم: 54.
^52, ^64 سبق تخريجه.
^53 رواه أحمد: 22905، وابن خزيمة في "صحيحه": 2137، والطبراني في "المعجم الكبير": 3466، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 617.
^54 رواه البخاري: 1356.
^55 رواه البخاري: 3166.
^56 رواه البخاري: 6015، ومسلم: 2625.
^57, ^59 رواه البخاري: 6019، ومسلم: 47.
^58 رواه البخاري: 5185، ومسلم: 47.
^60 رواه البخاري: 6016، ومسلم: 46.
^61 رواه أحمد: 9675، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2560.
^62 رواه مسلم: 2625.
^63 رواه البخاري: 6017، ومسلم: 1030.
^65 رواه البخاري: 4761، ومسلم: 86.
^66 رواه البزار: 2115، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2404.
^68 رواه البخاري: 1239، ومسلم: 2066.
^69 رواه البخاري: 734، ومسلم: 417.
^70 رواه البخاري: 2119، ومسلم: 649.
^71 رواه الترمذي: 732، وأحمد: 26893، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 3854.
^72 ينظر "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر: ص29.
^73 رواه مسلم: 2689.
^74 رواه مسلم: 2699.
^75 رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037.
^76 رواه البخاري: 34، ومسلم: 58.
^77 رواه البخاري: 6178، ومسلم: 1735.
^78 رواه مسلم: 1738.
^79 رواه البخاري: 2240، ومسلم: 1604.
^80 رواه أحمد: 21957، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1855.
^81 رواه عبدالرزاق في "المصنف": 16296، والطبراني في "الأوسط": 7151، والحاكم في "المستدرك": 2286، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1851.
^82 رواه الترمذي: 1079، وابن ماجه: 2413، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1811.
^83 رواه البخاري: 5371، ومسلم: 1619.
^84 رواه أحمد: 14536، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1812.
^85 رواه الترمذي: 1078، وابن ماجه: 2413، وأحمد: 10599، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 6779.