جدول المحتويات
نواصل معكم ختام هذه السلسلة التي نسأل الله أن يجعلها مباركةً، ويجعلها خالصةً لوجهه، سلسلة "أفلا يتدبَّرون القرآن"، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممَّن يتدبَّر القرآن ومِن أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.
في هذه الليلة، نحن مع فضيلة الشيخ الدكتور/ سعيد بن علي بن وهف القحطاني، حفظه الله وإياكم، يُلقي علينا محاضرةً بعنوان: "أثر القرآن على الأرواح والقلوب".
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح على فضيلته بما ينفع، وأن ينفعنا وإياكم.
ونسمع مع فضيلة الشيخ، بارك الله فيه وفيكم.
الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يَهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ [النساء:1].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًايُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70- 71].
فوائد حضور حلقات العلم
أما بعد:
أيها الإخوة، لا شكَّ أنَّ هذه السلسلة -أسأل الله الذي لا إله إلا هو، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلى، أن يجعلها سلسلةً مباركةً-؛ تُعَدّ في أعظم الكلام، وفي أعظم المواضيع، بل في أصل الدين كله؛ القرآن الكريم الذي أنزله الله ، وتكلَّم به سبحانه، وهو الدستور، وهو الهدى والنور، الذي ستسمعون صفاته.
ولا شكَّ أنَّ الإنسان يستفيد من هذه الكلمات والمُحاضرات والدروس فوائدَ، منها:
- أولًا: من هذه الفوائد: أنه إذا ذهب إلى هذه الكلمات أو المُحاضرات فهو في سبيل الله في طلب العلم.
- ثانيًا: النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن، في الحديث الذي رواه مسلمٌ، أنَّ مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا؛ سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة[1]رواه مسلم: 2699.، وأن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يفعل[2]رواه أبو داود: 3641، والترمذي: 3536، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 70.، هذه فائدةٌ ثانيةٌ.
- فائدةٌ ثالثة: وهو أنه إذا جلس في هذه المجالس ابتغاء مرضاة الله تعالى؛ فإنه ينصرف وقد غُفرت ذنوبه؛ لكلام الله في الحديث القدسي في "البخاري" -حديثٌ طويلٌ- من أن الملائكة يجتمعون ويبحثون عن حلقات العلم، وحلقات الذكر حتى إذا وجدوا بُغيتهم حفَّتهم، وفي نهاية الحديث يقول الله : أُشهدكم أني قد غفرتُ لهم. فيقول مَلَكٌ من الملائكة: يا ربِّ، فيهم فلانٌ ليس منهم، وإنما جاء لحاجةٍ. قال: وله غفرتُ، هم القوم لا يشقى بهم جليسُهم[3]رواه البخاري: 6408، ومسلم: 2689.. وهذا -والله أعلم- مُستثنًى من جميع الأعمال؛ حضور حلقات العلم، لو أتى إنسانٌ بغير نيةٍ، فالعلم عند الله؛ لظاهر هذا الحديث أنه مُستثنًى من النية، وأنه حتى لو حضر لحاجةٍ أو حضر لمُقابلة بعض الناس؛ أصابته البركة، بركة حلقات العلم؛ فغفر الله له.
- رابعًا: قال: وله غفرتُ، هم القوم لا يشقى بهم جليسُهم[4]سبق تخريجه.، هذا من فضل الله .
- خامسًا: من الفوائد كذلك: أن الإنسان إذا حضر هذه الحلقات فلا بُدَّ أن يستفيد، ولا بُدَّ أن يفقه؛ لأن الحضور من أسباب العلم، ولا أُحب أن أخرج عن موضوع الكلمة وموضوع المُحاضرة التي سمَّيتموها بهذا الاسم.
ولا شكَّ أنَّ القرآن الكريم هو الذي يؤثِّر على القلوب أعظم تأثيرٍ؛ فهو كلام الذي خلقها، والذي يعرف صحتها وسقمها، والذي يعرف سعادتها وشقاوتها؛ هو أعظم الكلام، هذا هو القرآن الكريم.
ما هو القرآن الكريم؟
القرآن الكريم كلام الله ، إذا سُئلت: ما هو القرآن الكريم؟ تقول: هو كلام الله؛ حروفه ومعانيه، مُنزَّلٌ غير مخلوقٍ، تكلَّم اللهُ به حقيقةً على الوجه اللائق به ، منه بدأ وإليه يعود؛ يعني: تكلَّم به. وفي آخر الزمان -على أحد التفسيرين- أنه يعود إلى الله حينما لا يُعمَل به؛ تصبح المصاحف ورقًا ليس فيه كتابةٌ، ليس فيه قرآنٌ؛ هذا أحد المعنيين: أنه يرجع إلى الله ، وينتقل ويتفلَّت من الصدور، ويرجع إلى الذي تكلَّم به .
صفات القرآن العظيم
قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَنَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُعَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَبِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:192- 195].
وقال تبارك وتعالى في صفاته؛ فإن لهذا القرآن الكريم صفاتٍ وله سماتٍ، تدل على فضله، وتدل على علو مكانته، وتدل على أنه الذي يؤثِّر على القلوب والأرواح أشدَّ تأثيرٍ، وكذلك كلام النبي عليه الصلاة والسلام؛ منها قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1]، فهو للعالمين نذيرٌ؛ للجن والإنس.
وهو كذلك هدًى للمتقين: المذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1- 2]، هو هدًى للناس جميعًا، لكن الذي ينتفع به المتقون، يتَّبعون القرآن العظيم، وإلا فالقرآن أنزله الله هدًى للناس جميعًا، بل للجن والإنس، لكن لا ينتفع به إلا المتقون، الذين يقومون بالواجبات ويبتعدون عن المُحرَّمات.
وكذلك هو هدًى للناس: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185].
كذلك يهدي الله به تعالى للتي هي أقوم: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإسراء:9- 10].
وهو روحٌ وحياةٌ؛ حياةٌ عظيمةٌ للروح وللبدن، وللدنيا وللآخرة، كما قال الله : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52].
وكذلك يقول الله في آيةٍ أخرى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122]، وهذا نور العلم ونور الهدى ونور الإيمان، ولا يحصل ذلك إلا بالقرآن العظيم.
فقوله : أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ [الأنعام:122]، هل يستوي هو ومن يعيش في الظلمات؟ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122]، فكأنه ورد سؤالٌ يسأل: ما دام أن هذا النور هو النور العظيم، والحياة في الدنيا، والسعادة في الآخرة، حياة القلوب والأرواح، لماذا لا يكون الناس كلهم يهتدون بهذا الهدى وهذا النور وهذا القرآن وهذا العلم وهذا الإيمان؟!
جاء الجواب في آخر الآية، كأنه سؤالٌ مُقدَّرٌ: كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:122]. إذن؛ هو نورٌ وهدًى، وهو حياةٌ للقلوب، وحياةٌ للأرواح.
الله يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس:57]. إذن؛ هذا هو الذي يؤثِّر حقيقةً على الأرواح والأبدان.
وبيَّن الله بأنه فُرقانٌ؛ يفصل بين الحق والباطل، تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1].
وهو شفاءٌ لما في الصدور، شفاءٌ يؤثِّر على الصدور وعلى الأرواح، كما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس:57]، قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت:44]، نسأل الله العافية. كأنَّ الإنسان إذا سمع القرآن ولم يستفد منه، فهو كمَن يُنادَى من مكانٍ بعيدٍ؛ يناديه الناس: "يا فلان، اعمل كذا، واعمل كذا"، يسمع الصوت لكنه لا يفقه ما يُقال؛ فكذلك -نسأل الله العافية- الذي يسمع القرآن، ولا يستفيد كمَن يُنادَى من بعيدٍ، لا يستفيد من الكلام، ولا يفقه الكلام.
وكذلك بيَّن الله بأنه نورٌ: وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ [الشورى:52]، كما تقدَّم.
وكذلك القرآن هو تبيانٌ لكل شيءٍ؛ جعله الله تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89]، بيَّن فيه كل شيءٍ، كما قال سبحانه: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل:89]. فما ترك الله شيئًا مما يُحب أن يعمله عباده إلا ذكره في القرآن، وما ترك شيئًا يُحذِّرهم منه إلا في القرآن. وما جاء من الأحاديث إنما هو يُبيِّن ما في القرآن وزيادة بعض الأحكام، بل جميع ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو من القرآن؛ لقول الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7].
هذا ينطبق على كل أمرٍ أمرَ به النبي عليه الصلاة والسلام؛ فلو قيل: هذا الغناء أو هذه اللحية ليست في القرآن، أو: ما حرَّم الله حلق اللحى في القرآن، ولا حرَّم الله الإسبال في القرآن، ولم يُحرِّم الله بعض الأعمال في القرآن؛ فاقرأ عليه قوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7].
هل هذا من القرآن؟ قل: نعم، في القرآن. إذن؛ هذا أمرٌ بأنك تأخذ بما قاله النبي عليه الصلاة والسلام.
وبيَّن الله : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]. إذن؛ جميع ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو في القرآن، وهو المُبيِّن. ولا شكَّ أنَّ السنة هي الوحي الثاني، لكنها تدخل في القرآن؛ لهذه الآية ولغيرها من الآيات.
وهذا القرآن قد حفظه الله من التبديل والتحريف والباطل، كما قال سبحانه: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42]. ما يأتيه الباطل مطلقًا؛ لأنه كلام الله ، محفوظٌ في الصدور، ومحفوظٌ في السطور، وحفظه الله من التبديل إلى أن يرفع إليه، إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].
وهو كتابٌ واضحٌ بيِّنٌ، قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة:15- 16]. وغير ذلك من الصفات العظيمة التي تدل على أنَّ هذا القرآن هو أعظم الكلام، كما قال سبحانه في بيان أنه أُحكمت آياته، قال سبحانه: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1].
وكذلك قوله تعالى في آياتٍ كثيرةٍ: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَبَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [فصلت:3- 4].
وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87]، قيل "السبع": هي السبع الطوال[5]السبع الطُّول: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس؛ في قول سعيدِ بن جبير. وإنما … Continue reading، وقيل: هي الآيات السبع، الفاتحة أم القرآن.
فالخلاصة: أنَّ هذا منةٌ من الله على النبي عليه الصلاة والسلام وأتباعه، وهو كالتذكرة، موعظةٌ وتذكرةٌ للمؤمن، كما قال سبحانه: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى [طه:2- 4].
وقال سبحانه: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَإِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء:210- 212]. آياتٌ بيِّناتٌ.
وهذا القرآن من صفاته: أنه آياتٌ بيِّناتٌ، بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ [العنكبوت:49].
وقال سبحانه وتعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌلِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا [يس:69- 70]، حياة القلب. أما الحياة الأخرى؛ فكل الناس أحياء، الشياطين أحياء، والجن أحياء، وغير ذلك، لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس:70].
وهو أحسن الحديث، كما قال الله : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ [الزمر:23].
إذن؛ هذا يدل على أنَّ المؤمن الصادق هو الذي يقشعر جلده من خشية الله حينما يقرأ كلام الله . كلٌّ منا يسأل نفسه: إذا قرأ القرآن، مَن الذي يقشعر جلده من قراءة القرآن؟
إذن؛ هذا يدل على إيمانه، ويدل على محبته لله ، ومحبته للنبي ، ورغبته فيما عند الله ، ورغبته فيما أخبر به النبي صلوات الله وسلامه عليه.
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا، يشبه بعضه بعضًا في الحلاوة، وفي الأحكام. وكذلك مَثَانِيَ، أي: تُعاد بعض القصص، وبعض الأحكام للتأكيد والبيان مع زيادة الإيضاح، ومع زيادة المعاني والفوائد التي لا تأتي في الكلام الآخر غير كلام الله .
مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ يعني: أن الله بيَّن أن هذه خاصةٌ أو خصيصةٌ للذين يخشون ربهم سبحانه: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23].
أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يستفيدون من القرآن، وممن تنطبق عليهم هذه الآية العظيمة التي بيَّنها الله .
وهو مجيدٌ؛ قرآنٌ مجيدٌ، وقرآنٌ كريمٌ: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَتَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة:77-80]، "المطهرون": هم الملائكة.
وكذلك لو أُنزل هذا القرآن على الجبال الشوامخ العظيمة، لتصدَّعت من خشية الله. لو كُلف الجبل العظيم بشيءٍ من الأوامر لتصدَّع ولانهدَّ من خشية الله: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر:21].
وهو كذلك يهدي إلى الرشد وإلى الهدى وإلى الخير، كما قالت الجن، كما أخبر الله : إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًايَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [الجن:1- 2].
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌفِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج:21- 22]، محفوظ من كل تبديلٍ، ومن التحريف.
والقرآن من صفاته أنه وصيةٌ من النبي صلوات الله وسلامه عليه عند موته. كثيرٌ من الناس -بل غالب الناس- يوصي عند موته بماله، وبما يختص به من أموالٍ، والوصية مطلوبةٌ مشروعةٌ؛ كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا ينبغي لعبدٍ أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبةٌ عنده[6]رواه البخاري: 2738، ومسلم: 1627.. لكنَّ النبي لا يورث الأموال، وإنما أمواله صدقةٌ، كما قال النبي : إنَّا معشر الأنبياء لا نُورَث، ما تركناه صدقةٌ[7]رواه النسائي في "الكبرى": 6275، والطبراني في "المعجم الأوسط": 4578. وأصله في "الصحيحين" بلفظ: لا نُورَث، ما تركنا … Continue reading؛ صدقةٌ في سبيل الله .
وهذا يدل دلالةً واضحةً على أنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما بُعثوا لجمع الأموال، ولا لجمع الدنانير والريالات والذهب والفضة، وإنما بُعثوا للدعوة إلى الله ؛ ولهذا فإن أموالهم لو خلَّفوا أموالًا فهي صدقةٌ في سبيل الله، كما قال النبي : ما تركناه صدقة[8]سبق تخريجه.. الأنبياء كلهم لا يُورَثون، ما أحدٌ يرثهم عليهم الصلاة والسلام.
فوصية النبي عند موته، حينما سُئِل بعض الصحابة، وهو عبدالله بن أوفى ، قيل: هل أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بشيءٍ؟ قال: "نعم، أوصى بكتاب الله تعالى"[9]رواه البخاري: 5022، ومسلم: 1634..
وقال النبي في حجة الوداع: تركتُ فيكم ما إنْ تمسَّكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا؛ كتاب الله[10]رواه مسلم: 1218. رواه مسلم، وفي رواية الحاكم: وسُنَّة رسوله[11]رواه مالك في "الموطأ": 3، والحاكم في"المستدرك": 322، وحسنه الألباني في"المشكاة": 186.، إذن؛ وصية النبي هي القرآن الكريم.
وفي طريقه إلى المدينة أوصى بكتاب الله؛ فقال : وأنا تاركٌ فيكم ثقلين؛ أحدهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، وهو حبل الله، مَن اتَّبعه كان على الهدى، ومَن تركه كان على الضلالة؛ فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به. فحثَّ عليه ورغَّب فيه، ثم قال : وأهل بيتي، أُذكِّركم الله في أهل بيتي[12]رواه مسلم: 2408. -ثلاث مراتٍ- أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وخلاصة ما سبق: أنَّ القرآن الكريم مَن اتَّبعه كان على الهدى، ومن اتَّبع الهدى من غيره أضلَّه الله، وهو حبل الله المتين، ونوره، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم. وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعَّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملُّه الأتقياء، ولا يخلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. مَن عَلِمَ عِلمه سبقَ، ومَن قال به صَدَقَ، ومَن حَكَمَ به عَدَلَ، ومَن عَمِلَ به أُجِرَ، ومَن دعا إليه هُدي إلى صراطٍ مُستقيمٍ. هذا كتاب الله، هذا القرآن العظيم.
فينبغي للعبد المؤمن أن يعتني بهذا القرآن العظيم؛ لأنه أعظم العلم؛ ولهذا قال الشافعي رحمه الله تعالى في شأن القرآن:
| العِلْمُ مَا كَانَ فِيهِ: قَالَ حَدَّثَنَا | وَمَا سِوَى ذَاكَ وَسْوَاسُ الشَّيَاطِينِ |
بل ذكر بأن القرآن هو أصل العلم؛ حيث قال قبل هذا البيت:
| كُلُّ العُلُومِ سِوَى القُرْآنِ مَشْغَلَةٌ | إلا الحَدِيثَ وَعِلْمَ الفِقْهِ فِي الدِّينِ[13]البيتان للإمام الشافعي. يُنظر: "ديوان الإمام الشافعي": 118. |
أهمية تدبُّر القرآن
هو أصل العلم، بل إن ربنا ذكره، وذكر النبي ذلك؛ فعلى العبد أن يعتني بهذا القرآن العظيم في تعلُّمه وتدبُّره، والعناية به، وتدريسه ودراسته وغير ذلك.
لا بُدَّ من تدبُّر القرآن، وإن كان هذا الموضوع قد تقدَّم، لكن أعني لعلَّه أن يكون في مُحاضرةٍ غير هذه. لكن هذا الكلام في أنَّ القرآن يؤثِّر على النفوس والأرواح، لا يؤثِّر عليها ولا تنتفع به إلا بالتدبر والفهم لمعاني القرآن الكريم؛ فلا بُدَّ من تدبُّر القرآن وتعقُّله وتفكُّره في معانيه، وقد أمر الله بذلك.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "القرآن حياة القلوب، وشفاءٌ لما في الصدور. فبالجملة؛ فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر.. وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله. وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه. فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر؛ لاشتغلوا بها عن كل ما سواها".
لو علموا ما فيه من السعادة في الدنيا والآخرة؛ لاشتغلوا به عن كل ما سواه من الكلام، واعتنوا به عنايةً فائقةً. وقد بيَّن الله تبارك وتعالى بقوله: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29].
بل عاتب الله من لم يتدبَّر القرآن، فقال سبحانه: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء:82].
وقال سبحانه: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24].
وقال سبحانه: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:124- 127].
وقال سبحانه: وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا [طه:99- 101].
الخلاصة: أنَّ على العبد أن يعتني بهذا القرآن العظيم الذي اعتنى الله به وتكلَّم به .
تأثير القرآن على القلوب
وكذلك القرآن مما يفيده: تأثيره على القلوب، وبيان ذلك بأمورٍ كثيرةٍ، منها:
قوله تعالى عن المؤمنين، سواءٌ أكانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم، أو من اليهود أو من النصارى أو من العلماء الذين قبل النبي ، بيَّن أنهم كانوا يستفيدون من كلام الله. إذا سمعوا هذا القرآن؛ فبعضهم يبكي، وبعضهم يتأثر، وبعضهم يسجد، وغير ذلك.
فالقرآن مؤثِّرٌ على النفوس والأرواح لمن شرح الله صدره، ولمن نوَّر الله بصيرته، ولمن وفَّقه الله ؛ ولهذا يقول سبحانه: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة:83]. هؤلاء النصارى إذا سمعوا ما أُنزل على النبي ، أو علماء النصارى الذين أسلموا ووفَّقهم الله للإسلام وعرفوا الحق؛ فإنهم يبكون.
ويُذكَر عن عُمَرَ أنه كان إذا مرَّ بالسجدة في سورة "مريم"، سجد، ثم قال: "هذا السجود، فأين البكاء؟!"[14]رواه البيهقي في "شُعب الإيمان": 1897.، أو كما قال .
وقال تعالى: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:107- 109]، هؤلاء الذين أوتوا العلم من قبل القرآن، حينما أُنزل القرآن حصل هذا التأثر وحصل هذا الانقياد؛ فالله مدحهم في القرآن العظيم بتأثُّرهم هذا.
كذلك قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم:58]. يسجدون ويبكون، هذا تأثُّر النفوس والأرواح السليمة بالقرآن العظيم؛ لما يعرفونه، ولما جعل الله في قلوبهم من العلم؛ لأن الإنسان إذا خشي الله، وراقب الله، وعرف الله ؛ خشع لله تبارك وتعالى.
وقال في المؤمنين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ[الأنفال:2] -أي: خافت- وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2]. يستفيدون من كلام ربهم، يستفيدون من هذا القرآن العظيم.
وقال الله : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23].
وقال تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].
وقال خباب بن الأرت : "تَقرَّب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرَّب بشيءٍ أَحبَّ إليه من كلامه"[15]رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 32095، والحاكم في "المستدرك": 3691.، رواه الحاكم وصحَّحه، ووافقه الذهبي، عن خباب بن الأرت .
وقال عثمانُ هذا الكلام العظيم الذي ينبغي أن يُستفاد منه، فإن هذا قد وقع بنا، إلا من عصم الله . يقول عثمانُ : «لو طهرتْ قلوبكم ما شبعت من كلام الله »[16]رواه أحمد في "الزهد": 680، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 2031. رواه أحمد في "زوائده" في "الزهد".
إذن؛ لو طهرتْ القلوب وكان القلب طاهرًا؛ ما يمكن أن يشبع من كلام الله؛ ولهذا تجد كثيرًا من الناس -إلا من عصم الله - إذا قرأ القرآن أصابه النعاس، ينعس إذا كان في صلاة الجمعة، أو في بعض الكلمات، أو في بعض الدروس، أو يقرأ هو نفسه القرآن، وربما يبقى نائمًا إلى وقتٍ متأخرٍ من يوم الجمعة، ثم يذهب إلى صلاة الجمعة، وبمجرد ما يأخذ مصحفًا ويقرأ يُصيبه النعاس ويسقط! هذا يدل على مرض القلب، نسأل الله العافية!
فإن أهل العلم ذكروا بأن النعاس في مواطن يكون من الإيمان، وفي مواطن يكون من النفاق، نعوذ بالله! فهو في الحرب حينما يلتقي الصفان وتبرق السيوف، فيحصل النعاس؛ هذا يدل على الإيمان الكامل والثقة بالله تعالى؛ ولهذا أصاب الصحابة في غزوة بدرٍ، وفي غزوة أحدٍ، أصابتهم أَمَنةٌ من النعاس؛ للثقة بالله . السيوف تضرب فوق رؤوسهم، والنعاس يصيب بعضهم، سبحان الله! هذا الإيمان الكامل.
أما إذا كان النعاس في سماع القرآن أو في الذكر أو في الصلاة؛ ففي الغالب يكون لعدم الرغبة، ويكون من الشيطان، إن لم يكن الإنسان مُتعَبًا ومريضًا.
وقال عبدالله بن مسعود : «مَن أَحبَّ القرآن فهو يُحبُّ الله ورسوله»[17]رواه الطبراني في"الكبير": 8657، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 1861 بنحوه. رواه الطبراني.
وأمر النبي صلوات الله وسلامه عليه أن يُقرأ عليه ليَسمع، وكان يحب إذا كان في بعض المجالس أن يسمع القرآن من أصحابه . فعن عبدالله بن مسعود قال: قال لي رسول الله : اقرأ عليَّ القرآن، فقال: قلتُ: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أُنزل؟! فقال النبي : إني أشتهي أن أسمعه من غيري، أو كما قال النبي . فقرأ عبدالله حتى إذا بلغ قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [النساء:41]، قال عبدالله: رفعتُ رأسي، أو غمزني رجلٌ فرفعتُ رأسي، فرأيتُ دموعه تسيل[18]رواه البخاري: 5055، ومسلم: 800.، أو كما قال . والحديث رواه مسلم.
النبي يبكي، وهو الذي قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، عند قراءة القرآن! اللهم صلِّ وسلمِّ عليه.
وقد ثَبَتَ عن النبي أنه قام بآيةٍ يُرددها حتى الصباح[19]رواه الترمذي: 448، والنسائي: 1010، وابن ماجه: 1350، وحسَّنه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 966.، رواه ابن ماجه، وهو حديثٌ حسنٌ. والآية: قوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118]. آيةٌ يرددها في قيام ليلةٍ كاملةٍ إلى صلاة الفجر: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118]!
هذا حينما يُخبر الله عن عيسى ابن مريم يوم القيامة حينما يقول: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة:116]؛ فاعتذر ثم قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118]؛ فيقول الله: هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [المائدة:119].
فالخلاصة: أن هذا يدل على التأثر بالقرآن، فالإنسان كلما يُردد القرآن ويُحب أن يبقى مع القرآن؛ فهذا يدل على تأثُّره بالقرآن، فسيدنا محمد بن عبدالله هو أعظم الناس تأثرًا بالقرآن، صلوات الله وسلامه عليه.
وعن أنس بن مالكٍ أن رسول الله قال لأُبَيِّ بن كعب: إنَّ الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن. هذا من التواضع، وهذا من تنفيذ أمر الله، أن يأتي سيد البشر ، بل سيد الأوَّلين والآخرين، بل الذي أفضل من الملائكة، وأفضل ممن خلق الله، يأتي إلى بعض الصحابة، ويقول: إنَّ الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، يقرأ القرآن على بعض الصحابة! قال: "آللهُ سمَّاني لك؟!" يستحلفه بالله يقول: هل سمَّاني لك، أُبَيَّ بن كعب؟ "سمَّاني لك الله؟!"؛ فقال النبي : آلله سمَّاك لي، يعني: يحلف بالله بأن الله سمَّاه، قال: فجعل أُبَيٌّ يبكي [20]رواه البخاري: 4960، ومسلم: 799.؛ بكى تأثُّرًا، الله ذكره بالقرآن؛ فبكى من خشية الله ؛ ولأن النبي قال بأن الله أمره أن يقرأ عليه القرآن. وكذلك يُروى بأنه كان يقرأ عليه سورة قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ.
ولا شكَّ أنَّ هذا القرآن وهذا التأثر لمن وفَّقه الله ، وشرح الله صدره، ونوَّر بصيرته، ورفع منزلته، وأراد الله هدايته. أما من لم يستفد من القرآن الكريم فيسمع الكلام ولا يستفيد كما سمعتم؛ لا يستفيد من كلام الله، ولا من كلام النبي ، كما قال الله : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179]. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44].
فينبغي للعبد المسلم أن يعتني بكتاب الله، وينبغي له إذا كان من الدعاة، وإذا كان مُعلِّمًا للناس الخير أن يعتني بالقرآن، ويستفيد من القرآن؛ فإن بعض الناس ربما لا يستعمل القرآن، ولا يقرأ القرآن في مواعظه، ولا في كلماته! فإنه المؤثِّر على القلوب؛ لأنه كلام الله الذي خلق الأرواح والأبدان، والذي عنده السعادة.
فضائل قراءة القرآن
ولا شكَّ أنَّ المسلم ينبغي له قبل ذلك أن يعرف فضل القرآن؛ حتى يحب القرآن. وفضله سمعتموه قبل ذلك.
لكن مما بيَّنه النبي أنه قال : مَثَلُ المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأُتْرُجَّة؛ ريحها طيِّبٌ وطعمها طيِّبٌ. ومَثَلُ المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة؛ لا ريح لها وطعمها حُلوٌ.... مؤمنٌ من أصله، عنده إيمانٌ، لكن ما هناك عملٌ وفائدةٌ يُفيد الناس. ومَثَلُ المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة؛ ريحها طيِّبٌ وطعمها مُرٌّ.... المخبر خبيثٌ، والظاهر طيِّبٌ، ظاهره أمام الناس بأنه من أهل الإيمان والتقوى ورائحةٌ طيِّبةٌ، لكن طعمه مُرٌّ، باطنه الكفر والنفاق، نسأل الله العافية. ومَثَلُ المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة؛ لا ريح لها وطعمها مُرٌّ[21]رواه البخاري: 5427، ومسلم: 797.. كله شرٌّ؛ ظاهره وباطنه.
وبيَّن النبي أنَّ الماهر بالقرآن مع السَّفَرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويَتَتَعْتَعُ فيه، وهو عليه شاقٌّ؛ له أجران[22]رواه البخاري: 4937، ومسلم: 798 واللفظ له..
وبيَّن أنَّ مَن قرأ حرفًا من كتاب الله فله بذلك الحرف حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها؛ لا أقول الم حرفٌ؛ ولكن ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ[23]رواه االترمذي: 2910، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 1830، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1416..
وكذلك قراءة سورتي "البقرة" و"آل عمران"؛ اقرأوا الزهراوين: البقرة وآل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فِرْقانِ من طيرٍ صَوَافَّ تُحاجَّان عن أصحابهما. اقرأوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركةٌ، وتركها حسرةٌ، ولا تستطيعها البَطَلة [24]رواه مسلم: 804.؛ يعني: السحرة، وغير ذلك من فضل القرآن الذي بينه النبي .
ودرجاتك في الآخرة -في الغالب- تكون درجات القرآن على حسب عنايتك بالقرآن الكريم، كما بيَّن النبي أنه يُقال لصاحب القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتق ورتِّل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آيةٍ تقرؤها[25]رواه أبو داود: 1464، والترمذي: 2914، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1426.. هذه درجاتٌ في الآخرة على حسب عنايتك بكلام الله الذي أنزله تبارك وتعالى هدًى للناس. وكلما أردت أن ترتفع منزلتك؛ فعليك أن تعتني بالقرآن، بكلام الله العظيم.
وكذلك فضل قراءة القرآن، وتعلُّم القرآن يدل عليه أحاديثُ كثيرةٌ؛ منها: أن النبي قال: أيُّكم يُحب أن يغدو كل يوم إلى بُطحانَ أو العقيق -وادٍ في المدينة- فيأتيَ منه بناقتين كَومَاوَين، في غير إثمٍ ولا قطيعة رحمٍ؟ قالوا: كلنا يُحب ذلك يا رسول الله. قال : أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد، فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خيرٌ له من ناقتين، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ، وأربعٌ خيرٌ له من أربعٍ، ومن أعدادهن من الإبل؟[26]رواه مسلم: 803..
تصوَّر أنَّ الإبل هي أعظم وسائل النقل في عهد النبي ؛ هي حُمر النعم، لكن لو قيل: مَن يقرأ آيةً ويُعطَى أعظم سيارة في الدنيا، كل آيةٍ بأعظم سيارة؛ لرأيت كثيرًا من الناس يقول: أنا أقرأ القرآن لله تعالى، لكن السيارة إذا أتت لا بأس، وهو كاذبٌ ما قرأ إلا للسيارة! الآية الواحدة أعظم منها، والله أعظم من سيارةٍ من أعظم سيارات الدنيا، بل أعظم من مثقال الذَّرِّ.
هذه الأمثلة حينما يضربها النبي للتقريب، وإلا فذرَّةٌ واحدةٌ من الحسنات خيرٌ من الدنيا وما فيها، وإنما هذا للتقريب وللتمثيل للناس حتى يعرف الإنسان قيمة العلم النافع.
وقد بيَّن النبي فضل القرآن في القراءة فقال: أيحبُّ أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفاتٍ عِظامٍ سِمانٍ؟ قالوا: كلنا يحبُّ ذلك يا رسول الله. قال : فثلاثُ آياتٍ يقرأ بهنَّ أحدكم في صلاته خيرٌ له من ثلاث خَلِفاتٍ عِظامٍ سِمانٍ[27]رواه مسلم: 802.. ثلاث خَلِفاتٍ، أي: ثلاثٌ من الإبل؛ تقرأ ثلاث آياتٍ خيرٌ لك من ثلاثٍ من الإبل، خيرٌ لك من ثلاث سياراتٍ من أعظم السيارات في الدنيا، تقرأها في الصلاة.
فعليك -يا عبدالله- أن تعتني بهذا القرآن العظيم، الذي عظَّم الله شأنه، وعظَّم شأنه النبي ؛ فقد قال النبي : خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه[28]رواه البخاري: 5027.، بل قال : لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار...، أي: أطراف الليل وأطراف النهار، أي: ساعات الليل وساعات النهار. ورجلٌ آتاه الله مالًا، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار[29]رواه البخاري: 7529، ومسلم: 815.، أو كما قال النبي .
والمعنى: لا ينبغي أن يغبط أحدٌ أحدًا على شيءٍ أُعطيه من الدنيا؛ لا على مُلكٍ، ولا على مالٍ، ولا على جاهٍ، ولا على أيِّ شيءٍ. لا تغبطه أبدًا ولا تحب أن تكون مثله إلا: العامل بالقرآن الذي يعمل به، والذي أعطاه الله من المال ما أعطى ثم يستخدمه في طاعة الله وطاعة النبي صلوات الله وسلامه عليه. ولا شكَّ أنَّ المسلم عليه أن يعتني بالقرآن ويعلِّمه ويتعلمه؛ حتى يحصل على الثواب العظيم، وعلى ما وعده الله المؤمنين الذين يعملون بالقرآن.
والقرآن له آدابٌ وله أحكامٌ، ولو تكلم الإنسان مهما تكلم في هذا القرآن العظيم، فلن يبلغ ولا شيئًا مما بيَّنه الله . ومن عظمة هذا القرآن العظيم لأنه كلام الله؛ حينما يتكلم الإنسان عن كلام الله لا يمكن أن يوفي بجميع ما ورد من فضله؛ لأنه كلام الله الذي تحدَّى به الجن والإنس، قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]، لو اجتمع الناس كلهم ما يستطيعون أن يأتوا بآية.
آداب قراءة القرآن
ومما يعين على تدبُّر القرآن وفهم القرآن: العمل بآداب القرآن، ومنها:
الإخلاص في قراءة القرآن: أن يقرأ القرآن من أجل أن يحصل على الثواب الذي أعده الله للتالين والقارئين الذين يقرؤون القرآن.
ويقرأ القرآن كذلك على طهارةٍ -إن تيسر- هذا هو الأفضل. فيجب ألا يمسَّ القرآن إلا وهو طاهرٌ. أما قراءة القرآن عن ظهر قلب، فلا بأس أن يقرأ وهو على غير طهارةٍ؛ فقد ثَبَتَ عن النبي أنه كان إذا استيقظ من الليل يقرأ أواخر سورة آل عمران قبل أن يتوضأ [30]رواه البخاري: 183، ومسلم: 763..
كذلك من الآداب التي تُعين على قراءة القرآن: أن يستاك قبل قراءة القرآن؛ لأن هذا الفم يدخل معه كلام الله ، فينبغي أن يطهِّره بالسواك الذي هو مَطْهرةٌ للفم مَرضاةٌ للرب كما قال النبي [31]رواه البخاري: 3/ 31..
لا يقرأ القرآن في الأماكن المُستقذَرة، لا في دورات المياه ولا في المجالس التي فيها قاذوراتٌ من دخانٍ وغيره، ولا في بعض المحلات المُستقذَرة، أو الأماكن التي لا ينبغي أن يُقرَأ القرآن فيها.
كذلك يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" عند قراءة القرآن، وإن قال: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم"؛ فلا بأس. وإن قال: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه"؛ فلا بأس.
ثم يُسمِّي الله تبارك وتعالى أثناء قراءة القرآن.
كذلك من الآداب: أن يقرأ بقلبٍ حاضرٍ، يُحضِر قلبه وسمعه، وجميع حواسه يُحضِرها؛ ولهذا بيَّن الله في سورة "ق" من الآيات العظيمة والتذكير، فقال : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37]، لمن كان له قلبٌ حيٌّ، أو ألقى السمع وهو شهيدٌ.
كذلك مما يُعينه على تدبُّر القرآن والعناية بالقرآن والتأثُّر بالقرآن: أن يُحسِّن صوته، يرتله ترتيلًا بالتجويد إن تيسَّر؛ حتى يحرِّك به قلبه كذلك؛ لأن الله يقول: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا.
كذلك أن يسجد إذا مرَّ بسجودٍ أو آية سجدةٍ؛ لأن هذا مما يُغضب الشيطان، ويُرضي الرحمن. وقد ثَبَتَ عن النبي أنه كان إذا مرَّ بآية سجدةٍ سَجَدَ. وثَبَتَ عنه أنه قال: إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول يا ويله! أُمِرَ ابنُ آدم بالسجود فسجد؛ فله الجنة، وأُمرتُ بالسجود فأبيتُ؛ فلي النار[32]رواه مسلم: 81.، نسأل الله العافية، ويبكي الشيطان. هذا ثابتٌ، يجب أن تؤمن بهذا، ولو لم تَرَ الشيطان يبكي؛ تؤمن بأن الشيطان يبكي، كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.
الأسئلة
س: ...؟
ج: أنا أنصح كل مسلمٍ يتقي الله بأنه لا يأتي إلى هذه المجتمعات إلا إذا تحقَّق بأنه لا يحصل بها ولا يأتي منها إلا الخير؛ فلا بأس. أما أن يأتي إلى مَن هبَّ ودبَّ، فهذا يفسد أهله. وأما بالنسبة لطلاق زوجتك، فإن أردتَ التأني؛ لأن المرأة خُلقتْ من ضلعٍ أعوجَ، كما قال النبي ، وأعوج الضلع أعلاه، فإذا ذهبتَ تُقيمه كسرتَه، وإذا استمتعت بها، استمتعتَ بها وفيها عِوجٌ؛ فعليك أن تصبر على هذا العِوج وتعدها بالخير، وتعوضها عن هذه الأشياء، وتعوضها عن هذه الزيارات؛ فإما تذهب بهم إلى البر وحدك، أو إذا جاءت زيارةٌ مثلًا أو مناسبةٌ عند هؤلاء الأقرباء تكون لك زيارةٌ أخرى للصالحين، وتُوجِد البديل النافع الذي يحول بينك وبين الشر. والطلاق لا تفكر فيه إلا عند الضرورة.
س: غفر الله لك وأثابك الله، يقول السؤال: أنا شابٌّ أحفظ الكتاب الكريم ثم أنساه، فأرجو من فضيلتكم الدعاء لي بحفظه، وما الوسيلة الصحيحة لحفظ كتاب الله؟
ج: القرآن العظيم هو قرآنٌ عظيمٌ، كلام الله ، والنبي يقول: تعاهدوا هذا القرآن؛ فوالذي نفس محمدٍ بيده، لهُوَ أشدُّ تفلُّتًا من الإبل في عُقُلها[33]رواه البخاري: 5033 بلفظ قريب، ومسلم: 791.، أو كما قال النبي . فإذا كان عندك إبلٌ تعقلها في الليل، وتطلقها بالنهار؛ تحافظ عليها. أما إذا كان عندك إبلٌ وأطلقتها سنةً تبحث عنها يمكن ما تجد منها شيئًا.
فالقرآن عليك أن تتعاهده، تقرأه دائمًا، إذا كنت تحفظ القرآن. والنبي قد حدَّد لعبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما قال: اقرأ القرآن في شهرٍ... -هذا للحافظ القوي- قال: "يا رسول الله، إني أُطيق أكثر من ذلك". قال: اقرأه في عشرين، قال: "إني أُطيق أكثر من ذلك"، قال: اقرأه في عشرٍ، قال: "إني أُطيق أكثر من ذلك"، قال: اقرأه في سبعٍ[34]رواه البخاري: 5054، ومسلم: 1159 واللفظ له..
وذكر أهل العلم أن الصحابة كان غالبهم يختمون القرآن في سبعة أيامٍ؛ يقرؤون في اليوم الأول ثلاث سورٍ، وفي اليوم الثاني خمسًا، وفي اليوم الثالث سبعًا، وفي اليوم الرابع تسعًا، وفي اليوم الخامس إحدى عشرة، وفي اليوم السادس ثلاث عشرة سورةً، وفي اليوم السابع من "ق" إلى "الناس". هذا التحزيب للقرآن عند الصحابة في الغالب.
بعض الناس يقرأ في ثلاثة أيامٍ كما قال النبي : لا يفقه من قرأ القرآن في أقلَّ من ثلاثٍ[35]رواه أبو داود: 1394، والترمذي: 2949، وصحَّحه الألباني في"صحيح سنن أبي داود": 1260.؛ حتى يستفيد. وبعض الناس ربما يقرأ القرآن في أقلَّ من ذلك، لكنه خالف السُّنَّة، إلا في الأوقات الفاضلة فربما تكون مُستثناةً؛ فيذكر عن الإمام البخاري بأنه كان يختم القرآن عند كل إفطار! يبدأ بالفجر وعند الإفطار يختم القرآن، ويختم في الشهر ثلاث مراتٍ لنفسه، خاصة في الصلاة، ويختم بالناس مرةً واحدةً في الصلاة؛ يقرأ بهم عشرين آيةً في كل ركعةٍ تقريبًا؛ فيختم في الشهر مرةً بجماعته، ولنفسه يذهب ويقرأ يختم في كل ثلاثة أيامٍ في الليل، وكل يومٍ يختم القرآن، كم مرة يختم القرآن؟! هذا يدل على القوة العظيمة.
الخلاصة: أنَّ السُّنَّة ألا يزيد على ثلاثة أيامٍ، أعني: لا يقرأ في يومين وإنما ثلاثة أيامٍ أعلى. لكن المسلم عليه أن يعتني، ويسأل الله من فضله، ويراجع، ويسأل الله التوفيق. ولا شكَّ أنَّ المعاصي لها تأثيرٌ على الحفظ، هذا القرآن إذا عصيتَ الله فربما تنسى العلم؛ لأن العلم ربما يُنسى بالمعاصي، حينما يقول الله : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ،[البقرة:182]؛ فالمعاصي تُذهب بركة العلم، نسأل الله العافية.
فعليك أن تسأل الله التوفيق، تسأل الله أن يزيدك علمًا وهدًى: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، يقوله الله للنبي ، وتقرأ القرآن؛ الوسيلة أن تقرأ القرآن في الصلاة: في صلاة الليل وفي الصلوات الأخرى، توزع القرآن على الركعات ولو قليلًا، وتسأل الله التوفيق، وتبتعد عن المعاصي. وتعمل بالقرآن، وتتدبر القرآن، ولا تقرأ نظرًا، بعض الناس إذا حفظ القرآن يقرأ نظرًا من باب المراجعة، لا، هذا ما يستفيد، لا بُدَّ أن يقرأ وهو لا ينظر إلى المصحف، فإذا أخطأ ينظر في المصحف.
س: عفا الله عنكم فضيلة الشيخ، إذا كان تأخر عن ختم القرآن بشهرٍ، إذا كان ختم القرآن إلى أكثر من شهرٍ مثلًا، ما يختم إلا كل شهرين مثلًا أو كذا؛ هل يُعتبر من هجر القرآن؟
ج: هذا الحافظ، الحافظ للقرآن لو ترك أكثر من شهرٍ يخشى أن يتفلَّت منه، أما غير الحافظ فالإنسان يعتني بالقرآن قدر استطاعته، ويقرأ القرآن ويتلوه، النبي جعل أكثر حدٍّ للقرآن شهرًا، ختمةً واحدةً، لكن لو زاد على أكثر من ذلك، ما هناك شيءٌ واضحٌ يبيِّن بأنه قد هجر القرآن، وإنما حافظ القرآن ينبغي له أن يعتني وإلا ذهب القرآن. القرآن أعظم الكنوز، ماذا لو كان عندك كنزٌ من ذهبٍ ثم تركت الأبواب مفتوحة وذهبت؟ يسرقها السراق. والقرآن أغلى من كل شيءٍ، كلام الله، القرآن أعظم الكنوز، ينبغي للمسلم أن يعتني به.
س: عفا الله عنك، يقول: فضيلة الشيخ، ذكرتم فضيلتكم فضائل القرآن، نريد بشوق القلوب المؤمنة لكلام ربها، ما نصيحتكم لمن لديه الاستعداد لقراءة كل شيءٍ يُكتب من صحفٍ ومجلاتٍ، لكنه لا يستطيع إعطاء هذا الكتاب الكريم من وقته ولو الشيء اليسير فضلًا عن الشيء الكثير، نسأل الله الهداية لنا وله، ما قولكم بهذا العمل من بعض الناس هداهم الله؟
ج: على كل حالٍ، لا يُلام الإنسان في هذا السؤال، ولا يُلام الإنسان في قراءة الجرائد وترك القرآن؛ لأن المريض -وهو مريضٌ- إذا كان مريضًا وأُعطِي العسل يشرب العسل يجد الطعام الحالي مُرًّاً، تتغير الأذواق، نسأل الله العافية. فإذا فسد القلب أو مرض القلب انتهى. فإذا قرأ الجرائد والمجلات ترى عيونه كالمشاكيك ما شاء الله! وإذا قرأ القرآن يصيبه النعاس، يقول: أنا أريد أن أنام؛ فهذا يدل على فساد القلب كما قال النبي : ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله[36]رواه البخاري: 52، ومسلم: 1599..
فعليك يا عبدالله أن تسأل الله الهداية، النبي كان يقول: يا مقلب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك[37]رواه الترمذي: 2140، وأحمد في "المسند": 12107، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7987.، اللهم مُصرِّف القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك[38]رواه مسلم: 2654.. وكان النبي يقرأ القرآن ولا يهجر القرآن، ربما صلى بركعةٍ، أكثر ما سمعت عن النبي أنه صلَّى في ركعةٍ بثلاث سورٍ، خمسة أجزاء ونصف الجزء قبل أن يركع.
قال بعض الصحابة: "صليتُ خلف النبي فافتتح البقرة، وقلت يركع عند المئة..." -الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر!- قال: "واستمر وكلما مرَّ بآية رحمةٍ سأل، وكلما مرَّ بآية عذابٍ استعاذ. قلت: يركع عندها عند نهايتها، فاستمر، وافتتح على "النساء" هكذا في الحديث، ثم افتتح "آل عمران"، حتى أنهى هذه الثلاث السور قبل أن يركع.[39]رواه مسلم: 772 بلفظ قريب.
وقال عبدالله بن مسعود : "صليتُ خلف النبي حتى هممتُ بأمرِ سوءٍ"، قالوا: "ماذا هممتَ؟" قال: "هممتُ أن أجلس وأدعه"[40]رواه البخاري: 1135، ومسلم: 773 واللفظ له. يعني: يعتبر أن هذا من أمر السوء وهو نافلةٌ، وهذا يدل على قوة الإيمان، وهو الذي قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر.
... لو قيل لإنسانٍ: كل إنسانٍ يختم القرآن له مليون، كل شهرٍ تستلم الراتب وتستلم معه مليونًا، إذا قرأتَ القرآن مرتين أو ثلاث مراتٍ، قرأتَ القرآن مرةً خمسمئة ألفٍ، وإذا قرأته مرتين تستلم مليونًا، وإذا قرأته ثلاث مراتٍ تستلم مليونًا ونصف المليون، إذا قرأته أربع مرات نعطيك مليونين مع الراتب؛ بالله هل يجد الإنسان لها -يعني: الجرائد- وقتًا أم أن كل الدنيا ستقرأ القرآن كل الوقت؟ هو يريد المال، ما يريد الآخرة.
فكذلك من أراد الآخرة، وأعطاه الله رغبةً فيما عند الله ، وعَلِمَ بأن درجاته ترتفع في الجنة؛ تكون السعادة له في الآخرة وفي الدنيا كذلك. أَقبل على القرآن وانشرح صدره فلا يمكن أن ينعس في قراءة القرآن؛ لأنه يريد الخير، يريد التجارة الرابحة. نسأل الله أن يصلح الأحوال والقلوب والأعمال.
س: فضيلة الشيخ، ذكرتَ قبل قليل أن قارئ القرآن يقرأ حتى ولو كان على غير طهارةٍ إذا كان مِن حفظه، فما الحكم إذا كان جُنُبًا أو إذا كانت امرأةً حائضًا؟
ج: أما الجُنُب فلا، ولا آية، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[41]رواه الترمذي: 131، وابن ماجه: 595.، لا يقرأ أي آيةٍ، لا عن ظهر قلبٍ ولا غيره حتى يغتسل. فإن لم يجد الماء فينتقل إلى الطهارة الثانية، وهي التيمم. لو كان في صحراءَ ما وجد ماءً؛ فإنه في هذه الحالة يتيمم ثم يقرأ القرآن، فلا يقرأ القرآن إلا بعد الطهارة بالغسل والاغتسال. فإن عدم الماء -كما سمعت- يتيمم.
أما المرأة الحائض؛ ففيها خلافٌ عند أهل العلم: منهم من يقول: لا تقرأ أي آيةٍ كالجُنُب. ومنهم من يقول: لا بأس أن تقرأ القرآن عن ظهر قلبٍ، وخاصة إذا كانت تحفظ القرآن أو تحفظ بعض القرآن؛ لأنه يتفلَّت. واستدلوا بقول النبي لعائشة رضي الله عنها حينما كانت في الحج: افعلي ما يفعل الحاجُّ، غير ألا تَطُوفي بالبيت حتى تَطْهُري[42]رواه البخاري: 1650، ومسلم: 1211.. فقالوا: لأنه مما يعمل الحاجُّ أنه يقرأ القرآن، هذا هو الأقرب، وهو الذي كان يُفتي به شيخنا رحمة الله عليه عبدالعزيز بن باز، وغيره من المحققين: بأنه لا بأس أن تقرأ القرآن عن ظهر قلبٍ، دون مسٍّ للمصحف.
س: أثابك الله فضيلة الشيخ، هذا سؤالٌ حول ما يحدث في أوقات العزاء، يقول: إذا تُوفي رجلٌ في منطقةٍ بعيدةٍ، مثلًا إذا كان أربعمئة كيلو أو نحوها؛ فهل يلزم الذهاب لأهله لتعزيتهم أم يكفي في ذلك مكالمات ونحوها؟ وكذلك ما يحدث أو ما يقع من المخالفات من بقاء أقارب الميت وتركهم بأعمالهم بحيث يبقون مع المصابين مثلًا في هذه المصيبة ويتركون أعمالهم ثلاثة أيامٍ، ويكون فيها بعض التوسع؛ منهم من يجعل خيامًا، ومنهم من يضيء الأنوار، فإذا أتيت تحسب أن هذا المكان مكان حفلٍ بدلًا من أن يكون عزاءً، ومنهم من يصنع الطعام أيضًا ويجتمعون لأكله عند أهل الميت أو عند غيرهم؛ فما توجيهكم لمثل هذا وفقكم الله؟
ج: النبي ثَبَتَ في الحديث أنه قال : ما من مؤمنٍ يُعزِّي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة[43]رواه ابن ماجه: 1601، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3508.، أو كما قال النبي . فالتعزية مشروعةٌ، فيها ثوابٌ عظيمٌ ومواساةٌ. أما بالنسبة لشد الرحال للزيارة، فيختلف على حسب الأحوال: فإن كان الشخص يكفيه الاتصال؛ فلا بأس أن يتصل به، ويُقال: أحسن الله عزاءك، وغفر لميتك، يواسيه، لا بأس. وإن لم ينفع أو كان الإنسان يتأثر بهذا، ولا يعتبر هذا تعزيةً ولا يعتبرها مشاركةً؛ فلا بأس بشد الرحال لزيارته. وكان يفتي بذلك سماحة شيخنا رحمة الله عليه ابن باز، يقول: إذا كان يؤثر في نفس المصاب أنه ما يعتبر هذا تعزيةً حتى يذهب إليه قريبٌ؛ فلا بأس.
أما بالنسبة لبناء الخيام وإضاءة الأنوار والتحديد بثلاثة أيامٍ، فهذه من البدع المُحدَثة. وكذلك ذبح الأغنام والإبل، أصبحت -كما سمعتم من كلام الشيخ- هذه الأمور من الحفلات. وقد أخبرني بعض الثقات بأن بعض العمال وجد مناسبةً عظيمةً؛ فقال: هل هذا زواجٌ أو موتٌ؟ قالوا: لا، موتٌ، قال: اللهم أكثر موتاهم! يريد المسكين أن يأكل دائمًا؛ فأصبحت حالة ما أصبحت.
الخلاصة: هذه الأمور بدعةٌ، وإنما السُّنَّة كما قال النبي : اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فإنهم أتاهم أمرٌ يشغلهم[44]رواه أبو داود: 3132، والترمذي: 998، وابن ماجه: 1610، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 1015.، أو كما قال النبي . فالسُّنَّة: أنَّ الجار يصنع طعامًا لأهل الميت، هناك بعض الناس يريد أن يطبِّق السُّنَّة ويُدخِل معها بدعةً؛ فيأتي بذبائحَ ويقول: أنتم مصابون؛ والنبي يقول: اصنعوا لآل جعفر طعامًا، ثم يأتي بأغنامٍ ويأتي بإبلٍ أو غيرها، ويدعو الناس إلى ذلك! يقول: "الغداء عند آل فلانٍ"، أو إذا حضر العزاء مثلًا يقول: "غداؤكم للجميع عندنا في هذا البيت، الله يحييكم جميعًا". أصبحت دعوةً، هذه بدعةٌ، وإنما الطعام يكون لأهل الميت خاصةً من دون تكلُّف على حسب ما يكفيهم.
وأهل الميت لا يذبحون مطلقًا، ولا يطعمون الناس الطعام؛ ففي حديثٍ عن الصحابي الجليل أنه قال : "كنا نَعُدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة"[45]رواه ابن ماجه: 1612، وأحمد في "المسند": 6905، وصححه محققو "المسند".. والنياحة مُحرَّمةٌ، فيعتبرون أن صنعة الطعام من أهل الميت هي نياحةٌ. وقد ذكر أهل العلم في حالةٍ واحدةٍ تُستثنى، إذا قدم ضيوفٌ للتعزية من أماكنَ بعيدةٍ، جاؤوا إلى هذا الشخص يواسونه؛ فلهم حق الضيافة، ذكر ذلك صاحب "المُغني"، وكان سماحة شيخنا رحمة الله عليه لا يرى به بأسًا؛ قال: لو أتى واحدٌ من المنطقة الجنوبية، حصل عندك مصيبة -لا قدر الله- ثم تعنَّى لك بعض الناس؛ فإنه له حق الضيافة، لا تختص بالعزاء، وإنما ضيافته لا بأس أن تقدَّم له الضيافة التي تُقدَّم له في الوقت الآخر، التي تكفيه دون تبذيرٍ.
والإنسان يحاول أن يتقي الله في مثل هذه الأمور، ولا يترك الأعمال لآل العزاء. العزاء يكون في الطريق، ويكون في المقبرة، ويكون في البيت، ويكون في أيِّ مكانٍ، دون تجمُّعٍ، ودون ترك الأعمال، هذا ما ينبغي، نسأل الله لنا ولكم التوفيق.
س: عفا الله عنك، يقول: فضيلة الشيخ، عندي وصيةٌ لأحد أقاربي على يدي، هل يجوز لي أن أستقرض منها وأردها أو أستقرض بعضها لمدة شهرٍ وما شابه ذلك؟
ج: أنا أرى -والله أعلم- أنه لا يجوز ذلك؛ لأنك ما دمتَ تستقرض منها، فعليك أن تستثمرها إن كنت صادقًا، إذا كان عندك مثلًا مئة ألف ريالٍ وصيةً، فأنت تستقرضها وتنتفع بها لنفسك، أنا أرى أن هذا لا يجوز؛ لأن هذا من الخيانة، والله أعلم. إن كنت صادقًا، فعليك أن تستعملها بما يزيدها، بما يكون خيرًا، تزيد الوصية في البيع وفي الشراء وفي غير ذلك، أما كونك تستخدمها فيُغنيك الله عنها.
س: عفا الله عنك، يقول: فضيلة الشيخ، سؤالي ما هو توجيهكم -حفظكم الله- حول من يضعون نغمة الجوال على موسيقى وأحيانًا يتركونه في الصلاة تزعج المصلي؟
ج: أنا أذكر بعض الإخوان يقول: إذا أردت أن تعرف عقل الإنسان ومدى تفكيره، انظر إلى دقة جواله. إن وضعه على الموسيقى أو وضعه على أمورٍ أخرى؛ هذا يدل على ضعف العقل. قد يُبتلى الإنسان في بعض الأحيان، فيشتري جوَّالًا مثلًا ويجعله على نغمةٍ، ولكن يُبتلى وتنتقل -كما حصل لبعض المشايخ- يشترون الجوال من أجل دقة الجوال، ويوم صار بين المشايخ وإذا هو موسيقى، نسأل الله العافية.
الخلاصة: أن الإنسان لا يجوز له أن يضع عليه الموسيقى، وإنما يضع عليه الأشياء التي لا محظور منها، ولا يجوز غير ذلك، خاصةً في المساجد، فالإنسان يعتني ويغلق الجوال إذا دخل المسجد، أو يجعله على وضع الصامت، والحمد لله. ولا يشدد بعض الناس فإن بعض الناس قد ينسى، قد يُقال: بعض الناس إذا نسي الجوال ينسى مرةً في العمر أو مرتين، وإذا سمعه بعض الناس استهزأ به وتكلَّم عليه وسبَّه! يمكن أن يكون نسيه، عليك أن ترشده ويكفي، هذا الإنسان ينسى.
س: لو نسيه يا شيخ، فهل يُخرجه ويغلقه في الصلاة؟
ج: نعم يُخرجه؛ لأن هذا في مصلحة الصلاة، إذا كانت حركةً لا تؤثِّر؛ لأن هذا من أجل مصلحة الصلاة ومصلحة المصلين؛ يغلقه فورًا. لكن المشكلة أن بعض الناس ينظر قبل أن يغلقه، ينظر مَن المتصل؛ حتى لا ينسى رقمه، وهذا من المفاسد نسأل الله العافية!
س: عفا الله عنك فضيلة الشيخ، يقول: قراءة القرآن يُثاب عليها الإنسان فلو أطال الإنسان الصلاة وهو إمامٌ ليحصل على زيادة الأجر؛ هل هو أفضل؟ وما توجيهكم؟
ج: الأفضل في قراءة القرآن للإمام أن يلتزم بالسُّنَّة، يُخفف على الناس، والتخفيف له تحديدٌ في السُّنة، قال النبي : أفتَّانٌ أنتَ يا معاذ؟!.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: احتج النقارون بحديث معاذٍ ولم يعلموا ماذا قرأ! قرأ سورة البقرة كلها كاملةً؛ فقال : أفتَّانٌ أنتَ يا معاذ؟!، صلَّى مع النبي ثم رجع إلى قومه وصلَّى بهم، كبَّر وصلَّى نفلًا، وقومه يُصلون معه فرضًا. فصلى بهم وافتتح بسورة "البقرة" حتى أنهى جزأين ونصف جزءٍ في صلاة العشاء؛ فاشتكاه بعض الصحابة ، انعزل عن الصلاة وأكمل صلاته، كان عنده إبلٌ وأشغلته وهو تعبان، وجاء إلى النبي بعدما قالوا: نافق، هذا منافقٌ، فقال: "لأذهبن إلى رسول الله "، فاشتكى إلى النبي ؛ فاستدعاه النبي وقال: أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟!، ثم أمره بالتخفيف، وحدَّد له بالعشاء بـ سبح اسم ربك الأعلى» و «والسماء والطارق» و«والليل إذا يغشى[46]رواه البخاري: 705، ومسلم: 465.، أو كما قال النبي .
فالخلاصة: أنَّ من السُّنَّة مراعاة فعل النبي ؛ أمر بالتخفيف، وصلَّى بالصافات[47]رواه النسائي: 826، وأحمد في "المسند": 4796، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 796..
وروي عنه أنه صلى بسورة "المؤمنون" في الفجر[48]رواه مسلم: 455.، و"الروم" كذلك في الفجر[49]رواه النسائي: 947، وأحمد في "المسند": 23072، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 222.، قُسِّمت في الركعتين، فكيف التوفيق بين الأمر والفعل، أمر بالتخفيف وأطال؟ فيقال: إذًن؛ الميزان هو فعله ، فعل النبي ، فمن قرأ في فجر يوم الجمعة بـ "السجدة" وسورة "هل أتى على الإنسان" فقد خفَّف؛ لأنه فعل النبي ، وأمر به. ومن قرأ بمئة آيةٍ في صلاة الفجر فقد خفف؛ التخفيف فعل النبي كان يقرأ في الفجر بالستين إلى المئة ، فلا إفراط ولا تفريط، يلتزم بالسُّنَّة.
أما التطويل الزائد فلا ينبغي، وإنما يقرأ من طوال المفصل في الفجر، ومن أواسطه في الظهر والعشاء، ومن قصاره في المغرب، وأحيانًا من أواسطه، وأحيانًا من الطوال. وقد ثَبَتَ عن النبي أنه قرأ بـ "المرسلات" في صلاة المغرب[50]رواه البخاري: 763، ومسلم: 462.على حسب فعل النبي .
س: عفا الله عنك، يقول: فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعض الناس يذكر (الدِّشَّ)[51]الدِّشُّ: طبق استقبالٍ للإرسال التلفزيوني. يُنظر: معجم اللغة العربية المعاصرة للدكتور/ أحمد مختار عمر: 1/ 745 في بيته، وإذا نصحته قال: إنه من أجل أن يرى فيه الأخبار، فما حكم إدخال (الدِّشِّ) في البيت على الأهل، وما نصيحتكم لمثل هؤلاء جزاكم الله خيرًا؟
ج: والله أرى أن هذا السؤال ما يحتاج جوابًا؛ لأن الجواب عندكم كلكم. مَن الذي يرى أنَّ إدخال (الدِّشِّ) جائزٌ؟! يرفع يده منكم كلكم، مَن الذي يرى من أهل المسجد هنا بأن في هذا (الدِّشِّ) من أجل الأخبار لا بأس به؟! يرفع يديه، انتهي. الجواب واضحٌ، (الدِّشُّ) فيه بلاءٌ، وفيه شرٌّ، حتى التلفاز فيه شرٌّ، وفيه بلاءٌ. فالإنسان لا يُفسد بيته ويُفسد عياله ويُفسد نفسه، فإنه إذا قال من أجل الأخبار، اليوم الثاني من أجل أن يأخذ المرأة معها، واليوم الثالث يقول: مرةً للأولاد، واليوم الثالث للبنات، ثم بعد ذلك ... نسأل الله العافية، فيبتعد عن هذا الشر، نسأل الله العافية، نعم ما حصل من الأخبار هذه إلا الفساد.
س: يقول: فضيلة الشيخ، شخصٌ فرط سنتين ماضيتين وتاب لوجه الله؛ فكيف قضاؤها؟ وهل لها من كفارة؟
ج: نعم، أقول: إن كنت تصلي، فعليك أن تقضي الشهرين، وإن كنت لا تصلي، يعني: ترك الصلاة والصيام؛ فأنت كنت كافرًا وأسلمتَ، فلا تقضِ؛ لأنك كنتَ من الكفار. فهذا الأمر إن كنت تصلي، فعليك أن تقضي الصيام مع التوبة والاستغفار. وإن كنت لا تصلي وقت تركك للصيام، فلا تقضِ، وعليك التوبة والاستغفار والندم وسؤال الله الثبات. وإذا كانت مضت سنة أو سنتان، فعليك أن تطعم عن كل يومٍ مسكينًا.
س: كم مقدار الإطعام؟
ج: مقدار الإطعام نصف صاعٍ، لكل مسكينٍ عن كل يومٍ مع الصيام.
س: يقول: أنا شابٌّ أجد ضيقة وحُرقة في قلبي وصدري؛ فما نصيحتكم لي، فإني في همٍّ وغمٍّ؟
ج: والله ما أدري! إذا كان من أجل المعاصي التي تراها، ومن أجل المشاكل التي تراها في الدنيا، تحمد الله على ذلك، وتنظر إلى حال النبي وفعله . وإن كنت تجد هذه الحُرقة بقلبك والضيق، لا لذكر الله ، فهذا من الشيطان، والله يقول: فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [الأنعام :125].
فعليك بالعلاج، وهو القرآن الكريم والأذكار: أذكار الصباح، وأذكار المساء، أذكار النوم، والتسبيح والتهليل، ودعاء الهم والحزن. وعليك أن تحافظ على الأوامر، وتبتعد عن النواهي وجميع المعاصي؛ لأن هذا إن لم يكن لرحمة الناس والشفقة على الناس؛ فهذا يدل على أنَّ هناك معاصيَ بينك وبين الله، وهوانًا بينك وبين الله، وذلًّا لنفسك من أجل المعاصي والسيئات وترك الواجبات.
وعليك بالتوبة إلى الله . وعليك أن تلتزم بالأذكار، وتحضر حلقات العلم، والتسبيح، والتهليل، وتشغل وقتك بطاعة الله. وإذا لم يكن عندك عملٌ تبحث عن عمل؛ حتى يشغلك، وتذهب مع أهل الخير، وتجلس في مجالس العلم، أسأل الله لي ولكم التوفيق.
س: السؤال الأخير يقول: ما توجيهكم فضيلة الشيخ حول تربية الأبناء على حفظ كتاب الله ومدارسته ...؟
ج: ابنك الحقيقة هو جزءٌ من عملك، كما قال النبي : مَن دلَّ على خيرٍ، فله مثلُ أجرِ فاعله[52]رواه مسلم: 1893.، فإذا كنتَ لا تحفظ القرآن، أو كنتَ تحفظ القرآن مثلًا، وعلَّمتَ ولدك القرآن وحفظ القرآن؛ فهذا إذا متَّ فعملك باقٍ، يستمر ركوعك وسجودك وقراءتك للقرآن بعد موتك. وإن مات قبلك كذلك تَحصُل على الثواب العظيم. وقد جاء الخبر أنَّ من حفظ القرآن وعمل به؛ فإنه يُلبَس والداه تاجًا يوم القيامة، أعظم أو لا تقوم له السماوات والأرض أو كما جاء بالخبر[53]رواه بنحوه: أبو داود: 1453، وأحمد في "المسند": 15645، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1434.
الخلاصة: أنَّ على الإنسان أن يعتني بأولاده؛ فإن النبي قال: خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه[54]رواه البخاري: 5027.. فإذا كان ولدك تُعلِّمه كتاب الله، فلك مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيءٌ، فإذا علمه هو وصار مُعلِّمًا وعلَّم الكثير من الناس؛ كان في موازين حسناته مثلهم، فإذا علَّموه كما قال النبي : مَن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً، فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، لا يَنقُص من أجورهم شيءٌ[55]رواه مسلم: 1017، أو كما قال النبي .
فعليك أن تعتني بذلك، وهذا لا يحصل إلا بالرغبة فيما عند الله أو بالرهبة. فلو كان هناك إنسانٌ يقول: من حفَّظ ولده القرآن يُعطَى مليونًا أو مليونين؛ لرأيتَ الناس قد أقبلوا على تعليم الأولاد من أجل النقود! أما دخول الجنة، الجنة التي هي خيرٌ من كل شيءٍ، كما قال الله : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185]. وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ [القصص:60]. وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى [الضحى:4].
فعلى الإنسان أن يعتني ويرغب فيما عند الله، والرغبة فيما عند الله هي في الحقيقة تُعين الإنسان على أمورٍ كثيرةٍ.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُليا، أن يتقبل مني ومنكم، وأن يرزقني وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، والتوفيق لما يُحبه ويرضاه، وأن يُصلح ذرياتنا ونيَّاتنا جميعًا؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وجميع المسلمين.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه.
| ^1 | رواه مسلم: 2699. |
|---|---|
| ^2 | رواه أبو داود: 3641، والترمذي: 3536، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 70. |
| ^3 | رواه البخاري: 6408، ومسلم: 2689. |
| ^4, ^8 | سبق تخريجه. |
| ^5 | السبع الطُّول: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس؛ في قول سعيدِ بن جبير. وإنما سُمِّيت هذه السُّور السبع الطُّول؛ لطولها على سائر سور القرآن. |
| ^6 | رواه البخاري: 2738، ومسلم: 1627. |
| ^7 | رواه النسائي في "الكبرى": 6275، والطبراني في "المعجم الأوسط": 4578. وأصله في "الصحيحين" بلفظ: لا نُورَث، ما تركنا صدقةٌ البخاري: 6727، ومسلم: 1757. |
| ^9 | رواه البخاري: 5022، ومسلم: 1634. |
| ^10 | رواه مسلم: 1218. |
| ^11 | رواه مالك في "الموطأ": 3، والحاكم في"المستدرك": 322، وحسنه الألباني في"المشكاة": 186. |
| ^12 | رواه مسلم: 2408. |
| ^13 | البيتان للإمام الشافعي. يُنظر: "ديوان الإمام الشافعي": 118. |
| ^14 | رواه البيهقي في "شُعب الإيمان": 1897. |
| ^15 | رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 32095، والحاكم في "المستدرك": 3691. |
| ^16 | رواه أحمد في "الزهد": 680، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 2031. |
| ^17 | رواه الطبراني في"الكبير": 8657، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 1861 بنحوه. |
| ^18 | رواه البخاري: 5055، ومسلم: 800. |
| ^19 | رواه الترمذي: 448، والنسائي: 1010، وابن ماجه: 1350، وحسَّنه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 966. |
| ^20 | رواه البخاري: 4960، ومسلم: 799. |
| ^21 | رواه البخاري: 5427، ومسلم: 797. |
| ^22 | رواه البخاري: 4937، ومسلم: 798 واللفظ له. |
| ^23 | رواه االترمذي: 2910، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 1830، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1416. |
| ^24 | رواه مسلم: 804. |
| ^25 | رواه أبو داود: 1464، والترمذي: 2914، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1426. |
| ^26 | رواه مسلم: 803. |
| ^27 | رواه مسلم: 802. |
| ^28, ^54 | رواه البخاري: 5027. |
| ^29 | رواه البخاري: 7529، ومسلم: 815. |
| ^30 | رواه البخاري: 183، ومسلم: 763. |
| ^31 | رواه البخاري: 3/ 31. |
| ^32 | رواه مسلم: 81. |
| ^33 | رواه البخاري: 5033 بلفظ قريب، ومسلم: 791. |
| ^34 | رواه البخاري: 5054، ومسلم: 1159 واللفظ له. |
| ^35 | رواه أبو داود: 1394، والترمذي: 2949، وصحَّحه الألباني في"صحيح سنن أبي داود": 1260. |
| ^36 | رواه البخاري: 52، ومسلم: 1599. |
| ^37 | رواه الترمذي: 2140، وأحمد في "المسند": 12107، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7987. |
| ^38 | رواه مسلم: 2654. |
| ^39 | رواه مسلم: 772 بلفظ قريب. |
| ^40 | رواه البخاري: 1135، ومسلم: 773 واللفظ له. |
| ^41 | رواه الترمذي: 131، وابن ماجه: 595. |
| ^42 | رواه البخاري: 1650، ومسلم: 1211. |
| ^43 | رواه ابن ماجه: 1601، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3508. |
| ^44 | رواه أبو داود: 3132، والترمذي: 998، وابن ماجه: 1610، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 1015. |
| ^45 | رواه ابن ماجه: 1612، وأحمد في "المسند": 6905، وصححه محققو "المسند". |
| ^46 | رواه البخاري: 705، ومسلم: 465. |
| ^47 | رواه النسائي: 826، وأحمد في "المسند": 4796، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 796. |
| ^48 | رواه مسلم: 455. |
| ^49 | رواه النسائي: 947، وأحمد في "المسند": 23072، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 222. |
| ^50 | رواه البخاري: 763، ومسلم: 462. |
| ^51 | الدِّشُّ: طبق استقبالٍ للإرسال التلفزيوني. يُنظر: معجم اللغة العربية المعاصرة للدكتور/ أحمد مختار عمر: 1/ 745 |
| ^52 | رواه مسلم: 1893. |
| ^53 | رواه بنحوه: أبو داود: 1453، وأحمد في "المسند": 15645، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1434. |
| ^55 | رواه مسلم: 1017 |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط