تخطى إلى المحتوى

كل نفسٍ ذائقة الموت

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

المقدمة وبيان موضوع المحاضرة

أيها الإخوة، أشكر الله تعالى أن مَنَّ عليَّ بالوصول إلى هذا المكان المبارك، وإلى هذه الوجوه المباركة، إن شاء الله تعالى.

أيها الإخوة، لا شكَّ أن الله تعالى خلق الجنَّ والإنس لعبادته، كما قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۝ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ۝ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56- 58].

فالله تعالى خلقنا لعبادته -لنعبده وحده سبحانه- فمَن أطاعه كان سعيدًا في الدنيا والآخرة، ومَن عصاه كان شَقِيًّا وذليلًا وتَعِيسًا في الدنيا والآخرة.

وقد أمر الله تعالى عباده بأوامر، ونهاهم عن نَوَاهٍ، فإذا قاموا بالأوامر وتركوا النَّواهي ابتغاء مرضاة الله تعالى كتب الله لهم الجنة، وأعاذهم من النار، وإن وقعوا في المُحرمات، وتركوا الواجبات، وأعرضوا عن طاعة ربِّ الأرض والسماوات؛ كانت لهم النار -والعياذ بالله- إن ماتوا على ذلك.

ولا شكَّ أن الله امتحن العباد في هذه الدنيا بالسَّراء والضَّراء، والشدة والرَّخاء، ومن هذا العبادة؛ فهي أمرٌ من الله تعالى، وهي اختبارٌ منه ؛ فقد خلق الموت والحياة لِيَبْلُوَنا أيُّنا أحسنُ عملًا، ثم جعل نهاية حياة الإنسان -بعد عبادته لله تعالى أو إعراضه عن طاعة الله تعالى- الموت، وهذا هو موضوع الكلمة في هذه الليلة كما اختاره الإخوان، جزاهم الله خيرًا.

حقيقة الموت وقضاء الله فيه

هو موضوعٌ ذكره الله تعالى في كتابه، وذكره النبي صلوات الله وسلامه عليه، فَحَرِيٌّ بالمسلم أن يمتثل أمر الله تعالى وأمر النبي صلوات الله وسلامه عليه، فالله قال: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، هذا هو عنوان الكلمة: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ والثمرة: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].

فالله تعالى كتب الموت على جميع المخلوقات، جميع الأنفس، وهذا فيه تعزيةٌ لجميع الناس، تعزيةٌ بأنهم سيموتون جميعًا، كما قال الله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:26- 27]، يموت الناس والجنُّ وجميع الأنفس والملائكة وجميع ما خلق الله تعالى من الأنفس، ولا يبقى إلا الله، إلا وجهه الكريم: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16].

فلا شكَّ أن هذا أمرٌ بَيَّنه الله تعالى في كتابه، وبَيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه الترغيب، وفيه التَّحذير؛ فيه ترغيبٌ في طاعة الله تعالى، وفيه ترهيبٌ من معصيته والإصرار على المعاصي والسيئات أو الكفر والعناد، فإن الإنسان إذا أَيْقَنَ أنه سيموت، وأن جزاءه الجنة إن عمل صالحًا، أو النار إن عمل غير ذلك من المُوبقات والشركيات؛ فإنه يتذكر ويعلم أنه لا مَفَرَّ له، كما قال الله تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78]، أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ في السماء، في الأرض، في أي مكانٍ، وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ لو كنتم في قصورٍ عاليةٍ ومنازل رفيعةٍ فإن الموت سيُدْرِككم، ولا تكون لكم تحصينًا، ولا تُحَصِّنكم، ولا تمنعكم من الموت؛ فإن الموت كتبه الله تعالى على كل نفسٍ.

ولهذا فإن الإنسان لا يخاف من الموت إذا كان في ساحة الوُغَى في الجهاد في سبيل الله، لا يخاف من أي سببٍ من الأسباب أنه يأتيه الموت قبل أوانه؛ لأن الموت لا يأتيه إلا في الوقت الذي حدَّده الله تعالى، فقد كتب الله تعالى على الناس -بل على الجنِّ والإنس- الموت في أوقاتٍ مُحددةٍ، بل على كل ذي نفسٍ في وقتٍ مُحددٍ، لا يتقدم، ولا يتأخر؛ فحينئذٍ كل مؤمنٍ يؤمن بذلك، ولا يخاف من الموت، وإنما يخاف من سُوء العاقبة وسُوء الخاتمة -والعياذ بالله- أما الموت فهو لا يتقدم، ولا يتأخر.

ولهذا كان خالد بن الوليد يطلب الشهادة في سبيل الله في معارك كثيرةٍ، في مواطن كثيرةٍ، ولكنه لم يحصل على ذلك، ولعله -إن شاء الله تعالى- حصل على ذلك بالنية؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الحديث الذي رواه مسلمٌ: مَن سأل الله الشهادة بصدقٍ بَلَّغَه اللهُ منازلَ الشهداء وإن مات على فِرَاشِه[1]رواه مسلم: 1909..

هذا خالدٌ طلب الشهادة في عدة مواقف، ولكنه بعد ذلك مات على فراشه، وقال بأنه ما ترك موطنًا من المواطن في الجهاد إلا ووقف فيه، ولكنه يموت على فراشه، ثم قال: "وما في جسدي شِبْرٌ إلا وفيه ضربةٌ بسيفٍ أو طعنةٌ بِرُمْحٍ أو رميةٌ بسهمٍ، فَهَا أنا أموت على فِرَاشي حَتْفَ أنفي كما يموت البعير، فلا نامَتْ أعين الجُبناء"[2]رواه أبو بكر الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم": 836..

هكذا يُبين للناس أن الموت لا يأتي إلا في وقته المُحدد، ولكن الإنسان يخشى من عاقبة السُّوء -والعياذ بالله-؛ لأن الأعمال بالخواتيم كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه[3]قال النبي : إن العبد ليعمل عمل أهل النار، وإنَّه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة، وإنَّه من أهل النار، … Continue reading.

الاستعداد للموت ولقاء الله

قال الله تعالى في الإنسان، وأنه لا مفرَّ له من الموت؛ فعليه أن يستعدَّ للقاء الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجمعة:8]، الموت الذي تفرُّون منه لا بد منه.

فعليك يا عبدالله أن تستعدَّ للقاء الله تعالى بالأعمال الصالحة، حتى إذا هجم عليك الموت كنتَ مُستعدًّا لطاعة الله تعالى، ولا تَبْقَ حتى إذا هجم الموت وإذا بالإنسان قد فرَّط في جنب الله تعالى، وقد ابتعد عن طاعة الله تعالى، وربما يموت فيكون الموت بغتةً أو يكون فجأةً -كما هو موجودٌ في هذه الأزمان- وقد كَثُرَ في الناس موت الفَجْأَة؛ وهو أن يأتي الإنسانَ الموتُ بغتةً، والقبر صندوق العمل.

ولا شكَّ أن على الإنسان أن يغتنم الأوقات والأحوال بالأعمال الصالحة قبل أن يأتي الموت، فإن الموت آتٍ لا محالة، فعليه أن يغتنم الفرصة ويُبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يهجم عليه الموت؛ ولهذا قال الله تعالى: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ۝ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ۝ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ۝ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ۝ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:54- 58].

ولا شكَّ أن الإنسان يجب عليه أن يستعدَّ للقاء الله تعالى، لا للخوف من الموت، ولكن لِيَنْجُو من عذاب الله تعالى، وليفوز برضوان الله تعالى كما سمعتُم في الآية: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185].

وقد بيَّن الله تعالى ذلك للناس، وأمرهم بذلك، ورَغَّبهم في ذلك، وحذَّرهم من أن يهجم عليهم الموت على غفلةٍ، وعلى غِرَّةٍ، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ هم الخاسرون في الدنيا والآخرة، وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ۝ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:9- 11].

فالمقصود والهدف والحكمة من ذِكْر الموت -من فضل الله تعالى- أن يُرَغِّب الناس، وأن يُحَذِّر الناس، وأن يُرَهِّب الناس ويُخَوِّفهم من أن يموتوا على غير سُنةٍ، وعلى غير طاعةٍ لله تعالى وطاعةٍ للنبي صلوات الله وسلامه عليه.

ولهذا بيَّن أن الكافرين إذا جاءهم الموت يتمنَّون أنهم على طاعة الله، وعلى طاعة النبي عليه الصلاة والسلام: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۝ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ۝ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ۝ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ۝ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ۝ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ [المؤمنون:99- 106] إلى آخر الآيات.

وهذا فيه بيانٌ، وفيه تحذيرٌ من الموت على غير طاعة الله تعالى وطاعة النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: نعمتان مَغْبُونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ[4]رواه البخاري: 6412.، رواه البخاري.

نعمتان عظيمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ؛ فالصحة إذا كانت عند الإنسان ولم يستخدمها في طاعة الله، ولم يقم بما أوجب الله عليه، ويترك ما حرَّم الله ؛ فقد غُبِنَ، وكذلك الفراغ، إذا حصل له فراغٌ، ولم يكن عنده ما يشغله من طاعة الله تعالى.

فعليه أن يغتنم هذه الصحة، ويغتنم هذا الفراغ قبل أن يهجم عليه المرض، وقبل أن تهجم عليه الأشغال التي تشغله عن طاعة الله وطاعة النبي صلوات الله وسلامه عليه.

ولهذا جاء رجلٌ إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو يَعِظُه عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: اغْتَنِم خمسًا قبل خمسٍ: شبابك قبل هَرَمِك، وصحتك قبل سَقَمِك، وغِنَاك قبل فَقْرِك، وفراغك قبل شُغلك، وحياتك قبل موتك[5]رواه النسائي في "السنن الكبرى": 11832، والحاكم: 8082، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3355.، رواه الحاكم، وهو حديثٌ حسنٌ كما ذكر العلماء رحمة الله تعالى عليهم.

اغتنام الفرص والأوقات

ينبغي للعبد المسلم أن يفقه هذا، وأن يعلم هذا، فيغتنم هذه الأمور الخمسة: اغتنم شبابك في طاعة الله، وفي طاعة النبي عليه الصلاة والسلام؛ في بِرِّ الوالدين، وفي طلب العلم، وفي الإحسان إلى ذوي الأرحام وإلى الناس، وفيما يُحبه الله تعالى ويرضاه.

اغتنم هذا الشباب في ترك معصية الله تعالى، وفي المُحافظة على الصلوات مع جماعة المسلمين، وفي القيام بما يُحبه الله تعالى ويرضاه، وفي الابتعاد عمَّا يُبْغِضه الله تعالى ويَأْبَاه، وهكذا.

اغتنم شبابك قبل هَرَمِك ... وغِنَاك قبل فَقْرِك إن أغناك الله تعالى بمالٍ فعليك أن تقوم بالواجب؛ تُنْفِق في طاعة الله، وتبتعد عن معصية الله، وتقوم بالواجب في النَّفقة على الأهل والزوجة وغيرهم ممن وَلَّاك الله تعالى النَّفقة عليه، وتُنْفِق فيما يُحبه الله تعالى ويرضاه، وتتصدق في سبيل الله وفيما ينفعك في الآخرة.

فعليك أن تغتنم هذا الغنى قبل أن يأتيك الفقر، أو تهجم عليك كارثةٌ أو جائحةٌ تجتاح المال -والعياذ بالله- فإن الإنسان يتحول من حالٍ إلى حالٍ.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا حول ولا قوة إلا بالله[6]رواه البخاري: 6610، ومسلم: 2704.، لا تحوُّلَ من حالٍ إلى حالٍ إلا بالله تعالى وقُدرته، فلا يتحول الإنسان من الغنى إلى الفقر، ولا من الفقر إلى الغنى، ولا من الصحة إلى المرض، ولا من المرض إلى الصحة، ولا من الحياة إلى الموت إلا بالله تعالى، فعليك أن تغتنم هذا الشباب وهذه الصحة.

وكذلك اغتنم فراغك قبل شغلك، فالإنسان إذا كان عنده فراغٌ فعليه أن يغتنم هذا الفراغ في طاعة الله، وفي طلب العلم، وفي القيام بما أوجب الله، وفي التَّعبد لله تعالى بما يُحبه ويرضاه، وأعلى نوافل العبادات: طلب العلم الشرعي الذي بَيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

كذلك يغتنم حياته قبل موته، ففي الحياة تُكْتَب الأعمال وتُضَاعَف لمَن وفَّقه الله تعالى إلى الإخلاص في أوقاتٍ بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام، وفي أزمانٍ كذلك، وفي بقاعٍ كالحرمين الشريفين، وغير ذلك.

فهذا يدل الإنسان على أنه ينبغي أن يغتنم هذه الخمس التي بيَّنها النبي صلوات الله وسلامه عليه.

ولهذا يقول بعض القائلين:

يَسُرُّ الفتى طولُ السلامة والبقا فكيف يرى طول السلامة يَفْعَل؟[7]البيت للنَّمْر بن تَوْلَب. ينظر: "الكامل" للمُبرد: 1/ 175.
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته أتطلب الربح فيما فيه خسرانُ؟!
أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ[8]البيتان لأبي الفتح البُسْتِي. ينظر: "قصيدة عنوان الحِكَم" لأبي الفتح البُسْتِي: ص36.

فعليك يا عبدالله أن تغتنم هذا الخير، وعليك أن تحذر وتتأهَّب للقاء الله تعالى، فإن الإنسان قد يموت بغتةً، فالموت يأتي بغتةً، والقبر صندوق العمل.

ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتَحَوُّل عافيتك، وفُجَاءة نِقْمَتِك، وجميع سَخَطِك[9]رواه مسلم: 2739..

فالإنسان قد ينتقم الله منه إذا كان على المعاصي أو السيئات أو الجرائم، ولا يخشى الله تعالى، فقد ينتقم الله منه، فيهجم عليه الموت بغتةً: سكتة قلبية أو جلطة دموية أو حادث؛ فينتقل إلى الآخرة صفر اليدين، لا عملًا صالحًا ولا خيرًا يرجوه عند الله تعالى إلا مَن وَفَّقه الله تعالى للتوبة والأَوبَة والرجوع إلى الله تعالى والعمل بالصالحات ومات على ذلك، فهو له خيرٌ عند الله تعالى.

ولهذا بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه أنه ما من أحدٍ يدخل الجنة يُحِبُّ أن يرجع إلى الدنيا وأن له ما على الأرض من شيءٍ غير الشهيد، فإنه يتمنَّى أن يرجع فَيُقْتَل عشر مراتٍ؛ لِمَا يرى من الكرامة[10]رواه البخاري: 2817، ومسلم: 1877 واللفظ له.، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

فعليك يا عبدالله أن تغتنم هذه الحياة، وتغتنم هذا الفضل وهذا الفراغ وهذه الصحة في طاعة الله تعالى وطاعة النبي صلوات الله وسلامه عليه.

ولا تُرْجِ فِعْلَ الخير يومًا إلى غدٍ لعلَّ غدًا يأتي وأنت فقيدُ[11]البيت لمحمود بن الحسن، ينظر: "الزهد" لابن أبي الدنيا: ص185.

بل عليك أن تُبادر إلى الطاعات، وتبتعد عن المعاصي والسيئات؛ حتى تحصل على الثواب من الله .

دوام العمل الصالح وثوابه عند العجز

كذلك على الإنسان المسلم أن يعمل الأعمال التي تُقَرِّبه إلى الله، وتُبْعِده عن غضب الله تعالى، وهي اغتنام الأوقات والأحوال كما سمعتم، ومن هذه الأعمال: الاجتهاد في حال الصحة في الأعمال الصالحة؛ لِتُكْتَب له في حال عجزه أو سفره؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: إذا مَرِضَ العبدُ أو سافر كُتِبَ له مِثْلُ ما كان يعمل مُقِيمًا صحيحًا[12]رواه البخاري: 2996.، رواه البخاري.

هذا فضلٌ من الله، فعليك إذا كنت في صحةٍ وعافيةٍ أن تغتنم الأعمال الصالحة من القيام بالواجبات، والابتعاد عن المُحرمات، والتَّقرُّب إلى الله تعالى بنوافل الطاعات، حتى -لا قدَّر الله- إذا حصل شيءٌ مما يُعِيقك عن هذه الطاعة يُكْتَب لك حتى لو كنت في بيتك.

فتصور: لو أن إنسانًا يصلي الصلوات مع جماعة المسلمين، ويصوم ما كتب الله له من نوافل الصيام: كصيام يومي الاثنين والخميس، أو ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، أو ما أعانه الله عليه من الصيام المشروع الذي شرعه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال فيه: مَن صام يومًا في سبيل الله بَعَّدَ اللهُ وجهه عن النار سبعين خريفًا[13]رواه البخاري: 2840، ومسلم: 1153.، ويقوم بالواجبات، ويبتعد عن المُحرمات، ثم قدَّر الله تعالى عليه فلم يستطع أن يصوم، ولم يستطع أن يعمل الأعمال الصالحة كما كان يعملها؛ فإنه يُكْتَب له، حتى لو كان في بيته مُقْعَدًا يُكْتَب أنه من المصلين مع جماعة المسلمين إذا كان يصلي معهم، ويُكْتَب أنه يصوم هذه الأيام ولو كان لم يَصُمْ، ويُكْتَب له أنه يعمل هذه الأعمال التي كان يعملها؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: إذا مَرِضَ العبدُ أو سافر كُتِبَ له مِثْلُ ما كان يعمل مُقِيمًا صحيحًا.

وهذا من فضل الله تعالى على عباده، فلا يَفُتْكَ هذا الخير يا عبدالله، سواء كان بالمرض أو بالموت أو بالهرم، فقد يَهْرَم الإنسان، وقد يَمُدُّ الله في عمره، والأعمار بيد الله تعالى: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]، لكن على الإنسان أن يُبادر إلى الأعمال الصالحة حتى تُكْتَب له في حالة عجزه عنها.

الأسباب المُعِينة على الاستعداد للآخرة

الأمور التي تُعِين الإنسان على الاستعداد للآخرة كثيرةٌ جدًّا، منها:

الإكثار من ذِكْر الموت

أولًا: الإكثار من ذِكْر الموت -كما سمعتُم في الآية- فالإكثار من ذِكْر الموت من الأسباب التي تُعِين الإنسان على طاعة الله، وتُبْعِده عن معصية الله تعالى؛ ولهذا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: أكثروا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّات[14]رواه الترمذي: 2307، والنسائي: 1824، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1720.، أي: قاطع اللذات.

هادم وهاذم، والهادم والهاذم هو القاطع المُزيل لِلَّذَّات، يُزيل لذَّة الشباب، ويُزيل لذَّة المال، ويُزيل لذَّة التَّمتع بالنظر إلى ما يُحب الإنسان في الدنيا من الزوجة والأولاد، يُزيل اللذَّات ويقطعها على الإنسان.

أكثروا ذِكْرَ هاذِمِ اللذَّات، وفي روايةٍ لغير الترمذي: فإنَّه لا يكون في كثيرٍ إلَّا قَلَّلَه، ولا ‌في ‌قليلٍ ‌إلَّا ‌كَثَّرَه[15]رواه القضاعي في "مسند الشهاب": 671..

ما ذكره المريض أو الفقير أو المُصاب أو المُبْتَلى -ما ذكر الموت- إلا كان ذلك عليه يسيرًا؛ لأنه يَذْكُر أنه ينتقل من هذه الحال -من حال المرض أو من حال الفقر أو من حال المصائب والابتلاءات- إلى الموت، فإنه يَذْكُره، وإنه يكون مُزِيلًا لهذه الأشياء، ويعلم أن الآخرة خيرٌ وأبقى كما سمعتُم في قراءة الإمام -جزاه الله خيرًا-: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:17]، فلا شكَّ أن الآخرة هي خيرٌ وأَبْقَى.

وإذا ذكره صاحب الجَاهِ وصاحب السلطان وصاحب الأموال وصاحب الصحة وصاحب الأمور التي يُحبها فإنها تكون في عينه قليلةً؛ لأنه يعلم أنه سيزول عن هذا السلطان، وسيزول عن هذا الجاه، وسيُفارق الأولاد، وسيُفارق الأموال؛ فتكون هذه الأشياء الكثيرة عنده قليلةً.

وهذه الرواية: فإنَّه لا يكون في كثيرٍ إلَّا قَلَّلَه، ولا ‌في ‌قليلٍ ‌إلَّا ‌كَثَّرَه هذا يدل على فضل ذِكْر الموت كما بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

فعليك يا عبدالله أن تعلم أن أعقل الناس ... لو سُئل بعض الناس: مَن أعقل الناس؟ وسُئل: مَن أفضل الناس؟

سُئل النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك فأجاب صلوات الله وسلامه عليه؛ سُئل عن أفضل الناس، فقال: أحسنُهم خُلُقًا، هذا هو أفضل الناس؛ أفضل الناس أحسنهم خُلُقًا، فقيل له عليه الصلاة والسلام: "فأيُّ المؤمنين أَكْيَس؟" أكيس يعني: أعقل، أعقل الناس، قال: أكثرهم للموت ذِكْرًا، وأحسنُهم لِمَا بعده استعدادًا، أولئك الأكياس[16]رواه ابن ماجه: 4259، والبيهقي في "شعب الإيمان": 7627، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3335.، يعني: العقلاء، هؤلاء العقلاء، وهذا الحديث ثابتٌ عنه صلوات الله وسلامه عليه.

فلا شكَّ أن هؤلاء هم العقلاء الذين بيَّنهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، والحديث رواه ابن ماجه، وحسَّنه الألباني رحمة الله تعالى عليه.

هذا يدل على أن أعقل الناس أكثرهم للموت ذِكْرًا، وأحسنُهم لِمَا بعده استعدادًا، فمَن منَّا من هؤلاء: أكثرهم للموت ذِكْرًا؟

فإذا ذكر الإنسان الموت فإنه يُعِينه على طاعة الله تعالى، ويجعله يستعدُّ لما بعده؛ لأنه يريد وجه الله تعالى.

ذِكْر القبر والبِلَى

مما يُعِين كذلك على الاستعداد للآخرة: ذِكْر القبر والبِلَى.

كان عثمان إذا وقف على قبرٍ بكى حتى يَبُلَّ لحيته ، فَسُئِلَ وقيل له: تُذْكَر الجنةُ والنارُ فلا تبكي، وتبكي من هذا؟! فقال : إنَّ رسول الله قال: إنَّ القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم يَنْجُ منه فما بعده أشدُّ منه. قال: وقال رسول الله : ما رأيتُ منظرًا قطُّ إلا ‌والقبرُ ‌أفظعُ ‌منه[17]رواه الترمذي: 2308، وابن ماجه: 4267، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3550.، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

وهذا يدل على أنه ينبغي للعبد المسلم أن يذكر القبر؛ ولهذا قال : ما رأيتُ منظرًا قطُّ إلا ‌والقبرُ ‌أفظعُ ‌منه أي: أشدُّ منه، وأَرْهَب منه؛ ولهذا بكى رضي الله عنه وأرضاه، وهذا يدل على فقهه، وعلى خوفه من الله، وعلى رغبته فيما عند الله تعالى، فالقبر أول منازل الآخرة.

فعليك يا عبدالله أن تذكر هذا القبر إذا أُدْخِلْتَ فيه.

ويأتي -إن شاء الله- بعض التَّذكير بذلك في الكلمة بعونه تعالى.

ليس شيءٌ من الإنسان إلا يَبْلَى إلا عَجْب الذَّنَب، وعَجْبُ الذَّنَب عضوٌ صغيرٌ في مُؤخرة الإنسان منه يُرَكَّب خَلْقُ بني آدم، ويَنْبُت حينما ينزل المطر من السماء بعد الأربعين التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام[18]عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : ما بين النَّفختين أربعون، قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يومًا؟ قال: … Continue reading، فحينئذٍ يَنْبُت الناس من العَجْب الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام: ليس من الإنسان شيءٌ إلا يَبْلَى إلا عظمًا واحدًا، وهو ‌عَجْبُ ‌الذَّنَب، ومنه يُرَكَّب الخَلْقُ يوم القيامة[19]رواه البخاري: 4935، ومسلم: 2955.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

فإذا ذكر الإنسان ذلك ... وهذا -يعني- مخصوصٌ بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن النبي صلوات الله وسلامه عليه حينما قال: إنَّ لله ملائكةً سيَّاحين في الأرض يُبَلِّغُوني من أُمَّتي السلام[20]رواه النسائي: 1282، وأحمد: 3666، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1215.، وبيَّن عليه الصلاة والسلام أنه ما من أحدٍ يُسلِّم عليه إلا ردَّ الله عليه روحه حتى يردَّ عليه السلام[21]عن أبي هريرة : أن رسول الله  قال: ما من أحدٍ يُسلِّم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ عليه السلام. … Continue reading، وقيل له: يا رسول الله، كيف تُعْرَض صلاتُنا عليك وقد أَرِمْتَ؟ أي: قد بَلِيَتْ عظامُك، فقال: إنَّ الله ​​​​​​​ قد حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء[22]رواه أبو داود: 1047، والنسائي: 1374، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1301.، عليهم الصلاة والسلام.

فالنبي عليه الصلاة والسلام بيَّن ذلك، فعليك يا عبدالله أن تَذْكُر أن هذه الصحة وهذا الشباب وهذا السِّمَن وهذا الجسم الكبير سَيَبْلَى ويأكله الدود، ولا يبقى منه شيءٌ إلا عَجْب الذَّنَب الذي منه يُرَكَّب خَلْق الإنسان يوم القيامة.

فعليك أن تعلم ذلك يا عبدالله، وتتأمَّل، وتستعدَّ للقاء الله تعالى بطاعته وطاعة النبي صلوات الله وسلامه عليه.

قِصَر الأمل

مما يُعِين الإنسان على الاستعداد للقاء الله تعالى والقيام بالأعمال الصالحة: قِصَر الأمل، فيقصر أمله في الدنيا كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يُعِينه على طاعة الله.

قال عليٌّ : "ارتَحَلَت الدنيا مُدْبِرةً، وارتَحَلَت الآخرةُ مُقْبِلةً، ولكل واحدةٍ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإنَّ اليوم عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عمل"[23]رواه البخاري: 8/ 89 مُعَلَّقًا.، رواه البخاري.

عليك يا عبدالله أن تستفيد من هذا الكلام الذي يُكْتَب بماء الذهب عن عليٍّ ، الذي استفاده من مَسيره ومن مُصاحبته لرسول الله عليه الصلاة والسلام.

فعليك يا عبدالله أن تتخذ هذا، وأن تعمل به؛ فإنه قاله من باب الموعظة.

قد بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه لِيُقَصِّرَ الأمل، فَخَطَّ عليه الصلاة والسلام خَطًّا مُربعًا، يُبيِّن للناس بالدعوة الحسية، خطَّ خطًّا مُربعًا عليه الصلاة والسلام، وخطَّ خطًّا داخل المُربع، خارجًا منه، وخطَّ خُطُطًا من إحدى جوانبه، فقال: هذا الإنسان أي: الذي داخل الدائرة، وهذا أجله مُحيطٌ به -أو قد أحاط به- وهذا الذي هو خارجٌ أَمَلُه، وهذه الخُطُطُ الصغارُ الأعراض، فإن أخطأه هذا نَهَشَهُ هذا، وإن أخطأه هذا نَهَشَهُ هذا[24]رواه البخاري: 6417.، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

هذا بيانٌ منه عليه الصلاة والسلام أن أمل الإنسان قد يطول حتى ربما امتدَّ إلى سنين عديدةٍ، وهذا بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

ولا شكَّ أن الإنسان عليه أن يذكر هذا، ويتأمل هذا، فكل إنسانٍ يحصل له ذلك إلا مَن وَفَّقه الله تعالى، ولكن إذا ذكر الأحاديث، وذكر ترغيب النبي عليه الصلاة والسلام وتزهيده في الدنيا، فإنه يَرْغَب في الخير؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام قد قال لعبدالله بن عمر رضي الله عنهما: كُنْ في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابر سبيلٍ، فاستفاد ابن عمر رضي الله عنهما من هذا، فكان يقول: "إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وخُذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك"[25]رواه البخاري: 6416..

فلا شكَّ أن الإنسان إذا طال أَمَلُه قَلَّ عمله؛ ولهذا قال بعض السلف حينما أتى إليه إنسانٌ وقال له: "صَلِّ بنا"، قال: "إني إن صليتُ بكم هذه الصلاة لم أُصَلِّ بكم غيرها"، كأنه كان مسافرًا، أو كان عابر طريقٍ، فقال: "نعوذ بالله من طول الأمل؛ فإنه يمنع خير العمل"[26]عن محمد بن أبي توبة قال: "أقام معروفٌ الصلاة، ثم قال لي: تَقَدَّمْ. فقلتُ: إني إن صليتُ بكم هذه الصلاة لم … Continue reading.

وأنت تظن أنك تُصلي صلاةً أخرى، سبحان الله!

إذن هذا هو قِصَر الأمل؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لرجلٍ سأله فقال: يا رسول الله، عِظْنِي وأَوجِز. قال: إذا قمتَ في صلاتك فَصَلِّ صلاة مُوَدِّعٍ[27]رواه ابن ماجه: 4171، وأحمد: 23498 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 742.، أي: إذا صليتَ الصلاة فعليك أن تتذكر هذا المعنى؛ تتذكر أنك ربما تأتي الصلاةُ الأخرى وأنت قد متَّ، وأن هذه الصلاة هي آخر صلاةٍ يُصليها الإنسان على وجه الدنيا، فكيف يكون خشوعك في هذه الصلاة؟

فلا شكَّ أن هذا مما يُعِين الإنسان على الاستعداد للآخرة، والهرب مما يُغْضِب الله تعالى إلى ما يُرضيه .

قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا يزال قلبُ الكبير شابًّا في اثنتين: في حبِّ الدنيا، وطول الأمل[28]رواه البخاري: 6420 واللفظ له، ومسلم: 1046.، هذا متفقٌ على صحته.

وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: يَهْرَم ابنُ آدم وتَشِبُّ منه اثنتان: الحرصُ على المال، والحرصُ على العمر[29]رواه البخاري: 6421، ومسلم: 1047 واللفظ له..

فكلما يكبر الإنسان -في الغالب- إلا مَن عصمه الله، وأصلح قلبه، وأصلح عمله، وذكَّره بالعلم النافع والعمل الصالح؛ فإنه إن لم يكن كذلك فإنه كلما يكبر ويتقدم في العمر يزداد حبُّ المال في قلبه، وحبُّ العمر في قلبه؛ ولهذا تجده أبخلَ الناس -والعياذ بالله- أو يجمع الأموال، وربما حصل بعض الناس على أموالٍ طائلةٍ عند كبار السنِّ أو عند العجائز، فبعض الناس يجد تحت رأس عجوزه أو غير ذلك المبالغ الكثيرة.

قد ذُكِرَ أن بعض الناس كان قد كبر في سِنِّه، وكان يَشْحَذ في بعض المساجد، فمات، فوجدوا عنده مخزنًا داخل بيته تحت الأرض فيه نقودٌ من عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله تعالى!

هذا يدل على أن الإنسان إن لم يكن في قلبه غِنًى من الله تعالى ورغبةٌ فيما عند الله تعالى فإنَّ في قلبه فاقةً لا يَسُدُّها شيءٌ إلا الموت، فعليك يا عبدالله أن تعلم هذا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ليس الغِنَى عن كثرة العَرَض، ولكنَّ الغِنَى غِنَى النفس[30]رواه البخاري: 6446، ومسلم: 1051.، وقال عليه الصلاة والسلام: قد أفلح مَن أسلم ورُزِقَ كَفَافًا، وقَنَّعَه اللهُ بما آتاه[31]رواه مسلم: 1054..

هذا يدل الإنسان على أنه إذا عمل بهذه الأسباب فإنها -في الحقيقة- تُعِينه على الاستعداد للقاء الله تعالى، ولا شكَّ أن النبي عليه الصلاة والسلام قد ثبت عنه أنه قال: مَن نزلتْ به فاقةٌ فأنزلها بالناس لم تُسَدَّ فاقته، ومَن نزلتْ به فاقةٌ فأنزلها بالله فيُوشِك اللهُ له برزقٍ عاجلٍ أو آجلٍ[32]رواه أبو داود: 1645، والترمذي: 2326 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 838.، وهذا الحديث ثابتٌ عنه عليه الصلاة والسلام.

فالإنسان إذا نزلتْ به فاقةٌ -يعني: حاجة- فأنزلها بالله فيُوشك الله تعالى أن يَسُدَّ حاجته.

فينبغي للمسلم أن يُنْزِل فاقته بالله؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ومَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّه الله، ومَن يَسْتَغْنِ يُغْنِه الله، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْه الله، وما أُعْطِيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر[33]رواه البخاري: 1469، ومسلم: 1053.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الصحيحة أن مَن لم يَقْنَع بالإيمان فإنه لا يشبع من الدنيا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على مَن تاب[34]رواه البخاري: 6436، ومسلم: 1048.، وجاء في الرواية الأخرى: لو كان لابن آدم وادٍ من ذهبٍ أَحَبَّ أنَّ له واديًا آخر، ولن يملأ فَاهُ إلا التراب، ويتوب الله على مَن تاب[35]رواه البخاري: 6439، ومسلم: 1048.، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

فعليك يا عبدالله أن تعمل بهذه الأسباب حتى تُعِينك على الاستعداد للقاء الله تعالى، وعلى العمل الصالح الذي يُعِينك على طاعة الله، ويُبْعِدك عن معاصيه.

التَّفكر في أحوال المُحْتَضَرين وسكرات الموت

كذلك مما يُعِينك على طاعة الله ويُعِينك على الاستعداد للقاء الله: التَّفكر في أحوال الظالمين، والتَّفكر في أحوال المُحْتَضَرين، وقد قال الله تعالى: كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ۝ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ۝ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ ۝ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ۝ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة:26- 30].

فهذا يدل على أن الإنسان إذا تذكَّر هذه الآيات وهذه الأحاديث استعدَّ للقاء الله تعالى.

كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ إذا وصلت الروح إلى التَّراقي، وهي عظامٌ في الحَلْق.

وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ هل من قارئٍ يقرأ؟ هل من مُعالِجٍ؟ هل من طبيبٍ؟ هل من إنسانٍ يُعِين على هذا؟ ولكن لا حياة إذا كتب الله تعالى الموت على الإنسان.

فلا شكَّ أن على الإنسان أن يستعدَّ لذلك، ويتذكر هذه الآيات، كما قال تعالى: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ۝ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ۝ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ۝ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ [الواقعة:83- 86] أي: غير مُصَدِّقين بهذا، قيل في بعض الأوجه في التفسير: غير مُصدِّقين، أو غير مُحَاسَبين.

فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ۝ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ۝ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ يعني: الله تعالى أقرب إلى هذا الميت منا بعلمه واطِّلاعه وإحاطته ، وحفظه إن كان من المؤمنين، وبملائكته الذين ينزعون هذه الروح ويُكَفِّنونها كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.

فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ۝ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الواقعة:86- 87] إن كنتم غير مُصدِّقين أو كنتم غير مُحَاسَبين فعليكم أن تُرجعوا هذه الروح، اجتَمِعُوا عليها وأَرْجِعوها ولا تتركوها تخرج من هذا الإنسان.

فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ۝ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ۝ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ۝ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ۝ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ۝ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ۝ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ۝ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ الضيافة -والعياذ بالله- وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ۝ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ۝ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:86- 96].

فعليك يا عبدالله أن تذكر هذا وتستعدَّ للقاء الله تعالى، وهذا بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه في أحاديث كثيرةٍ، بل قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ۝ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ۝ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30- 32] هذه بِشَارةٌ للمؤمنين أن الموت إذا حصل فالملائكة تُبَشِّرهم بالجنة كما بيَّن الله تعالى ذلك.

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا أي: قالوا: ربنا الله، فاستقاموا على طاعة الله، وآمنوا بالله تعالى وبربوبيته وألوهيته، وقاموا بالواجبات، وابتعدوا عن المُحرمات، واستقاموا على ذلك حتى حصل لهم الموت تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ يُبَشِّرونهم بالجنة أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا لا تخافوا على ما فاتكم، ولا تخافوا مما أمامكم من أهوال القبر، ومن أهوال يوم القيامة، ومن النار، ولا تحزنوا على ما خلَّفتم من الأهل والأموال؛ فالله تعالى خليفة كل مسلمٍ على ذلك.

وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ هذه بُشْرَى من الله لكل مؤمنٍ يموت وهو على طاعة الله وطاعة النبي صلوات الله وسلامه عليه.

قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام: مَن أحبَّ لقاء الله أحبَّ اللهُ لقاءَه، ومَن كَرِهَ لقاءَ الله كَرِهَ اللهُ لقاءَه، فقالت عائشة رضي الله عنها -أو بعض أزواجه رضي الله عنهن-: إنَّا لَنَكْرَهُ الموت. قال: ليس ذاك، ولكنَّ المؤمن إذا حَضَرَه الموتُ بُشِّر برضوان الله وكرامته.

تسأل تقول: نحن نكره الموت، فقال: ليس ذاك، ولكنَّ المؤمن إذا حَضَرَه الموتُ بُشِّر برضوان الله وكرامته، فهذا يُحب لقاء الله: فليس شيءٌ أحبَّ إليه مما أمامه؛ فَأَحَبَّ لقاء الله، وأحبَّ اللهُ لقاءَه، وإنَّ الكافر إذا حُضِرَ أي: إذا حضرته الوفاة بُشِّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيءٌ أَكْرَهَ إليه مما أمامه؛ كَرِهَ لقاءَ الله، وكَرِهَ اللهُ لقاءَه[36]رواه البخاري: 6507..

وهذا يدل على أن المؤمن إذا مات ورأى ملك الموت يقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوانٍ[37]رواه أحمد: 18534، والحاكم: 107، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1676.، فإنه يفرح بذلك، ويُحب لقاء الله، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

أحوال الجنازة بين الراحة والعذاب

كذلك على الإنسان أن يَذْكُر الأمور التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام، وهي تُعِينه على الاستعداد للقاء الله تعالى، ومن هذه الأمور: أن يذكر الحمل على الأكتاف، فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إذا وُضِعَت الجنازة فَاحْتَمَلَها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحةً قالت: قَدِّمُوني، قَدِّمُوني، وإن كانت غير صالحةٍ قالت: يا وَيْلَها! أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كلُّ شيءٍ إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسانُ لَصَعِقَ[38]رواه البخاري: 1380..

تصور أن إنسانًا يحمل جنازة قريبٍ له، فيسمعها تقول: يا وَيْلَها! أين تذهبون بها؟ لو سمعها الإنسان لَصَعِقَ -أُغْمِيَ عليه- أو مات، أما إذا كانت صالحةً فتقول: قَدِّمُوني، قَدِّمُوني.

وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: أسرعوا بالجنازة، فإن تَكُ صالحةً فخيرٌ تُقَدِّمُونها عليه، وإن تكن غير ذلك فَشَرٌّ تضعونه عن رقابكم[39]رواه البخاري: 1315، ومسلم: 944.، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

فعليك يا عبدالله أن تذكر هذا وتستعدَّ للقاء الله تعالى، حتى يُعِينك هذا الأمر على طاعة الله، وعلى طاعة النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وتذكر كذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما مُرَّ بجنازةٍ، فقال عليه الصلاة والسلام: مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَرَاحٌ منه، قالوا: يا رسول الله، ما المُستريحُ والمُسْتَرَاحُ منه؟ قال: العبد المؤمن يستريح من نَصَبِ الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب[40]رواه البخاري: 6512، ومسلم: 950.، رواه مسلم.

هذا يُعِين الإنسان على طاعة الله، ويُعِينه على الاستعداد للقاء الله تعالى، ويُعِينه على ترك المعاصي والسيئات التي حرَّم الله تعالى عليه.

نعيم القبر وعذابه

عليه كذلك أن يذكر فتنة القبر، وسؤال مُنْكَر ونَكِير، ويذكر نعيم القبر، وأن روح المؤمن في الجنة، وروح الكفار في نار جهنم؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: نَسَمَةُ المؤمن طائرٌ يَعْلُقُ في شجر الجنة[41]رواه النسائي: 2073، وابن ماجه: 4271 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1960..

هذا يدل على أن روح المؤمن في الجنة، وجسده في قبره، وهذا من علم الله تعالى، وبِقُدرة الله تعالى، فالجسد في الأرض، والروح في الجنة، والله على كل شيءٍ قديرٌ.

ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الإنسان إذا كان في قبره، وكان يُنَعَّم، فالنعيم يكون للروح، ويكون الجسد تبعًا للروح، وهذا من قُدرة الله تعالى.

هذا الجسد الذي تفتت، والذي بَلِيَتْ عظامه، والذي أكل الدُّودُ لحمَه؛ هذا يُصيبه من هذا النعيم: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20]، وأصل النَّعيم للروح.

وكذلك عذاب القبر بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه وحذَّر منه، وبيَّن أسبابه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا مما يُعِين الإنسان على الاستعداد للقاء الله تعالى، فقد مَرَّ عليه الصلاة والسلام بقبرين يُعَذَّبان، فقال: إنهما لَيُعَذَّبان، وما يُعَذَّبان في كبيرٍ؛ أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنَّميمة[42]رواه البخاري: 218، ومسلم: 292..

هذا يدل على أن من أسباب عذاب القبر: النَّميمة بين الناس، والإفساد بين الناس، والغِيبَة، فهي كذلك من أسباب عذاب القبر؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: لمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بقومٍ لهم أظفارٌ من نُحاسٍ يَخْمُشُون وجوهَهم وصدورَهم، فقلتُ: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويَقَعُون في أعراضهم[43]رواه أبو داود: 4878، وأحمد: 13340، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2839..

وهذا يدل دلالةً واضحةً على أن القبر يُعَذَّب فيه أهل العذاب، ويُنَعَّم فيه أهل النَّعيم، وهو ثابتٌ بالكتاب وبالسُّنة وبإجماع أهل السُّنة: أن عذاب القبر ونعيم القبر حقٌّ؛ لآياتٍ كثيرةٍ، ولأحاديث كثيرةٍ.

حديث البراء في قبض روح المؤمن والكافر

من أعظم الأحاديث في ذلك حديث البراء بن عازب وغيره من الأحاديث التي تدل عليه، والألفاظ التي تدخل في هذا أو في عذاب القبر، فجاء في مجموع الأحاديث: أن المؤمن إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا وإقبالٍ من الآخرة نزل إليه ملائكةٌ بِيضُ الوجوه، حتى يجلسوا منه مَدَّ البصر، فيأتي إليه ملك الموت ويقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوانٍ[44]رواه أحمد: 18534، والحاكم: 107 من حديث البراء ، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 1630.، وربٍّ غير غضبان[45]رواه النسائي في "السنن الكبرى": 11378، وابن ماجه: 4262 من حديث أبي هريرة ، وحسنه الألباني في "مشكاة المصابيح": 1627.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

وهؤلاء الملائكة معهم حَنُوطٌ من الجنة، وأكفانٌ من الجنة، فتخرج روح المؤمن كما تخرج القَطْرة من فِي السِّقاء، أي: من فِي القِرْبَة، أي: تخرج بسرعةٍ حينما تسمع هذا الكلام الجميل: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوانٍ، وربٍّ غير غضبان، فتخرج فيضعها في كَفِّه، ثم لا تلبث أن تكون في هذه الأكفان والحَنُوط من الجنة.

ثم ما من مَلَكٍ من أهل السماء إلا ويسألون الله تعالى أن تَمُرَّ هذه الروح من قِبَلهم[46]رواه أحمد: 18614، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 1630.، وتخرج منها ريحٌ طيبةٌ، فيُقال: ما هذه الروح؟ فيُقال: روح فلان ابن فلان، بأحبِّ الأسماء إليه، ثم يُصْعَد بها، وما من أهل سماءٍ إلا ويسألون الله تعالى أن تَمُرَّ من قِبَلهم حتى يأتوا إلى السماء السابعة، فيقول الله  لهم: اكتبوا كتاب عبدي في عِلِّيين، وما أدراك ما عِلِّيُّون؟ ثم يُكْتَب كتابُه في عِلِّيين، ويرجع إلى الأرض، ويأمر الله تعالى أن يُرَدَّ إلى الأرض ويقول: فإني منها خلقتُهم، وفيها أُعِيدهم، ومنها أُخْرِجهم تارةً أخرى[47]رواه أحمد: 18534، والحاكم: 107 من حديث البراء ، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 1630..

فترجع الروح إلى القبر، فيأتيه مَلَكَان شديدا الانتهار، فيقولان له: مَن ربك؟ ما دينك؟ مَن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمدٌ [48]رواه أحمد: 18614، وأبو داود الطيالسي في "مسنده": 789..

وهذا من أشدِّ ما يُعْرَض على الإنسان في قبره؛ ولهذا -والله أعلم- قال الله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27][49]رواه البخاري: 4699، ومسلم: 2871..

ثم يَنْتَهِرُونه مرةً أخرى: مَن ربك؟ ما دينك؟ مَن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ، فيُنادي مُنادٍ: أنْ صَدَق عبدي، فَأَفْرِشُوه من الجنة، وأَلْبِسُوه من الجنة[50]رواه أحمد: 18534، والبيهقي في "شعب الإيمان": 390، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3558. -أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه- فَيُفْتَح له بابٌ إلى الجنة، وبابٌ إلى النار، فيُقال له: هذا كان منزلك لو عصيتَ الله، أبدلك الله به هذا، ثم ينظر إلى الجنة فيرى ما أعدَّ الله له فيها؛ فيقول: ربِّ أَقِمِ الساعة، ربِّ أَقِمِ الساعة[51]رواه أحمد: 18614، والبيهقي في "شعب الإيمان": 390، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3558..

وفي الحديث: أنه في قبره يأتيه رجلٌ طيب الرائحة، حسن الثياب، فيقول: مَن أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير. فيقول: أَبْشِرْ بالذي يَسُرُّك، أنا جليسك، أنا عملك الصالح، كنت -والله- سريعًا في طاعة الله، بطيئًا عن معصية الله [52]رواه أحمد: 18534، 18614..

هذا عمله الذي يُصاحبه في قبره، هو عمله ورفيقه في قبره.

فعملك يا ابن آدم هو رفيقك في الدنيا، ورفيقك في الجنة، ورفيقك كذلك في قبرك.

وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا، وإقبالٍ من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكةٌ سُودُ الوجوه، معهم المُسُوح أي: من النار فيجلسون منه مَدَّ البصر، ثم يجيء مَلَكُ الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: ‌أيتها ‌النفس ‌الخبيثة، اخرجي إلى سخطٍ من الله وغضبٍ، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

ففي هذه الحالة تتفرَّق هذه الروح في أجزائه، وتحت عَصَبِه، وتحت شعره، فينتزعها مَلَك الموت كما يُنْتَزَع السَّفُّودُ من الصُّوف المَبْلُول، ينتزعها انتزاعًا؛ فيقطع معها العُرُوق والعَصَب -والعياذ بالله- ثم لا يلبث أن يضعها في هذه الأكفان التي مع الملائكة[53]رواه أحمد: 18534، والحاكم: 107، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 1630.، وما من مَلَكٍ في السماء ولا في الأرض إلا وهو يلعنه -والعياذ بالله- وما من مَلَكٍ من أهل السماء إلا وهو يسأل الله تعالى ألا تَمُرَّ هذه الروح من قِبَلِه[54]رواه أحمد: 18614..

ويخرج منها كَأَنْتَنِ ريح جيفةٍ وُجِدَتْ على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يَمُرُّون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يُسمَّى بها في الدنيا والعياذ بالله حتى يُنْتَهَى به إلى السماء الدنيا، فَيُسْتَفْتَحُ له، فلا يُفْتَح له، ثم قرأ النبي عليه الصلاة والسلام: لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40][55]رواه أحمد: 18534، والبيهقي في "شعب الإيمان": 390، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3558..

ثم يأمر الله تعالى: أَعِيدوا عبدي إلى الأرض؛ فإني وعدتُهم أني منها خلقتُهم، وفيها أُعِيدهم، ومنها أُخْرِجهم تارةً أخرى، فَتُطْرَح روحُه طرحًا بقوةٍ في قبره، وحينما تُطْرَح روحه ... قرأ النبي صلوات الله وسلامه عليه: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31][56]رواه أحمد: 18534، والحاكم: 107.، تُطْرَح في قبره طَرْحًا.

ثم إنه يأتيه مَلَكَان شديدا الانتهار فيسألانه: مَن ربك؟ فيقول: هَاهْ، هَاهْ، لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هَاهْ، هَاهْ، لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقول: هَاهْ، هَاهْ، لا أدري[57]رواه أحمد: 18534..

وفي حديث أسماء رضي الله عنها يُقال له: ماذا تقول في هذا الرجل؟ قال: أي رجلٍ؟ قال: محمدٌ. فيقول: والله ما أدري، سمعتُ الناس يقولون شيئًا فقلتُه[58]رواه أحمد: 26976..

فيقولان: لا دَرَيْتَ، ولا تَلَوْتَ، ويُضْرَب بِمِطْرَقةٍ من حديدٍ لو ضُرِبَ بها جبلٌ كان ترابًا، فَيُضْرَب فيكون ترابًا، ثم يُعاد مرةً أخرى، فَيُضْرَب فيصيح صيحةً يسمعها كل شيءٍ إلا الثَّقَلين -إلا الجن والإنس- ثم يُضيَّق عليه قبرُه، كما أن المؤمن قبله -أي: في حديث المؤمن- يُفْسَح له في قبره مَدَّ البصر، أما الكافر والفاجر فيُضيَّق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه.

ثم يُفْتَح له بابٌ إلى الجنة، وبابٌ إلى النار، فيُقال له: انظر إلى مقعدك من الجنة لو أطعتَ الله، أبدلك الله به هذا -أي: في النار- فينظر إلى مقعده من النار، فيقول: ربِّ لا تُقِم الساعة[59]رواه أحمد: 18534، 18614، وعبدالرزاق في "مصنفه": 12432.، أما المؤمن فيقول: ربِّ أَقِم الساعة، ربِّ أَقِم الساعة.

والفاجر والمنافق يرضى بهذا العذاب ويرضى بهذه الإهانة عن إقامة الساعة؛ لأن العذاب في يوم القيامة أشدُّ من عذاب القبر، فيقول: ربِّ لا تُقِم الساعة، ربِّ لا تُقِم الساعة.

الإيمان بعذاب القبر ونعيمه

فعليك يا عبدالله أن تُؤمن بهذا، وتُؤمن بنعيم القبر وعذابه، وأن القبر روضةٌ من رياض الجنة أو حفرةٌ من حُفَر النار، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وعليك أن تُؤمن بما أخبر به النبي صلوات الله وسلامه عليه مما يحصل لأهل القبور، وأن الميت إذا دُفِنَ في قبره وتولَّى عنه أصحابه فإنه يسمع قَرْعَ نِعَالهم حين يُولُّون عنه مُدْبِرين[60]عن أنسٍ  قال: قال نبي الله : إن العبد إذا وُضِعَ في قبره، وتولَّى عنه أصحابه، إنه ليسمع ‌قَرْعَ ‌نِعَالهم … Continue reading، حينما يذهب الناس ويتركونه في قبره يسمع قَرْعَ نِعَالهم، يردُّ الله تعالى عليه روحه ويسمع قَرْعَ النِّعال، لكنه لا يستطيع أن يُكَلِّمهم، ولا يستطيع أن يُناديهم؛ لأنه قد حُبِسَتْ نفسه بما قدَّم من عملٍ، رُهِنَتْ نفسه بهذا.

فعليك يا عبدالله أن تستعدَّ للقاء الله تعالى، وعليك أن تعلم أنه لا ينفعك إلا ما قدَّمْتَ من عملٍ صالحٍ.

فإذا ذكرتَ هذه الأشياء: ذكرتَ الموت وما بعده، وذكرتَ البِلَى وما بعده، وذكرتَ عذاب القبر ونعيمه؛ فَحَرِيٌّ بك أن تستقيم على طاعة الله، ترجو ثواب الله، وتخشى عقابه.

أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، إنه وَلِيُّ ذلك والقادر عليه.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمدٍ.

وبعد الأذان -إن شاء الله- نستمع إلى بعض الأسئلة أو نُكمل، إن شاء الله تعالى.

تنبيهٌ على فضل الأذان ومُتابعة المُؤذن

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أُحب أن أُنَبِّه إلى أن الأذان من أعظم الذكر لله تعالى، فإذا سمعه الإنسان وتابعه حصل على الثواب العظيم، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: ‌إذا ‌قال ‌المُؤذِّن: ‌الله ‌أكبر، الله أكبر. فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. قال: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله. قال: أشهد أن محمدًا رسول الله. ثم قال: حيَّ على الصلاة. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حيَّ على الفلاح. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر، الله أكبر. قال: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله. قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة[61]رواه مسلم: 385..

هذا يدل على فضل مَن تابع المُؤذن، فالمُؤذن عليه أن يشكر الله تعالى على أن مَنَّ عليه بهذا الأذان؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: المُؤذِّنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة[62]رواه مسلم: 387.، والمُستمع يشكر الله تعالى على أنه إذا تابع المُؤذن فإن له هذا الأجر؛ إذا قال مثلما يقول المُؤذن، ثم قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة.

ثم يقول في أثناء الشهادتين إذا قال: "أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله" يقول: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمدٍ رسولًا، وبالإسلام دينًا[63]رواه مسلم: 386..

ثم يُصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يقول: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامَّة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وَابْعَثْهُ مقامًا محمودًا الذي وعدتَه[64]رواه البخاري: 614.، وفي لفظ البيهقي: إنك لا تُخْلِفُ الميعاد[65]رواه البيهقي في "الدعوات الكبير": 49..

والدعاء بين الأذان والإقامة لا يُرَدُّ[66]عن أنس بن مالكٍ  قال: قال رسول الله : لا ‌يُرَدُّ ‌الدعاء بين الأذان والإقامة رواه أبو داود: 521 واللفظ له، … Continue reading، فعليك يا عبدالله ألا يفوتك هذا الخير العظيم، وعليك أن تشكر الله تعالى على هذا الخير.

والأذان ينبغي أن يُحقَّق حتى يحصل الإنسان على ذلك: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله"، يحاول لسانه أنه يُحقق الأذان؛ حتى يحصل على الثواب العظيم.

الأسئلة

أما الأسئلة، فهنا أسئلةٌ.

س: يقول: ما الجمع في السفر؟ وكم مُدته؟ وهل يجمع الذاهب للبَرِّ للنُّزهة؟ وكم مُدة الجمع؟

ج: الجمع في السفر هو: أن يجمع بين الصلاة الرباعية: الظهر والعصر، وكذلك المغرب مع العشاء، هذه يُقال لها: الجمع؛ يجمع بين الصلوات: الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء.

والأفضل للمسافر أن يجمع الأولى مع الثانية إذا كان على ظَهْر سَيْرٍ، أما إذا دخل عليه الوقتُ وهو مُرتاحٌ أو نازلٌ فيجمع الأولى ويصلي معها الثانية، هذا بالنسبة إذا كان على ظَهْر سَيْرٍ.

ومدة الجمع في السفر -يعني: إقامة السفر- إذا قدم من بلدةٍ إلى بلدةٍ وأقام فيها؛ فعند الجمهور إذا بقي أربعة أيامٍ فأقلّ يقصر، أما إذا أقام أكثر من أربعة أيامٍ فإنه يُتِمُّ على الصحيح.

وهل يجمع الذَّاهب للبَرِّ للنزهة؟

نعم، إذا كان يذهب إلى البَرِّ، والبَرُّ بعيدٌ، مسافة قَصْرٍ، ويكون هذا القَصْر معلومًا عند الناس، وأنه يُطْلَق عليه السفر في العُرْف، فإذا قيل: إلى أين ذهب فلانٌ؟ قالوا: سافر. فله أن يجمع بين الصلاتين أثناء سيره، وله أن يقصر الصلاة إن لم يَبْقَ أكثر من أربعة أيامٍ.

س: ما حكم الحلف بالحرام أو الأمانة أو المصحف؟

ج: الحلف بالحرام لا يجوز للإنسان كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: مَن كان حالفًا فَلْيَحْلِفْ بالله أو لِيَصْمُتْ[67]رواه البخاري: 6646، ومسلم: 1646..

أما الأمانة فلا يجوز؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: مَن حلف بالأمانة فليس منَّا[68]رواه أبو داود: 3253، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6203..

أما الحلف بالمصحف: فإن كان يحلف بالقرآن فالقرآن كلام الله، هو صفةٌ من صفات الله، القرآن الكريم كلام الله .

أما إذا كان يقصد المصحف -يعني: جلدة المصحف وأوراق المصحف- فلا يجوز له الحلف بذلك.

فلا شكَّ أن الإنسان ينبغي له أن يقتصر على الحلف بالله: والله، بالله، تالله، يكفي، أما كونه يأتي بأشياء أخرى ...

س: والحلف بالطلاق؟

ج: أقول: والحلف بالطلاق كذلك لا ينبغي للمسلم أن يحلف بهذا، وإذا وقع فعليه أن يسأل أهل العلم.

س: ما أسباب الثبات على هذا الدين؟

ج: أسباب الثبات على هذا الدين:

أولًا: الإيمان الصادق: أن هذا المسلم يعتقد أن الله تعالى ذو الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، وأنه القادر على كل شيءٍ.

ثم الدعاء: يدعو الله تعالى أن يُثَبِّته على دينه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: يا مُقلب القلوب، ثَبِّتْ قلبي على دينك، يسأل الله الثبات، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن كما بيَّن عليه الصلاة والسلام[69]رواه الترمذي: 2140، وأحمد: 12107، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 102.، يُزيغ مَن شاء، ويُقيم مَن شاء.

فعليه أولًا: أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله هو المُستحقُّ للعبادة، وأنه الخالق، الرازق، المُعطي، المانع، الخافض، الرافع، وأنه له الصفات العُلا، والأسماء الحسنى ، وهكذا.

وعليه أن يسأل الله تعالى الثبات، وعليه أن يُصاحب أهل العلم والإيمان، ويحضر الدروس الشرعية، وغير ذلك من الأسباب التي تُعِينه على طاعة الله وتزيد الإيمان؛ لأن الأعمال الصالحة تزيد الإيمان، والمعاصي والسيئات تنقص الإيمان كما بيَّن أهل السُّنة والجماعة.

وأسأل الله تعالى لي ولكم التوفيق والتَّسديد والإعانة، والعلم النافع، والعمل الصالح، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، إنه وَلِيُّ ذلك والقادر عليه، وأن يختم لنا ولكم بخيرٍ.

وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يُرشدنا إلى أن نسأل الله العفو والعافية[70]عن أبي بكر الصديق ، عن النبي  أنه قال: اسألوا الله العفو والعافية؛ فإنَّ أحدًا لم يُعْطَ بعد اليقين خيرًا … Continue reading، ونسأله أن يُحْسِن عاقبتنا، فينبغي للمسلم أن يقول: اللهم أَحْسِنْ عاقبتنا في الأمور كلها، وأَجِرْنَا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله ...

^1 رواه مسلم: 1909.
^2 رواه أبو بكر الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم": 836.
^3 قال النبي : إن العبد ليعمل عمل أهل النار، وإنَّه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة، وإنَّه من أهل النار، وإنَّما الأعمال ‌بالخواتيم رواه البخاري: 6607.
^4 رواه البخاري: 6412.
^5 رواه النسائي في "السنن الكبرى": 11832، والحاكم: 8082، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3355.
^6 رواه البخاري: 6610، ومسلم: 2704.
^7 البيت للنَّمْر بن تَوْلَب. ينظر: "الكامل" للمُبرد: 1/ 175.
^8 البيتان لأبي الفتح البُسْتِي. ينظر: "قصيدة عنوان الحِكَم" لأبي الفتح البُسْتِي: ص36.
^9 رواه مسلم: 2739.
^10 رواه البخاري: 2817، ومسلم: 1877 واللفظ له.
^11 البيت لمحمود بن الحسن، ينظر: "الزهد" لابن أبي الدنيا: ص185.
^12 رواه البخاري: 2996.
^13 رواه البخاري: 2840، ومسلم: 1153.
^14 رواه الترمذي: 2307، والنسائي: 1824، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1720.
^15 رواه القضاعي في "مسند الشهاب": 671.
^16 رواه ابن ماجه: 4259، والبيهقي في "شعب الإيمان": 7627، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3335.
^17 رواه الترمذي: 2308، وابن ماجه: 4267، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3550.
^18 عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ما بين النَّفختين أربعون، قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يومًا؟ قال: أَبَيْتُ. قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أَبَيْتُ. قالوا: أربعون سنةً؟ قال: أَبَيْتُ. قال: ثم يُنْزِل الله من السماء ماءً، فَيَنْبُتُون كما يَنْبُت البَقْل رواه البخاري: 4935، ومسلم: 2955.
^19 رواه البخاري: 4935، ومسلم: 2955.
^20 رواه النسائي: 1282، وأحمد: 3666، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1215.
^21 عن أبي هريرة : أن رسول الله  قال: ما من أحدٍ يُسلِّم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ عليه السلام. رواه أبو داود: 2041، وحسَّنه الألباني في "مشكاة المصابيح": 925.
^22 رواه أبو داود: 1047، والنسائي: 1374، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1301.
^23 رواه البخاري: 8/ 89 مُعَلَّقًا.
^24 رواه البخاري: 6417.
^25 رواه البخاري: 6416.
^26 عن محمد بن أبي توبة قال: "أقام معروفٌ الصلاة، ثم قال لي: تَقَدَّمْ. فقلتُ: إني إن صليتُ بكم هذه الصلاة لم أُصَلِّ بكم غيرها. فقال معروفٌ: وأنت تُحَدِّث نفسك أن تُصَلِّي صلاةً أخرى؟! نعوذ بالله من طول الأمل؛ فإنه يمنع خير العمل"، رواه ابن أبي الدنيا في "قِصَر الأمل": 102.
^27 رواه ابن ماجه: 4171، وأحمد: 23498 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 742.
^28 رواه البخاري: 6420 واللفظ له، ومسلم: 1046.
^29 رواه البخاري: 6421، ومسلم: 1047 واللفظ له.
^30 رواه البخاري: 6446، ومسلم: 1051.
^31 رواه مسلم: 1054.
^32 رواه أبو داود: 1645، والترمذي: 2326 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 838.
^33 رواه البخاري: 1469، ومسلم: 1053.
^34 رواه البخاري: 6436، ومسلم: 1048.
^35 رواه البخاري: 6439، ومسلم: 1048.
^36 رواه البخاري: 6507.
^37 رواه أحمد: 18534، والحاكم: 107، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1676.
^38 رواه البخاري: 1380.
^39 رواه البخاري: 1315، ومسلم: 944.
^40 رواه البخاري: 6512، ومسلم: 950.
^41 رواه النسائي: 2073، وابن ماجه: 4271 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1960.
^42 رواه البخاري: 218، ومسلم: 292.
^43 رواه أبو داود: 4878، وأحمد: 13340، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2839.
^44, ^47 رواه أحمد: 18534، والحاكم: 107 من حديث البراء ، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 1630.
^45 رواه النسائي في "السنن الكبرى": 11378، وابن ماجه: 4262 من حديث أبي هريرة ، وحسنه الألباني في "مشكاة المصابيح": 1627.
^46 رواه أحمد: 18614، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 1630.
^48 رواه أحمد: 18614، وأبو داود الطيالسي في "مسنده": 789.
^49 رواه البخاري: 4699، ومسلم: 2871.
^50, ^55 رواه أحمد: 18534، والبيهقي في "شعب الإيمان": 390، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3558.
^51 رواه أحمد: 18614، والبيهقي في "شعب الإيمان": 390، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3558.
^52 رواه أحمد: 18534، 18614.
^53 رواه أحمد: 18534، والحاكم: 107، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 1630.
^54 رواه أحمد: 18614.
^56 رواه أحمد: 18534، والحاكم: 107.
^57 رواه أحمد: 18534.
^58 رواه أحمد: 26976.
^59 رواه أحمد: 18534، 18614، وعبدالرزاق في "مصنفه": 12432.
^60 عن أنسٍ قال: قال نبي الله : إن العبد إذا وُضِعَ في قبره، وتولَّى عنه أصحابه، إنه ليسمع ‌قَرْعَ ‌نِعَالهم رواه البخاري: 1374، ومسلم: 2870.
^61 رواه مسلم: 385.
^62 رواه مسلم: 387.
^63 رواه مسلم: 386.
^64 رواه البخاري: 614.
^65 رواه البيهقي في "الدعوات الكبير": 49.
^66 عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله : لا ‌يُرَدُّ ‌الدعاء بين الأذان والإقامة رواه أبو داود: 521 واللفظ له، والترمذي: 212، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 265.
^67 رواه البخاري: 6646، ومسلم: 1646.
^68 رواه أبو داود: 3253، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6203.
^69 رواه الترمذي: 2140، وأحمد: 12107، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 102.
^70 عن أبي بكر الصديق ، عن النبي  أنه قال: اسألوا الله العفو والعافية؛ فإنَّ أحدًا لم يُعْطَ بعد اليقين خيرًا من العافية، رواه الترمذي: 3558، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3387.