تخطى إلى المحتوى

تربية الأولاد

المُقدِّم: أما بعد:

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

حيَّاكم الله في هذا اللقاء الطيِّب المبارك المُتجدِّد، والذي يجمعنا بصاحبَي الفضيلة:

  • الشيخ/ عبدالرحمن بن حمَّاد العُمر، الداعية والمحاضر، نسأل الله تعالى أن يبارك في عمره، وأن ينفع به.
  • وصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور/ سعيد بن علي بن وهف القحطاني، الأستاذ بجامعة الملك سعود، والمستشار في وزارة الشؤون الإسلامية.

نسأل الله تعالى أن يجزل المثوبة لصاحبَي الفضيلة، اللذين سيتحدثان عن موضوعٍ مهمٍّ، عن "النشء وتربيتهم والاهتمام بهم"، وذلك في ضوء الكتاب والسُّنة.

سنتحدث بإذن الله تبارك وتعالى بدايةً، مع فضيلة الدكتور/ سعيد بن علي بن وهف القحطاني، عن أهمية تربية الأولاد في الإسلام، فليتفضل جزاه الله خيرًا.

الشيخ: إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يَهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

كلمة فضيلة الشيخ/ سعيد بن علي بن وهف القحطاني

أما بعد:

أيها الإخوة، ما كان لي أن أتقدَّم بين يدي شيخنا الشيخ عبدالرحمن العُمر؛ ولكن لأن عندي بعض العُذر في الحنجرة، أتكلم بما يسَّر الله، ثم يقوم بالموضوع كاملًا. أسأل الله تعالى أن يتقبل من الجميع، وأن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، والتوفيق لما يُحبه ويرضاه.

أهمية تربية الأولاد في الإسلام

أيها الإخوة في الله، لا شكَّ أنَّ تربية الأولاد في ضوء الكتاب والسُّنَّة من أهم المهمات، ومن وصية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ بل من دعائهم دائمًا الذي ذكره الله تعالى في كتابه، وبيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام. فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أول الناس في ذلك، يُعلِّمون الناس الخير ويُخرجونهم من الظلمات إلى النور.

فهذا نوحٌ عليه الصلاة والسلام قال: يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ۝قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [هود:42- 43]. وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [هود:45]. قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ۝قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [هود:46- 47]. هذا أول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين بعثهم الله تعالى إلى دعوة الناس إلى توحيده وعبادته وحده.

وهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام يوصي بذلك، ويدعو بذلك لذريته ولجميع الناس: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ۝رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ۝رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ۝ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ۝الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ۝رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ۝ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:35- 41].

هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام يدعو لذريته صلوات الله وسلامه عليه، أن يكونوا عباد الله تعالى مخلصين: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ۝فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ  [الصافات:100-101]. وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132]. فكان التوحيد صفته ، ورَّثه في ذريته، وأوصاهم به حتى وصلت إلى يعقوب، فوصى بها بنيه حينما قال الله تعالى بيانًا لوصيته: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:133].

وهذا إسماعيل عليه الصلاة والسلام، يقول الله تعالى في وصاياه: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا۝وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم:54- 55]. هذه من صفات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

وهذا زكريا  إذ يقول: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [آل عمران:38]. وقال الله تعالى: وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ۝فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:89- 90].

وهذا خاتم الأنبياء والمرسلين، مُحمَّدٌ عليه الصلاة والسلام، أمره الله تعالى بأن يربِّي أهله، ومَن كان تحت يديه عليه الصلاة والسلام، وأُمته صلوات الله وسلامه عليه؛ فقال الله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132]. وقال عليه الصلاة والسلام: مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها لعشرٍ، وفرِّقوا بينهم في المضاجع[1]رواه أبو داود: 495، وأحمد في "المسند": 6756، وصحَّحه الألباني في "الإرواء": 298..

وأرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى مكارم الأخلاق، وإلى ما يعود على الناس بالنفع في الدنيا والآخرة، ومن ذلكم: تربية الأولاد، وإكثار الأولاد في عبادة الله تعالى؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: تزوَّجوا الودود الولود؛ فإني مُكاثِرٌ بكم الأمم يوم القيامة[2]رواه أبو داود: 2050، والنسائي: 3227، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2940.، صلوات الله وسلامه عليه.

والصالحون كذلك عُنوا بتربية الأولاد، وربَّوْا أولادهم على طاعة الله، وأوصوا بذلك؛ فهذا لقمان الحكيم، قال الله ​​​​​​​: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] إلى أن قال: يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ۝ يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ۝ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ۝ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:16- 19].

هذا لقمان الحكيم الذي بيَّن الله تعالى وصاياه العظيمة التي تُغني عن كثيرٍ من الوسائل في التربية لو التزم بها الناس؛ لأن الله تعالى أقرَّها وتكلَّم بها، فهي من وصية الله تعالى لعباده إلى قيام الساعة.

وعباد الرحمن: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74].

وكذلك الصالحون من عباد الله تعالى، أوصاهم الله تعالى وبيَّن حالهم، وبيَّن أعمالهم التي تكون في أعمالهم، وخاصةً في آخرها: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15].

أسس التربية الصالحة

اختيار الزوجة الصالحة

وهكذا أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بأصل التربية في هذه الحياة الدنيا، وهو اختيار الزوجة الصالحة؛ لأنها اللبنة الأولى لتربية الأولاد على طاعة الله، وتعويدهم على ما يُحبه الله تعالى ويرضاه؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: تُنكَح المرأة لأربعٍ: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك[3]رواه البخاري: 5090، ومسلم: 1466.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

وبيَّن أنَّ المرأة من أعظم الوسائل للتربية؛ لأنها تربِّي أولادها على طاعة الله؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: الدنيا متاعٌ، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة[4]رواه مسلم: 1467.

وبيَّن عليه الصلاة والسلام أنَّ من سعادة الدنيا: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والمركب الصالح[5]رواه أحمد في "المسند": 1445، والحاكم في "المستدرك": 2670، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب: 1914.، أو كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وكذلك الزوج الصالح لَبِنةٌ من لَبِنات التربية في هذه الحياة؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه؛ إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريض[6]رواه الترمذي: 1084، وابن ماجه: 1967، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 270..

وقد أحسن القائل إذ قال:

 الأم مدرسةٌ إذا أعددتها  أعددت شعبًا طيب الأعراق[7]البيت لحافظ إبراهيم. يُنظَر: ديوان حافظ إبراهيم: 282.

الدعاء قبل الجماع.. والأذان في أذن المولود

وكذلك من الأمور العظيمة التي ينبغي للإنسان المسلم أن يعلمها، وهي تربيةٌ أوليَّةٌ مهمةٌ جدًّا قبل أن يبدأ بالتربية العملية، وهي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لو أنَّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنِّبنا الشيطان وجنِّب الشيطان ما رزقتنا؛ فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولدٌ في ذلك، لم يضره الشيطان أبدًا [8]رواه البخاري: 7396، ومسلم: 1434..

وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد أذَّن في أُذن الحسن بن علي، أو الحسين بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة.[9]رواه أبو داود: 5105، والترمذي: 1514، وصحَّحه الألباني في "الإرواء": 1173.. وهذا يدل على العناية في التربية من وقت الولادة. يُؤذِّن في أذنه عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه فوائدُ، منها: الأذان يطرد الشيطان، وأنَّ مِن أول ما يُقرأ في أذن هذا المولود، الأذان الذي شرعه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

اختيار الاسم الحسن

وكذلك من التربية الأولية قبل أن يبدأ في التربية العملية: تحسين اسم الولد، سواءٌ أكان ذكرًا أو أنثى، وإذا قيل: تربية الأولاد؛ فالمعنى: الأولاد والبنات، الذكور والإناث؛ لأن الله يقول: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: 11]، فـ "الأولاد": يشتمل هذا اللفظ على الأبناء والبنات.

ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: إنَّ أَحبَّ أسمائكم إلى الله عبدالله وعبدالرحمن[10]رواه مسلم: 2132..

العقيقة عن المولود

كذلك من التربية الأولية: العقيقة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: كل غلامٍ رهينةٌ بعقيقته، تُذبَح عنه يوم سابعه، ويُسمَّى فيه، ويُحلَق رأسه[11]رواه أبو داود: 2838، والترمذي: 1522، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 4541.. بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ كل غلامٍ رهينةٌ بعقيقته. و"رهينة" قيل: محبوسٌ عن الشفاعة، وقيل غير ذلك.

وهذه من هذه الأمور التي ينبغي للمسلم والمُربِّي أن يبدأ بها قبل التربية العملية؛ التزامًا بهدي النبي عليه الصلاة والسلام في التربية.

التلطف بالأولاد والرحمة بهم

لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يُدخل السرور والتلطف على الأولاد؛ فكان صلوات الله وسلامه عليه قد قَبَّل الحسن  في يومٍ من الأيام -الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما-، وعنده الأقرع بن حابس. فقال الأقرع: "إنَّ لي عشرةً من الولد، ما قبَّلتُ أحدًا منهم. فنظر إليه رسول الله  وقال: مَن لا يَرحَم لا يُرحَم[12]رواه البخاري: 5997، ومسلم: 2318.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

ومن تربيته عليه الصلاة والسلام بإدخال السرور على الأطفال: أنه عليه الصلاة والسلام قال لأخٍ صغيرٍ لأنس بن مالكٍ : يا أبا عُمَيْر، ما فعل النُّغَيْر؟[13]رواه البخاري: 6129، ومسلم: 2150.. و"النُّغير": اسم طائرٍ صغيرٍ كان يلعب به أخو أنسٍ ، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام.

التربية الإيمانية والصحية والبدنية

كذلك قبل الرعاية العملية والتربية العملية، التي سنسمعها إن شاء الله من فضيلة شيخنا، ينبغي العناية والرعاية بالتربية الصحية؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام قد بيَّن ذلك، فقال : الفطرة خمسٌ، وذكر منها الختان[14]رواه البخاري: 5889، ومسلم: 257. صلوات الله وسلامه عليه.

وقال : لولا أنْ أَشُقَّ على أُمتي؛ لأمرتُهم بالسواك عند كل صلاةٍ[15]رواه البخاري: 887، ومسلم: 252..

كذلك ينبغي للعبد المسلم في هذه التربية: أن يحتسب ما يُنفقه على هؤلاء الأولاد، يحتسبه ابتغاء مرضاة الله تعالى؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: إذا أنفق المسلم نفقةً على أهله وهو يحتسبها؛ كانت له صدقةً[16]رواه البخاري: 5351، ومسلم: 1002.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

ويجب على المسلم أن يربِّي أولاده، ذكورًا وإناثًا، على العلم الشرعي؛ ومنها: قوله عليه الصلاة والسلام: مُروا أولادكم بالصلاة لسبعٍ، واضربوهم عليها لعشرٍ[17]سبق تخريجه..

وقد كان عمر  يقول: "علِّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل".

وكذلك تعليمهم القرآن من أعظم الأمور التي ينبغي للمسلم أن يُعنَى بها ويعلمها. وكذلك تعليمهم حرفةً شريفةً يكتسبون منها، وستسمعون هذا إن شاء الله من شيخنا.

والرعاية العقلية التي تدلهم على الخير، الرجل على دين خليله؛ فلينظر أحدُكم من يُخالِل[18]رواه أبو داود: 4833، والترمذي: 2378، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 3545.مثل الجليس الصالح...[19]رواه البخاري: 2101، ومسلم: 2628.، إلى آخر الحديث الذي ستسمعونه إن شاء الله.

تعويد الأولاد على الأخلاق الفاضلة

والتعويد على الأخلاق الفاضلة، كل مولودٍ يولد على الفطرة؛ فأبواه يُهوِّدانه، أو يُنصِّرانه، أو يُمجِّسانه[20]رواه البخاري: 1385، ومسلم: 2658.. هذا الوالد هو الذي يقوم بذلك، ويقوم بهذه التربية، وكذلك يعلِّمهم الآداب التي ستسمعونها إن شاء الله تعالى.

كذلك العدل بين الأولاد، وكذلك الرفق في التربية. وكذلك على المسلم أن يعلم أن التربية الصالحة ستكون لها ثمرةٌ يجنيها العبد في الدنيا والآخرة، الرجولة الكاملة، والأخلاق الحميدة، والحب بين الأولاد، وكذلك تكامل الأسرة وتماسك الأسرة.

كما أنَّ الأضرار للتربية السيئة يكون منها: عقوق الوالدين، والرجولة الناقصة، والأخلاق الفاسدة، والعداوة بين الأولاد، وكذلك تُكوِّن هذه الأمور أسرةً مُنحلَّةً، والعياذ بالله! وستسمعون ذلك إن شاء الله وما يزيد عليه وأكثر من ذلك من شيخنا.

فأسأل الله تعالى، بأسمائه الحُسنى والصفات العُلا، أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا مُحمَّدٍ، وعلى آله وأصحابه وسلِّم تسليمًا كثيرًا.

كلمة فضيلة الشيخ/ عبدالرحمن بن حمَّاد العُمر

المُقدِّم:

جزى الله فضيلة الدكتور/ سعيد بن علي بن وهف القحطاني على هذه الكلمة النافعة العظيمة، التي أوجز بها وجوب الاهتمام بتربية النشء في الإسلام. وننتقل بالحديث مع شيخنا صاحب الفضيلة الشيخ/ عبدالرحمن بن حمَّاد العُمر؛ ليتحدث عن ذلك بتفصيلٍ، جزاه الله خيرًا.

الشيخ:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وخاتم النبيين والمرسلين، ورسول الله ​​​​​​​ إلى الخلق أجمعين، نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشر الأمور مُحدَثاتها، وكل مُحدَثةٍ بدعةٌ، أي: مُحدَثة في الدين، وكل بدعةٍ ضلالةٌ.

إخواني في الله، أحييكم في هذا الاجتماع المبارك بتحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وأسأل الله ​​​​​​​، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا، الذي جمعنا في بيتٍ من بيوته على طاعته، أن يجمعنا ووالدينا ووالديهم، وذرياتنا، وإخواننا المسلمين في دار الكرامة؛ إنه هو السميع العليم.

الأصول الإيمانية في تربية النشء

إخواني في الله، لا شكَّ أنَّ لتربية الناشئة أصولًا يجب على المسلم عامة، وطالب العلم خاصة، أن يتفقه فيها؛ لأنها من الأمور الضرورية اللازمة له في أمر دينه ودنياه.

فلا بُدَّ للمسلم أن يؤمن قبل كل شيءٍ بالأمور الاعتقادية الآتية:

  • الأمر الأول: الإيمان بأن هداية التوفيق بيد الله تعالى، وأنه لا يهتدي مُهتدٍ ولا يهديه هادٍ من الناس إلا بإذن الله ​​​​​​​، ودليل ذلك كثيرٌ، ومنه قوله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ.
  • الأمر الثاني: الإيمان بأن الله عَلِمَ هداية المهتدين وشقاء الأشقياء قبل أن يخلق الخلق، وكتب ذلك عنده في اللوح المحفوظ، ودليله كثيرٌ ومنه:

قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [التغابن:2]، وقوله تعالى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۝ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: 118- 119].

ولذا وجب الإيمان بأن الشقي في اللوح المحفوظ -أعاذني الله وإياكم من الشقاوة- لا يهتدي بوعظٍ، ولا عقابٍ دنيويٍّ ولا أخرويٍّ، ودليل ذلك كثيرٌ، منه:

قوله تعالى: وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس:101]، وقوله تعالى عن أهل النار المُخلَّدين فيها؛ لموتهم على الكفر والعياذ بالله: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:28]، وأما ما يُظهره الشقي من طاعةٍ في الدنيا؛ فإنما ذلك لخوفٍ أو رجاءٍ أو مُخادعةٍ.

  • الأمر الثالث: الإيمان بأن ذلك التفاوت بين العقلاء من الجن والإنس من حيث الشقاوة والسعادة لحكمةٍ عظيمةٍ، جعلها الله سبحانه من أمور الغيب التي أوجب الإيمان بها والتسليم بأنها عين العدل والرحمة. فإذا كشف عنها سبحانه يوم القيامة، أي: عن الحكمة فيها، عَلِمَ المؤمنون بها والمُنكِرون لها أنها الحق علم اليقين، كما بيَّن الخضر لموسى عليهما السلام الحكمة في قتله الغلام البريء؛ فتبيَّن لموسى أنَّ ذلك رحمةٌ به؛ لكي يموت على الفطرة فلا يموت كافرًا، ولكي لا يعيش فيُرهق والديه بكفره.
  • الأمر الرابع: لا بُدَّ أن نؤمن بأن الله سبحانه قديرٌ على جعل الناس كلهم مؤمنين، ودليل ذلك كثيرٌ أيضًا، ومنه: قوله سبحانه: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا [يونس:99].
  • الأمر الخامس: الإيمان بأن ذلك التفريق بين المُكلَّفين لم يكن عبثًا، وإنما لحكمةٍ؛ فقد نزَّه الله سبحانه نفسه المُقدَّسة عن العبث؛ فقال : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ  [الأنبياء:16].

والذين يفسرون حديث القبضتين بأن الله سبحانه لمَّا خلق المُكلَّفين، قبض قبضةً فقال: "هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي"، وقبض أخرى وقال: "هؤلاء إلى النار ولا أبالي"[21]رواه بلفظ قريب: أحمد: 22077، والبزار: 3032، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 50.، الذين يفسرون بأن ذلك حق الله سبحانه؛ لأن الخلق خلقه، يفعل بهم ما يشاء، وليس لأحدٍ الحق في السؤال: لِمَ يفعل الله ذلك؟ أو: لماذا يفعل كذا؟ وربما استدلوا بالآية الكريمة: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]. وهذا استدلالٌ ليس في محله؛ لأن الآية تعني أمرًا آخر خارجًا عن هذا الموضوع، وهو ما يتعلق بأحكامه وحِكَمه وأفعاله العادلة سبحانه وتعالى، ومنها: إثابة المطيعين، وعقاب العاصين، وتقدير الأقدار.

وإنما معنى القبضتين كما دلَّت على ذلك الآيات والأحاديث: أن الله سبحانه قبض القبضة الأولى، وهم السعداء الذين في سابق علمه بأنهم يؤمنون به ويطيعونه ولا يعصونه؛ فقال: هؤلاء إلى الجنة. وقبض  الأخرى، وهم أهل الشقاوة الذين عَلِمَ في سابق علمه أنهم سيكفرون ويعصونه سبحانه تكبُّرًا وحسدًا وعنادًا، وإمامهم في ذلك إبليس، أعاذنا الله وإياكم منه.

  • الأمر السادس: الإيمان بما تقدَّم من تقدير الله تعالى، والتبرؤ من الحول والقوة إلا به تعالى، وأن يخاف المؤمن سوء الخاتمة، وأن يسأله دائمًا حسن الخاتمة؛ فإنه لا يدري ما يُختم له. فقد كان المصطفى -الذي غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر- يخاف ويقول في سجوده: اللهم يا مقلب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك[22]رواه الترمذي: 3522، وأحمد: 12107، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7789.، اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك[23]رواه مسلم: 2654..

وفي الوقت نفسه يجب على المؤمن ألا ييأس من هداية الله تعالى للكافر وللمسلم الفاسق؛ فربما يختم الله له بالخير وخاتمة السعادة، فيكون من أعظم أنصار دين الله، كما هو معلوم ومعروف لدى الجميع، ولكن نسأل الله للمُهتدي الثبات، وللفاسق وللكافر الهداية.

  • الأمر السابع: لا بُدَّ من الإيمان بأن الله سبحانه قريبٌ مجيبٌ؛ فيجب على الزوجين قبل الزواج وبعد عقده أن يضَّرَّعا إلى الله وأن يسألاه التوفيق، وأن يجمعا مع ذلك الاستخارة به سبحانه في هذا الأمر المهم. والاستخارة ليست في نفس الزواج، نعم، الزواج مشروعٌ، والأمور المشروعة لا تحتاج إلى استخارةٍ؛ إنما يستخير الزوج في تلك الزوجة التي اختارها، والزوجة في ذلك الزوج الذي اختارته، إن كان خيرًا أن يُقدِّره، وإن كان شرًّا أن يصرفه.

أسباب صلاح الذرية

من الأسباب التي جعلها الله نافعةً -بإذنه تعالى- لإصلاح النشء، والتي يجب الإيمان بها والأخذ بها، بعد إيمان العبد بالأمور المهمة المتعلقة بالإيمان بالله ​​​​​​​ وقدره، والتي تقدَّم ذكرها:

السبب الأول والثاني من أسباب صلاح الذرية، هذان الأمران يكونان قبل الزواج وهما:

  • الأول: أن يتأكد كلٌّ من الزوجين من صلاح الآخر وحُسن خُلقه؛ لأن هذين الأمرين -صلاح المرء في دينه وحُسن خُلقه- هما الأساسان اللذان يُشترطان في الزوج والزوجة، عملًا بقوله : إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه[24]سبق تخريجه..
  • الأمر الثاني: التأكد من صلاح أبوَي الزوجين وأولادهم، الذين هم إخوةٌ للزوجة وإخوةٌ للزوج؛ لأن أخلاق الوالدين والإخوة لها تأثيرٌ على أولاد الزوجين؛ لأن هذه الأخلاق تُورث كما يُورث الشبه، والعِرق دسَّاسٌ، وهذا شيءٌ معروفٌ، ومُجمَعٌ عليه في الجاهلية والإسلام. ولكن الاختيار يجب أن يكون للبيت الأصيل المعروف بالشرف والدين والشجاعة والكرم وحُسن الخُلق.

ويجب أن يكون ذلك بنيةٍ صالحةٍ؛ من أجل صلاح الذرية، وأن يكتسبوا من هذا البيت المبارك الصالح الصلاح؛ لأن بعضًا من أشراف الناس تجده يبحث عن الزوجة التي عُرف أبوها وإخوتها بالشجاعة والكرم؛ من أجل أن يأتي أولاده على صفتهم؛ ليُفاخر بهم أو يعتدى بهم على أعدائه. والمُجَرَّب أنَّ مَن كانت نيته -وهذا شيءٌ عُرف بالتتبع- المفاخرة والعلو والغلبة والقهر، يُعاقَب بسوء قصده؛ فلا يصلح، سبحان الله! لا يصلح له أولاد. فلا بُدَّ أن يكون الاختيار مبنيًّا على نيةٍ صالحةٍ، يرجو العبد بها صلاح ذريته في الدنيا والآخرة، في أمر دينه ودنياه.

  • السبب الثالث من أسباب صلاح الذرية بعد الدخول -قلنا الأول والثاني قبل الزواج، والثالث بعد الدخول عند الجماع كما سمعنا من الشيخ-: يشرع أن يقول الزوج:  بسم الله، اللهم جنِّبنا الشيطان وجنِّب الشيطان ما رزقتنا؛ فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولدٌ في ذلك، لم يضره الشيطان أبدًا[25]سبق تخريجه.، بإذن الله.
  • السبب الرابع: أن يُحسن اسمه؛ لأن للإنسان -ذكرًا كان أو أنثى- نصيبًا من مُسمَّاه. وقد كان النبي يغيِّر الاسم الذي فيه تزكيةٌ، ويغيِّر الاسم القبيح أيضًا.
  • أما السبب الخامس: فهو أن يُنمِّي فيه ما فطره الله عليه سبحانه من الإيمان به  ووحدانيته؛ بتلقينه الشهادتين، وتعويده على الإخلاص لله ، والخوف منه سبحانه، والصدق، والأمانة، والشجاعة، وعدم الخوف، واحترام الآخرين، وعدم الاعتداء.

هذه أمورٌ قد فطر الله الناس عليها؛ فالطفل تُوجد به هذه الصفات، لا يَحصُل له الكذب ولا يَحصُل له الخوف والجبن إلا بسبب التربية، وإلا فهو لا يخاف؛. ولهذا فإنَّ من الخطأ أن تُشكّك الأم طفلها إذا صاح بتخويفه بالذيب ولا بكذا، حتى إلى درجة أن الكثير من الأولاد -ذكورًا وإناثًا- صاروا يخافون حتى من الصراصير نتيجة التخويف!
فهذه الأخلاق الفاضلة التي خلق الله ، وعليها بني الإنسان يجب أن تُربَى وأن تُنمى فيهم.

  • السبب السادس: أن يكون الأبوان قدوةً حسنةً للأولاد في الإكثار من ذكر الله تعالى، والبعد عن سيئ القول والفعل، وإذا حصل بينهما خلافٌ فلا يُظهِرانه أمامهم.
  • السبب السابع: أن يَعُقَّ -كما سمعنا من الشيخ- الأبُ عن ولده؛ أي: أن يذبح عنه ذبيحةً يوم سابعه، أو في اليوم الرابع عشر، أو الحادي والعشرين، أو في أيِّ يومٍ بعد ذلك من الأيام، بنية التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وحمده وشكره أن جعل هذا الفداء، وأنه ، لم يكلِّفه ويُرهقه كما كلَّف وابتلى إبراهيم الخليل  بأمره بذبح ابنه وبفلذة كبده الوحيد الذي أوتيه على الكبر، فلما بلغ الأمر منتهاه وعزم على ذبحه، فاستسلم الوالد والولد عليهما السلام لأمر الله وقال: يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102]؛ رفع الله أو سلب الله خاصية القطع من السكين، فلم تفعل شيئًا، ونودي: أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ ۝ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات:105]، وفداه الله بذبحٍ عظيمٍ؛ فذبحه عنه وشُرعت الأضحية.

فالعقيقة والأضحية والهدي يجب أن يتقرَّب الإنسان بها إلى الله بخشوعٍ وعبوديةٍ لله؛ لأنها من أعظم العبادات، قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162- 163]. فلو ذبح الإنسان للقبر أو للجنِّ صار ملعونًا على لسان رسول الله : لَعَنَ اللهُ مَن ذبح لغير الله[26]رواه مسلم: 1978.؛ فتقديم القربان وذبح النُسك لا يكون إلا لله، حينما تذبح لغيرك الذبيحة ما تقصد بها أن تعظمه وأن تقدسه بسفك الدم، وإنما تريد أن تكرمه باللحم.

  • أما السبب الثامن: فهو أن يحرص الوالدان على تعليم أولادهم القرآن وسُنَّة النبي منذ الصغر، وأن يحرصا أن يُدخلا الابن في حلقة تحفيظ القرآن في المسجد، والبنت أيضًا تُعلَّم إذا كان هناك تعليمٌ للبنات مُحاطًا بالستر، والحفظ من قِبل مُدرِّساتٍ من المؤمنات.

وكذلك يحرص الوالدان على أن يُلحقا الولد برفقةٍ صالحةٍ يتربى معها على الإيمان والصلاح في أمور دينه ودنياه، ويحذر الانخداع بدعاة الشر الذين يُشوِّهون سمعة تلك الحِلَق وتلك الرفقة، ويرمونهم بالزور والبهتان؛ لأنهم لا يريدون صلاح النشء، وإنما يريدون فساده، نسأل الله السلامة والعافية.

  • أما السبب العاشر: فهو أن يتعامل الوالدان مع الأولاد بالرفق في التربية، ويحذرا العنف؛ لأن ذلك لا يأتي بخيرٍ، إنَّ الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنزع من شيءٍ إلا شانه[27]رواه مسلم: 2594..
  • أما السبب الحادي عشر: فهو أن يجتهدا في العدل بينهم، وتزويجهم -ذكورًا وإناثًا- بالصالحين والصالحات، كما تقدَّم في اختيار الوالدين نفسيهما، ذلك الأمر المهم. والدعاء من كل القلب، فيسأل الوالدان الرب ​​​​​​​ أن يُصلح أولادهم، وأن يهديهم: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74]. رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15].

يجب الاجتهاد في التضرع إلى الله ​​​​​​​، وخصوصًا في السجود في النوافل؛ فيسألان الله ​​​​​​​ لهما المغفرة والرحمة ولوالديهما. فالوالدان لهما حقٌّ كبيرٌ يجب على الولد -ذكرًا كان أو أنثى- أن يحرص كل الحرص على برِّهما بالدعاء لهما في كل الأحوال؛ لأن دعاءه لوالديه ينتفعان به، ويرفع الله بهما منزلتهما في الجنة إن كانا من أهل الجنة. وإن كانا كلاهما أو أحدهما قد استحق النار -والعياذ بالله- فالله  قريبٌ مجيبٌ؛ يعفو عنهما ويسامح ويغفر ؛ فلا يُعذِّب الوالد بسبب دعاء ولده الصالح، وقد ورد في السُّنة، بل وفي القرآن ما يدل على ذلك.

أما الأمر المتعلق بمسألة الدعاء، فهو أن يحذر الوالد والوالدة أن يدعو على ولده؛ لأن دعاء الوالد على الولد مُستجابٌ، فيجب الحذر كلُّ الحذر من أن يدعو عليه، مهما أغضبه، بل يجتهد في أن يُعوِّد نفسه على الدعاء له. فكم من مصيبةٍ أصيب بها الولد بسبب دعاء والده عليه!

فنسأل الله ​​​​​​​، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا، أن يمنَّ علينا بحسن الخاتمة، وأن يُصلح نياتنا وذرياتنا، وأن يغفر لوالدينا ووالديهم وذرياتنا وإخواننا المسلمين.

ونسأل الله أن يُعزَّ الإسلام والمسلمين في كل مكانٍ، وأن يُدمر أعداء الإسلام الذين يكيدون للإسلام والمسلمين، وأن يرد كيدهم في نحورهم.

ونسأل الله أن يجزي ولاة أمورنا على ما يقدمونه من خيرٍ ونصحٍ لرعاياهم، نسأل الله أن يجزيهم كل خيرٍ، وأن يعينهم على المزيد من ذلك.

ونسأل الله أن يرزقهم التوفيق في أقوالهم وأفعالهم، وأن يأخذ بأيديهم لما فيه صلاح دينهم ودنياهم.

ونسأل الله أن يجمع شمل المسلمين على الحق، وأن يولِّي على المسلمين خيارهم، وأن يُبعد عنهم شرارهم، وأن يرزق ولاة أمور المسلمين البطانة الصالحة، وأن يُبعد عنهم بطانة السوء؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على رسوله نبيِّنا محمدٍ.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تعليق سماحة الشيخ/ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ

المُقدِّم: جزى الله صاحبَي الفضيلة على ما تفضَّلا به في هذه الندوة الطيبة المباركة، ونحن على موعدٍ مع تعليقٍ مباركٍ مع سماحة الوالد الشيخ/ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء، والإجابة على أسئلتكم؛ فليتفضل سماحته جزاه الله خيرًا.

الشيخ:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على رسول الله، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وبعد:

فقد أصغينا إلى هذه الندوة المباركة، تحدَّث الشيخ سعيد، والشيخ عبدالرحمن بن حمَّاد العُمر عن موضوعٍ لا شكَّ أنه من الموضوعات المهمة، التي لا بُدَّ للناس أن يذكروها دائمًا، وهو: تربية الأولاد على منهج الكتاب والسُّنَّة.

أمرٌ عظيمٌ، وشأنٌ كبيرٌ لمن عقلها وتأملها؛ ذلك أنَّ الكتاب والسُّنَّة هما سبب السعادة في الدنيا والآخرة لمن تمسَّك بهما، وعمل بهما، وطبَّقهما على واقعه؛ على نفسه، وعلى ولده، وعلى بيته، وعلى مجتمعه. فالكتاب والسّنَّة عصمةٌ للمسلم من الخطأ، وعصمةٌ له من الضلال، وسببٌ لهدايته واستقامته.

تربية النشء أمانةٌ في أعناق الآباء والأمهات

وتربية النشء أمانةٌ في أعناق الآباء والأمهات، وما أعظمها من أمانة! وما أكبرها من مسؤولية!

يخاطب الله عباده المؤمنين قائلًا: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]. فكما أننا نقي أنفسنا النار بطاعتنا لله، والتزامنا الأوامر وبعدنا عن النواهي؛ فكذلك نقي أولادنا النَّار، بأن نعلِّمهم ونربِّيهم التربية الصالحة، وننشِّئهم على الخير والتقوى، ننشِّئهم على حب الخير والرغبة فيه، وننشِّئهم وهم يرون من الآباء والأمهات القدوة الحسنة والأسوة الصالحة.

ينشأ الابن ويُبصر ويدرك الأشياء، ويرى أباه ذا خُلقٍ جَمٍّ: صدقٍ في الحديث، وأداءٍ في الأمانة، ونصحٍ، وبُعدٍ عن الكذب والغش والخيانة، يرى أباه مُعظِّمًا للإسلام، يرى أباه مُعظِّمًا للصلاة، مُحافِظًا عليها، مُعتَنِيًا بها، يرى أباه بارًّا بأمه، وبارًّا بأبيه، يرى أباه واصلًا لرحمه، مُحسِنًا للجوار، قائمًا بالواجب.

عندما ينشأ النشء ويدركون الآباء والأمهات على هذا المنوال الطيب والخُلق الحسن؛ فسينشؤون على خيرٍ، ويقتفون خيرًا.

وينشأ ناشئُ الفتيان مِنَّا  على ما كان عَوَّدَه أبوه[28]البيت لأبي العلاء المعري. يُنظر: "اللزوميات": 413.

يسمع من أبيه الكلمات الطيبة المهذَّبة، ويرى ما بين أمه وأبيه من روابطَ وأواصرَ قويةٍ، فيدرك ما للتعاون في المنزل من أثرٍ فعَّالٍ في إصلاح الفرد والجماعة.

إنَّ مَن يتدبَّر القرآن يجد هذا حقيقةً، كما قال الشيخ سعيد، فيما ساق من الآيات في قوله جلَّ وعلا عن إسماعيل : وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا۝وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم:54- 55].

ويسمع الموفَّق يقول: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15]. فهو يربِّي ويوجِّه، ومع هذا فلا ملجأ له من الله إلا إليه، ولا تحقيق لمراده إلا بتوفيق الله وعونه.

ونجده كما قال الله ​​​​​​​ يصف عباد الرحمن: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74]، هذا الدعاء: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ؛ لأن بالطاعة تَقَرُّ عين الأبوين بالأبناء والبنات، وإذا عصى الأولاد فما هم بِقُرَّة عينٍ.

ونسمع الله ​​​​​​​ يقول عن إبراهيم : رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم:40]، وكذلك نسمع الله جلَّ وعلا يقول عن إبراهيم : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ۝رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ [إبراهيم:35- 36]. هكذا يا إخوان، لا بُدَّ من سببٍ ثم من دعاء الله ورجائه،

وفي وصية لقمان أيضًا، قال الله ​​​​​​​: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، علَّمه التوحيد، وأسَّس العقيدة في نفسه: لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، حذَّره من أعظم الذنوب وأكبر الذنوب وأعظمها شرًّا وأكبرها خطرًا؛ ذنبٌ صاحبه خالدٌ مُخلَّدٌ في النار إن لقي الله ولم يتب.

ثم في ثناياه: يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [لقمان:16] إعلامٌ بكمال قدرة الله، وإحاطته بالعبد، وعلمه بجميع صغائره، وجميع أعماله ما دقَّ منها وما جلَّ.

يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان:17] حصاد ذلك: الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على ما أصابه.

ثم نهاه عن الأخلاق الرذيلة: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:18- 19].

وكما أشار الشيخ سعيد بكلمةٍ قالها: إنَّ تربية القرآن التي جاءت بها الآيات وجاءت بها سُنَّة رسول الله فوق كل ما وضع من وسائل التربية، صحيح؛ فالمُربُّون ووسائلهم لا تهتم بالعقيدة والأصول، قد تهتم ببعض المظاهر، لكن تأسيس العقيدة وتدعيم أركان الإسلام، والأخذ بيدهم إلى الخير؛ هذه أمورٌ تؤخَذ من كتاب ربنا ومن سُنَّة نبيِّنا . فالتربية إذا سلكت هذا المسلك، فإنها تربيةٌ صالحةٌ ناجحةٌ.

هذا نوحٌ يخاطب ابنه، ثم يدعو ربه، كما قال الله : وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ [هود:42]، ثم ينادي ربه: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [هود:45] إلى آخر الآيات.

فيا إخواني، لا بُدَّ من سببٍ، ثم سؤال الله، ثم من قدوةٍ صالحةٍ لهم في الخير، وتعاهدهم. فالله ​​​​​​​ يقول لنبيِّه : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132].

فما أُصيب الأبناء بأكثر من فساد الآباء وسوء أخلاق الآباء وقلة حياء الآباء، هي المصيبة العظيمة. فعلى الأب وعلى الأم أن يكون الجميع قدوةً لهذا النشء؛ ليقتدوا بهم في الخير، وعلى الصواب.

أسأل الله أن يُصلح ذرياتنا، ويرحم آباءنا وأمهاتنا، ويجمع قلوبنا على طاعته، ويوفق ولي أمرنا، وولي عهده والنائب الثاني جميعًا لكل خيرٍ.

وأسأله جلَّ وعلا أن يجزي الشيخ سعيد والشيخ عبدالرحمن خيرًا على ما قدَّماه.

وصلَّى الله على محمدٍ.

الأسئلة

المُقدِّم:

جزى الله سماحة الشيخ على ما تفضَّل، وننبِّه -أيها الأحبة- عن ندوةٍ في الأسبوع القادم بإذن الله تبارك وتعالى، والتي هي بعنوان: "منهج الدعوة إلى الله تعالى"، يتفضل بإلقائها صاحبا الفضيلة الشيخ الدكتور/ خالد بن عبدالرحمن الجريسي، والدكتور/ عبدالله بن إبراهيم اللحيدان؛ فنهيب بالأحبة الحرص على حضور هذه الندوات والمحاضرات النافعة.

س: يقول السائل: سماحة الشيخ، شخصٌ مسحورٌ أو به مَسٌّ، هل هو معذورٌ عن أداء صلاة الجماعة؛ حيث إنه يخشى أنه يضر بإخوانه المسلمين بسبب المرض؟

ج: إذا كان عقله سليمًا يصلي، ما تسقط الصلاة إلا عند فقدان الذاكرة والعقل، وأخشى أن ... وساوس.

س: يقول السائل: سماحة الشيخ، نودُّ من سماحتكم توجيه الآباء والأمهات بألا يدعوا على أبنائهم بالشر، ولكن يدعوا لهم بالخير في كل الأحوال، وكذلك الأمهات.

ج: الله ​​​​​​​ يقول: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]. فالرفق في الدعوة للابن أو غير الابن، واتباع سبيل السداد، والنظر في العواقب، والصبر على بعض الأخطاء في سبيل تحقيق ما هو أعلى من ذلك.

س: يقول السائل: سماحة الشيخ، هل زيارة القبور والصلاة على الجنازة عند القبر تعدل أجر اتباع الجنازة؟

ج: الرسول جعل أمرين: جعل اتباع الجنازة، والصلاة عليها؛ فمن صلَّى عليها فله قيراطٌ، ومن حضرها فله قيراطٌ؛ فإن صلَّى عليها في المسجد وحضر دفنها فله قيراطان. وسُنَّة رسول الله الغالبة عليه أنهم كان يصلون على الجنائز أمام القبر.

س: سؤالٌ من جمهورية مصر يقول: ابني عمره اثنتا عشرة سنةً، ويُحب لعب الكرة والتمرن عليها، وهو يحفظ القرآن ويُصلي أغلب الصلوات في المسجد، هل أتركه بهذه اللعب؟

ج: ما دام يُصلي ويقرأ القرآن في سن الصغر، ولو لم يصحب في لعبة سوءٍ، فهذه من الأمور المُباحة.

س: يقول السائل: إذا رُزق المرء بولدٍ من امرأةٍ، وهذه المرأة لا تُعين الزوج على تربية الولد في أمور الدين والأخلاق، فماذا تنصحونه وتوجِّهون له؟

ج: أبدًا، له الأمر على الزوجة وعلى الولد، يستعين بالله، ويبذل السبب بالرفق واللين، ويتيسَّر أمره إن شاء الله.

س: أنا تائبٌ إلى الله تعالى من كل ذنبٍ ارتكبتُه؛ فادعوا لي بالثبات. وهو يقول: ما هي الطرق لحفظ القرآن الكريم والبعد عن نسيانه؟

ج: أولًا: يا شيخ، قولك: "تائبٌ من كل ذنبٍ"، لا يا شيخ، قُل: "أنا تائبٌ إلى الله"، أما "من كل ذنبٍ" فصعبةٌ على النفوس. قُل: "إني تائبٌ إلى الله إن شاء الله"، "إني راجعٌ إن شاء الله"، "إني تائبٌ"، لكن "من كل ذنبٍ" لا، بل قل: "إنما أنا تائبٌ إلى الله إن شاء الله".

س: يقول السائل: ما هي طرق حفظ القرآن الكريم والبعد عن نسيانه؟

ج: أبدًا، قراءته وتكراره وتعاهده.

س: يقول السائل: تغيرت الأمور في الماضي إلى الحاضر، وخاصةً في تربية الأولاد؛ فنريد نصيحةً للآباء بالأخص في صلاة الفجر، يقول: إذا تأخرت معهم في إيقاظهم تفوتني صلاة الجماعة؛ فهذا الأمر يؤلمني، وأرجو التوجيه.

ج: إن شاء الله يعينك الله، بكِّر بتقويمهم، وانصحهم، ورغِّبهم بالخير، وحثَّهم على الجماعة، وبيِّن لهم فوائدها...

س: يقول السائل: هل لزوجتي أن تطيع والدي؟

ج: في التعاون، وإنما هو ليس مطلوبًا، تطيعه في المعروف، فيما تستطيع وفيما يترتب عليه...

س: ما صحة عقد النكاح من دون حضور شاهدَيْ عدلٍ؟

ج: ما يصلح ذلك إلا بوليٍّ وشاهدَيْ عدلٍ.

س: أنا امرأةٌ ألبس النقاب، وأعيش في أسرةٍ مع أهل الزوج؛ هل يجوز لي أن أكشف وجهي أمام أقارب زوجي؛ من الأخ والخال والعم؟

ج: لا.

س: علمًا بأننا نعيش في بيتٍ واحدٍ.

ج: وإن كان، لا بُدَّ من اعتزال الجنسين.

س: يقول السائل: هل المحلات التجارية من مصانعَ عليها زكاةٌ؟

ج: لا، الزكاة على دخلها إن مضى عليه حَوْلٌ.

س: يقول: هل شراء الذهب بغرض الزينة وليست تجارةً عليه زكاةٌ؟

ج: لا زكاة عليه.

س: يقول السائل: سماحة الشيخ، يشهد الله تعالى على حبكم، رزقني الله تعالى بولدٍ قبل ثلاث سنواتٍ، والآن أريد أن أَعُقَّ عنه، هل لا بُدَّ أن أضع عزومةً في ذلك؟

ج: اذبح ذبيحتين، وكُلْ منها، ووزِّع منها، واعزم عليها.

المُقدِّم: جزى الله سماحة الشيخ على ما تفضَّل، وجزاكم الله خيرًا على حضوركم وإنصاتكم، ونلقاكم في الأسبوع المقبل بإذن الله تبارك وتعالى.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ.

^1 رواه أبو داود: 495، وأحمد في "المسند": 6756، وصحَّحه الألباني في "الإرواء": 298.
^2 رواه أبو داود: 2050، والنسائي: 3227، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2940.
^3 رواه البخاري: 5090، ومسلم: 1466.
^4 رواه مسلم: 1467.
^5 رواه أحمد في "المسند": 1445، والحاكم في "المستدرك": 2670، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب: 1914.
^6 رواه الترمذي: 1084، وابن ماجه: 1967، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 270.
^7 البيت لحافظ إبراهيم. يُنظَر: ديوان حافظ إبراهيم: 282.
^8 رواه البخاري: 7396، ومسلم: 1434.
^9 رواه أبو داود: 5105، والترمذي: 1514، وصحَّحه الألباني في "الإرواء": 1173.
^10 رواه مسلم: 2132.
^11 رواه أبو داود: 2838، والترمذي: 1522، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 4541.
^12 رواه البخاري: 5997، ومسلم: 2318.
^13 رواه البخاري: 6129، ومسلم: 2150.
^14 رواه البخاري: 5889، ومسلم: 257.
^15 رواه البخاري: 887، ومسلم: 252.
^16 رواه البخاري: 5351، ومسلم: 1002.
^17, ^24, ^25 سبق تخريجه.
^18 رواه أبو داود: 4833، والترمذي: 2378، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 3545.
^19 رواه البخاري: 2101، ومسلم: 2628.
^20 رواه البخاري: 1385، ومسلم: 2658.
^21 رواه بلفظ قريب: أحمد: 22077، والبزار: 3032، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 50.
^22 رواه الترمذي: 3522، وأحمد: 12107، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7789.
^23 رواه مسلم: 2654.
^26 رواه مسلم: 1978.
^27 رواه مسلم: 2594.
^28 البيت لأبي العلاء المعري. يُنظر: "اللزوميات": 413.