تخطى إلى المحتوى

صلة الأرحام وخطر قطيعتها

... ولماذا يقرن هذا الحق بحقه سبحانه؟

قال العلماء والمُفسرون: لأن الله تعالى هو الخالق الذي خلق وأوجد، وجعل سببًا لوجود الإنسان في هذه الحياة الدنيا، سببًا حسيًّا هو الوالد والوالدة؛ ولهذا -والله أعلم- قال العلماء: حقُّ الله تعالى قُرن بحقِّ الوالدين؛ لأن الله هو الخالق، ولأنه جعل هذا الوالد وهذه الوالدة سببًا في وجود هذا الإنسان؛ ولهذا قال الله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء:36]، وقال : وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، وقال : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14]؛ فالله تعالى أمر بذلك.

فضل برِّ الوالدين

  • برُّ الوالدين في الحقيقة هو من أفضل الأعمال؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبدالله بن مسعودٍ حين سأله: "أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟" فقال عليه الصلاة والسلام: الصلاة لوقتها. قال: قلتُ: ثم أي؟ قال: ثم برُّ الوالدين. قال: قلتُ: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله[1]رواه البخاري: 5970، ومسلم: 85.. إذن؛ برُّ الوالدين أعظم الواجبات، بعد الصلاة التي لا يكون الإنسان مُسلمًا إلا بها، فمن لم يُصلِّ لم يكن من المسلمين، ولو أقرَّ بوجوبها؛ لأدلةٍ كثيرةٍ ليس هذا موطنها. ولكن قرن الله تعالى حق الوالدين بهذا الحق، كما بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام.
  • برُّ الوالدين يُرضي الرب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: رضا الرب في رضا الوالدين، وسخط الرب في سخط الوالدين[2]رواه الترمذي: 1899، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 7445، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 3507..

وأنا لم أذكر هذه الأحاديث، أي: تخريج هذه الأحاديث، لكني قد وقفتُ على تخريجها، فأقل حديثٍ يُذكر في هذا الموطن أو في هذا المكان، إن شاء الله، يكون في أقل الأحوال في درجة حسن، كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى.

فلا شكَّ أنَّ رضا الرب في رضا الوالد، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: الوالد أوسط أبواب الجنة...، كما ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: الوالد أوسط أبواب الجنة؛ فإن شئتَ فأضع ذلك الباب أو احفظه[3]رواه الترمذي: 1900، وابن ماجه: 3663، وأحمد: 27511، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2486.. وهذا يدل على أهمية برِّ الوالدين والإحسان إليهما.

  • برُّ الوالدين أعظم من الجهاد في سبيل الله تعالى؛ ولهذا جاء رجلٌ يستأذن النبي عليه الصلاة والسلام بالجهاد، فقال : ألك والدان؟ قال: نعم. قال : ففيهما فجاهد[4]رواه البخاري: 3004، ومسلم: 2549.، جاهد بوالديك، والجهاد هنا: بذل الوسع والطاقة فيما يُحبه الله تعالى بإرضاء الوالدين.

وجاء إليه رجلٌ آخر يريد الجهاد، يستأذن النبي عليه الصلاة والسلام، فقال : ألك أمٌّ؟ قال: نعم، قال : فالزمها؛ فإن الجنة تحت رجليها[5]رواه النسائي: 3104، وأحمد: 15538، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 1249.، وفي روايةٍ: ألك والدان؟ قال: نعم، قال : الزمهما، فإن الجنة تحت أرجلهما[6]رواه الطبراني في "الكبير": 2202، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2485..

قال العلماء: ليست الجنة هي التي تحت رجلي الوالد والوالدة، وإنما معنى ذلك: نصيبك من الجنة، وحظك من الجنة لا يأتيك إلا عن طريقهما، فكأنها أو كأنه قد قعد على هذا النصيب، فلا يصلك هذا النصيب من الجنة إلا بعد أن يرضى والدك ووالدتك عليك. وهذا شيءٌ عظيمٌ. فعليك -يا عبد الله- أن تعلم بأن أعظم الجهاد هو برُّ الوالدين، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.

دعا النبي عليه الصلاة والسلام على من لم يبرَّ والديه، فقال عليه الصلاة والسلام: رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه. قيل: من يا رسول الله؟ قال : من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، ولم يدخل الجنة[7]رواه مسلم: 2551.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث صحيحٌ، رواه مسلم.

هذا "رغم أنفه"، دعا عليه بأن يلتصق أنفه بالتراب بالذل والهوان، التراب الذي تطؤه الأقدام؛ لأنه لم يُحسن إلى والديه في هذه السن.

ولهذا في الحديث الآخر أنه قال عليه الصلاة والسلام، حين صعد المنبر: آمين، آمين، آمين، فسُئل عليه الصلاة والسلام، فقال: إن جبريل أتاني فقال: يا محمد، من أدرك أبويه أحدهما أو كليهما عند الكبر، فلم يدخل الجنة؛ فأبعده الله، قل: آمين. فقلتُ: آمين.... والثاني: قال: مَن ذُكرتَ عنده فلم يُصَلِّ عليكَ؛ فأبعده الله، قل: آمين. فقلتُ: آمين. قال: من أدرك رمضان ولم يُغفر له؛ فأبعده الله، قل: آمين. فقلتُ: آمين[8]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 644، وابن حبَّان في"صحيحه": 409، والحاكم في"المستدرك": 7484، وصحَّحه الألباني في … Continue reading.

هذا دعاءٌ من سيد الملائكة ، يؤمِّن عليه سيد البشر ، بل سيد الجن والإنس أجمعين، دعاءٌ مستجابٌ، نسأل الله العفو والعافية.

وفي روايةٍ: أبعده الله، نسأل الله العفو والعافية. وهذا يدل على عظم حق الوالدين، وأن صلة الوالدين أعظم صلة الأرحام -كما سمعتم- فعلى المسلم أن يتقي الله تعالى.

  • كذلك: لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا، فيشتريه فيعتقه[9]رواه مسلم: 1510.. متى تجزي والدك أو والدتك؟ يعني: متى تقوم بهذا الحق كاملًا؟

إذا وجدت الوالد أو الوالدة يُباع في الأسواق مملوكًا، فاشتريتَه، فأعتقتَه؛ لأنك أعتقته من الرق الذي فيه صفة من صفة الحيوانات -البيع والشراء من المتاع- إلى أن يكون حرًّا في عبادة الله تعالى؛ فبهذا قمتَ بواجبك.

وقد جاء رجلٌ من اليمن -كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى- بأمه، يطوف بها حول البيت حول الكعبة، يطوف بالكعبة بأمه على ظهره ويقول:

إِنِّي لَهَا بَعِيرُهَا الْمُذَلَّلُ إِنْ أُذْعِرَتْ رِكَابُهَا لَمْ أُذْعَرِ

ثم نظر لابن عُمرَ رضي الله عنهما، وهو قريبٌ منه، فقال: أتراني جزيتُها؟ قال: لا، ولا بزفرةٍ واحدةٍ"[10]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 11، وصحَّحه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 9/11.. زفرةٌ واحدةٌ، ما جزاها من الزفرات التي تحصل عند الوضع.

ولهذا الأم استحقت أن تُبَرَّ ثلاث مراتٍ زيادةً على حق الوالد؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لرجلٍ قال: يا رسول الله، من أبرُّ؟ -أو في روايةٍ أخرى: مَن أحقُّ الناس بحُسن الصحبة؟- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أمك، قال: ثم مَن؟ قال : ثم أمك. قال: ثم مَن؟ قال : ثم أمك. قال: ثم مَن؟ قال : ثم أبوك[11]رواه البخاري: 5971، ومسلم: 2548.، وفي روايةٍ: أمك ثم أمك ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك[12]رواه مسلم: 2548.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

فهذا يدل على عظم حق الوالدة، لا لترك حق الوالد، ولكن حق الوالد واجبٌ عظيمٌ فرضه الله تعالى، لكن حق الوالدة يمتاز بعدة الأمور، فقد قال العلماء رحمهم الله تعالى: استحقت الوالدة هذه الوصية من النبي عليه الصلاة والسلام لأمورٍ ثلاثةٍ:

    • الأمر الأول: حالة الحمل، وما يحصل لها من الوحم، وما يحصل لها من التعب، وما يحصل لها من المشقة.
    • الأمر الثاني: حالة الوضع، وما يحصل لها من المشقة العظيمة التي تكاد نفسها أن تخرج وتفكر بالموت.
    • الأمر الثالث: حالة الرضاعة، تُرضع حولين كاملين، والشفقة أعظم.

ولهذا خصَّها النبي عليه الصلاة والسلام بزيادة برٍّ على برِّ الوالد، فهذا يدل على عظم حق الوالدين وعلى فضل برِّهما.

وثَبَتَ في الحديث أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أنَّ الوالد أو الوالدة إذا بكى من تصرُّف الولد، فهو كبيرةٌ من كبائر الذنوب. فلو رأى الوالد ولده يتصرف تصرفًا لم يعجبه ولم يوافقه؛ بكى ودمعت عيناه، ولم يقل شيئًا، الولد، ذكر العلماء في حديثٍ عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا من كبائر الذنوب. فكم من والدٍ بكى من تصرفات ولده؟! كم من والدةٍ بكت من تصرفات ولدها؟! سواءٌ أكان ذكرًا أو أنثى؟ والولد يشمل الذكر والأنثى، كما قال الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء:11]. فإذا أطلق الولد يشمل الذكر والأنثى، فلا شكَّ أنَّ حق الوالد عظيمٌ، وعلى المسلم أن يتقي الله تعالى في هذا الحق.

ولا شكَّ أنَّ من تمام البرِّ للوالد والوالدة ما بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ مِن أبرِّ البر أن يَصِلَ الرجلُ أهلَ ودِّ أبيه[13]رواه مسلم: 2552.، هذا من البرِّ.

كيفية بر الوالدين بعد موتهما

قد يقول قائلٌ بأن أباه مات، وأمه ماتت، وفاته الإحسان إليهما في الدنيا؛ فعليه أن يتدارك هذا بأمورٍ، منها: الاستغفار لهما، والصلاة عليهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وكذلك صلة أهل ودِّهما، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك.

ولهذا يُذكر أنَّ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما كان على حمارٍ، وكانت عليه عمامةٌ، فجاء رجلٌ من الأعراب، فرآه ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، فنزل من على الحمار وأركبه عليه، وأعطاه العمامة، فقال له بعض الناس: يا ابن عُمَرَ، هذا رجلٌ من الأعراب يرضى بالشيء اليسير، فكيف تفعل ذلك معه؟! قال: "إنَّ أبا هذا كان وُدًّا لعُمَرَ "، يعني: كان أبوه صديقًا لأبي، وإنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: إنَّ مِن أبرِّ البر أن يَصِلَ الرجلُ أهلَ ودِّ أبيه[14]سبق تخريجه.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

فلا شكَّ أنَّ برَّ الوالدين من أعظم الأمور التي أمر الله بها، وأمر بها النبي عليه الصلاة والسلام. ولعظم برِّ الوالدين، قارن الله تعالى عقوقهما بالشرك بالله تعالى، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال : الإشراك بالله، وعقوق الوالدين. وكان مُتكئًا فجلس، فقال: ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، وشهادة الزور[15]رواه البخاري: 5976، ومسلم: 87.، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فدلَّ ذلكم على أنَّ عقوق الوالد مقرونٌ بالشرك بالله تعالى، نسأل الله العفو والعافية.

ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ الوالد لو طلب من ولده أن يخرج من الدنيا -هذه وصيةٌ- فإنه يخرج لهما، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: أطع والديك، وإن أمراك أن تخرج من دنياك؛ فاخرج لهما[16]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 18، وحسَّنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 14/18.، رواه البخاري في "الأدب المفرد"، وهو حديثٌ جيد.

ولكن الوالد مع ذلك لا يستغل هذا الأمر ولا يغتنم هذا الأمر، ويضر ولده، فإن العلماء تكلموا عن حديث النبي عليه الصلاة والسلام بقوله صلوات الله وسلامه عليه: أنتَ ومالُك لأبيك[17]رواه أبو داود: 3530، وابن ماجه: 2292، وأحمد: 6902، وصحَّحه الألباني في "الإرواء": 838.)، قالوا: له أن يأخذ من مال ولده … Continue reading. فإذا لم يكن بحاجةٍ؛ فعليه أن يكون عفيفًا.

أنا أُخبر وأعرف كثيرًا من الناس ليس له رغبةٌ في مال ولده إذا كان غنيًّا، أو كان مستور الحال؛ لأن رغبته بما عند الله، ورغبته أن يُوجد أولادًا يدعون الله تعالى، ويعبدون الله تعالى، ويدعون له، وينفعونه في الآخرة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: إذا مات ابنُ آدم انقطع عمله إلا من ثلاث... وقال منها: أو ولدٍ صالحٍ يدعو له[18]رواه مسلم: 1631.. فلا شكَّ أنه لا ضرر ولا ضرار[19]رواه ابن ماجه: 2341، وأحمد: 2865، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7517؛ لأن بعض الناس يستغل هذا الحديث، ويقول: "أنت ومالك لأبيك"، حتى إنه اتصل بي بعض الناس، ويقول إن والده يريد أن يأخذ ماله كله، ولا يُبقي له شيئًا، وهو ليس بحاجةٍ له، ويعطيه أولادًا آخرين.

الخلاصة: أنَّ على الإنسان أن يُرضي والده في كل شيءٍ يُحبه الله تعالى ويُحبه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

  • ولعظم برِّ الوالدين، جعل الله تعالى دعوة الوالد البار مُستجابةً، وفيها أحاديثُ كثيرةٌ، منها:
    • قصة أويس القرني من أهل اليمن؛ فقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام، وأوصى الصحابة أن يدعوا لهم إن هو قَدِمَ من اليمن. فأويس القرني كان من أهل اليمن، وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام صفاته، فقال : كان به بَرَصٌ فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدةٌ هو بها بَرٌّ، لو أقسم على الله لأبرَّه... -أي: إذا دعا الله بدعوةٍ استجاب له- فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فكان عمر بن الخطاب -الذي يفرُّ الشيطان من ظله، الذي إذا سلك عُمَرُ فجًّا سلك الشيطان فجًّا آخر- يسأل عن أويسٍ كلما يأتي وفدٌ من اليمن، يسألهم: أمعكم أويس القرني؟ فوجده، فقال: استغفر لي[20]رواه مسلم: 2542..
      الله أكبر! هذا الخليفة، أمير المؤمنين، يقول لإنسان فقير من أهل اليمن يَقدُم إليه: ادعُ لي! فبيَّن أن النبي عليه الصلاة والسلام أوصى بأن يدعو له؛ فهذا يدل على أنَّ مَن برَّ والديه، فإنه يكون مُستجاب الدعوة.
    • القصة الثانية: في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: انطلق ثلاثةُ نفرٍ ممن كان قبلكم، حتى آواهم المبيت إلى غارٍ فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم، فقال الأول: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أَغبِقُ قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي طلب الشجر يومًا، فلم أُرِح عليهما حتى ناما، فحلبتُ لهما غَبوقهما، فلبثتُ والقدح على يديَّ أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا، فأسقيتهما غبوقهما. اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، ففرِّج عنَّا ما نحن فيه من هذه الصخرة؛ فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج...، والثاني دعا الله بعفته، والثالث دعا الله تعالى بحُسن معاملته مع الناس.[21]رواه البخاري: 2272، ومسلم: 2743.، والحديث مشهورٌ معروفٌ، رواه الإمام مسلمٌ في "الصحيح".

الخلاصة: أن مَن بَرَّ والديه؛ فيكون مُستجابَ الدعوة، ولو لم يَرَ استجابة الدعوة، فقد يدعو ويستجيب الله له وهو لا يرى ذلك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ما من مسلمٍ يدعو الله بدعوةٍ، ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحمٍ؛ إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجِّل له دعوته في الدنيا، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها، وإما أن يدَّخرها له إلى يوم القيامة. فقال الصحابة: إذن نُكثر، فقال : الله أكثر[22]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 710، وأحمد في "المسند": 11133، والحاكم في "المستدرك": 1833، وصحَّحه الألباني في "صحيح … Continue reading. الله أكبر!

فالخلاصة: أنَّ برَّ الوالدين من أعظم الواجبات، فعلى المسلم أن يتقي الله تعالى، ويكفيه حديثٌ واحدٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ثلاثةٌ حرَّم الله عليهم الجنة، وأوجب لهم النار...، أو كما قال عليه الصلاة والسلام: مدمن الخمر، والعاقُّ لوالديه، والديوث الذي يُقرُّ في أهله الخبث[23]رواه أحمد: 5372، وصحَّحه محققو "المسند".، نسأل الله العفو والعافية.

ولعظم حقِّ الوالدين، جعل النبي عليه الصلاة والسلام حقَّ الخالة بمنزلة الأم؛ فقال عليه الصلاة والسلام: الخالة بمنزلة الأم[24]رواه البخاري: 2699.. فلو فاتت الأم، تكون الخالة بمنزلة الأم في البر والإحسان، وغير ذلك من الأعمال التي بيَّنها النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وجاء في الحديث الثابت: ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه...[25]رواه النسائي: 2562،  وأحمد في "المسند": 6180، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 3071.، نسأل الله العفو والعافية.

وبرُّ الوالدين من أعظم الواجبات.

فضل صلة الرحم

أما صلة الأرحام فهي -كما تقدَّم وكما سمعتم- صلةُ الأقارب، سواءٌ أكانوا من الحواشي أو من الأرحام: الأعمام، والعمات، والخالات، والأخوال، وكذلك الإخوة والأخوات، والفروع، والأصول، كل هؤلاء أقرباء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك[26]رواه النسائي: 2532، وأحمد في "المسند": 7105، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 8067.، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه. فلا شكَّ أنَّ حقَّ الأرحام حقٌّ عظيمٌ، وينبغي للمسلم أن يُحسن إلى أرحامه.

  • ومن الأمور التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام في فضيلة وصل الأرحام: قوله عليه الصلاة والسلام: إنَّه مَن أُعطي حظه من الرفق؛ فقد أُعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصِلة الرحم، وحُسن الجوار يُعَمِّران الديار، ويزيدان في الأعمار[27]رواه أحمد في "المسند": 25259، وأبو يعلى: 4530 مختصرًا، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2524.، رواه الإمام أحمد وهو حديثٌ جيد. يعني: صلة الأرحام وحُسن الخلق يُعمِّران الديار ويزيدان في الأعمار.
  • وثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه بيَّن ذلك بقوله : مَن أَحبَّ أن يُبسَط له في رزقه، ويُنسَأ له في أثره؛ فليَصِلْ رحمه[28]رواه البخاري: 5986، ومسلم: 2557.. أي: مَن أَحبَّ أن يُزاد في رزقه، وأن يُنسأ له في أثره، أي: يطول في عمره؛ فليصل رحمه. فهذا يدل على أنَّ مَن وصل رحمه، هذا يحصل له. لكن ذكر العلماء لهذا الحديث معنيين:
    • المعنى الأول: منهم من قال -ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى-: إن معنى"زيادة العمر": أنَّ هذا لا شكَّ أنه معلومٌ لله ​​​​​​​؛ بأن فلانًا عمره كذا وكذا إن وصل رحمه، وعمره كذا وكذا إن لم يصل رحمه، وهو معلومٌ عند الله، هل يصل أو لا يصل؟ لكنه ليس معلومًا عند الملائكة، فالملائكة مكتوبٌ عندهم: هذا إن وصل رحمه كتبوا، والله تعالى يعلم بأنهم سيكتبون، وأنه سيصل أو لا يصل؛ لأنه لا يخفى عليه خافية.
    • المعنى الثاني: أنَّ عمره محددٌ، والمعنى: أنَّ الله يبارك في وقته، ويبارك في عمره، ويبارك في أعماله؛ فيكون الوقت القليل مباركًا، والعبادة القليلة مباركةً، كأن عمره كذا من السنين؛ لأن الله بارك بأعماله لصلة رحمه، فهذا من بركات بر الصلة بالأرحام، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
  • وكذلك ومما بيَّنه النبي  عليه الصلاة والسلام بإقراره: أنَّ واصل الرحم لا يخزيه الله، لا يُخزَى؛ لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ولهذا لمَّا رجع النبي عليه الصلاة والسلام حين أتاه جبريل  وضمَّه، فجاء إلى خديجةَ رضي الله عنها، وشكا إليها الأمر، فقالت: "كلا، فوالله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم ...". أول ما بدأت بصِلة الرحم، قالت: "فوالله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"[29]رواه البخاري: 3، ومسلم: 160.، أو كما قالت رضي الله عنها. والحديث في "الصحيح".  فواصل الرحم لا يخزيه الله تعالى لا في الدنيا، ولا في الآخرة.
  • وكذلك وَصْل الرحم من أسباب دخول الجنة؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه حينما سُئل : أيها الناس؛ أفشوا السلام، وصِلُوا الأرحام، وأطعموا الطعام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام[30]رواه الترمذي: 2485، وابن ماجه: 1334، وأحمد: 23784، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 616.. إذن؛ من أسباب دخول الجنة صلة الأرحام، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.

عقوبة قاطع الرحم

ومن أسباب العقوبات العاجلة التي تقع للناس: قطيعة الرحم؛ ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ما مِن ذنبٍ أجدر أن يعجِّل الله ​​​​​​​ لصاحبه العقوبة، من قطيعة الرحم والبغي[31]رواه أبو داود: 4902، والترمذي: 2511، وابن ماجه: 4211، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 5704.. إذن؛ هذا الذي يقطع رحمه ربما تحصل له العقوبة، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام عاجلًا غير آجلٍ؛

وقاطع الرحم يكون محرومًا من الجنة؛ فقد ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا يدخل الجنةَ قاطعُ رحمٍ[32]رواه مسلم: 2556.، وفي روايةٍ: لا يدخل الجنةَ قاطعٌ[33]رواه البخاري: 5984، ومسلم: 2556.. هذا وعيدٌ شديدٌ، نسأل الله العفو والعافية.

والله تعالى حين خلق الخلق، قامت الرحم فتعلَّقت بالعرش ...[34]رواه البخاري: 7502، ومسلم: 2554. ولفظ الحديث كما عند البخاري: عن أبي هريرة : أنَّ رسول الله  قال: خلق الله الخلق، … Continue reading.

... ويجهلون، وكذلك يُحسن إليهم في الأمور كلها وهم يسيئون إليه، هذا يحصل على أمرين:

  • الأمر الأول: أنه كأنَّه يُسِفُّهم المَلَّ، أي: "الرماد الحار"؛ لما يحصلون عليه من الإثم.
  • والأمر الثاني: أنه يُثاب، ويكون معه مُعينٌ ويعينه عليهم[35]رواه مسلم: 2558، بلفظ: عن أبي هريرة  أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي قرابةً، أَصِلُهم ويقطعوني، وأُحسن … Continue reading.

ولا شكَّ أنَّ الإنسان إذا عمل عملًا فإنما يقصد به وجه الله تعالى، والصدقة على القريب، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام، صدقةٌ وصِلةٌ، وهي على الفقير صدقةٌ[36]رواه الترمذي: 658، والنسائي: 2582، وابن ماجه: 1844، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 892..

ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ مِن أعظم الصدقة ما يُعطى للقريب الكاشح[37]رواه أحمد في "المسند": 23530، وابن خزيمة في "صحيحه": 2386، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1110.. قيل: الكاشح الذي يضمر العداوة في كشحه[38]معنى الكاشح: العدو الذي يضمر عداوته ويطوي عليها كشحه، أي: باطنه. والكشح: الخصر، أو الذي يطوي عنك كشحه ولا … Continue reading، وهذا من أعظم الصدقات، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وأوصى النبي عليه الصلاة والسلام بصِلة الرحم؛ ففي الحديث عن بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: أوصاني... -أي: النبي صلوات الله وسلامه عليه- أن أَصِلَ رحمي، وإن أدبرتُ[39]رواه أحمد في "المسند": 21517، وابن حبان في "صحيحه": 449، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2525.، أي: وإن أدبرتُ أَصِلُها.

وسائل صلة الرحم

والصلة تكون بأمورٍ: فتكون بالإحسان، وتكون بالصدقة عند الحاجة، وتكون بالمال عند الحاجة، وتكون بالإقراض عند الحاجة، وتكون بالسلام، وتكون ببشاشة الوجه، وتكون بالاتصال بالهاتف، وتكون بإجابة الدعوة، وتكون بالشفاعة الحسنة، وتكون بكف الأذى، وتكون بالإحسان إلى أقارب أرحامك، وغير ذلك من أنواع الصلة.

فالصلة ليست بالمال وحده؛ لأن بعض الناس يظن أنَّ الصلة لا تكون إلا بالمال، لا؛ فالصلة تتنوع على حسب الحاجة: إن كان فقيرًا فإنه يحتاج إلى المال، وإن كان مُعدِمًا يحتاج إلى إقراضٍ يُقرض، وإن كان يحتاج إلى شفاعةٍ شفع له، وإن كان يحتاج إلى تسهيل أموره سعى فيها، وإن كان يحتاج إلى أي عملٍ يُعينه على طاعة الله أعانه، وهكذا.

ولكن المصيبة أن بعض الناس ربما يصل إلى الهجر، فيهجر أقرباءه ويقطعهم؛ ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاثٍ[40]رواه البخاري: 6237، ومسلم: 2560.، ثلاثة أيامٍ، هذا المسلم، فكيف بالرحم القريبة؟! لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاثٍ، هذا لا يجوز له، ويُحرَّم عليه.

وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفر لكل عبدٍ لا يشرك بالله شيئًا؛ إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناءُ، فيقال: أَنظِروا هذين حتى يصطلحا، أَنظِروا هذين حتى يصطلحا[41]رواه مسلم: 2565..

وقد ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إنَّ أعمال بني آدم تُعرَض كل خميسٍ، ليلة الجمعة... -مثل هذه الليلة- كل خميسٍ ليلة الجمعة، فلا يقبل الله تعالى عملَ قاطعِ رحمٍ[42]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 61، وأحمد في "المسند": 10272، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2538.، رواه الإمام أحمد، وحسَّنه الألباني رحمه الله تعالى.

في هذه الليلة، كل يوم خميسٍ، ليلة الجمعة، تُعرَض الأعمال على الله، فلا يقبل الله تعالى عمل قاطع رحمٍ، نسأل الله العافية.

فعليك -يا عبدالله- أن تبادر بالتوبة قبل الموت، قبل أن يهجم عليك الموت، وأنت قاطعٌ لأرحامك. وعليك بالتقرب لله تعالى بهذه الصلة؛ لأن الإنسان يتعامل مع الله.

كثيرٌ من الناس يقول: "يا أخي، هو لا يُسلِّم عليَّ، أنا ما عندي نفسٌ أن أُسلِّم عليه". لا، أنت تتعامل مع الله، تريد أن ترضي ربك، تريد أن ترفع منزلتك في الآخرة، تريد أن تصل رحمك؛ فحينئذ إذا أرضيت الله تعالى؛ فإن الله يُعينك، وتعمل هذا العمل ابتغاء مرضاة الله تعالى.

أنا أخشى أن بعض الناس لو كان بينه وبين بعض الناس عداوةٌ وشحناءٌ، فأُعطي مثلًا: "أخٌ وأخوه بينهم مشاحناتٌ من أجل الدنيا، ولكن لو قيل له: تُعطى عشرة ملايين، وتسمح له في هذا التراب، وتسمح له بهذا، ولا يدري أحدٌ؛ يوافق في الغالب إذا أُعطي أكثر من حقه الذي يطلب، لكن الثواب عند الله أجلُّ، الثواب عند الله أعظم".

ولا شكَّ أنَّ الموضوع يحتاج إلى عنايةٍ أكثر مما سمعتم، لكن الأوراق كثيرةٌ في الأسئلة، ولعلي أقتصر على هذه الكلمات.

أسأل الله تعالى أن يعفو عني وعنكم، وأن يجعلنا جميعًا ممَّن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأن يجعلنا وإياكم من المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ويبتعدون عن السيئات، وأن يرزقنا جميعًا العلم النافع، والعمل الصالح، والتوفيق لما يُحبه ويرضاه.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الأسئلة

المُقدِّم: جزى الله خيرًا فضيلة الشيخ سعيد بن علي وهف القحطاني على هذه الكلمات المباركات، التي نسأل الله جلَّ وعلا  أن يجعلها في موازين حسناته، وأن يرفع بها درجاته، وأن يُكفِّر بها سيئاته؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

كما ذكر شيخنا حفظه الله، فإن الأسئلة كثيرةٌ جدًّا، ونقتصر على الأسئلة المتعلقة غالبًا بالموضوع.

س: يقول السائل: فضيلة الشيخ، هل من بر الوالدين إعانتهما على شراء الأمور المُنكَرة؟ فوالدي قد يأمرني أن أشتري له الدخان أو القات، وإذا لم أفعل فإنه يغضب عليَّ غضبًا شديدًا، فما موقفي من ذلك؟

ج: جزاك الله خيرًا، هذا قد بيَّنه الله تعالى في كتابه، وبيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: إنما الطاعة في المعروف[43]رواه البخاري: 7257، ومسلم: 1840.، وقد قال الله تعالى قبل ذلك: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15]؛ فإذا طلب الوالد المعاصي لا يُطاع، لكن يُبيِّن له، يقول: يا والدي، غفر الله لك، هذا لا يجوز، هذا حرامٌ، هذا من أسباب دخول النار، هذا عمل قبيح. فلا يطعه في هذا، إنما الطاعة في المعروف[44]سبق تخريجه.، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق[45]رواه أحمد في "المسند": 20653، والطبراني في "الكبير": 381، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7520.، لكن بالبر والإحسان.

بعض الناس ينفض يديه على والديه، والله تعالى قد قال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23]. إذن؛ بعض الناس ينفض، أو يقول: "أُف" يتأفف، هذا شيءٌ حرَّمه الله، هذا لا يجوز. لكن بالكلام الطيب، وبالإحسان، وبالتلطف: "يا والدي، غفر الله لك، هذا لا يجوز، هذا يسبب لي النار، أنا لا أستطيع أن أعمل هذا العمل"، بالكلام الطيب، وبالإحسان. أما كونه يطيعه في المعصية، فلا.

س: يقول السائل: ذكرتم فضيلة الشيخ في المحاضرة أن الوالدين إذا أمرا الولد أن يخرج من الدنيا فعل؛ فما المقصود بالخروج من الدنيا في الحديث؟

ج: الخروج من الدنيا يعني: لو أمرك أن تخرج من مالك كله. فإن كان على باطلٍ فهذا بينه وبين الله تعالى، وإن كان على حقٍّ بحيث كان محتاجًا له، فكذلك. والخلاصة: هذا فيه تعظيمٌ لحق الوالدين، لكن -كما سمعتم- لا يجوز للوالد أن يضر بالولد، حتى ولو طلب مالك بغير حقٍّ، يجب عليك أن توافقه على ذلك. ولكن لعلك تذكِّره بأنه لا يجوز له ذلك؛ لو أخذ مالك وأعطاه ولدًا آخر.

أنا أذكر بعض الناس - غفر الله لنا وله، مات، أسأل الله تعالى أن يعفو عنه- يأخذ من أموال أولاده، يطلبهم ويأخذ من أموالهم، ويقضي دَيْن واحدٍ من أولاده الآخرين! هذا ليس من العدل، هذا فيه ظلمٌ.

فالخلاصة: أن الإنسان عليه أن يتقي الله تعالى؛ الوالد يتقي الله، والولد يتقي الله كذلك؛ لكن بعض الوالدين يستغل هذا، فإن استغله فبينه وبين الله، لكن على الولد أن ينفِّذه ما دام فيه أمورٌ ترجع إلى الدنيا وترجع إلى البالية.

س: يقول السائل: فضيلة الشيخ، طلَّق والدي والدتي وأنا صغيرٌ، وربَّاني زوج أمي، وأصبح اسمي منسوبًا إلى زوج أمي، وليس إلى اسم أبي؛ لأني لم أعرف أبي إلا وأنا كبيرٌ، وأصبحت جميع أوراقي الرسمية باسم زوج أمي؛ فهل أكون قد عققتُ والدي؟ علمًا أنه لم يعطني شيئًا، ولم يربِّني، ولم يعتنِ بي، ولم يسأل عني أبدًا.

الجواب: نعم، هذا العمل كفرٌ، لكن العلماء اختلفوا: هل كفرٌ أكبر أم كفرٌ أصغر؟ هذا يرجع إلى التفصيل الذي ذكره العلماء رحمهم الله تعالى.

فيجب عليك فورًا أن تغيِّر جميع الأوراق، وأن تُنسَب إلى أبيك، بالشهادة، وبما يعرفه الناس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أن ذلك من أنواع الكفر -والعياذ بالله- أن ينتسب الرجل إلى غير أبيه[46]رواه البخاري: 3508، ومسلم: 61..

أما بالنسبة لوالدك، فيجب عليك أن تبرَّه، حتى ولو لم ينفق عليك شيئًا؛ لأن الله جعله سببًا في وجودك، الله الخالق والمعطي والمانع جعل هذا الوالد سببًا في وجودك، والله تعالى أمرك بطاعته، في طاعته سبحانه، ونهاك عن معصيته، عن معصية الوالد بمعصيته؛ فعليك أن تبرَّ والدك، ولو لم ينفق عليك، ولو لم يُحسن إليك في الصغر، حتى لو كان مُشركًا، يجب عليك أن تُحسن إليه، ولكن لا تطعه في الإشراك.

كلامك هذا يدل -والعلم عند الله تعالى- أنك قد عققتَ أباك، وأنَّ عليك أن تتوب إلى الله تعالى؛ لأنك جعلت الطعام والشراب هو السبب في برِّ الوالدين! فهل قال النبي عليه الصلاة والسلام: لأنه أطعمك؟ لأنه غذاك؟ لأنه أسقاك؟ لا، أمر الله تعالى وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالإحسان إلى الوالدين مطلقًا، سواءٌ أكان أعطاك أو لم يُعطك.

أما أوراقك واسمك فيجب عليك أن تغيِّرها، وأنا أرى بأنه يجب عليك من هذه الليلة أن تسعى في تغييرها، والحمد لله، الأمور ميسرةٌ.

وأنا أستغرب أن هذا يكون موجودًا، وأستغرب من سكوت الوالد، هذا يدل على أن الوالد ربما يكون إنسانًا مغلوبًا على أمره، وهو ساكتٌ، ولده يُنسَب إلى غيره، ويعيش بين الناس! هذا من الظلم، هذا من القطيعة من الولد، والده موجودٌ وينتسب إلى غيره! والده حتى ولو لم يكن موجودًا، والولد ساكتٌ، هذا من المصائب، نسأل الله العفو والعافية.

س: يقول السائل: أنا طالبٌ في الجامعة، وفي الإجازة يوجد لديَّ عملٌ في إحدى الشركات في إحدى مدن المملكة، ولكن والداي يحتاجاني بجانبهما في أعمال البيت، فماذا ترى في هذا الأمر؟

ج: أرى إن سمح لك الوالد والوالدة في العمل أن تذهب إلى العمل، وإذا قال الوالد والوالدة: "لا تعمل، نحن بحاجة إليك"؛ فعلى حسب ما يرى الوالد والوالدة.

س: يقول السائل: ذكر في الحديث من الأمور التي يبرُّ بها الولد والده بعد وفاته: الصلاة عليهما، فما معنى الصلاة عليهما؟

ج: الحديث فيه مقالٌ، لكن معناه صحيحٌ: الصلاة عليهما، والدعاء لهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما. المعاني صحيحةٌ وجاءت في أحاديثَ أخرى. ومعنى الصلاة عليهما: صلاة الجنازة، ومن الصلاة عليهما: الدعاء؛ لأن الدعاء صلاةٌ. فمعنى "اللهم صلِّ على محمدٍ": اللهم أثنِ على محمدٍ، هذا دعاءٌ. وصلاة الله على عباده: ثناؤه عليهم. وصلاة العباد على النبي عليه الصلاة والسلام هي: الدعاء.

الخلاصة: أن الصلاة تدخل فيها الصلاة على جنازتهم، ويدخل فيها الدعاء لهما.

س: يقول السائل: والدي مقاطعٌ لأخته، وهي تريد أن تسلِّم عليه وتدخل عليه، ولكنه يرفض أن يسلِّم عليها بحجة أنها تدافع عن زوجها الذي بينه وبين والدي خصومةٌ، فكيف أنصحه؟ وكيف أجعل عمتي تدخل وتسلِّم عليه؟

ج: أولًا: كثيرٌ من الناس لا يعتبر البنت شيئًا، والله تعالى قد رتَّب على ذلك الفضل العظيم. وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ مَن كان له أختان أو بنتان، فأحسن إليهما؛ فإنه يكون مع النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة كهاتين، وأشار بالوسطى والسبابة[47]رواه أبو يعلى: 3448، والطبراني في "الأوسط": 5432، وصحَّحه الألباني في "الصحيحة": 295.. حتى أختك، إذا كان لك أختان أو بنتان. وبين النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ: مَن عالَ جاريتين حتى تبلغا؛ جاء يوم القيامة أنا وهو وضمَّ أصابعه[48]رواه مسلم: 2629.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

ولهذا فإن كثيرًا من الناس يكره البنات، وهذا من عادات الجاهلية، ومنها هذا الذي يقاطع هذه البنت من أجل زوجها.

وقد جاء النبيَّ عليه الصلاة والسلام امرأةٌ -يعني هذا يدل على فضل البنات- جاءت امرأةٌ -كما ذكر البخاري- معها بنتان إلى عائشةَ رضي الله عنها، طلب مسكينة، فأعطتها عائشة رضي الله عنها ثلاث تمراتٍ -وهذا يدل على أنه لا يوجد في بيت النبوة في هذا الوقت الذي سألت فيه هذه المرأة إلا هذه التمرات الثلاث، كما قال شيخنا ابن باز رحمه الله: لو كان عندها أكثر من التمرات الثلاث لأعطتها، لكنها لم تجد إلا ثلاثًا في بيت النبوة- فأعطتها هذه المرأة لبناتها،.

فالمرأة أعطت كل واحدةٍ تمرةً، وأبقت تمرةً لتأكلها، فكل واحدةٍ من البنات أنهت تمرتها، وصارت تسأل أمها التمرة التي معها؛ فشقَّتها بين البنتين وتركت نفسها! فقالت عائشة رضي الله عنها: فأعجبني أمرها، فعرضتُ ذلك على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: إنَّ الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار[49]رواه مسلم: 2630.، رواه البخاري.

أوجب لها بها الجنة، وحرَّم عليها النار؛ بسبب تمرتين، وهي تعول جاريتين!

في هذه القصة العظيمة، كثيرٌ من الناس لا يُعنَى بالبنت، وأنا أذكر أن الوالد -غفر الله له- حدَّثني بقصةٍ وسألت عنها كذلك بعد ...

^1 رواه البخاري: 5970، ومسلم: 85.
^2 رواه الترمذي: 1899، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 7445، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 3507.
^3 رواه الترمذي: 1900، وابن ماجه: 3663، وأحمد: 27511، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2486.
^4 رواه البخاري: 3004، ومسلم: 2549.
^5 رواه النسائي: 3104، وأحمد: 15538، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 1249.
^6 رواه الطبراني في "الكبير": 2202، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2485.
^7 رواه مسلم: 2551.
^8 رواه البخاري في "الأدب المفرد": 644، وابن حبَّان في"صحيحه": 409، والحاكم في"المستدرك": 7484، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 996.
^9 رواه مسلم: 1510.
^10 رواه البخاري في "الأدب المفرد": 11، وصحَّحه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 9/11.
^11 رواه البخاري: 5971، ومسلم: 2548.
^12 رواه مسلم: 2548.
^13 رواه مسلم: 2552.
^14, ^44 سبق تخريجه.
^15 رواه البخاري: 5976، ومسلم: 87.
^16 رواه البخاري في "الأدب المفرد": 18، وحسَّنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 14/18.
^17 رواه أبو داود: 3530، وابن ماجه: 2292، وأحمد: 6902، وصحَّحه الألباني في "الإرواء": 838.)، قالوا: له أن يأخذ من مال ولده بشرطين:

  • الشرط الأول: ألَّا يضر بالولد، بحيث يكون عند الولد أسرةٌ، ثم يأخذ ماله كله.
  • والشرط الثاني: ألا يأخذ هذا المال، ويعطيه لولدٍ آخرَ من أولاده؛ فإن هذا خلاف العدل.

فالمسلم مع ذلك يستغني ويستعفف: ومَن يستعفف يُعفِّه الله، ومن يستغنِ يُغنِه الله((رواه البخاري: 1469، ومسلم: 1053.

^18 رواه مسلم: 1631.
^19 رواه ابن ماجه: 2341، وأحمد: 2865، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7517
^20 رواه مسلم: 2542.
^21 رواه البخاري: 2272، ومسلم: 2743.
^22 رواه البخاري في "الأدب المفرد": 710، وأحمد في "المسند": 11133، والحاكم في "المستدرك": 1833، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1633.
^23 رواه أحمد: 5372، وصحَّحه محققو "المسند".
^24 رواه البخاري: 2699.
^25 رواه النسائي: 2562،  وأحمد في "المسند": 6180، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 3071.
^26 رواه النسائي: 2532، وأحمد في "المسند": 7105، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 8067.
^27 رواه أحمد في "المسند": 25259، وأبو يعلى: 4530 مختصرًا، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2524.
^28 رواه البخاري: 5986، ومسلم: 2557.
^29 رواه البخاري: 3، ومسلم: 160.
^30 رواه الترمذي: 2485، وابن ماجه: 1334، وأحمد: 23784، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 616.
^31 رواه أبو داود: 4902، والترمذي: 2511، وابن ماجه: 4211، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 5704.
^32 رواه مسلم: 2556.
^33 رواه البخاري: 5984، ومسلم: 2556.
^34 رواه البخاري: 7502، ومسلم: 2554. ولفظ الحديث كما عند البخاري: عن أبي هريرة : أنَّ رسول الله  قال: خلق الله الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم، فقال: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال ​​​​​​​: ألا ترضين أن أَصِلَ من وَصَلَك، وأقطع من قَطَعَك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذلك لك.
^35 رواه مسلم: 2558، بلفظ: عن أبي هريرة  أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي قرابةً، أَصِلُهم ويقطعوني، وأُحسن إليهم ويُسيئون إليَّ، وأَحلُم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: لئن كنتَ كما قلتَ، فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ. ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم، ما دمتَ على ذلك.
^36 رواه الترمذي: 658، والنسائي: 2582، وابن ماجه: 1844، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 892.
^37 رواه أحمد في "المسند": 23530، وابن خزيمة في "صحيحه": 2386، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1110.
^38 معنى الكاشح: العدو الذي يضمر عداوته ويطوي عليها كشحه، أي: باطنه. والكشح: الخصر، أو الذي يطوي عنك كشحه ولا يألفك. يُنظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير: 4/ 175.
^39 رواه أحمد في "المسند": 21517، وابن حبان في "صحيحه": 449، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2525.
^40 رواه البخاري: 6237، ومسلم: 2560.
^41 رواه مسلم: 2565.
^42 رواه البخاري في "الأدب المفرد": 61، وأحمد في "المسند": 10272، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2538.
^43 رواه البخاري: 7257، ومسلم: 1840.
^45 رواه أحمد في "المسند": 20653، والطبراني في "الكبير": 381، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7520.
^46 رواه البخاري: 3508، ومسلم: 61.
^47 رواه أبو يعلى: 3448، والطبراني في "الأوسط": 5432، وصحَّحه الألباني في "الصحيحة": 295.
^48 رواه مسلم: 2629.
^49 رواه مسلم: 2630.