جدول المحتويات
- تحقيق التوحيد واتباع النبي أساس قبول الدين
- مكانة الصلاة ووجوب المحافظة عليها
- حقيقة الخشوع في الصلاة
- خشوع النفاق وخطر رفع الخشوع من الأمة
- الخشية وعلاقتها بالعلم
- فضائل الخشوع في الصلاة
- وجوب الخشوع في الصلاة
- شروط الصلاة وأركانها وواجباتها
- مكانة الصلاة في حياة النبي
- أقسام الناس في الصلاة
- نماذج وقدوات من الصحابة والسلف الصالح في الخشوع
- نماذج من التابعين والأئمة في شدة الخشوع
- الأسباب المعينة على الخشوع في الصلاة
- معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته
- صلاح القلب
- متابعة المؤذن
- الأخذ بالآداب التي وردت عن النبي
- اجتناب مكروهات الصلاة
- استحضار مناجاة الله في الصلاة
- علاج الوسوسة الشيطانية في الصلاة
- الخوف من حيلولة الله بين العبد وقلبه
- تدبر معاني الأقوال والأفعال في الصلاة
- إحسان الطهور وإكماله
- الالتزام بصفة صلاة النبي
- المحافظة على الأذكار بعد الصلاة والسنن الرواتب
المُقَدِّم: ..... رسول الله، صلَّى الله على نبينا ورسولنا محمد، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
وبعد:
أيها الأحبة، يطيب لفرع وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد في نجران في هذه الليلة استضافة الشيخ الدكتور الداعية سعيد بن علي بن وهفٍ القحطاني، مع هذا الموضوع المبارك الذي هو أعظم موضوعٍ في الصلاة، فإذا كانت الصلاة أعظمَ موضوع؛ فإنَّ أعظمَ موضوعٍ فيها هو الخشوع؛ إذ إنه ليس للإنسان في صلاته إلا ما عَقَل منها، وهو خشوعه، وهو لُبُّ هذه الصلاة.
لعلنا وإياكم نستمع مُنصتِين لفضيلة الشيخ في هذا الموضوع المبارك.
أسأل الله جل وعلا أن يُوَفِّقَه وأن يُسَدِّدَه؛ إنه على كل شيء قدير. وصلَّى الله على نبينا محمد.
الشيخ: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأشكر الله تعالى الذي منَّ عليَّ وعليكم باللقاء، في هذا المكان المبارك، في هذا الجامع المبارك، وأسأل الله تعالى أن يتقبل منا جميعًا.
تحقيق التوحيد واتباع النبي أساس قبول الدين
أيها الإخوة، تعلمون جميعًا أن المُهمة والحكمة التي من أجلها خُلِق الإنسان في هذه الدنيا هي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، كما قال الله : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58]، فالله خلق الإنس والجن على أن يُوَحِّدُوه ويعبدوه لا شريك له.
ولا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام قد جعله الله تعالى خاتمَ الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليه، لا خير إلا دلَّ أمته عليه، ولا شر إلا حذَّرها عنه عليه الصلاة والسلام؛ فمن أطاعه عليه الصلاة والسلام، واتَّبَعه وصدَّقه، وعَمِل بما جاء به، نجا في الدنيا والآخرة، وكان سعيدًا في الدنيا والآخرة. ومن عصاه وأعرض عن طاعته وخالف أمره عليه الصلاة والسلام؛ فله الذل والهوان والتعاسة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال الله للناس جميعًا مُبَيِّنًا ذلك: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].
فمن كان يحب الله تعالى فعليه أن يُطيع النبي عليه الصلاة والسلام، ويتَّبِعه، ويمتثل أمره عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا دينَ إلا دينُه عليه الصلاة والسلام.
وقد بيَّن للناس في الحج -حجة الوداع- أن ربَّهم واحد، ونبيهم واحد، ولا فضل لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأسودَ على أبيضَ، ولا لأبيضَ على أسودَ؛ إلا بالتقوى[1]رواه أحمد: 23489، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 2700.، صلوات الله وسلامه عليه.
وبيَّن الله تعالى في كتابه العزيز لهذا النبي صلوات الله وسلامه عليه أنه لا دينَ إلا دينُه عليه الصلاة والسلام: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85].
وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس افترقوا، افترق الناس في عهد اليهود والنصارى، افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي[2]رواه الترمذي: 2641، وابن ماجه: 3992، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1082..
فإذا أردت أن تُحَدِّدَ عقيدتك، وتُحَدِّد صلاح دينك، وتُحَدِّدَ سلامتك ونجاتك، هل أنت من الناجين أو من الخاسرين الذين قد خسروا أنفسهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة؟ فانظر إلى هذا التعريف: هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي، صلوات الله وسلامه عليه.
وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام على دين الله الذي أنزله له صلوات الله وسلامه عليه، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره[3]رواه مسلم: 8..
وشرع له تبارك وتعالى شرائع الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإقام الصلاة كما بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام: خمس صلواتٍ في اليوم والليلة[4]رواه البخاري: 46، ومسلم: 11.، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا[5]رواه البخاري: 8، ومسلم: 16.؛ هذا دينه عليه الصلاة والسلام.
مكانة الصلاة ووجوب المحافظة عليها
هذه مقدمة، وعليك أن تعلم أن هذه الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام: مَن حافَظَ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومَن لم يُحافِظْ عليها لم يكن له نورٌ ولا برهانٌ ولا نجاةٌ، وكان يومَ القيامةِ مع قارونَ وفرعونَ وهامانَ وأُبَيِّ بنِ خَلَفٍ، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام[6]رواه أحمد: 6576 واللفظ له، والدارمي: 2763، وحسنه محققو "المسند"..
وهذه الصلاة من لم يحافظ عليها لم يكن من المسلمين، إذا لم يحافظ عليها كما أمر الله تعالى؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: العهدُ الذي بينَنا وبينَهم الصلاةُ؛ فمَن تَرَكها فقد كَفَرَ[7]رواه الترمذي: 2621 واللفظ له، والنسائي: 463، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 564..
وهي الصلاة التي شرعها رسول الله عليه الصلاة والسلام لأمته، خمس صلواتٍ في اليوم والليلة: الظهر أربع ركعات، مع سنتها، والعصر أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء أربع ركعات، والفجر ركعتين. من زاد على هذه الصلاة لا يقبل الله منه، ولو صلَّى ألف صلاة، ومن نقص لا يقبل الله منه حتى يُصَلِّيَ هذه الصلاة التي شرعها رسول الله عليه الصلاة والسلام.
قال : بينَ الرجُل وبينَ الشرك والكفر: تركُ الصلاة[8]رواه مسلم: 82.؛ فعليك يا عبدالله أن تعلم أن هذه الصلاة شأنها عظيم.
حقيقة الخشوع في الصلاة
ثم الخشوع، وهو هذا الموضوع الذي سمعتموه من الإخوان، الخشوع في الحقيقة هو لُبُّ الصلاة، هو روحها، هو رأسها الذي بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ولا شك أن الخشوع في الصلاة واجبٌ من الواجبات التي ينبغي للمسلم أن يلتزم بها؛ امتثالًا لأمر الله تعالى، وامتثالًا لأمر النبي عليه الصلاة والسلام. فأولًا: النبي صلوات الله وسلامه عليه بيَّنه وحثَّ عليه، والله تعالى بيَّن ذلك.
والخشوع في الحقيقة هو لِينُ القلب وخضوعُه وذُلُّه في عبادة الله تعالى؛ تَقَرُّبًا لله، يرجو ثواب الله، ويخشى عقابه. وكذلك هذا الأمر تَتْبَعُه الجوارح، إذا لان القلب وخشع القلب تَبِعَتْه الجوارح: خشع السمع، وخشع البصر، وخشع اللسان، وخشع الصوت، وخشعت الحركة؛ ولهذا كان النبي صلوات الله وسلامه عليه يقول في ركوعه عليه الصلاة والسلام: اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي[9]رواه مسلم: 771.، وما استقلَّتْ به قدمي[10]رواه أحمد: 960، وصححه محققو "المسند".؛ لأنه قد خشع قلبه عليه الصلاة والسلام لربه تبارك وتعالى.
خشوع النفاق وخطر رفع الخشوع من الأمة
وعلى المسلم أن يعلم أن هناك من الخشوع ما يقارنه: خشوع النفاق؛ فإن خشوع النفاق موجود؛ ولهذا قال حذيفة : "استعيذوا بالله من خشوع النفاق". قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: "أن ترى الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع". ترى الرجل قد وضع يده على صدره، ونظر موضع سجوده، والجسد خاشع، ولكن القلب ليس بخاشع. هذا هو خشوع النفاق الذي حذَّر منه .
وأول ما يُرفَع من هذا الدين: الخشوع، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جُبَير بن نُفَيرٍ رضي الله عنهما: أن النبي عليه الصلاة والسلام نظر إلى السماء، فقال عليه الصلاة والسلام: هذا أوانُ يُختلَس العلم من الناس، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فقال بعض الصحابة قال: يا رسول الله، وكيف يُختَلَسُ منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنَّه ولنُقرئنَّه نساءنا وأبناءنا، فقال : ثَكِلَتْكَ أمُّك... هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا يُغني عنهم؟، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فحدَّث جُبَيْرٌ بهذا الحديث عُبادة بن الصامت ، فقال: صدق -أي: هذا الصحابي-، إن شئتَ لَأُحَدِّثَنَّك بأول عِلمٍ يُرفَع من الناس: الخشوع؛ يُوشِك أن تدخل مسجدَ الجماعة فلا تَرى فيه رجلًا خاشعًا. والحديث رواه الترمذي، وهو حديث حسن[11]رواه الترمذي: 2653، والدارمي: 296 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6990.. هذا يدل على أن أول علم يُرفع من الناس الخشوع، سواءٌ كان في الصلاة أو في غيرها من العبادات.
لِين القلب والتذلل لله تعالى في العبادة هذا هو الخشوع الذي بيَّنه .
الخشية وعلاقتها بالعلم
والخشوع في الحقيقة هو أمرٌ عظيمٌ، والعلماء وأهل الخير وأهل التقوى هم الذين يُسارعون إلى هذا، ويمتثلون ذلك؛ ولهذا بيَّن الله تعالى أن العلماء هم الذين يخشون الله تعالى حق الخشية، فقال سبحانه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]؛ لأنهم عرفوا الله، وعرفوا صفاته، وعرفوا ما يدل عليه كلامُه؛ ولهذا يقول سُفيان بن عُيَيْنَةَ رحمه الله تعالى: "العلماء ثلاثة: عالمٌ بالله، ليس بعالمٍ بأمر الله، يخشى الله. وعالمٌ بالله، عالمٌ بأمر الله، يخشى الله؛ فذلك العالم الكامل. وعالمٌ بأمر الله، ليس بعالمٍ بالله، لا يخشى الله؛ فذلك العالم الفاجر".
فلا شك أن العالم الذي يخشى الله تبارك وتعالى هو الذي يراقبه، وهو الذي يخشاه، وهو الذي يتقرَّب إليه بقلبه قبل قوله وقبل عمله؛ خشوعًا لله تعالى، سواءٌ كان ذلك في الصلاة أو في غيرها.
فضائل الخشوع في الصلاة
والخشوع له فضائل في الصلاة بيَّنها النبي صلوات الله وسلامه عليه، بل بيَّنها الله تعالى وحثَّ الصحابة وعاتب الصحابة، سواءٌ كان هذا الخشوع في الصلاة أو في غيرها، كما قال : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16]. قال عبدالله بن مسعود : لم يكن بيننا وبين أول إسلامنا إلا أربعُ سنواتٍ حتى عاتبنا الله بهذه الآية. أو كما قال : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ؟ ألم يأتِ الوقتُ الذي يخشعون لله تعالى فيه؟
الخشوع في الصلاة طريق المغفرة والجنة
ومن فضائل الخشوع: ما بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عن عمرو بن عَبَسة : أنه إذا توضأ المسلم، ثم صلى صلاةً؛ فإن الله يُكَفِّر عنه سيئاته التي مضت، قال : لم أسمعه من النبي مرةً ولا مرتين، بل سمعتُه أكثر من سبع مراتٍ، أن الإنسان إذا توضأ وأحسن وضوءَه، ثم صلى صلاةً بخشوعها كما يحبه الله تعالى، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وهذا الحديث رواه مسلمٌ[12]رواه مسلم: 832 بنحوه.. هذا يدل على فضل الخشوع في الصلاة التي هي من أعظم العبادات بعد الشهادتين.
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن مَن صلى ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه؛ فعن عثمان : أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وهي صفة الوضوء الكامل الذي توضَّأه النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال : رأيتُ النبيَّ يتوضَّأ نحو وُضوئي هذا، وقال: مَن تَوَضَّأَ نحو وُضوئي هذا، ثم صلَّى ركعتين لا يُحَدِّثُ فيهما نفسَه؛ غَفَرَ اللهُ له ما تقدَّم من ذنبه، هذا الحديث متفق على صحته[13]رواه البخاري: 164 واللفظ له، ومسلم: 226.، والنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي بيَّن ذلك.
وثبت في حديثٍ آخر عند مسلمٍ: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ما من مُسلمٍ يتوضَّأُ فيُحسِن وضوءَه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مُقْبِلٌ عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة[14]رواه مسلم: 234.. هذا من فضل الله تعالى على عباده، وأن المسلم إذا خشع في صلاته وأقبل على صلاته وجبت له الجنة. هذا في النافلة، فما بالك بالفريضة التي أجرها أعظم من النوافل؟ لأن الفرائض هي أحبُّ الأعمال إلى الله تعالى.
وأفضل الناس أخشعهم لله في صلاته؛ ولهذا قال سفيان رحمه الله: "أجهلُ الناس من تَرَكَ ما يعلم، وأعلمُ الناس من عَمِلَ بما يعلم، وأفضل الناس أخشعُهم لله تعالى". سواءٌ كان في صلاته أو في غيرها، يُقبل بقلبه على صلاته؛ لأنه يعلم بأن الله يراه، وأنه مُطَّلِعٌ عليه، وأنه لا تخفى عليه خافيةٌ .
ثناء الله على الخاشعين عند تلاوة القرآن
وكذلك من فضائل الخشوع: أن الله تعالى مَدَحَ في كتابه العزيز الذين تقشعرُّ جلودهم عند ذكر الله تعالى، وأثنى عليهم : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23]. هذا يدل على أن المسلم الذي يقرأ القرآن ثم يخشع قلبه، سواءٌ كان في الصلاة أو خارج الصلاة؛ يدل على أن الله تعالى قد نوَّر بصيرته، ونوَّر قلبه، وهداه إلى ما يُحبه ويرضاه .
وجوب الخشوع في الصلاة
والأمر الآخر: أن الصواب الذي لا شك فيه -واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وتلميذه ابن القيم- أن الخشوعَ واجبٌ في الصلاة، يجب على العبد أن يخشع في صلاته لله تعالى، فهي بمثابة الرأس من الجسد، وبمثابة الروح من الجسد؛ فإذا ذهب الروح فلا جسد، وإذا ذهب الرأس فلا حياة ولا جسد. فالخشوع كذلك كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "مدارج السالكين". فلا شك أن العبد عليه أن يتقيَ الله تعالى، ويخشع في صلاته.
الأدلة على وجوب الخشوع في الصلاة
وعليه أن يعلم أن من الأدلة على ذلك -على وجوب الخشوع- قول الله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]، فدل ذلك على وجوب الخشوع في الصلاة؛ لأن الله بيَّن أنَّ مَن لم يخشع في صلاته فهي كبيرةٌ عليه، وهي شاقَّةٌ عليه.
وقد بيَّن النبي : أن الله لا يزال مُقبِلًا على الرجل وهو في صلاته ما لم ينصرف -أي: يلتفت- فإذا انصرف انصرف الله عنه[15]رواه أبو داود: 909، والنسائي: 1195، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 554.. والعياذُ بالله.
والانصراف يكون بأمرين -كما ذكر العلماء-: يكون بالرأس والجسد، ويكون بالقلب -والعياذ بالله-، فإذا انصرف بقلبه يُخشى عليه أن ينصرف الله عنه، وإذا التفت برأسه يُخشى عليه أن ينصرف الله عنه.
والله تعالى هو قِبَل وجه المصلي[16]رواه البخاري: 406، ومسلم: 547.، وهو على عرشه مُسْتَوٍ استواءً يليق بجلاله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، قد أحاط بكل شيء ؛ ما السماوات السبع والأَرَضُون السبعُ في كف الرحمن إلا كحبة خردلٍ في يد أحدكم؛ فلا داعيَ إلى التشبيه ولا إلى التمثيل وغيره، بل ربنا هو على عرشه فوق سماواته، وهو أمام وجه المصلي، وهو ليس كمثله شيء في صفاته .
فلا شك أن العبد يُخشى عليه إذا انصرف بقلبه من صلاته: أن ينصرف الله عنه، وهذا فيه خطرٌ عظيمٌ.
أوامر نبوية تدل على لزوم السكون والخشوع
ومما يدل على وجوب الخشوع في الصلاة: قول النبي صلوات الله وسلامه عليه: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذنابُ خَيْلٍ شُمْسٍ، الخيل إذا كانت في الشمس فإنك تراها تتحرك وتضطرب بأذنابها؛ لشدة الحرارة أو لغيرها، اسكنوا في الصلاة[17]رواه مسلم: 430.. هذا أمرٌ منه عليه الصلاة والسلام: اسكنوا في الصلاة. فهذا يدل على وجوب الخشوع، وأنه يجب على العبد أن يخشع لله تعالى في صلاته.
التحذير من السهو والرياء في الصلاة
ومما يدل على ذلك: ما سمعتموه في قراءة الإمام في صلاة المغرب من قول الله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:4-7]. ويلٌ لهم: هلاك ودمار. وقد ذكر العلماء عن ابن مسعودٍ أنه قال فيهم: "الذين يُؤَخِّرون الصلاة عن أوقاتها". واختار العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى أن هذا يشمل التأخير عن الصلاة، ويشمل القلب كذلك، إن لم يخشع القلب -والعياذ بالله- فيشمله هذا الويل، وأن له الهلاك -والعياذ بالله تعالى- إن لم يخشع في صلاته. فعليك يا عبدالله أن تعلم أن الأمر عظيمٌ، والخشوع في الصلاة أمره عظيمٌ، عبادةٌ لله تعالى يجب على العبد أن يخشع لله تعالى فيها.
التحذير من نقر الصلاة وترك الطمأنينة
وكذلك عدم الخشوع في الصلاة فيه خطرٌ عظيمٌ وإثمٌ عظيمٌ -والعياذ بالله-؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلًا يصلي... بل قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ الرجل لَيُصَلِّي ستين سنةً ما تُقبَلُ له صلاةٌ؛ لعله يُتِمُّ الركوع ولا يُتِمُّ السجود، ويُتِمُّ السجود ولا يُتِمُّ الركوع، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[18]رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 2992 واللفظ له، والأصبهاني في "الترغيب والترهيب": 1922، وحسنه الألباني في "صحيح … Continue reading. وهذا الحديث ثابتٌ عنه عليه الصلاة والسلام في "مسند الإمام أحمد" وغيره[19]رواه أحمد: 23258..
هذا خطيرٌ، أن الرجل قد يصلي ستين سنةً ولم تُقبَل له صلاةٌ، ينقض صلاته، إما أنه لا يتم الركوع أو لا يتم السجود؛ ولهذا لا تُقبَل له صلاةٌ كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: أسوأُ الناس سرقةً الذي يسرق من صلاته. قيل: يا رسول الله، وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يُتِمُّ ركوعها ولا سجودها، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[20]رواه أحمد: 22642، والدارمي: 1367، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 524.. وقال : مَثَل الذي لا يُتِمُّ ركوعه ولا سجوده مَثَلُ الجائع لا يأكل إلا التمرة والتمرتين، لا تُغنيان عنه شيئًا[21]رواه أبو يعلى: 7184 واللفظ له، والطبراني في "المعجم الكبير": 3840، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 528.، أي: من الجوع. فكون الإنسان ينقر صلاته فإنه في الحقيقة يسرقها كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وبيَّن عليه الصلاة والسلام أن الله لا ينظر إلى صلاة عبدٍ لا يُقيم فيها صُلْبَه في ركوعه أو سجوده، أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه[22]رواه أحمد: 16283، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 527..
وبيَّن صلوات الله وسلامه عليه أن من نقر صلاته، سواءٌ كان في ركوعه أو في سجوده، فمات وهو ينقر صلاته، لا يُتِمُّ ركوعها ولا سجودها؛ فإنه يموت على غير ملة محمدٍ [23]رواه أبو يعلى: 7184، والطبراني في "المعجم الكبير": 3840، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 528.، والعياذ بالله.
وهذه أحاديث كلها ثابتة، إما حسنة وإما صحيحة؛ فعلى العبد المسلم أن يخشى مِن ترك الخشوع، ومن الإعراض عن الخشوع في صلاته، وعليه أن يتقيَ الله تبارك وتعالى.
دخل حُذيفة المسجد فرأى رجلًا يُصلي ينقر صلاته، لا يُتِمُّ ركوعها ولا سجودها، فقال : منذ كم تصلي؟ قال: منذ أربعين سنةً. قال : ما صَلَّيتَ منذ أربعين سنة. لا يُتِمُّ الركوع؛ أقل إتمام الركوع أن يقول: "سبحان ربي العظيم"، وأقل إتمام السجود أن يقول: "سبحان ربي الأعلى"؛ لأن بعض الناس -وخاصةً العمالة أو غيرهم ممن يُنسَب إلى بعض المذاهب- إذا ركع ركع بسرعة، وإذا رفع من السجود رفع ولم يُقِم صُلبه؛ فهذا لا ينظر الله إلى صلاته كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
قد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الرجل ربما يُصلي الصلاة لا يُقبَل من هذه الصلاة شيءٌ إلا ربعها؛ قال : إنَّ الرجل لَينصرفُ وما كُتِبَ إلا عُشرُ صلاته، تُسعُها، ثُمنُها، سُبعُها، سُدسُها، خُمسُها، رُبعُها، ثُلثُها، نِصفُها[24]رواه أبو داود: 796، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 537.. فبيَّن في هذا أقل ما ينصرف به الناس؛ بعض الناس لا ينصرف إلا بالعشر، ومنهم من ينصرف من الصلاة بالربع، ومنهم من ينصرف بالثلث، ومنهم من ينصرف بالثمن، ومنهم من ينصرف بالنصف، ومنهم ربما لا ينصرف بشيءٍ من صلاته -نسأل الله العفو والعافية-؛ على حسب حضورك في صلاتك تُقبَل الصلاة، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، وهذا أمرٌ خطيرٌ على المسلم؛ فعليه أن يتقيَ الله تعالى.
شروط الصلاة وأركانها وواجباتها
كذلك يجب على المسلم أن يُتم الأركان والشروط والواجبات، ويبتعد عن النواقض.
شروط الصلاة
فشروط الصلاة -كما هي معروفة عند أهل العلم- تسعة: الإسلام، والعقل، والتمييز، ورفع الحدث، وإزالة النجاسة، وستر العورة، واستقبال القبلة، ودخول الوقت، والنية. لا تُقبَل إلا بهذه الشروط.
أركان الصلاة
والأركان: لا بد أن يُصلي قائمًا، صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا[25]رواه البخاري: 1117.، يعني القيام مع القدرة، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والرفع من الركوع، والاعتدال، والسجود على الأعضاء السبعة، والرفع منه، والجلسة بين السجدتين، والطمأنينة في جميع الأركان، والتشهد الأخير، والجلوس له، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وترتيب الأركان، والتسليمتان. من ترك من ذلك شيئًا لا تُقبَل صلاتُه، إلا أن يكون معذورًا كالمريض ونحوه.
واجبات الصلاة
كذلك واجبات الصلاة: جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام، قول: "سبحان ربي العظيم" في الركوع، وقول: "سبحان ربي الأعلى" في السجود، وقول: "رب اغفر لي" بين السجدتين، وقول: "ربنا ولك الحمد" للإمام والمنفرد، وقول: "سمع الله لمن حمده" للإمام والمنفرد، وقول: "ربنا ولك الحمد" للكل، والتشهد الأول والجلوس له. هذه واجباتٌ، لا بد للمسلم أن يقوم بالصلاة كما أمر الله .
مكانة الصلاة في حياة النبي
ولا شك أن الصلاة إذا كان لها مكانةٌ في قلب العبد كما كانت للنبي عليه الصلاة والسلام؛ يجد الثواب العظيم، ويجد الأجر الكبير، ويجد الصلاة المقبولة المحمودة التي يحصل على الثواب منها؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام يقول: حُبِّبَ إليَّ النساءُ والطِّيبُ، وجُعِلَت قُرَّةُ عيني في الصلاة[26]رواه النسائي: 3940، وأحمد: 12293، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3681.. راحة نفسه عليه الصلاة والسلام، وقُرَّة عينه، وسعادته عليه الصلاة والسلام؛ هي في صلاته صلوات الله وسلامه عليه.
وكان الناس يَتعبون من الصلاة، أي: في هذه الأزمان أو في غيرها، ولكنه عليه الصلاة والسلام يرتاح للصلاة، فيقول: يا بلالُ، أقِمِ الصلاةَ، أرِحنا بها[27]رواه أبو داود: 4985، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7892.. وفي رواية: يا بلال، أرِحنا بالصلاة[28]رواه أحمد: 23088، وقال محققو "المسند": "رجاله ثقات"..
هذا يدل على أن الصلاة راحةٌ لقلبه عليه الصلاة والسلام، وقرةٌ لعينه صلوات الله وسلامه عليه؛ فعليك أن تقتديَ بهذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
أقسام الناس في الصلاة
والناس في صلاتهم على أقسام:
منهم من ينقص من هذه الصلاة، سواءٌ كان من الطهارة، أو كان من الواجبات، أو كان من الأركان؛ فهذا في الحقيقة قد عمل عملًا يأثم عليه، وهذا مُعاقَبٌ، كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم رحمة الله تعالى عليه؛ وهذا ظالمٌ لنفسه.
ومنهم من يحافظ على ما تقدَّم من الطهارة، ومن القيام بالأركان والواجبات، ولكنه أطلق العنان لنفسه، فهو يوسوس في صلاته، وهو يسرح في صلاته، ويعمل في صلاته خارج الصلاة، فهو قد فتح أبواب الشيطان على نفسه -والعياذ بالله-؛ فهذا لا شك أنه مُحاسَبٌ كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى.
ومنهم من يحافظ على ذلك، يحافظ على أركان الصلاة وواجباتها وشروطها وغير ذلك، ويُجاهد نفسه في الخشوع في الصلاة حتى يخشع، يُجاهد نفسه، فهذا في الحقيقة يحصل على جهادٍ وعلى صلاةٍ، هو في صلاةٍ وفي جهادٍ كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى؛ فهذا مُثَابٌ على هذه الصلاة.
ومنهم من يحافظ على ما تقدَّم، ولكنه قد وضع قلبه بين يدي الله تعالى، فهو... خَشَع؛ لا يذكر إلا صلاته، ولا يذكر إلا ربه، واقفٌ بين يدي الله، يعلم بأنه يناجي ربه؛ فهذا في الحقيقة من المقربين، جعلني الله وإياكم منهم.
فهذه أقسام الناس في الصلاة، كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى.
نماذج وقدوات من الصحابة والسلف الصالح في الخشوع
ولا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام هو قدوتنا في خشوعه في صلاته، كما سمعتم أن الصلاة قُرَّةٌ لعينه وراحةٌ لنفسه صلوات الله وسلامه عليه. ثم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ الصحابة هم الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام، أخرجهم الله تعالى من الظلمات إلى النور، وأخرج بهم الناس من الظلمات إلى النور.
فلولا الله وحده ما نُقِل إلينا قرآنٌ ولا سُنَّةٌ ولا دينٌ ولا طاعةٌ، دينُ النبي عليه الصلاة والسلام... فالله تعالى اختارهم لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام؛ يجب علينا أن نُنزلهم منازلهم، وندعو لهم، ونترضَّى عنهم جميعًا ، سواءٌ كانوا من سائر الصحابة، أو من آل بيت النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ فقد أوصى بهم صلوات الله وسلامه عليه، وقال عليه الصلاة والسلام: لا تَسُبُّوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفقَ مِثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما أدركَ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَه[29]رواه البخاري: 3673، ومسلم: 2540 واللفظ له..
فيجب علينا أن نترضى عنهم ؛ ولولا الله ثم هم لم نكن من المسلمين، ولضاع الدين بعد النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ فعليك أن تُنزلهم منازلهم، وتدعو لهم جميعًا: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100]، كما بيَّن ذلك ربنا في كتابه.
خشوع أبي بكر الصديق في الصلاة
فمِن هؤلاء الصحابة: أبو بكرٍ ، حينما مَرِضَ النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقال : مُرُوا أبا بكرٍ يُصلِّي بالناس. قالت عائشة رضي الله عنها: إن أبا بكرٍ إذا قام في مقامك لم يُسمِع الناس؛ من البكاء، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ. فقال : مُرُوا أبا بكرٍ فَلْيُصَلِّ للناس[30]رواه البخاري: 716 واللفظ له، ومسلم: 418..
دل ذلك من قول عائشة على أنه كان يخشع في صلاته وهو أفضل الناس بعد الأنبياء. لو سُئِلتَ: مَن أفضل الناس بعد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم؟ أفضل الناس بعد الأنبياء: أبو بكرٍ، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليٌّ، رضي الله عنهم وأرضاهم، أئمة الهدى ومصابيح الدجى، رضي الله عنهم وأرضاهم جميعًا. من حقهم علينا أن نترضى عنهم جميعًا.
خشوع عمر بن الخطاب وتعظيمه للصلاة
كذلك عمر حينما قُتِل، قتله -كما تعلمون- أبو لؤلؤة المجوسي، قتله في صلاة الفجر، فأُغمِيَ عليه، وذُهب به خارج الصلاة، فأُغمي عليه، وحينما أفاق أولُ ما ذكره قال : هل صلى الناس؟ أولُ شيء قبل أن يسأل عمن قتله : هل صلى الناس؟ قالوا: نعم. قال : أما إنه لا حَظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة. ثم قال بعد ذلك: أتدرون مَن قتلني؟ لا. قال : ائتوني بوَضُوء. يريد أن يتوضأ ويصلي رضي الله عنه وأرضاه، فجيء بماءٍ وتوضأ، ثم صلى، ثم بعد أن صلى قال : من قتلني؟
الله أكبر! الله أكبر! فهو أولًا سأل عن الناس: هل صَلَّوْا؟ ثم أمر بوَضُوءٍ فتوضأ ثم صلى، ثم في الدرجة الرابعة بعد أن صلى قال : من قتلني؟ فأخبروه: أبو لؤلؤة المجوسي. قال : الحمد لله الذي لم يُلَوِّث يد رجلٍ مسلمٍ بدمي. أو كما قال .
هذا يدل على خشوعه في صلاته، وعلى رغبته في هذه الصلاة: أنه لم يسأل عن نفسه التي بين جنبيه "من قتلها؟" إلا بعد أن سأل عن صلاة المسلمين، وبعد أن توضأ، وبعد أن صلى. وهذا مذكورٌ عنه ، وهو موجود في السير. رضي الله عن أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وغيرهما كثيرٌ من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، سواءٌ كان عثمان أو عليًّا رضي الله عنهما وغيرهما... مَن خشوعهم كثير، ولا يُذكَر في مثل هذا المقام، لكني أريد أن أكتفي بنماذج.
نماذج من التابعين والأئمة في شدة الخشوع
قصة عروة بن الزبير وقطع رِجله في الصلاة
كذلك من التابعين عروة رحمه الله تعالى؛ فإنه كان خشع في صلاته خشوعًا عظيمًا، بحيث أصابته الأَكِلة في رجله، ثم أمر الوليدُ الأطباءَ أن ينظروا إليه، فقالوا: "لا بد من قطع رجله مِن أعلاها"، من اللحم الحي، فقالوا: "نسقيك مُرَقِّدًا": بَنْج، مثل البَنْج أو بمثابة البَنْج. قال: "ما ظننتُ أن أحدًا يُطيق أن يغيب عقله عن ربه تبارك وتعالى، ولكن دعوني، حتى إذا كنت في الصلاة فاقطعوا رِجلي؛ فإني لا أشعر بها". فتركوه، وحينما كان في صلاته رحمه الله تعالى قطعوا رِجله وهو يصلي، ولم يشعر بها؛ لأنه قد وضع قلبه بين يدي الله تعالى -سبحان الله العظيم!- وبعد أن سلَّم من صلاته حصل على الألم وأُغمِيَ عليه. ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله تعالى في "البداية والنهاية".
هذا يدل على خشوع السلف في صلاتهم، وغيرهم كثير، ولكن هذه نماذج ينبغي للمسلم أن يعلمها.
خشوع الإمام البخاري رحمه الله في صلاته
الإمام البخاري رحمه الله تعالى كان له مواقف في خشوعه في صلاته، كما ذكر ابن حجرٍ في مقدمة كتابه "فتح الباري": "هَدْي الساري".
وذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى كان يصلي بأصحابه في صلاة التراويح في كل ركعة عشرين آيةً، فيختم في رمضان ختمةً واحدةً، ثم يُصلي في بيته بثُلُث القرآن صلاةً خاصةً، فيختم القرآن كل ثلاثة أيامٍ في صلاته الخاصة، ويقرأ القرآن من الفجر إلى الإفطار فيختم ختمةً واحدةً.
فكم يختم في شهر رمضان؟ ثلاثين ختمةً إذا كان الشهر كاملًا، وختمةً في صلاة التراويح: إحدى وثلاثين وما يقارب عشر مراتٍ في صلاة الليل، ما يقارب أربعين مرةً. وهذا لعله مستثنًى في رمضان؛ لفضيلة هذا الشهر العظيم.
ذُكر عنه رحمه الله تعالى في هذه المواطن: أنه صلى يومًا من الأيام، وقيل: إنها سُنة الظهر البعدية، وبعد أن سلَّم من صلاته قال لمن حوله: "انظروا ما الذي آذاني"، حصل له شيءٌ أذى بينه وبين ردائه، فنظروا فوجدوا زُنْبُورًا.
الزُّنْبُور يُسميه بعض الناس الدَّبُّور، هذا الأصفر، فيه سمٌّ عظيمٌ، لو اجتمع على الإنسان مجموعةٌ من الزنابير أو الدبابير لَقتلَتْه من سُمِّها العظيم.
فنظروا فوجدوا زُنْبُورًا بينه وبين ردائه قد أثَّر ولسعه سبع عشرة لسعةً، ولم ينصرف من صلاته! قيل له: يرحمك الله، لماذا لم تنصرف من صلاتك؟ قال: "إني كنتُ أقرأ سورةً فأحببتُ أن أُتِمَّها". الله أكبر! الله أكبر! يعني كان يقرأ السورة، ويسمع هذا اللسع، لكن مِن تَعَلُّق قلبه بالله تعالى استمرَّ في صلاته، وصبر على هذا الأذى العظيم.
هذا يدل على خشوع السلف في صلاتهم رحمهم الله تعالى؛ اتباعًا لما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام وعن أصحابه .
الأسباب المعينة على الخشوع في الصلاة
أما الأسباب التي تُعين على الخشوع، فهي أسبابٌ كثيرة:
معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته
من هذه الأسباب: معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته، وربوبيته وألوهيته، وأنه على كل شيءٍ قديرٌ، وأنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: "كن" فيكون.
وليعلم العبد أنه يراه، وأنه مُطَّلِعٌ عليه وعلى أعماله، وأنه لا تخفى عليه خافية؛ فإنه إذا كان يرجو ذلك، وكان يتيقن ذلك، فإنه في الحقيقة يخشع في صلاته؛ لأن الله تعالى عظيمٌ في قلبه، يعلم بأنه الخالق الرازق المدبِّر، المعطي المانع، الخافض الرافع، المُعِزُّ المُذِلُّ، المستحق للعبادة ، له الأسماء الحسنى والصفات العُلى، فيخشع في صلاته لمعرفته بالله تعالى وبأسمائه وصفاته.
صلاح القلب
كذلك من هذه الأسباب: صلاح القلب. إذا صَلَحَ قلبُ العبد صَلَحَت صلاتُه، وصَلَحَت أعمالُه، وصَلَحَت دنياه، وصَلَحَت أُخراه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ألا وإنَّ في الجسد مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ[31]رواه البخاري: 52، ومسلم: 1599.؛ فالقلب أمير البدن، والأعضاء جنوده، فإذا صَلَحَ القلب صَلَحَت الجوارح، وإذا خَشَعَ القلبُ خَشَعَت الجوارح، وإذا استقام القلبُ استقامت حياة الإنسان.
وصلاح القلب هو بقراءة القرآن، وبالدعاء: يا مُقَلِّبَ القلوب، ثَبِّتْ قلبي على دينك[32]رواه الترمذي: 3522، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 4801.. كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بذلك كثيرًا، صلوات الله وسلامه عليه.
متابعة المؤذن
كذلك من أسباب الخشوع في الصلاة: متابعة المؤذن إذا أذَّن؛ لأن الإنسان إذا قال المؤذن: "الله أكبر"، فقال: "الله أكبر"، تعظيمًا لله، مُقبِلًا بقلبه على الله: فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، مُقبِلًا بقلبه على هذه المعاني، فإذا قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله[33]رواه مسلم: 385.. لا حول لي ولا قوة أن أذهب إلى الصلاة إلا بالله؛ هو الذي يُعينني، وهو الذي يُيَسِّر أمري، وهو الذي بيده سعادتي وبيده نجاتي في الدنيا والآخرة.
"لا حول ولا قوة إلا بالله": لا تَحَوُّل مِن حالٍ إلى حالٍ -لا من صحةٍ إلى مرضٍ، ولا من مرضٍ إلى صحةٍ، ولا من سعادةٍ إلى شقاوةٍ، ولا من شقاوةٍ إلى سعادةٍ، ولا من غير ذلك، من فقرٍ إلى غنًى، ولا من غنًى إلى فقرٍ، إلى غير ذلك- إلا بالله تعالى، حتى يُكمل متابعة المؤذِّن، فهذا من أسباب التوفيق له؛ لأنه أفرد الله تعالى بالحول والقوة: "لا حول ولا قوة إلا بالله".
"حيَّ على الفلاح": تعالَ إلى الفلاح، إلى السعادة في الدنيا والآخرة، يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ لا حصول لهذا الفلاح إلا بقوة الله، وتدبير الله، وتوفيق الله . هذا من أسباب الخشوع في الصلاة: أن يأخذ الإنسان بهذه الآداب التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام.
الأخذ بالآداب التي وردت عن النبي
من أسباب الخشوع التي تُعين الإنسان على الأدب وعلى الخشوع: الأخذ بالآداب التي وردت عن النبي عليه الصلاة والسلام:
- يتوضأ في بيته؛ فإنه إذا توضأ في بيته وذهب إلى المسجد؛ فإنه لا يرفع خطوة ولا يضعها إلا كُتبت له حسنة، ومُحيت عنه سيئة، ورُفعت له درجة. بالخطوة الواحدة: يُكتب له حسنة، ويُرفع له درجة، وتُمحى عنه سيئة[34]رواه مسلم: 654.. الله أكبر!
- ولا يُشَبِّك بين أصابعه في ذهابه إلى المسجد[35]رواه أبو داود: 562، والترمذي: 386، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 571..
- وإذا خرج من بيته قال: باسم الله، توكلتُ على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله[36]رواه أبو داود: 5095، والترمذي: 3426، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1605.، اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ، أو أَجْهَلَ أو يُجْهَلَ عليَّ[37]رواه أبو داود: 5094 واللفظ له، والنسائي: 5539 بنحوه، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 5112.، ولا يُشَبِّك بين أصابعه في طريقه.
- ولا يُهَرْوِل إذا أُقِيمَت الصلاة: إذا أُقِيمَت الصلاةُ فلا تأتوها تَسْعَون، وَأْتُوها تَمْشُون عليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتِمُّوا[38]رواه البخاري: 908، ومسلم: 602..
- إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم؛ فالشيطان يقول: "حُفظ مني سائرَ اليوم"[39]رواه أبو داود: 466، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 485.، إذا قال هذا الدعاء: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك[40]رواه مسلم: 713.، من قلبه؛ هذا من أسباب خشوعه في الصلاة.
- ثم إذا دخل إلى صلاته فإنه في هذه الحالة يُصلي تحية المسجد[41]رواه البخاري: 1163، ومسلم: 714.، إذا دخل والوقت متسع، ويأتي عن يمين الإمام الأفضل له؛ لأن الله وملائكته يُصلون على ميامن الصفوف[42]رواه أبو داود: 676، وابن ماجه: 1005..
- كذلك يأتي في الصف الأول؛ لأن الصف الأول حثَّ عليه النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأُوَل. أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه[43]رواه أبو داود: 664، والنسائي: 811، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 781..
- ثم -هذا من الآداب- ينتظر الصلاة؛ فإنه في صلاة[44]رواه البخاري: 176، ومسلم: 649..
- وهكذا من الآداب التي شُرعت لهم: ألا يأكل البصل والثوم والكُرَّاث الذي يُسبب الروائح الخبيثة؛ حتى لا يُؤذيَ الناس[45]رواه مسلم: 564.. هذا من أسباب الخشوع في الصلاة.
اجتناب مكروهات الصلاة
كذلك يجتنب مكروهات الصلاة التي تُكرَه في الصلاة؛ فلا يُقْعِي[46]الإقعاء المنهي عنه: أن يُلصِق الرجل أَلْيَيْه بالأرض ويَنْصِب ساقيه ويضع يديه على الأرض، كما يفرش الكلبُ … Continue reading في الصلاة[47]رواه مسلم: 498.، ولا يبسط يديه انبساط الكلب[48]رواه البخاري: 822، ومسلم: 493، ولا يتحرك في الصلاة. وهكذا ينبغي له أن يلتزم بالآداب التي بيَّنها النبي صلوات الله وسلامه عليه.
استحضار مناجاة الله في الصلاة
من أعظم الأسباب التي تدل على توفيق العبد، وتدل على إعانة الله تعالى له: أن يتذكر وهو في صلاته أنه يُخاطب الله في صلاته، وأن الله يرد عليه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام -فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى-: قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفَين، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قال الله تعالى: حَمِدَني عبدي. وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي. وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قال: مَجَّدَني عبدي -وقال مرةً: فوَّضَ إليَّ عبدي-. فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل. رواه مسلم[49]رواه مسلم: 395..
هذا لو يستحضره العبد في صلاته: أن الله يخاطبه؛ إذا قُلتَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الفاتحة:2]؛ فانتظِر قليلًا تفكيرًا في أن الله يقول: حَمِدَني عبدي. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، أثنى عليَّ عبدي. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]؛ مجَّدَني عبدي. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]؛ هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] إلى آخره؛ هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.
إذن عليك في صلاتك أن تعلم بأنك تخاطب الله، وأن الله يرد عليك هذا الرد الذي بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.
علاج الوسوسة الشيطانية في الصلاة
كذلك عليك أن تستعيذ من الشيطان الذي يوسوس للإنسان ويَحُول بينه وبين صلاته؛ هذا ابن أبي العاص كان قد جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله، إنَّ الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يَلْبِسُها عليَّ! فقال : ذاك شيطانٌ يُقال له خِنْزَبٌ، فإذا أحسستَه فتعوَّذ بالله منه، واتفُل عن يسارك ثلاثًا. إذا كنت في المسجد تستعيذ وتتفل بنيةٍ أو غير ذلك، أما إذا كنت في خارج المسجد فتتفل تفلًا حقيقيًّا ثلاث مراتٍ. قال: ففعلتُ ذلك فأذهبَه الله عني[50]رواه مسلم: 2203..
الله أكبر! هذا من أعظم العلاج: أن تستعيذ من الشيطان وتتفل عن يسارك أو تنفث عن يسارك ثلاثًا، ولكن إذا كنت في المسجد فلا تنفث على أخيك، استعذ بالله من الشيطان، وكذلك انوِ بهذا النَّفْثَ. والله تعالى أعلم بالصفة إذا كان يصلي مع الناس؛ هذا من أعظم العلاج الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام.
الخوف من حيلولة الله بين العبد وقلبه
كذلك مما يُعينه على الخشوع: الخوف من الحيلولة بينه وبين قلبه -والعياذ بالله- كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24] -نسأل الله العفو والعافية-، يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ القلوب بين إِصْبُعَيْن من أصابع الله، يُقَلِّبُها كيف يشاء[51]رواه الترمذي: 2140 واللفظ له، وابن ماجه: 3834، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1685..
فعليك يا عبدالله أن تسأل الله تعالى أن يُثَبِّت قلبك، وتخشى أن يحول الله بينك وبين قلبك -والعياذ بالله-. عليك أن تخشى هذا، وتسأل الله الهداية، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول لعليٍّ : يا عليُّ، سَلِ الله تعالى الهدى والسداد، واذكر بالهدى هدايتَك الطريقَ، واذكر بالسداد تسديدَك السهمَ. أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[52]رواه مسلم: 2725..
وعليك أن تعلم بأن النبي عليه الصلاة والسلام -الذي هو خير الخلق- كان إذا صلى... كما كان عبدالله بن الشخير يقول: أتيتُ النبيَّ وهو يُصلي، ولِصَدْره أزيزٌ كأزيز المِرْجَل[53]رواه النسائي: 1214، وأحمد: 16326 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1156.. المرجل: هو القِْدر الذي يَغْلي فيه الماء بقوة. هذا يدل على خشوعه عليه الصلاة والسلام.
إذن فالشاهد من هذا أن تسأل ربك التوفيق، وتسأل ربك الخشوع في صلاتك؛ حتى يتقبل الله تعالى منك. وتدعو ربك، والله تعالى يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].
فعليك أن تدعو ربك؛ ما مِن مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رَحِمٍ؛ إلا أعطاه اللهُ بها إحدى ثلاث: إما أن تُعَجَّلَ له دعوتُه، وإما أن يَدَّخِرَها له في الآخرة، وإما أن يَصرف عنه من السوء مِثلَها. أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[54]رواه أحمد: 11133، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1633..
تدبر معاني الأقوال والأفعال في الصلاة
وكذلك من أسباب الخشوع: تدبُّر معاني أفعال الصلاة، أن تتدبَّر معانيَ أفعال الصلاة؛ فرفع اليدين في الصلاة هذا من أفعالها.
تتدبَّر ما قاله العلماء رحمهم الله تعالى، وأن الإنسان إذا رفع يديه حَذْوَ مَنْكِبَيه، وقال: "الله أكبر"، قيل: إنه استسلامٌ لله، كأنه يستسلم لله رب العالمين، وينقاد له ، فتَذْكُر ذلك. ومنهم من قال: لإزالة الحجاب بينك وبين الله، تُزيل الحجاب بينك وبين الله تعالى برفع يديك، وهو سُنة. ومنهم من قال: هذا فيه تعظيمٌ لله. ولا مانع من الجمع بين هذا كله، لا مانع من أن يقول: الحكمة أنه استسلامٌ لله كالأسير يستسلم، وإزالة الحجاب بينك وبين الله تعالى، وفيه تعظيمٌ لله تعالى.
فإذا ركع فعليه أن يعلم بأن هذا الركوع هو تذلُّلٌ وخضوعٌ لله تعالى، وإذا سجد يعلم بأن هذا فيه تذلُّلٌ وخضوعٌ لله تعالى؛ ولهذا السجودُ هو من أعظم الأفعال التي يتقرَّب بها المسلم في صلاته لله تعالى، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: أقربُ ما يكون العبدُ من ربه وهو ساجدٌ[55]رواه مسلم: 482.. هذا يدل على أن حالة الركوع وحالة السجود خضوعٌ لله وتذلُّلٌ لله ؛ ولهذا لا يُركَع لأحدٍ من الخلق ولا يُسجَد لأحدٍ من الخلق بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ودعوته، وإنما يُركَع لله ويُسجَد لله؛ لأن هذا فيه الذل والخضوع والتقرب لله .
وَضْع اليدين على الصدر هذا فيه تذلُّلٌ وخضوع لله ، ولا يضع الإنسان يده على صدره عند مخاطبة الملوك ولا الأمراء؛ فإن هذا فيه تذلُّلٌ وخضوعٌ، ولا يكون ذلك إلا لله .
كذلك تدبُّر معاني أقوال الصلاة، فإذا كبَّر: "الله أكبر"، يعني: الله أكبر من كل شيء، الله أكبر وأعظم من كل شيء. كذلك "سبحان ربي العظيم"؛ هو العظيم . "سبحان ربي الأعلى": تصور أن الله فوق عرشه مستوٍ عليه استواءً يليق بجلاله . هذا فيه تعظيمٌ لله تعالى، ويُعين الإنسان على الخشوع في الصلاة.
إحسان الطهور وإكماله
كذلك مما يُعينه على الخشوع في الصلاة: إحسان الطهور وإكماله؛ ثبت في "مسند الإمام أحمد" رحمه الله تعالى: أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بالناس صلاة الفجر، وقرأ بسورة الروم، ثم خطب الناس وبيَّن لهم أنه قد لُبِّس عليه في صلاته؛ لأن بعضهم لم يُحسِن الطُّهور[56]رواه أحمد: 15874، وحسنه محققو "المسند".. هذا يدل على أن الإمام ربما تتأثر صلاته بصلاة المأموم، فقد بيَّن لهم أن بعضهم لم يُحسِن الطهارة؛ ولهذا حصل عند النبي عليه الصلاة والسلام بعض الشيء؛ فعلى المسلم أن يُحسِن طهارته، وكذلك غُسله من الجنابة وغير ذلك، كما يحبه الله تعالى.
الالتزام بصفة صلاة النبي
كذلك من أسباب الخشوع: الالتزام بصفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، سواءٌ كان ذلك في الركوع، أو في السجود، أو في جميع الأقوال والأفعال، أو في القراءة، أو في غير ذلك؛ يلتزمون بصفة صلاة النبي صلوات الله وسلامه عليه: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [النور:54].
المحافظة على الأذكار بعد الصلاة والسنن الرواتب
كذلك: المحافظة على الأذكار أدبار الصلوات، والمحافظة على السنن الرواتب بعد الصلاة؛ فإن هذا مما يدل على الخشوع، ومما يُعين على الخشوع لله رب العالمين في هذه الصلاة.
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأن يرزقنا هذه الصلاة التي بخشوع، التي هي قُرَّةُ عين النبي صلوات الله وسلامه عليه، ونعوذ بالله أن نقول ولا نفعل. ونسأل الله أن نقول الحق ونعمل به؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جديرٌ.
وصلى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
| ^1 | رواه أحمد: 23489، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 2700. |
|---|---|
| ^2 | رواه الترمذي: 2641، وابن ماجه: 3992، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1082. |
| ^3 | رواه مسلم: 8. |
| ^4 | رواه البخاري: 46، ومسلم: 11. |
| ^5 | رواه البخاري: 8، ومسلم: 16. |
| ^6 | رواه أحمد: 6576 واللفظ له، والدارمي: 2763، وحسنه محققو "المسند". |
| ^7 | رواه الترمذي: 2621 واللفظ له، والنسائي: 463، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 564. |
| ^8 | رواه مسلم: 82. |
| ^9 | رواه مسلم: 771. |
| ^10 | رواه أحمد: 960، وصححه محققو "المسند". |
| ^11 | رواه الترمذي: 2653، والدارمي: 296 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6990. |
| ^12 | رواه مسلم: 832 بنحوه. |
| ^13 | رواه البخاري: 164 واللفظ له، ومسلم: 226. |
| ^14 | رواه مسلم: 234. |
| ^15 | رواه أبو داود: 909، والنسائي: 1195، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 554. |
| ^16 | رواه البخاري: 406، ومسلم: 547. |
| ^17 | رواه مسلم: 430. |
| ^18 | رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 2992 واللفظ له، والأصبهاني في "الترغيب والترهيب": 1922، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 529. |
| ^19 | رواه أحمد: 23258. |
| ^20 | رواه أحمد: 22642، والدارمي: 1367، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 524. |
| ^21 | رواه أبو يعلى: 7184 واللفظ له، والطبراني في "المعجم الكبير": 3840، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 528. |
| ^22 | رواه أحمد: 16283، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 527. |
| ^23 | رواه أبو يعلى: 7184، والطبراني في "المعجم الكبير": 3840، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 528. |
| ^24 | رواه أبو داود: 796، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 537. |
| ^25 | رواه البخاري: 1117. |
| ^26 | رواه النسائي: 3940، وأحمد: 12293، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3681. |
| ^27 | رواه أبو داود: 4985، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7892. |
| ^28 | رواه أحمد: 23088، وقال محققو "المسند": "رجاله ثقات". |
| ^29 | رواه البخاري: 3673، ومسلم: 2540 واللفظ له. |
| ^30 | رواه البخاري: 716 واللفظ له، ومسلم: 418. |
| ^31 | رواه البخاري: 52، ومسلم: 1599. |
| ^32 | رواه الترمذي: 3522، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 4801. |
| ^33 | رواه مسلم: 385. |
| ^34 | رواه مسلم: 654. |
| ^35 | رواه أبو داود: 562، والترمذي: 386، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 571. |
| ^36 | رواه أبو داود: 5095، والترمذي: 3426، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1605. |
| ^37 | رواه أبو داود: 5094 واللفظ له، والنسائي: 5539 بنحوه، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 5112. |
| ^38 | رواه البخاري: 908، ومسلم: 602. |
| ^39 | رواه أبو داود: 466، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 485. |
| ^40 | رواه مسلم: 713. |
| ^41 | رواه البخاري: 1163، ومسلم: 714. |
| ^42 | رواه أبو داود: 676، وابن ماجه: 1005. |
| ^43 | رواه أبو داود: 664، والنسائي: 811، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 781. |
| ^44 | رواه البخاري: 176، ومسلم: 649. |
| ^45 | رواه مسلم: 564. |
| ^46 | الإقعاء المنهي عنه: أن يُلصِق الرجل أَلْيَيْه بالأرض ويَنْصِب ساقيه ويضع يديه على الأرض، كما يفرش الكلبُ وغيره من السباع. ينظر: "المنهاج" للنووي: 4/ 214. |
| ^47 | رواه مسلم: 498. |
| ^48 | رواه البخاري: 822، ومسلم: 493 |
| ^49 | رواه مسلم: 395. |
| ^50 | رواه مسلم: 2203. |
| ^51 | رواه الترمذي: 2140 واللفظ له، وابن ماجه: 3834، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1685. |
| ^52 | رواه مسلم: 2725. |
| ^53 | رواه النسائي: 1214، وأحمد: 16326 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1156. |
| ^54 | رواه أحمد: 11133، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1633. |
| ^55 | رواه مسلم: 482. |
| ^56 | رواه أحمد: 15874، وحسنه محققو "المسند". |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط