جدول المحتويات
المُقدِّم:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على النبي الكريم نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد:
فأيها الأحباب الكرام، نتشرَّف بحضور فضيلة الشيخ الدكتور/ سعيد بن وهف القحطاني، حفظه الله ونفعنا الله تبارك وتعالى بعلمه؛ ليُلقيَ كلمةً توجيهيةً للحضور، ثم بعد ذلك نفتح الباب للأسئلة. ونُنبِّه على الإخوة -قبل أن يبدأ الشيخ- بإطفاء (البيجر)[1]البيجر: جهاز إلكتروني صغير يَسهُل حمله، ويُستخدَم لاستقبال الرسائل القصيرة أو رقم الشخص الذي يحاول الاتصال … Continue reading أو الهاتف؛ حتى لا نُشوِّش على الشيخ.
الشيخ: إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أهمية الدعوة إلى الله
أما بعد:
أيها الإخوة، لا شكَّ أنَّ المسلم الصادق مع الله تبارك وتعالى ينظر إلى ما ينفعه في الآخرة وفي الدنيا كذلك، فمن أعظم النفع للمسلم -وطالب العلم خاصةً- الدعوة إلى الله ، لا بُدَّ لأن ربنا تبارك وتعالى أمَر بذلك، فقال: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104]، الفائزون في الدنيا والآخرة الدعاة إلى الله ، قال: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].
آياتٌ كثيرةٌ تأمر بالدعوة إلى الله، وأنتم طلابُ علمٍ؛ لأن المقام يقتضي توجيه الناس على حسب عقولهم، على حسب السواد، فالإنسان طالب العلم يوجِّه الناس إلى الخير.
والدعوة إلى الله واجبةٌ وجوبًا عينيًّا على كل مسلمٍ، لكن -لا تنسَ- على حسب استطاعته، وعلى حسب علمه، حتى لو لم يحفظ إلا حديثًا واحدًا، وجب عليه أن يبلِّغه. لكن لا بُدَّ إذا حفظ الحديث أن يعرف: هل هذا الحديث منسوخٌ أو ضعيفٌ أو غير ذلك. أما أن يجمع ويُلقي للناس، ما يدري ماذا يقول، لا؛ لا بُدَّ من العلم، وأن يكون عن طريق الدراسة على العلماء المُخلصين الصادقين أهل الكتاب والسُّنَّة؛ حتى يستفيد، فيُبلِّغ ما عَلِمَ؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: بَلِّغُوا عني ولو آيةً[2]رواه البخاري: 3461.، ولو حديثًا، يُبلِّغه عن النبي عليه الصلاة والسلام.
والواجب أعظم؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: من رأى منكم منكرًا فَلْيُغَيِّرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان[3]رواه مسلم: 49..
وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام -كما رواه مسلمٌ-: ما من نبيٍّ بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا كان له من أُمَّتِه حواريُّون وأصحابٌ يأخذون بسُنَّته، ويقتدون بأمره...، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، ثم إنها تَخْلُفُ من بعدهم خُلُوفٌ، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون؛ فمن جاهدهم بيده فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمنٌ، وليس وراء ذلك من الإيمان حَبَّةُ خَرْدَلٍ[4]رواه مسلم: 50.، رواه مسلم.
فلا بُدَّ للمسلم أن يكون داعيًا إلى الله ، ولكن لا يُفهم أنَّ معنى الداعية لا بُدَّ أن يكون خطيبًا أو مُحاضِرًا أو غير ذلك أو أستاذًا، لا؛ فكل مسلمٍ على حسب قدرته، قد يكون أُميًّا لا يقرأ ولا يكتب، لكنه يدعو الناس على حسب حاله. مثلًا: إذا ذهب إلى المسجد، وجد بعض الشباب أو بعض الناس سمعوا الأذان ولم يتحركوا للصلاة، هذا يقول: "صلُّوا بارك الله فيكم، صلوا، الصلاة واجبةٌ، ركنٌ من أركان الإسلام"، يستطيع أن يقول. إذا رأى إنسانًا يعمل مُحرَّمًا من المُحرَّمات مثلًا، يَعْرِف أن هذا حرامٌ، فالأمر سهلٌ.
فالمقصود أن الدعوة واجبةٌ على كل مسلمٍ بحسبه، وحسب قدرته، وحسب علمه، وحسب استطاعته، فلا بُدَّ. ثم ليعلم كذلك أنه على خيرٍ عظيمٍ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن دلَّ على خيرٍ فله مِثلُ أجر فاعله[5]رواه مسلم: 1893.، أنت تدل على خيرٍ، فلك مثل أجر فاعله، هدى الله على يديك أمةً، لك مثل أجورهم، إذا علَّموا ودَعَوا واهتدى على أيديهم أناسٌ، كذلك لك مثل أجورهم، إلى يوم القيامة، متسلسلٌ هذا الثواب العظيم؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: من دعا إلى هدًى كان له من الأجر مِثلُ أُجُور مَن تَبِعه، لا يَنقُصُ ذلك من أجورهم شيئًا[6]رواه مسلم: 2674.، وقال : مَن سنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً، فله أجرُها وأجرُ مَن عَمِلَ بها بعده[7]رواه مسلم: 1017..
الحرص على طلب العلم ونشره
فلا شكَّ أنَّ الأمة بحاجةٍ إلى العلماء، ولكن عليك بطلب العلم، لا تَقُلْ: "أنا داعية"، لا، عليك بطلب العلم، وتُبلِّغ ما عرفت، الحمد لله. ادرس، واستفد، في المدارس النظامية التي تُدرِّس الشريعة وتُدرِّس الدين، والجامعات كذلك، تَعلَّمْ، انفع نفسك أولًا؛ لأن طلب العلم من فوائده: إزالة الجهل عن نفسك وعن غيرك، وإنقاذ نفسك من النار، وإنقاذ نفسك من الشقاوة في الدنيا والآخرة؛ لأن العلم هو السعادة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن يُرِد الله به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدين[8]رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037.، هذا يدل بمنطوقه على ذلك.
وكان سماحة الإمام عبدالعزيز بن باز رحمة الله عليه يقول: "هذا يدل بمنطوقه على ذلك"، لكن مفهوم الحديث يدل على أنَّ مَن لم يُرد الله به خيرًا لا يُفقِّهه في الدين، ما أراد الله به خيرًا فما تفقَّه في الدين.
فعليك أن تسأل الله الفقه في الدين، تعلَّم، وانشر العلم، فالناس بحاجةٍ إليه في كل مكانٍ، والعلماء يَقِلُّون، يعني: يذهبون، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام -في الحديث الصحيح الذي رواه مسلمٌ وغيره كذلك-: إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يَتْرُك عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جُهَّالًا، فسُئلوا فأفتَوا بغير علمٍ، فضلُّوا وأضلُّوا[9]رواه البخاري: 100، ومسلم: 2673.؛ نسأل الله العافية!
فالإنسان يجتهد، والأمة بحاجةٍ إلى العلم النافع والعمل الصالح، ونَشْر العلم بين الناس. الإنسان الذي يريد أن يدعو بالأهواء والآراء، هذا يُضِل، ويُفسِد أكثر مما يُصلح، الذي ما عنده علمٌ، ما عنده قال الله ولا قال رسوله عليه الصلاة والسلام، وإنما على حسب رأيه، لا يقرأ القرآن، ولا يتفقَّه في القرآن، ولا في الأحاديث، ولا في العقيدة، هذا فساده أكثر من صلاحه، فالأولى أن يسكت؛ لأن العلم ما هو بالأهواء، ولا بالآراء، ولا بالاقتراحات، ولا بالعقليات. العلم: قال الله، قال رسوله ، قال الصحابة ؛ هذا هو العلم النافع، فلا بُدَّ أن يعتنيَ الإنسان بالعلم.
ولهذا أقول: يُذكَر عن الشافعي رحمة الله عليه أنه يقول:
| كل العلوم سوى القرآن مَشغلةٌ | إلا الحديثَ وإلا الفقهَ في الدِّينِ |
| العلمُ ما كان فيه قال حدَّثَنا | وما سوى ذاك وَسواسُ الشياطينِ[10]البيتان للإمام الشافعي رحمه الله. يُنظر: "ديوان الإمام الشافعي": 113. |
فالمقصود أنَّ العلم النافع هو: قال الله، وقال رسوله عليه الصلاة والسلام. فمَن لم يَعتنِ بالقرآن... بعض الناس يقول: "أنا داعية"، لكن ما يقرأ القرآن، ليس له وِردٌ في الصباح ولا في المساء، ولا يقوم بالقرآن، ولا يتفقَّه في القرآن، ولا يتعلَّم القرآن، هذا ما يصلح داعيةً، يصلح لغير الدعوة، يُصلي ويصوم، مسلمٌ.
لا بُدَّ أن يعتنيَ بالقرآن، لا بُدَّ أن يقرأ القرآن، لا بُدَّ أن يتفقَّه في القرآن، يعرف معاني القرآن، على حسب الاستطاعة، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وكذلك الأحاديث؛ أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يأخذ العلم من تلقاء نفسه، لا.
لا بُدَّ على طلاب العلم من الدراسة على المشايخ، والحضور في الحلقات العلمية؛ حتى يستفيد، ويقصد بذلك وجه الله؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ومَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة[11]رواه مسلم: 2699.، يقصد الثواب. فلو قيل -كما سمعتم-: هناك حلقةٌ علميةٌ، أو دراسةٌ في "كتاب التوحيد" للإمام محمد بن عبدالوهاب رحمة الله عليه...
ومن باب الفائدة، سمعتُ سماحة الإمام ابن باز رحمة الله عليه يقول: "ما أُلِّفَ في التوحيد مثلُ هذا الكتاب قبله، ولن يُؤلَّفَ بعده"، أو كما قال رحمه الله؛ لأنه موفَّقٌ، وُفِّق هذا الشخص لاختيار العناوين المناسبة، واختيار الآيات والأحاديث، ومن الكتاب والسُّنَّة، ما جاء بشيءٍ من عنده رحمة الله عليه؛ فهو يصلح لكل مسلمٍ على وجه الأرض، ما يُقال: إنه مخالفٌ لبعض المذاهب، لا. صحيحٌ أنه مخالفٌ لمذهب الشيعة، ومذهب الرافضة، ومذهب المعتزلة، والأشعرية، والجهمية، هذا صحيحٌ. أما المذاهب المعتبرة المعروفة، يعني: الأئمة الأربعة، كلهم من أهل التوحيد، لكن مُقِلٌّ ومُستكثِرٌ.
فالخلاصة: لو قيل: إنَّ هناك درسًا في التوحيد، أو من حفظ بابًا من أبواب "التوحيد"، وهو أكثر من ستين بابًا، ما يقارب ستةً وستين بابًا، كم الباب؟ آيةٌ وحديثٌ، أو آياتٌ وأحاديثُ قليلةٌ. كل من حفظ بابًا من أبواب "التوحيد"، هذا يُعطى عشرة آلاف دينار كويتي، هيا، كلما حفظت بابًا من أبواب التوحيد -صفحةً واحدةً تقريبًا، وقليلًا ما يكون صفحتين؛ لأنه متنٌ- تأخذ عشرة آلاف دينار كويتي، تجد أكثر الناس -ممكن حتى اليهود والنصارى- يحفظون "التوحيد"، يريدون دنيا. لكن كونهم يذكرون حديث النبي عليه الصلاة والسلام: ومَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة[12]سبق تخريجه.!
وقد يقال: إن هذا الطريق معنويٌّ وحسيٌّ، فالحسِّي قد يذهب بقدمه أو بسيارته في سبيل الله، يتسهَّل له طريقٌ إلى الجنة، وقد يكون معنويًّا، بحيث يقرأ، إذا كان يقرأ في "كتاب التوحيد"، يقرأ في شروح الآيات والأحاديث، ويتفهمها من الكتب، هذا سلك طريقًا من طرق العلم، هذا معنويٌّ، كما قال الإمام ابن رجب رحمة الله عليه، في شرح هذا الحديث في "جامع العلوم والحكم"؛ ذكر أن الطريق قد يكون معنويًّا، وقد يكون حسيًّا.
هذه نعمةٌ، وغنيمةٌ لطالب العلم، وسعادةٌ في الدنيا والآخرة، فإذا تعلَّم العلم ونَشَر العلم، كان ممن تستغفر لهم الملائكة، كما جاء في الحديث الصحيح: وإنَّ العالِم لَيستغفرُ له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحِيتانُ في الماء[13]رواه أبو داود: 3641، والترمذي: 2682، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 70.. هذه غنيمةٌ عظيمةٌ.
فالمسلم طالب العلم عليه أن يعتنيَ بطلب العلم، ولا حرج أن يدرس بما يحصل به على الشهادة؛ حتى ينفع الله به. قد يُقال: "إن الشهادة ورقٌ، أو حبرٌ على ورقٍ"؛ لكن اجمع بينهما إن استطعت، اجمع بين هذا وهذا، لأن الناس -في الغالب- يقولون: "ماذا عند فلانٍ من شهادةٍ؟"، فخُذ الشهادة، واجمع. بعض الناس يقول: "العلم عند المشايخ في المساجد"، اجمع بينهما؛ حتى تأخذ العلم، وحتى يُستفاد منك.
فالخلاصة: أنَّ على الإنسان أن يعتنيَ بالعلم النافع؛ علمِ الكتاب والسُّنَّة.
مراعاة مراتب تغيير المُنكَر
ثم إنَّ الإنسان مسؤولٌ عن كل ما يدور في بلده، نسأل الله أن يعفو عنا وعنكم وعن جميع المسلمين، مسؤولٌ عن كل شيءٍ. إذا رأيت الشرك، وإذا رأيت المعاصي تنتشر، فأنت مسؤولٌ عنها. بَلِّغْ ما استطعت، على حسب استطاعتك، بلسانك، ما تعرف من العلم، فإن عَجَزْتَ -والعجز: أن تخشى القتل، أو تخشى السجن- حقيقةً، بيدك أقصد، ولكن لمن اليد؟ لك أو لي أو لمَن؟
اليد لمن يستطيع أن يُغيِّر باليد. مَن الذي يُغَيِّر باليد؟ ولي الأمر، ولي أمر المسلمين؛ يقتل، ويسجن، ويضرب، ويجلد، لا حرج. أما أنت، ما تضرب الناس في الطرقات، تأخذ (المِشْعاب) وكلما رأيت إنسانًا خالف أمر الله تضربه (مِشْعابًا) على رأسه وعلى جنبه، لا! فالمقصود لمن يستطيع، لمن يملك، بحيث لو سُئل يقول: هذا من صلاحيتي؛ يقتل، ويسجن، ويتصرف.
أما أنت ففي بيتك أنت، عندك بيتٌ، إذا كنتَ مسؤولًا في البيت، رئيس البيت، عندك أولادٌ وعندك زوجةٌ، فالحمد لله، استخدم اليد، لكن ما تستخدم اليد في كل شيءٍ، عند العلاج. الطبيب وهو طبيبٌ إذا جاءه إنسانٌ يقول: "أنا عندي ألمٌ في رأسي"، فلو قال: "هذا ألمٌ في رأسك، نعمل لك عمليةً جراحيةً في بطنك؛ حتى يُشفى رأسك إن شاء الله"، هذا طبيبٌ جاهلٌ. يُعطي حبوبًا، يُعطي أشياءَ، شرابًا، لا بُدَّ، فالحكمة أن يُعطَى العلاج.
فكون الأولاد في البيت والزوجة ما ينفع معهم الكلام، هذا ينتقل إلى الضرب، لكن يُوَجِّه. فالتغيير باليد واجبٌ إن لم ينفع اللسان، ثم باللسان، كل إنسانٍ يستطيع أن يُغَيِّر بلسانه، في أي مكانٍ، لكن بالحكمة، بالأسلوب الحسن، بالأسلوب الطيب، يقول: "يا فلان، اتقِ الله، تُريد السعادة في الدنيا والآخرة؟ هذا العمل من أسباب شقاوتك".
ثم إن الكلام يختلف مع أناسٍ من المسلمين وأناسٍ من اليهود والنصارى؛ فلا تُكلِّم المسلم كما تُكلِّم النصراني، ولا تُكلِّم النصراني كما تُكلِّم المسلم، ولا تَدْعُ المسلم الملتزم كما تدعو الفاسق المُجرم؛ كلٌّ يُخاطَب على قدر عقله.
تصوَّر لو أنَّ إنسانًا ذهب إلى المسجد فوجد يهوديًّا أو نصرانيًّا في الطريق، فقال له: "صلِّ، الصلاة هذه من تركها فهو يكون من الكفار، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمَن تَرَكَها فقد كَفَرَ[14]رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب: 564.، لا تَكْفُر، صلِّ"، فهذا يُقال له مجنونٌ ...! يهوديٌّ أو نصرانيٌّ! لا، ادعُه إلى الإسلام أولًا.
أو لو وجدتَ إنسانًا مسلمًا في الظاهر قد أسبل إزاره أو حلق لحيته أو شرب الدخان مثلًا، يعني: عمل هذه المعاصي، ولكن هذا المسلم ما يُصَلِّي، تقول: "أنت يا أخي اتقِ الله"، الظاهر -على القول الصحيح- أنه ليس بمسلمٍ إذا ترك الصلاة مُطلقًا. "اتقِ الله، ارفع إزارك، وأوفِ لحيتك، هذا ما يصلح، أنت مسلمٌ"، لا، اؤمره بالصلاة أولًا، فإذا صلَّى انتقِل معه، وتدرُّج، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذٍ حينما أرسله إلى اليمن: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك؛ فأَعْلِمهم أن الله افترض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوا لذلك؛ فأَعْلِمهم أن الله افترض عليهم صدقةً تُؤخَذ من أغنيائهم فتُرَدُّ في فقرائهم[15]رواه البخاري: 1496، ومسلم: 19.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
فالخلاصة: أن الإنسان يعرف مَن يتكلم معه، ويحتسب أموره كلها لله ؛ هذا أمرٌ.
ابتغاء وجه الله بالدعوة وطلب العلم
الأمر الآخر أو الأعظم من هذا: أن يقصد الإنسان بدعوته وجميع أعماله وجه الله، يقصد وجه الله، لا للرياء، ولا السمعة، ولا المنصب؛ إنما يقصد وجه الله سبحانه، يُخلص عمله لله؛ حتى يَحصُل على الثواب العظيم في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنما الأعمال بالنِّيَّات، وإنما لكل امرئٍ ما نَوَى[16]رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.. يُخلِص عمله لله، وإذا أخلص العبد عمله لله حصل على الثواب العظيم في الدنيا والآخرة؛ لأن الأمور كلها بيد الله.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام -وذلك للصادق مع الله-: إذا مَرِضَ العبد أو سافَرَ، كُتِبَ له مِثْلُ ما كان يعمل مُقِيمًا صحيحًا[17]رواه البخاري: 2996.؛ لحُسْن نيته. فإذا كان الإنسان يدعو إلى الله، ويُعَلِّم الناس الخير، ويتعلَّم طلب العلم، لكن حصل له مانعٌ من الموانع، ما استطاع، إما لمرضٍ وإما لسفرٍ وإما لغير ذلك؛ كُتِبَتْ له أعماله، تُكتَب أعماله كلها، حتى لو يبقى خمسين سنةً.
مثلًا: إنسانٌ كان يطلب العلم، يذهب إلى العلم، ويطلب عند العلماء، ويحفظ، ولكن أُصِيبَ بمرضٍ -لا قدَّر الله، نسأل الله أن يعافينا وإياكم وجميع المسلمين-، فأُقعد خمسين سنةً أو ثلاثين سنةً وهو لا يذهب إلى طلب العلم؛ فهذه الخمسين سنةً كلها، يذهب إلى العلم ويطلب العلم في موازين حسناته، الله أكبر! كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا مَرِضَ العبد أو سافَرَ، كُتِبَ له مِثْلُ ما كان يعمل مُقِيمًا صحيحًا[18]سبق تخريجه..
ثم لا بُدَّ أن يتهم نفسه دائمًا، ما يقول: "أنا من المُخلصين الصادقين"، لا، اتهم نفسك، فقد كان الصحابة يتهمون أنفسهم، ويخافون؛ لأنك إذا اتهمت نفسك بالتقصير، لا تزال تطلب الإخلاص وتطلب العمل وما يُرضي الله ، وتخشع؛ ولهذا كان عُمَرُ -كما يُذكَر عنه- يقول: "يا حذيفة، أنَشُدك بالله، هل سمَّاني لك رسول الله منهم؟ من المنافقين؟"، الله أكبر! الله أكبر! عُمَر يخشى على نفسه النفاق، فكيف لا نخشى على أنفسنا النفاق؟!
كذلك جاء في "صحيح البخاري": عن الحسن البصري رحمة الله عليه أنه يقول: "ما خافه إلا مؤمنٌ، وما أَمِنَه إلا منافقٌ". ويقول عبدالله بن أبي مُلَيكةَ -في "صحيح البخاري"-: "أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ما منهم من أحدٍ يقول: إنَّ إيمانه إيمان جبريل ولا ميكائيل، وما منهم من أحدٍ إلا يخاف النفاق على نفسه"، رواه البخاري، الله أكبر! هذا يدل على الإخلاص.
فأنت إذا اتهمتَ نفسك تُصَحِّح أعمالك، لا تَقُل: "إني من العلماء، ولا من الأتقياء"، لا، انظر إلى نفسك، واسأل الله التوفيق، واسأل الله العافية؛ لأن الصحابة ، كما ورد في تفسير قوله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، قالت عائشة رضي الله عنها: "أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟"، قال : لا يا بنتَ أبي بكرٍ -أو: يا بنتَ الصِّدِّيق-، ولكنه الرجل يصوم ويتصدَّق ويصلي، وهو يخاف ألا يُتقبَّل منه[19]رواه الترمذي: 3175، وابن ماجه: 4198، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 162.، رواه الترمذي بإسنادٍ جيدٍ. وهذا يدل على عناية الصحابة .
فإذا وُجدت هذه العقيدة، وهذا العمل عند الإنسان، فهذا من علامات السعادة في الدنيا قبل الآخرة؛ أن تتهم نفسك وتخشى على نفسك: "هل قُبِلَت هذه الصلاة؟ هل قُبِلَت هذه الدعوة؟ هل قُبِلَ هذا العمل؟"؛ لأنك إذا فكَّرت في هذا تُصَحِّح المسار، وتسأل الله التوفيق، تقول: "يا رب، يا مُقَلِّب القلوب، ثَبِّتْ قلبي على دينك"، وتقول دائمًا: "اللهم إني أعوذ بك أن أُشرك بك شيئًا أعلمه، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلمه"، تسأل الله التوفيق والتسديد. وأبشِر بالخير، أبشِر بالسعادة في الدنيا والآخرة، إذا علَّقتَ قلبك بربك، واتهمتَ نفسك بالتقصير.
ولهذا ذكر بعض أهل العلم أن الصادق مع الله يرى نفسه مُقصِّرًا، وليس من العلماء. وقد ذكروا أن العلم ثلاثة أشبارٍ: من دخل في الشبر الأول تكبَّر -نسأل الله العافية، نعوذ بالله!-، ومن دخل في الشبر الثاني تواضَع، ومن دخل في الشبر الثالث عَلِمَ أنه لا يعلم.
ولهذا كان سماحة الشيخ ابن باز رحمة الله عليه قبل موته بأشهرٍ، بلغني عن الشيخ الدكتور عمر العيد يقول: كنت عند الشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر البرَّاك، فقال: "يا شيخ عمر، كنت عند الشيخ ابن باز، وسأله سائلٌ، سأله عن سؤالٍ، فاعتذر الشيخ عن الجواب"، ما عَرَفَه رحمة الله عليه. وكثيرًا ما يقول قبل موته رحمة الله عليه: "ما بلغني، يحتاج إلى نظرٍ، يحتاج إلى مراجعةٍ، لا أدري".
سبحان الله! إمامٌ من الأئمة! وكذلك الأئمة قبله كلهم، بعض المسائل يتوقفون عنها وَرَعًا وإخلاصًا، وصدقًا مع الله . فقال: "اعتذر الشيخ"، وبعد أن انتهى السائل، قال للشيخ عبدالرحمن: "يا شيخ عبدالرحمن"، قال: "نعم"، قال: "ما عندنا علمٌ"، الله أكبر! فبكى الشيخ عبدالرحمن بن ناصر البرَّاك. قال الشيخ عمر: "بكى"، يقول: "ابن باز يقول: ما عنده علم!".
كم من الناس الآن يُفتي الناس ويُعلِّم الناس، ويمكن أن يُصَرِّف السائل إذا سأله: "قيل كذا، وقيل كذا"، ثم إذا شوَّش على السائل تركه. لا، تَعْلَمُ شيئًا، قُل: "قال الله، قال رسوله ". ما تعلم شيئًا، قل: "الله أعلم، اسأل غيري، أو نبحث المسألة". إذا ما عندك علماء، قل: نبحث المسألة، نراجع التفسير؛ تفسير ابن كثير، أو تفسير القرطبي، أو تفسير الشوكاني، أو غير ذلك، أو الطبري، أو نراجع فتاوى ابن تيمية، أو "زاد المعاد"، نبحث في المسألة حتى نستفيد، هكذا.
فأسأل الله أن يرزقني وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.
لكني أُذَكِّر نفسي وإياكم بالدعاء؛ أن تدعو الله بالعلم النافع والعمل الصالح والتوفيق، وتسأل الله الثبات على دينك، وتحمد الله على أن وفَّقك وجعلك من المؤمنين. فمن الناس الكثير الفاسق؛ إما مسلمٌ فاسقٌ، يُصلي ويصوم لكنه فاسقٌ وواقعٌ في المعاصي والجرائم، وإما مُشركٌ خارجٌ من الإسلام؛ فعليك أن تحمد الله، وتقول: الحمد لله الذي جعلني من المسلمين.
أسأل الله أن يرزقني وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، والتوفيق والتسديد والإعانة.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الأسئلة
المُقَدِّم: نشكر فضيلة الشيخ على ما قدَّم، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يُعَظِّم له الأجر والمثوبة. ونفتح المجال للأسئلة، وهي كثيرةٌ.
س: هذا سائلٌ يقول: فضيلة الشيخ، إني أحبك في الله، كيف يجمع طالب العلم بين طلب العلم والدعوة؟ وكيف يُوَفِّق بينهما؟
ج: الأمر سهلٌ، طلب العلم هو دعوةٌ، كونك تطلب العلم دعوةٌ إلى الله ؛ لأنك تتأهَّب للدعوة. إي، نعم، لكن باختصار الذي سبق الكلام عنه: كونه يتعلَّم العلم هو دعوةٌ إلى الله. إذا مرَّ في طريقه فوجد بعض الشباب، ينصحهم مثلًا. إذا وجد بعض الشباب ما يطلب العلم، يسحبه معه إلى حلقات العلم في طريقه، مع أهله، مع نفسه، يكون دعوةً صامتةً بالتزامه بسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام. ليس معنى الدعوة أن يتفرَّغ من جميع أعماله، ويُفرِّغ نفسه للدعوة ويترك العلم، لا بُدَّ من طلب العلم، فالأمر سهلٌ. كل ما تأتي وتَذَر، اقصد به وجه الله .
وإذا رأيتَ منكرًا على طريقك، إذا رأيت جيرانك، أهلك، نفسك، أنت تلتزم؛ لأنه قد ورد في الآثار عن السلف: "إنَّ مِن الناس مَن إذا رُئِيَ ذُكر الله تعالى"، يراك الناس مُلتزمًا بسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام في أمورك وفي أعمالك وأخلاقك، فيقتدون بك؛ فهذه دعوةٌ صامتةٌ للناس، وهكذا. فالأمر سهل، لكن لا بُدَّ من طلب العلم. أما إذا كنت أنت من العلماء، يعني: عرفت العقيدة والتوحيد والقرآن، وفهمت المعاني، فالحمد لله، تَنَقَّلْ، وعلِّم الناس، واجتهد، ومع ذلك تسأل الله الثبات.
ومن الفوائد التي تُستفاد من الإمام ابن باز رحمة الله عليه: أنه ما سمعتُه سُئل عن شيءٍ فيه خيرٌ -طبعًا الإنسان يُقَدِّم الأصلح، إذا تعارضت مصلحتان فإنه يُقَدِّم أفضلهما- لكن ما سمعتُه سُئل عن شيءٍ إلا وقال: "اجمع بينهما". فاجمع بين طلب العلم وبين الدعوة إلى الله ، على حسب استطاعتك. وقد سُئل رحمه الله عن حضور حلقات العلم، حلقات الشيخ، يقول: "هل أحضر حلقتك يا شيخ، أو أحفظ القرآن؟"، قال: "اجمع بينهما"، فاجمع بين كل خيرٍ، لكن أعطِ كل شيءٍ قَدْرَه، فطلب العلم هو الأساس للدعوة إلى الله.
المُقَدِّم: والشيخ أجاب عن سؤالٍ قبل أن أسأله، الله يجزيه الخير.
س: يقول هذا السائل: يا شيخ، ندعو إلى الله ، لكن نرى أن الفتن تزداد، ونرجو من فضيلتكم نصيحةً تُثبِّتوننا بها.
ج: أسأل الله أن يُثبِّتنا وإياك. كما سمعتَ، الفتن تزداد، والعلماء يَقِلُّون؛ فعليك أن تتقيَ الله ما استطعت، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].
س: يقول السائل: يا شيخ، حبَّذا لو ذكرتم لنا بعض مواقف الشيخ ابن باز رحمة الله عليه، والشيخ ابن عثيمين.
ج: الوقت يطول، والمواقف كثيرةٌ، لكن قد أُعطيكم بالنسبة لسماحة الشيخ ابن باز رحمة الله عليه. ابن عثيمين هو في القصيم، في عنيزة، ومشهورٌ عند طلابه، وهو من العلماء. أنا عندي أنَّ أعلم الناس -يعني: عندي على حسب ضعفي أنا؛ لأن هذا على حسب الأفكار- أنَّ أعلم أهل الأرض عندي أنا -وقد يكون أعلم منه، لكن ما أعرفه-: ابن باز رحمة الله عليه، وأعلم أهل الأرض بعد ابن باز: ابن عثيمين، رحمة الله عليهما، وقد تُوُفِّيا فيما يقارب سنتين، يعني: رؤوس جبالٍ، جبلان سَقَطَا، نسأل الله أن يُعوِّض الأمة الإسلامية خيرًا. لكن نقول: خيرًا منهم؟ الله قادرٌ على كل شيءٍ سبحانه.
فالمواقف كثيرةٌ، لكن أذكر منها: من باب أنَّ الشيخ رحمه الله يُجيب الناس على قدر عقولهم، على قدر عقله، وعلى قدر ...؛ إذا كان من البادية، إذا كان ... يعطيه ما يستفيد، ويقطع المسائل الخلافية، ما يفتح للسائل فيها مجالًا إذا لم يكن من أهل العلم، أما إذا كان من أهل العلم يُجيبه على حسب. يوجد واحدٌ من الشباب يسأل، يقول: "يا شيخ، ما حكم زواج الإنس بالجن؟ يعني: الإنسي يتزوج جنية؟"، هذه مذكورةٌ في كتب أهل العلم، فالشيخ ما قال: "قيل كذا، وقيل كذا، وقال فلان كذا"، قال: "يا ولدي، عندنا من الإنس ما يكفينا"، هذا جوابٌ يعني: ما لك مدخلٌ في هذه الأمور، عندك إنسٌ كثيرٌ.
س: هذا سائلٌ يا شيخ يقول: هل يجوز التشهد في الصلاة باليد اليسرى، إذا كان هناك إصابةٌ في اليد اليمنى؟
ج: يعني: يُشير بسبابته اليسرى؟ ما عندي خبرٌ، الله أعلم.
س: سُئل الشيخ الألباني يا شيخ، فقال: إن الذي يمينه مقطوعةٌ ... ما يُشير.
ج: هذا هو مقتضي الدليل، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، ولأنه لو أشار بإصبعه اليسرى -هذا تأييدي لفتوى الألباني رحمة الله عليه- يحتاج إلى دليلٍ. العبادة توقيفيةٌ، ما هي بالقياس. فجزاه الله خيرًا، الحمد لله، أفتاك. والشيخ الألباني في الحقيقة له شأنٌ عظيمٌ، رحمة الله عليه. ثلاثة جبالٍ سقطت، أنا قلت: "جبلان"، بل ثلاثة جبالٍ في خلال سنتين، رحمة الله عليهم. يعني: نفع الله بعلومه، يُستفاد من كتبه رحمة الله عليه، نفع الله به، وهؤلاء الثلاثة رؤوسٌ عظيمةٌ، نسأل الله أن يُخلف على الأمة فيهم.
س: يقول كذلك، هذا سائلٌ يقول: يا شيخ، رجلٌ طلَّق زوجته طلقتين، وفي الطلقة الثالثة كانت حائضًا، فهل يقع الطلاق؟
ج: هذا خلافٌ بين أهل العلم، لكني أنصح الأخ أن يُراجع المحكمة هنا أو في المملكة؛ حتى يُستفتَى ويُسأل: هل يعلم أو لا يعلم، أو غير ذلك؛ لأن المسألة فيها خلافٌ، وكان سماحة الشيخ رحمة الله عليه قبل موته يرى أنه إذا لم يعلم بأنها حائضٌ يقع الطلاق، هذه فائدةٌ، إذا كان يعلم يقول: "أنت طلَّقتها، أنت تعلم أو ما تعلم؟"، يقول: "ما أعلم يا شيخ، ما أدري أنها حائضٌ"، فيُلزمه بالطلاق. فالخلاصة: أن المسألة خلافيةٌ، لكن ذَكَرَ أهل العلم ...
س: إذا لم يعلم يقع الطلاق؟
ج: إذا لم يعلم، هذا عند الشيخ ابن باز رحمة الله عليه؛ لأنه ما يعلم، يقول: "ما أعلم". والظاهر -والله أعلم- أنه كأنه يقال -والله أعلم- بأنه ما هناك دافعٌ لكراهيتها، فطلَّقها وهو مختارٌ. لكن الخلاصة: أن ابن القيم رحمة الله عليه، وغيره من أهل العلم، وكذلك ابن تيمية، يرون أن هذا بدعةٌ؛ الطلاق في الحيض والنِّفاس بدعةٌ، فلا يقع؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: من عَمِلَ عملًا ليس عليه أمرُنا، فهو ردٌّ[20]رواه البخاري مُعَلَّقًا: 9/ 107، ومسلم: 1718..
لكن لا تفتح المجال للناس في هذه المسائل، هذه المسائل تُتْرَك للعلماء المُفتين، قد يختلفون، فالإنسان يعمل بالفتوى الموجودة في بلده، ولا مانع أن يأخذ بالدليل، بل هو المطلوب، لكن لا يُسَبِّب ... إلا أن هناك سماحة الشيخ ابن باز رحمة الله عليه حينما كان يُفتي، لو علم بأنه قد صدر صكٌّ في هذه المسألة لا يُفتي فيها مرةً أخرى. إذا قال: "يا شيخ، جئنا عند القاضي فلانٍ"، قال: "طلَّق في الحيض، أو طلَّق ثلاثًا بلفظٍ واحدٍ، وحكم بأنها تَنْفُذ"، قال: "تَنْفُذ"، يعني: يكتفي؛ حتى ما يكون هناك خلافٌ بين أهل العلم. فالخلاصة: أن القول الصواب في هذا -من باب العلم-: أنه لا يقع الطلاق إذا وقع في الحيض والنِّفاس، لكن لا بُدَّ من التثبُّت من السائل؛ فقد يكون طلَّقها وهو يعلم، أو غير ذلك.
مما يُستفاد منه: أن شخصًا سألني في الرياض عن ... -ومن باب الأدب ألا يُفتيَ الإنسان وهناك مُفْتٍ في المملكة في بلاده، إذا كان هناك مُفْتٍ مُخصَّصٌ للإفتاء في أمورٍ مُعينةٍ، فيتوقف ويرسله إلى المُفتي أو المُفتين المُعيَّنين الذين يُفتون بكتاب الله وسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام. أما إذا كانوا يُفتون بالباطل، لا، يقول الحق- فسألني قال: "إنه طلَّق زوجته وهي حائضٌ الطلقة الأخيرة"، ما كان يدري، طلَّقها، "فما رأيك؟".
قلت: "اذهب إلى سماحة الشيخ ابن باز رحمة الله عليه"، فذهب إليه، قال: "هل تعلم بأنها في الحيض أو ما تعلم؟"، قال: "ما أعلم يا شيخ"، قال: "وقع الطلاق"، قال: "يا شيخ، لماذا؟ أنا طلَّقتُ"، قال: "لأنك ما تعلم أنها حائضٌ". ثم ذهب إلى الشيخ ابن عثيمين في القصيم وسأله، قال: "يا شيخ، إن طلَّق زوجته ...؟"، قال: "ما يقع عليك الطلاق"، قال: "يا شيخ، أنا ما أعلم أنها حائضٌ"، قال: "كذلك ما يقع"، فقال: "يا شيخ، أفتاني ابن باز، يقول: إنه يقع ما دام أني أعلم"، قال: "أتسألني بعد ابن باز؟! ما أفتيتُك، أنا ما أفتيتُك"، يعني: تراجعتُ عن فتواي، رحمة الله عليه.
ولكن هذا السائل قابلني مرةً أخرى، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة، قال: "تركتُ ابن عثيمين حتى نسيَ، ثم أتيتُه مرةً أخرى وسألتُه، فأفتاني بالجواز"؛ نسأل الله العافية! هذه خيانةٌ، يتركه حتى نسيَ أنه قال: "إن الشيخ أفتاني"، قال: "تركتُه حتى نسيَ، فسألتُه"، الله المستعان! فالمسلم لا بُدَّ أن يكون صريحًا، ما يكون يكذب على الناس.
س: كل واحدٍ آخذٌ بدليلٍ أم لا؟
ج: لا، كلهم عندهم أدلةٌ، لكن سماحة الشيخ يرى قبل موته رحمه الله أنه ما دام أنه ما يعلم أنها حائض، كأنه -والله أعلم- يرى أنه كأنه ما يعلم، فليس هناك عليه حرجٌ؛ لأنه ما درى، ما خالف مُتعمِّدًا.
س: هذا معناه أن الذي يدري ...؟
ج: الله أعلم، لكن هكذا يُفتي سماحة الشيخ. وهذه المسألة كثيرٌ من الناس ما يدري عن الشيخ رحمه الله أنه يُفتي بها، ما يعلم إلا القليل، وإلا الظاهر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: من عَمِلَ عملًا ليس عليه أمرُنا، فهو ردٌّ[21]سبق تخريجه..
س: هذا معناه أن الذي يعلم أنها حائضٌ أنه محتار؟
ج: الذي يعلم أنها حائضٌ، يعني: طلَّقها على بصيرةٍ.
س: طلَّقها على أساس أنه عارف أنها...
ج: الله أعلم.
س: يا شيخ، هذا سائلٌ كذلك يقول: يا شيخ، إذا احتقنتُ وكنتُ في الصلاة، فهل أقطع الصلاة؟
ج: أيش معناه؟ إي نعم.
س: حتى لو كنتُ إمامًا؟
ج: نعم، إذا كان عندك احتقانٌ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يُدافِعُه الأخبثان[22]رواه مسلم: 560.، يعني: الصلاة ناقصةٌ، فإذا كنتَ ما تقدر، أو يضرك، أو يُزيل الخشوع في الصلاة، الحمد لله، قَدِّمْ واحدًا من المُصلين، واذهب. أما إذا كان الأمر يسيرًا، ما يضر ولا يُزيل الخشوع ولا ...؛ فالحمد لله، أهلًا وسهلًا.
س: هذا سائلٌ يقول كذلك: امرأةٌ حاملٌ في الأربعين الثانية اليوم، وزوجها يأمرها إما بإسقاط الحمل، وإما الطلاق؛ فهل يجوز لها إسقاط الحمل؟
ج: في الأربعين؟
س: الثانية، يعني: الحمل له ثمانين يومًا.
ج: ما نُفخت الروح؟ إذا نُفخت الروح فلا يجوز إسقاطه؛ لأنها نفسٌ، ولا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق. أما قبل نفخ الروح، فالأمر سهلٌ، إذا كان في الأربعين الأولى. والظاهر -والله أعلم- أن الروح ما تُنفَخ إلا في بداية الشهر الخامس، أربعون أربعون ثمانون أربعون. فالخلاصة: أنه إذا نُفخت الروح، هو الضابط. قد يقول: إنها أربعون، وهو أكثر، هم يعرفون، إذا نُفخت الروح فلا يمكن قتل النفس.
س: نختم بهذا، يسأل بعض الإخوة يقول: يا شيخ، هل هناك في الطريق كتابٌ لكم ينفع الله به؟
ج: والله ما أدري، إن كانت الكتب كلها عنده أخبرناه بالجديد، وإن كان ما عنده لا الأول ولا الأخير؛ فما الفائدة؟!
على كلٍّ؛ توجد سلسلةٌ ما أدري وصلت أم لا، آخر ما صدر سلسلةٌ في التوحيد: "نور التوحيد وظلمات الشرك"، و"نور الإيمان وظلمات النفاق"، و"نور الإسلام وظلمات الكفر"، و"نور السُّنَّة وظلمات البدعة"، سلسلةٌ معروفةٌ وموجودةٌ. لكن توجد سلسلةٌ جديدةٌ في الفقه وصلت إلى ...، يعني: آخر ما طُبع هو: "الإمامة في الصلاة؛ مفهومها وآدابها وشروطها"، ولا زلتُ في هذه السلسلة.
وأسأل الله أن ينفع بالأسباب، ويرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح. طالب العلم ما يرجع إلى هذا، لكن المُتمكِّن يرجع إلى كتب البخاري ومسلم، طالب العلم المُتمكِّن الذي يُعلِّم الناس، والذي هو كسولٌ مثلي يقرأ، تُقَرِّب له بعض الشيء. نسأل الله أن يوفِّقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ.
باقي شيء؟
المُقَدِّم: الله يجزيك خيرًا، ونفع الله بكم، وجزاك عنَّا خير الجزاء إن شاء الله.
الشيخ: أسأل الله أن يوفِّقنا وإياكم لما يُرضيه، ويرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.
المُقَدِّم: آمين.
| ^1 | البيجر: جهاز إلكتروني صغير يَسهُل حمله، ويُستخدَم لاستقبال الرسائل القصيرة أو رقم الشخص الذي يحاول الاتصال بالجهاز. يُنظر: معجم الرياض للغة العربية المعاصرة الإلكتروني. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 3461. |
| ^3 | رواه مسلم: 49. |
| ^4 | رواه مسلم: 50. |
| ^5 | رواه مسلم: 1893. |
| ^6 | رواه مسلم: 2674. |
| ^7 | رواه مسلم: 1017. |
| ^8 | رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037. |
| ^9 | رواه البخاري: 100، ومسلم: 2673. |
| ^10 | البيتان للإمام الشافعي رحمه الله. يُنظر: "ديوان الإمام الشافعي": 113. |
| ^11 | رواه مسلم: 2699. |
| ^12, ^18, ^21 | سبق تخريجه. |
| ^13 | رواه أبو داود: 3641، والترمذي: 2682، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 70. |
| ^14 | رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب: 564. |
| ^15 | رواه البخاري: 1496، ومسلم: 19. |
| ^16 | رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907. |
| ^17 | رواه البخاري: 2996. |
| ^19 | رواه الترمذي: 3175، وابن ماجه: 4198، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 162. |
| ^20 | رواه البخاري مُعَلَّقًا: 9/ 107، ومسلم: 1718. |
| ^22 | رواه مسلم: 560. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط