جدول المحتويات
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأشكر الله تعالى الذي يسَّر اللقاء لهؤلاء الإخوة في الله تعالى، وفي هذا البلد الشقيق، أشكر الله تعالى أن يسَّر ذلك.....
والمشاركة فيما قال الدكتور فرحان في هذا الموضوع، لا شك أن المشاركة فيه بالحق، ويكفي فيها قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103].
حديث حذيفة والمخرج من الفتن
وقول النبي عليه الصلاة والسلام لحذيفة حينما سأله، كما بيَّن في حديثٍ طويلٍ: جاء حذيفة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وبيَّن قال: كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر مخافةَ أن يُدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهليةٍ وشرٍّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شرٌّ؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم.
قال: فقلتُ: هل بعد ذلك الشر من خيرٍ؟ قال: نعم، وفيه دَخَنٌ. قلتُ: "وما دَخَنُه؟"، قال: قومٌ يستنُّون بغير سُنَّتي، ويَهْدون بغير هَدْيِي، تَعرف منهم وتُنكِر. فقلتُ: هل بعد ذلك الخير من شرٍّ؟ بعد هذا الخير الذي فيه دَخَنٌ؟ قال: نعم، دُعاةٌ على أبواب جهنم، مَن أجابهم إليها قَذَفُوه فيها. فقلتُ: يا رسول الله، صِفْهم لنا. قال: نعم، قومٌ من جِلْدَتِنا، ويتكلَّمون بألسنتنا. هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام.
قلتُ: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تَلزم جماعة المسلمين وإمامهم. فقلتُ: فإن لم تكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ؟ ما ترك شيئًا يُنجيه من عذاب الله ويُنجيه من الفُرقة إلا سأل النبي عليه الصلاة والسلام عنه. قال: تَلزم جماعة المسلمين وإمامهم. فقلتُ: فإن لم تكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ. ليس هناك إمامٌ، انتهت الأمور، قال: فاعتزل تلك الفِرَقَ كلَّها، ولو أن تَعَضَّ على أصل شجرةٍ، حتى يُدرِكَك الموتُ وأنت على ذلك[1]رواه البخاري: 3606، ومسلم: 1847 واللفظ له..
هكذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام لحذيفةَ المَخرج من الفتن في هذا الحديث، وفي الآية التي سمعتموها، وهي مكتوبةٌ أمامكم.
حق الله على العباد وأثره في صلاح الأمة
ومن أعظم المخرج من الفتن، ومن أعظم وحدة المسلمين فيما بينهم، ومن أعظم ما يُقَرِّبهم إلى الله تعالى في الاعتصام به : القيام بحقوقه، وما يُقال في هذه المحاضرة في هذه الليلة: "حق الله تعالى على عباده".
فإذا قام الناس بحق الله وأوفَوه حقه نصرهم، وأعانهم، ومكَّنهم، وجعل الأمن بينهم، وأعزَّهم، ودَحَر عدوهم، ورفع مكانتهم، وكانوا في الحياة الدنيا سعداء، وفي الآخرة في جنات النعيم. حق الله على عباده، وهذا بيَّنه الله تعالى، وبيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام.
أولًا: أعظم الحقوق التي أوجبها الله تعالى على عباده هي: عبادته وحده لا شريك له؛ يجب على الجميع: يجب على العرب، ويجب على العجم، ويجب على كل أسود وكل أحمر، ويجب على الجن والإنس جميعًا، أن يعبدوا الله تعالى وحده لا شريك له؛ ولهذا قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58].
ومعنى يَعْبُدُونِ أي: يُوَحِّدوني، أي: يُوَحِّدُون الله تعالى في أسمائه وصفاته، وفُسِّرَت يُوَحِّدُوني بالتذلُّل لله تعالى بطاعته، وترك المعاصي ابتغاء مرضاته ، يرجون ثوابه، ويخشون عقابه، وهذا الحق هو الذي دعا إليه ربُّنا ، وبيَّنه لعباده عن طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ [النحل:36].
منهم من هدى الله، وقام بحق الله تعالى، وبعبادته على الوجه الذي يرضيه. والعبادة: اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
ومنهم من حقت عليهم الضلالة، فلم يَقُمْ بهذا الحق، وفارق المسلمين، وفارق أهل التوحيد، وهذه هي الفُرقة، وهذه التي تُفَرِّق بين الناس، التفرُّق في عبادة الله تعالى وحده؛ فلا بُدَّ أن يُوَحِّدوا جميعًا ربهم تبارك وتعالى بما أمرهم به .
قال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]. إذن هذه الوحدة في العبادة، لا بُدَّ للمسلمين جميعًا أن يعبدوا الله تعالى وحده، وألا يُشركوا به شيئًا، ولهم العزة، ولهم التمكين في الدنيا والآخرة: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:2-3]، وهذا يدل عليه قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].
أيُّ عملٍ صالحٍ أعظم من التوحيد؟ أيُّ عملٍ صالحٍ أعظم من أن يعبد الإنسان ربه وحده لا يشرك به شيئًا؟ لا عَمَلَ صالحًا أكثر من ذلك وأعظم من ذلك. الأعمال درجات، لكن أعظم الأعمال أن يُوَحَّد الله وتُخلَص له العبادة.
ولهذا بيَّن الله تعالى ذلك في كتابه، وبيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97]، قَسَمٌ من الله تعالى أن يحييه حياة طيبة في الدنيا، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، هذا من فضل الله تعالى.
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، قضى: حكم ووصَّى وأمر أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، وقال : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، وغير ذلك من الأمور.
ومما يدل على أن الناس أو المسلمين إذا وحَّدوا الله تعالى في عبادته كانوا مُتكاتفين مجتمعين على طاعة رب العالمين: قوله تبارك وتعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163]، أمر النبيَّ عليه الصلاة والسلام أن يقول ذلك صلوات الله وسلامه عليه، هذا من أعظم الأمور.
إذن كل الدنيا: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي، الصلاة المعروفة التي فيها ركوعٌ وسجودٌ ودعاءٌ؛ لأن الصلاة نوعان: عبادةٌ لله تعالى بالمسألة، وعبادةٌ لله تعالى بالصلاة والركوع وغير ذلك. قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي: ذبحي، وَمَحْيَايَ: ما يأتي في حياته وما يَذَر، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].
حديث معاذ في حق الله وحق العباد
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال عليه الصلاة والسلام لمعاذ ، يُبَيِّن له ما هو حق الله تعالى على العبيد، الجميع، من ذكرٍ وأنثى وأعجميٍّ وعربيٍّ وكبيرٍ وصغيرٍ وغير ذلك من الجن والإنس، ما هو حق الله على العباد؟
قال : "كنتُ رِدْفَ رسول الله على حمارٍ"، وهذا يدل على تواضُع النبي عليه الصلاة والسلام إذ يركب على الحمار، يستطيع أن يركب على أجمل الفرسان، يستطيع أن يركب على أجمل الخيل وأجمل الإبل، لكن من تواضُعِه عليه الصلاة والسلام ركب على الحمار، ومن تواضُعِه كذلك أردف خلفه معاذًا رديفًا له، والعظماء لا يحبون أن يُردفوا أحدًا على دوابهم.
قال : كنتُ رِدْفَ رسول الله على حمارٍ. فقال: يا معاذ، هل تدري ما حقُّ الله على العباد؟، قلتُ: الله ورسوله أعلم. ما يدري؛ فالمسلم يجب عليه إذا سُئل عن شيءٍ لا يعرفه أن يقول: "الله أعلم"، بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام وفي حياة النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "الله ورسوله أعلم".
قال : يا معاذ، هل تدري ما حقُّ الله على العباد؟، سأله هذا السؤال حتى يَشُدَّ ذهنه، وحتى ينتبه، وحتى يتأهَّب للجواب عن هذا السؤال: هل تدري ما حقُّ الله على العباد؟. قال: قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: فإنَّ حقَّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا. هذا حق الله على العباد، قال: ثم سار ساعةً، ثم قال: يا معاذ، هل تدري ما حقُّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟، قال: قلتُ: الله ورسوله أعلم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: وحقُّ العباد على الله ألا يُعَذِّبَ من لا يُشرك به شيئًا، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث في الصحيح[2]رواه البخاري: 6267، ومسلم: 30..
هذا يدل على أن حق الله تعالى على العباد أن يعبدوه وحده لا شريك له، ويجتمعوا على ذلك، ولا يتفرَّقوا كما تفرَّق الذين من قبلهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: افترقَت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقةً، فواحدةٌ في الجنة وسبعون في النار. وافترقت النصارى على ثِنْتَين وسبعين فرقةً، فإحدى وسبعون في النار وواحدةٌ في الجنة. والذي نفسُ محمدٍ بيده، لَتفترقَنَّ أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقةً، واحدةٌ في الجنة وثنتان وسبعون في النار[3]رواه أبو داود: 4596، وابن ماجه: 3992، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1082..
ثلاثٌ وسبعون فرقةً، ما هي هذه الفرق؟ هل هي من أمة الدعوة أو أمة الإجابة الذين أجابوا؟ الصواب أنهم من أمة الإجابة، الذين يَدَّعون الإسلام ويقولون: "نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله عليه الصلاة والسلام"، هؤلاء ينقسمون إلى ثلاثٍ وسبعين فرقةً، كلهم في النار إلا واحدةً من هؤلاء؛ لأن أهل الجنة واحدٌ من ألفٍ كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: يقول الله تعالى: يا آدم. فيقول: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ في يديك. فيقول: أخرِجْ بَعْثَ النار. قال: وما بعثُ النار؟ قال: من كل ألفٍ تِسْعَمِئَةٍ وتسعةً وتسعين[4]رواه البخاري: 3348 واللفظ له، ومسلم: 222.، من كل ألفٍ واحدًا إلى الجنة، وتِسْعَمئةٍ وتسعةً وتسعين إلى النار. هذا يدل على عِظَم الأمر، وأن واحدًا في الجنة من الأمة، أي: من وقت ما خلق الله آدم إلى قيام الساعة!
فشقَّ ذلك على أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إني أرجو أن تكونوا رُبُعَ أهل الجنة، فكبَّروا، فقال : إني أرجو أن تكونوا ثُلُثَ أهل الجنة، فكبَّروا، فقال : إني أرجو أن تكونوا نِصْفَ أهل الجنة، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[5]رواه البخاري: 3348 واللفظ له، ومسلم: 222.، وذكر أن في الناس من يُكَثِّرُهم في النار، ومنهم يأجوج ومأجوج.
الفرقة الناجية
فلا شك أن الفرقة الناجية: أهل التوحيد أهل الإخلاص لله، مَن هم؟ هل أُحَدِّدُهم أنا أو أنت أو أي شخصٍ؟ كل إنسان يدَّعي أنه مِن الذين أطاعوا الله وأطاعوا النبي عليه الصلاة والسلام، وكل فرقةٍ من الفِرَق تَدَّعي أنها هي الفرقة الناجية التي قال فيها النبي عليه الصلاة والسلام: إلا مِلَّةً واحدةً، من هم؟ حدَّدَهم النبي عليه الصلاة والسلام، قيل: ومن هي يا رسول الله؟ حدَّدَهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولا يجوز لمسلم أن يُحَدِّدَ هذه الفِرَق إلا بتحديد النبي عليه الصلاة والسلام، فقال : ما أنا عليه وأصحابي[6]رواه الترمذي: 2641، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 5343.. الله أكبر! تحديد: هم مَن كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي.
إذن؛ مَن أراد أن يكون من الفرقة الناجية فعليه أن ينظر إلى ما كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ثم يلتزمه، ويبشر بأنه من الفرقة التي قال فيها النبي عليه الصلاة والسلام: لا يزال طائفةٌ من أمتي على الحق منصورين، لا يضرُّهم من خالفهم، حتى يأتيَ أمرُ الله [7]رواه مسلم: 1920 بنحوه..
فعليك -يا عبدالله- أن تسأل عن طريقتك، بل تسأل عن هذه الفرقة وعن هذه الجماعة فتلتزم منهجهم؛ منهج النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ثم قال معاذ : يا رسول الله، أفلا أُبَشِّرُ الناس؟ حينما قال له: وحقُّ العباد على الله ألَّا يُعَذِّبَ من لا يشرك به شيئًا، فقال : لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا[8]رواه البخاري: 2856، ومسلم: 30 واللفظ له..
والخلاصة أن حق العباد على الله تعالى حقٌّ واجبٌ، أوجبه هو على نفسه سبحانه، لم يُوجِبْه عليه غيرُه. فكما حرَّم الظلم على نفسه، وحرَّمه على عباده، أوجب على نفسه هذا الحق؛ فهو الذي يُوجب على نفسه، وهو أصدق قِيلًا وأحسن حديثًا؛ فضلًا منه وإحسانًا وجُودًا وكرمًا أوجبه على نفسه، بدون أن يُوجِبَه عليه أحدٌ: أنَّ من وحَّده وأخلص له العبادة أدخله الجنة ولم يُعَذِّبْه، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.
ومعنى لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا، أي: يعتمدوا على هذه البشرى وهم لا يفهمون معناها؛ لأن تحقيق التوحيد يستلزم اجتناب المعاصي والقيام بالواجبات؛ ولأن المعاصي صادرةٌ عن الهوى، وهذا نوعٌ من الشرك كما قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية:23]؛ ولهذا قال -والله أعلم-: لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
أعظم ما أمر الله به وأعظم ما نهى عنه
ثانيًا: أعظم ما أمر الله به عباده التوحيد، لو سُئلت: ما أعظم ما أمر الله به؟ وما أعظم ما نهى الله عنه؟
الجواب: أعظم ما أمر الله به التوحيد؛ عبادته وحده، وأعظم ما نهى الله عنه من الجرائم والمُوبقات: الشرك؛ وهو أن يجعل مع الله تعالى شريكًا له في العبادة، أو في غير ذلك مما يستحقه . إذن؛ هذا هو أعظم ما يجب على العباد: أن يُوَحِّدُوه.
ولا شك أن الدليل على ذلك: القرآنُ الكريم؛ لو نظر الإنسان، وأنا لستُ الذي قلتُ هذا، قاله أهل التوحيد، أهل العلم النافع والعمل الصالح، العلماء الربانيون، قالوا: إن القرآن من أوله إلى آخره توحيدٌ، كله توحيدٌ، لماذا كله توحيدٌ؟ القرآن من أوله إلى آخره توحيدٌ كله، كيف؟ اسمع.
قالوا: إما خبرٌ عن الله وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله، إذن هذا يكون توحيد الربوبية والأسماء والصفات. إذا كان خبرٌ في القرآن عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله؛ هذا هو توحيد الربوبية، وأن الله الخالق الرازق المُدَبِّر، وأن له الأسماء الحسنى والصفات العُلَى التي تليق بجلاله، لا شريك له في ذلك، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، هذا أمرٌ واحدٌ.
أما الأمر الثاني: وإما أن يكون دعوةً إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما يُعبَد من دونه. وهذا توحيد الألوهية، هذا الأمر الثاني.
وإما أن يكون أمرًا ونهيًا وإلزامًا بطاعة الله، وهذا هو من حقوق التوحيد ومُكَمِّلات التوحيد. الأوامر التي أمر الله بها، والنواهي التي نهى الله عنها، والواجبات التي أوجبها الله من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍّ وبرِّ وَالِدَين وإكرام الجيران وغير ذلك مما أوجب الله، وكذلك المحرمات التي حرَّم الله تعالى كالشرك بالله تعالى وغير ذلك من الزنا والربا واللواط، وغير ذلك من جميع المحرمات؛ كل ذلك من حقوق التوحيد، ومن لم يَقُمْ بذلك فلم يَقُمْ بحقوق التوحيد. هذا الأمر الثالث.
الأمر الرابع: وإما خبرٌ عن إكرام الله تعالى لأهل التوحيد، وما حصل لهم من النصر والتأييد في الدنيا والآخرة، وما يُكرمهم الله تعالى به في الآخرة من الجنة. هذا إخبارٌ عما حصل للمؤمنين الموحدين في الدنيا من النصر والتأييد والتمكين والسعادة، وما يحصل لهم في الآخرة من دخول الجنة والنعيم المقيم الذي أعدَّه الله تعالى لهم. إذن؛ هذا جزاءُ مَن حقَّق التوحيد.
الأمر الخامس: وإما خبرٌ عن أهل الشرك وما فعل الله بهم في الدنيا من النَّكال والعذاب والهزائم، وما يفعل بهم في الآخرة من العذاب المُهين، وأعظم العذاب دخول نار جهنم، وهذا جزاءُ مَن أعرض عن التوحيد.
قال بعض الأئمة المحققين العلماء الربانيين: "فالقرآن كله في التوحيد من أوله إلى آخره، في أنواعه وحقوقه وجزائه، وبشأن الشرك وأهله وجزائهم"، القرآن كله في التوحيد. إذن ديننا كله توحيدٌ، وهو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له .
التوحيد الخالص يُكَفِّر جميع الذنوب
الأمر الثالث: التوحيد الخالص يُكَفِّر جميع الذنوب والمعاصي والسيئات، إذا أخلص الإنسان توحيده لله تعالى كفَّر الله تعالى عنه سيئاته، وكفَّر عنه ذنوبه، وكفَّر عنه خطاياه؛ ولهذا قال الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، لهم الأمن في الدنيا، ولهم الأمن في الآخرة، إذا كان التوحيد كاملًا من جميع الوجوه فلهم الأمن التام في الدنيا والآخرة، وإذا كان فيه نقصٌ فيحصل في نقص الأمن ما يحصل في نقص التوحيد: لَهُمُ الْأَمْنُ، كذلك: وَهُمْ مُهْتَدُونَ. وهذا من فضل الله تعالى.
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن شَهِدَ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، وأن عيسى عبدُ الله ورسولُه وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ ورُوحٌ منه، والجنة حقٌّ، والنار حقٌّ؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل[9]رواه البخاري: 3435 واللفظ له، ومسلم: 28..
الله أكبر! هذا إذا كمَّل التوحيد -كان التوحيد كاملًا-، أما إذا نقص التوحيد فإنه -لا شك- لا يقوى على إنجائه من النار، فقد يكون يُدخله الجنة على ما كان من العمل بعد التطهير وبعد التمحيص؛ فإن التوحيد إذا كان كاملًا فإنه يُحرق جميع السيئات ويُبطل السيئات. أما إذا حصل به نقصٌ بالمعاصي والكبائر -كبائر الذنوب- فيكون التوحيد فيه نقصٌ؛ فالإنسان قد وحَّد الله وأنجاه الله تعالى من النار -أي: من الخلود فيها- ولكنه على خطرِ أن يدخل النار حتى يُطَهَّر ثم يخرج من النار إلى الجنة إن لم يأتِ بناقضٍ من نواقض الإسلام.
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث أنسٍ أنه قال فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى: يا ابن آدمَ، إنك ما دعوتَني ورجوتَني غفرتُ لك على ما كان فيك ولا أُبالي. يا ابن آدمَ، لو بلغت ذنوبُك عَنانَ السماء ثم استغفرتَني، غفرتُ لك ولا أُبالي. يا ابن آدمَ، إنك لو أتيتَني بقُرَاب الأرض خطايا أي: مِلء الأرض ثم لقيتَني لا تُشرك بي شيئًا؛ لأتيتُك بقُرَابها مغفرةً[10]رواه الترمذي: 3540، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1616.، أي: بقُراب الأرض مغفرةً.
وأهل التوحيد وأهل الإيمان والعلم الراسخ، الراسخون في العلم، يقولون: إن هذا الحديث على نوعين: إما أن يكون الإنسان قد جاء بالتوحيد كاملًا بمُكَمِّلاته؛ قام بالواجبات، وابتعد عن المحرمات؛ فإنه بهذا يدخل الجنة من أول وهلةٍ، قد أحرق التوحيدُ جميع السيئات. وإما أن يأتي وعليه بعض الكبائر والذنوب، ولكنها تُغفَر بالتوحيد، ولا يُخَلَّد في النار، ويُطَهَّر في النار، ثم يخرج إلى الجنة.
ولهذا؛ بعض الموحدين يدخلون النار بكبائرهم، إما بالربا وإما بالزنا وإما باللواط وإما بالجرائم العظيمة، إن لم يَتُبْ الله تعالى عليهم؛ لأن الله قال: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فمن لم يغفر الله تعالى له من أهل التوحيد وعليه ذنوبٌ من الكبائر ولم يَعْفُ ربنا عنه؛ فإنه يُدخله النار ثم يُخرجه منها، يخرجون منها قد امتُحِشوا، قد أكلتهم النار فصاروا كالحُمَم، إلا مواضع السجود؛ فإن الله تعالى حرَّم على النار أن تأكل موضع السجود. أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[11]رواه البخاري: 6573، ومسلم: 184..
ولكن الإنسان لا يتهاون في المعاصي والسيئات؛ فإنَّ النار -والعياذ بالله- أمرها عظيمٌ. لو قال الإنسان: "الكبائر لا بأس بها ما دام الإنسان يخرج من النار"؛ هذا يُخشَى عليه الردة، يُخشَى عليه أن يستمرَّ على ذلك فلا يُوفَّق للخير؛ والعياذ بالله تعالى.
تحقيق التوحيد ومنزلة السبعين ألفًا
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه حثَّ على ذلك، وبيَّن أن الله تعالى يأتي بقُراب الأرض مغفرةً لمن وحَّد الله تعالى، ولا شك أن من حقق التوحيد دخل الجنة. معنى "تحقيق التوحيد": القيام بتخليص التوحيد، والابتعاد عن البِدَع والمعاصي. قام بثلاثة أمورٍ... أولًا: أخلص توحيده لله، وثانيًا: ابتعد عن الجرائم والمعاصي والبدع، هذا يقال له: إنه حقق التوحيد. فمن وقع في البدع فقد قَدَحَ في التوحيد، وقد تكون البدع مُكَفِّرَةً، وقد تكون مُفَسِّقَةً، ومن وقع في المعاصي فقد قَدَحَ في جناب التوحيد، ولكنه لا يخرج من التوحيد إلا إذا استحلَّ شيئًا مما حرَّم الله تعالى.
ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنَّ مِن الناس مَن يدخلون الجنة بغير حسابٍ، مَن هم؟ الذين حقَّقوا التوحيد، قاموا بجميع الواجبات، وابتعدوا عن المحرمات والبدع، حققوا التوحيد، فبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام بقوله صلوات الله وسلامه عليه: عُرِضَت عليَّ الأُمَم، فرأيتُ النبيَّ ومعه الرُّهَيْط، والنبيَّ ومعه الرجل والرجلان، والنبيَّ ليس معه أحدٌ. هذا يدل على أن بعض الأنبياء لم يُجِبْه ولا واحدٌ، ومع ذلك دَعَوا إلى الله تعالى، ولكن ربما بعضهم قد قُتِل، وربما بعضهم عاش ولكن لم يتبعه أحدٌ.
قال : إذ رُفِعَ لي سوادٌ عظيمٌ، فظننتُ أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأُفُق، يدل على أن أتباع موسى على التوحيد كثيرٌ، عليه الصلاة والسلام. قال :فنظرتُ فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيل لي: انظر إلى الأُفُق الآخر، فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذابٍ[12]رواه البخاري: 5752، ومسلم: 220 واللفظ له.. اللهم اجعلنا منهم، سبعون ألفًا من أمة محمدٍ عليه الصلاة والسلام لا يُحاسَبون ولا يُعَذَّبون، يدخلون الجنة بغير حسابٍ.
وقد ثبت في "مسند الإمام أحمد" رحمه الله تعالى: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: فاستزدتُ، فزادني مع كل ألفٍ سبعين ألفًا[13]رواه أحمد: 8707.، الله أكبر! سبعون ألفًا مع كل ألفٍ، إذن هذا ما يقارب الخمسة ملايين، كلهم يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذابٍ، من أمة محمدٍ عليه الصلاة والسلام.
فخاض الناس -حينما دخل منزله عليه الصلاة والسلام- في هؤلاء: من هم؟ فمنهم من قال: لعلهم الذين وُلدوا في الإسلام فلم يُشركوا بالله شيئًا، وقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا رسول الله . وخاضوا في أشياءَ كثيرةٍ، فخرج عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: هم الذين لا يَسْتَرْقُون، ولا يتطيَّرون، ولا يَكْتَوُون، وعلى ربهم يتوكلون[14]رواه البخاري: 5705..
إذن هؤلاء الذين حقَّقوا التوحيد، لا يَسْتَرْقُون أي: لا يطلبون الرقية من أحدٍ أن يرقيهم ويقرأ عليهم، إلا عند الضرورة فلا بأس كما ذكر العلماء، إذا اضْطُرَّ الإنسان إلى ذلك ضرورةً فإن الكراهة تزول، ولكن هذا ليس من عمل السبعين، أما إذا لم يُضْطَرَّ فالأَولى والأفضل ألا يطلب الرقية. أما بعض الروايات التي يقول فيها الراوي "لا يرقون" فهي روايةٌ ليست بصحيحةٍ، بل الصحيح لا يسترقون، أي: لا يطلبون الرقية.
أما الرقية للمسلم فلا بأس بها، وهي من الأمور التي ينفع بها المسلم أخاه، إذا كان يقرأ عليه فلا بأس. أما كونه يطلب الرقية فالأولى والأفضل ألا يطلبها إلا عند الحاجة التي لا بُدَّ منها.
هؤلاء الذين بيَّنهم النبي عليه الصلاة والسلام هم الذين يَدخلون الجنة بغير حسابٍ، فقام عُكَّاشة بن مِحْصَنٍ فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال : أنت منهم، وفي بعض الروايات: اللهم اجعله منهم، فقام رجلٌ آخر وقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال : سبقك بها عُكَّاشة[15]رواه البخاري: 5811، ومسلم: 216.؛ حتى يقطع الطريق على من ليس بأهلٍ لذلك: إما أن يكون هذا من المنافقين فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يُوَرِّيَ بأن يقول: سبقك بها عُكَّاشة، وإما أن يريد أن يُغلق الباب حتى لا يسأل من لا يستحق ذلك. وهذا مما بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام.
التوحيد أول ما يُدعى إليه الناس
وهذه العبادة -عبادة التوحيد- هي أول الفرائض التي يُدعَى إليها الكفار، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه حينما أرسل معاذًا إلى اليمن قال : إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله. أول شيء تدعو إليه الكفار الذين لا يعتنقون الإسلام، تدعوهم إلى "لا إله إلا الله".
ومعنى "لا إله إلا الله": لا معبودَ بحقٍّ إلا الله. "وأن محمدًا رسول الله" معناها: الاعتقاد الجازم أن محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام النبي الهاشمي القرشي العربي هو رسول الله حقًّا، لا نبيَّ بعده، صلوات الله وسلامه عليه، خاتم المرسلين، وهو رسول الجن والإنس صلوات الله وسلامه عليه. هذا معناه، والمقتضى: طاعتُه فيما أمَر، وتصديقُه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزَجَر، وألا يُعبَدَ اللهُ إلا بما شرع.
إذن قال: فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن أطاعوا لذلك فأعلِمْهم أن الله افترض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلةٍ، خمس صلواتٍ في اليوم والليلة، هذا الركن الثاني من أركان الإسلام، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلِمْهم أن الله افترض عليهم صدقةً تُؤخَذ من أغنيائهم فتُرَدُّ في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائمَ أموالهم، واتَّقِ دعوةَ المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجابٌ. متفق عليه[16]رواه البخاري: 1496، ومسلم: 19 واللفظ له..
هكذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن أعظم الحقوق هو التوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والقيام بما أوجب الله ، ولا شك أن هذا من أعظم الواجبات التي يجب على العباد أن يُفرِدوا الله تعالى بها.
نواقض التوحيد وقوادحه
وليعلم المسلم أن التوحيد له قوادحُ، تَقْدَح فيه وتنقُضه وتُبطِله وتنقُصه.
من القوادح التي تنقُص التوحيد، فيكون توحيدًا ناقصًا، لا يكون صاحبه كامل التوحيد: مَن عَمِلَ المعاصي والسيئات والجرائم والموبقات والكبائر، هذا توحيده ناقصٌ إن لم يأتِ بناقضٍ من نواقض الإسلام، فإن جاء بناقضٍ من نواقض الإسلام فتوحيده باطلٌ.
إنسانٌ صلى، ولكن في أثناء الصلاة أحدث، حصل له فُسَاءٌ أو ضُرَاطٌ في صلاته، أحدث في الصلاة فبطلت صلاته، فكذلك مَن أحدث في توحيده وجاء بناقضٍ من نواقض الإسلام أُبطِلَ عملُه كلَّه؛ نسأل الله العفو والعافية.
ومن جاء بناقصٍ من الجرائم والذنوب الكبائر فإنه بهذا قد نقص توحيدُه؛ فصار ناقصَ التوحيد وعلى خَطَرٍ عظيمٍ.
ومما ينقض التوحيد: الشرك؛ لقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، وقال في الآية الأخرى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:116].
إذن هذا الإنسان عليه أن يبتعد عن النواقض لهذا التوحيد، والله تعالى قد حذَّر عنها، وحذَّر عنها النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا إبراهيم أبو الأنبياء، أعظمُ المُوحِّدين مَن؟ لو سُئلتَ. أعظم الموحدين ممن خلق الله تعالى: محمد بن عبدالله عليه الصلاة السلام، وبعده أبوه إبراهيم أبو الأنبياء، أبو الموحدين بعد النبي عليه الصلاة والسلام، هو الذي قام بالتوحيد، ودعا إلى التوحيد، ومع ذلك يخشى على نفسه الشرك، قال: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم:35]، يسأل الله أن يجعله في جانبٍ ويجعل عبادة الأصنام في جانبٍ آخر؛ لا إله إلا الله!
إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام يخاف من عبادة الأصنام: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم:35]؛ هذا يدل على أنه ينبغي لنا أن نخاف أكثر من الأنبياء، نحن أولى بالخوف من إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومن محمدٍ صلوات الله وسلامه عليه. وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: من لقيَ اللهَ لا يُشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يُشرك به دخل النار. وهذا الحديث رواه مسلمٌ[17]رواه مسلم: 93..
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام -وهذا الحديث رواه مسلمٌ من حديث عبدالله بن مسعود - أنه قال: من مات وهو يدعو من دون الله نِدًّا دخل النار. رواه البخاري[18]رواه البخاري: 4497 واللفظ له، ومسلم: 92..
نِدًّا: نظيرًا وشبيهًا ومثيلًا، يجعله شبيهًا لله أو مثيلًا، إذن هذا يدخل النار كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.
أقسام الشرك
والشرك شركان:
الشرك الأكبر والشرك الأصغر
شركٌ أكبر، يُخرج من الإسلام، ويُبطل التوحيد مطلقًا، وهو: أن يصرف العبد نوعًا من أنواع العبادة لغير الله تعالى؛ كالدعاء أو الاستغاثة أو الاستعانة أو الخوف أو الرغبة أو الرهبة، أو أي نوعٍ من أنواع العبادة يصرفه لغير الله تعالى ولو يسيرًا، هذا يكون مشركًا، ويكون كافرًا، ويكون خارجًا من دائرة الإسلام؛ لأن الله قال : وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [القصص:88]، وقال: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]. إذن هذا يدل على أن الشرك الأكبر صرفُ نوعٍ من أنواع العبادة لغير الله تعالى، هذا شركٌ أكبر؛ ولهذا قال الله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72].
وشركٌ أصغر، وهو: كل وسيلةٍ...
افهم هذا التفريق؛ لأن كثيرًا من الناس لا يُفَرِّق بين الشرك الأكبر والأصغر، هذا التفريق مَن حَفِظَه وأتقنه عرف الشرك الأكبر والأصغر، والفضل لله تعالى، ثم للعلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي الذي بيَّن هذا في كتابه "القول السديد في شرح كتاب التوحيد أو مقاصد التوحيد"؛ فقد بيَّن أن الشرك الأصغر: "كلُّ وسيلةٍ قوليةٍ أو فعليةٍ أو إراديةٍ تُوصل إلى الشرك الأكبر ولم تبلُغ حدَّه".
أمثلة الشرك الأصغر القولية والفعلية
يعني: "كل وسيلةٍ قوليةٍ"؛ كحلف الإنسان بغير الله: مَن حَلَفَ بغير الله فقد كَفَرَ أو أشركَ[19]رواه أبو داود: 3251، والترمذي: 1535 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2952.، أو قول: "ما شاء الله وشئتَ"، أو قول: "هذا من الله ومنك"، أو قول: "أنا بالله وبك". لا يَقُل: "أنا بالله وبك"، ولْيَقُل: "أنا بالله، ثم بك"، أو: "هذا من الله، ثم منك"، أو: "توكلتُ على الله، ثم توكلتُ عليك" إذا كان من باب الوكالة في البيع والشراء أو في الأمور. أما التوكل والاعتماد الذي هو العبادة بالقلب، فلا يكون إلا لله تعالى. إذن هذا من الشرك الأصغر، من الشركيات القولية.
"أو فعلية"، شركٌ أصغر لكنه من الأمور الفعلية؛ كتعليق الحلقة والخيط، أو تعليق التمائم، أو التَّمَسُّح ببعض الجدران وغير ذلك والتَّبَرُّك بها، ولا يقصد أنها تنفع وتضر، أو غير ذلك من الشركيات، أو من جعل على يده حلقةً يرجو أن يُشفَى، كما رأى النبي عليه الصلاة السلام في يد رجلٍ حَلْقَةً من صُفْرٍ، فقال : ما هذه الحَلْقَةُ؟. قال: هذه من الواهنة. قال : انزِعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وَهْنًا. فنزعها[20]رواه ابن ماجه: 3531، وأحمد: 20000.. هذا من الشركيات الفعلية.
الشرك الخفي والرياء
الشركيات الإرادية، وهذا الذي قال فيه الإمام ابن القيم: "هذا بحرٌ لا ساحلَ له"؛ نسأل الله العفو والعافية.
الإرادية يدخل فيها الرياء -والعياذ بالله-، ويدخل فيها السمعة، وغير ذلك.
وكذلك هناك تعريفٌ جيدٌ ذكره العلماء بالتوحيد للشرك الأصغر: "كل ما جاء في الكتاب والسنة تسميته بالشرك ولكنه لم يبلغ رتبة العبادة". وهو الشرك الأصغر، هو الذي خافه النبي عليه الصلاة والسلام، على من؟ علينا؟ خافه على المهاجرين والأنصار، ومنهم أبو بكرٍ وعُمَرَ، رضي الله عن الجميع؛ قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم: الشركُ الأصغر، فسُئل عنه عليه الصلاة والسلام، فقال: الرياء؛ يقول اللهُ لهم يوم القيامة إذا جُزِيَ الناسُ بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تُراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً؟. رواه الإمام أحمد، وهو حديثٌ جيدٌ[21]رواه أحمد: 23630، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 32..
هذا فيه خطرٌ عظيمٌ على المسلمين المؤمنين المتقين؛ لأن هؤلاء الصحابة خافه النبي عليه الصلاة والسلام عليهم، وقد خافوا كذلك؛ فإنه قد قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]. قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال لا يا بنتَ أبي بكرٍ -أو يا بنتَ الصِّدِّيق-، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق، ويخاف ألا يُقبَل منه. رواه الترمذي[22]رواه الترمذي: 3175، وأحمد: 25705 واللفظ له، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 162.، وهو حديثٌ جيدٌ كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى.
خوف الصحابة من الرياء والنفاق
هؤلاء الصحابة يخافون، هذا عمر يقول لحذيفة : "أَنْشُدُك الله -أو ناشدتُك بالله-، هل سمَّاني لك رسول منهم؟"، أي: من المنافقين.
وقال الحسن البصري رحمه الله كما ذُكر في "البخاري": "ما خافه إلا مؤمنٌ، وما أمِنه إلا منافقٌ"، وقال ابن أبي مُلَيكة -من التابعين-: "أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ما منهم من أحدٍ إلا ويخاف النفاق على نفسه، وما منهم من أحدٍ يقول إن عمله مثل عمل جبرائيل أو ميكائيل"، أو كما قال رحمه الله تعالى.
فينبغي للعبد المسلم أن يخشى الرياء -والعياذ بالله-، وألا يُرائيَ في صلاته أو في عبادته، وعليه أن يسأل الله العافية، ويسأل الله تعالى بقوله -كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام لمن خاف الشرك أن يقول-: اللهم إني أعوذ بك أن أُشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لِما لا أعلم[23]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 716، وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 716/ 554.، يُكثر من هذا؛ لعل الله تعالى أن يُنجيَه.
خطر الشرك الخفي على العمل
وثبتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام -فيما يرويه عن ربه- أنه قال: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عَمِلَ عملًا أشرك فيه معي غيري تَرَكْتُه وشِرْكَه[24]رواه مسلم: 2985.. هذا خطرٌ عظيمٌ.
قال : من سمَّع سمَّع الله به، ومن يُرائي يُرائي الله به[25]رواه البخاري: 6499 واللفظ له، ومسلم: 2986.. من سمَّع بأعماله، بحيث يقرأ حتى يُسمع الناس قراءته، ويُحسن صلاته أو يعمل أعمالًا في الخفاء ثم يذكرها للناس حتى يُثنوا عليه، فهذا يُسَمِّعُ الله به يوم القيامة، ويفضحه على رؤوس الأشهاد.
لكن على الإنسان أن ينتبه؛ لأن الشيطان له طُرُقٌ، ربما يأتي الشيطان للإنسان ويقول: "لا تذكر الله، لا تقرأ القرآن، لا تعمل الأعمال الصالحة أمام الناس، لا تُصَلِّ مع جماعة المسلمين؛ فإنك إذن تكون من المُرائين". لا، الشيطان له طُرُقٌ، بل عليك أن تعمل العمل لله، وتسأل الله تعالى العفو والعافية، وتُجاهد نفسك، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].
قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ألا أُخبركم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيح الدجَّال؟، يقول للصحابة أبي بكرٍ وعُمَرَ وغيرهما من الصحابة : ألا أُخبركم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيح الدجَّال؟، قالوا: بلى. فقال : الشِّرك الخفيُّ؛ أن يقومَ الرجل يُصَلِّي، فيُزَيِّنُ صلاته لِما يرى من نَظَرِ رجلٍ، أي: إليه. رواه ابن ماجه[26]رواه ابن ماجه: 4204، وأحمد: 11252، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 30.، وهو حديثٌ حسنٌ.
على الإنسان المسلم أن يسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
جاء في الحديث الآخر: إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ليومٍ لا ريبَ فيه، نادى مُنادٍ: مَن كان أشرك في عَمَلٍ عَمِلَه لله، فَلْيَطْلُبْ ثوابَه من عند غير الله؛ فإنَّ الله أغنى الشركاء عن الشرك. رواه الترمذي[27]رواه الترمذي: 3154، وابن ماجه: 4203 واللفظ له، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 33.، وهو حديثٌ حسنٌ.
وسائل الشرك بالله
وعلى الإنسان المسلم أن يسأل الله العافية، ويعلم أن الشرك له وسائل:
الغلو في الصالحين
من وسائله: الغلو في الصالحين. كان بين آدم وبين نوح عليهما الصلاة والسلام، كما ذكر ابن عباسٍ رضي الله عنهما؛ ففي الحديث الصحيح عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال: "بين آدم ونوح عشرة قرونٍ، كلهم على الإسلام"، أي: على التوحيد. ثم حدث الشرك في عهد نوحٍ عليه الصلاة والسلام، فعبدوا الصالحين، وعظَّموا الصالحين، وصوَّروهم، وبعد أن صوروهم عظَّموهم، وبعد أن عظَّموهم عبدوهم من دون الله تعالى، فأرسل الله نوحًا عليه الصلاة والسلام، وتتابَع الرسل بعده عليه الصلاة والسلام.
الغلو في الصالحين: رفع الصالح فوق منزلته: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، نشهد بذلك، لكن من هم؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، هؤلاء هم الصالحون أولياء الله. لكن ليس معنى ذلك إذا كانوا من أولياء الله وكانوا يتقون أن نعبدهم من دون الله، لا، نحبهم في الله، ندعو لهم أن الله يُثَبِّتهم، وأن الله يغفر للميت منهم ويُثَبِّت الحي، وليس معنى ذلك أن نعبدهم من دون الله تعالى.
الإفراط في المدح
ومن وسائل الشرك: الإفراط في المدح، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تُطْرُوني كما أَطْرَتِ النصارى ابنَ مريمَ؛ فإنما أنا عبدُه، فقولوا: عبدُالله ورسولُه، أو كما قال عليه الصلاة والسلام[28]رواه البخاري: 3445.. وإياكم والغُلُوَّ في الدين؛ فإنما أهلك مَن كان قبلكم الغُلُوُّ في الدين، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[29]رواه النسائي: 3057 واللفظ له، وابن ماجه: 3029، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2863..
بناء المساجد عل القبور
بناء المساجد على القبور، وهذا ليس في هذه البلاد والحمد لله -فيما أعلم-، ولا في بلاد السعودية، لكنه في بلدانٍ أخرى، يعبدون القبور، يدعونها من دون الله، يبنون القِباب عليها، يقولون: "يا سيدي بدوي، يا سيدي فلان، يا سيدي مرغني، يا سيدي العيدروس، يا سيدي محيي النفوس، يا سيدي فلان، يا سيدتي عائشة، يا سيدي عبدالقادر الجيلاني، يا سيدي..."، يدعون الأولياء من دون الله، ويصومون ويحجُّون ويعتمرون، لكنهم لا يعرفون معنى "لا إله إلا الله".
أبو جهل وأبو لهب حينما قيل لهما: "قولوا: لا إله إلا الله"، قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]، امتنعوا؛ لأنهم يعلمون أنهم إن قالوا: "لا إله إلا الله"، عبدوا الله وحده، لكن هؤلاء ما يعرفون معنى "لا إله إلا الله".
وكذلك بناء المساجد على القبور، والتصوير في المساجد، أي بناء يعني: عبادة الصور وغير ذلك بالمساجد. جاءت أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فذكرتا كنيسةً في الحبشة كان فيها صورٌ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بَنَوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور؛ فأولئك شِرارُ الخلق عند الله يوم القيامة، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[30]رواه البخاري: 427، ومسلم: 528..
وكذلك قال : ألَا وإنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجدَ، ألَا فلا تتخذوا القبور مساجدَ؛ إني أنهاكُم عن ذلك، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه[31]رواه مسلم: 532..
تعظيم القبور واتخاذها عيدًا
اتخاذ القبور مساجد: ولا تجعلوا قبري عيدًا[32]رواه أبو داود: 2042، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1780.، اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد. اشتدَّ غضبُ الله على قومٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[33]رواه مالك في "الموطأ": 85، وصححه الألباني في "النصيحة": 68..
وكذلك إسراج القبور والجلوس على القبور: لا تجلسوا على القبور، ولا تُصَلُّوا إليها[34]رواه مسلم: 972..
واتخاذ القبور عيدًا: لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ؛ فإنَّ صلاتكم تَبْلُغُني حيث كنتم[35]رواه أبو داود: 2042، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1780.. وقال : إنَّ لله ملائكةً سيَّاحين في الأرض، يُبَلِّغُوني من أمتي السلام[36]رواه النسائي: 1282، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1215.، اللهم صلِّ وسلِّم عليه.
أنت في الكويت هنا وفي أقصى الدنيا وفي أي مكانٍ من أرض الله، تصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، والملائكة يُبَلِّغون النبي حتى يردَّ عليك السلام، اللهم صلِّ وسلِّم عليه، صلوات الله وسلامه عليه.
كذلك القِباب على القبور، كما قال عليٌّ لأبي الهَيَّاج الأَسَدي: "ألا أبعثُك على ما بعثني عليه رسولُ الله ؟ ألَّا تَدَعَ تِمثالًا إلا طَمَسْتَه، ولا قَبْرًا مُشْرِفًا إلا سَوَّيْتَه"[37]رواه مسلم: 969..
وشد الرحال إلى القبور كذلك، إلا المساجد الثلاثة.
ولا شك أن المسلم عليه أن يتقيَ الله تعالى، ويحافظ على الواجبات، ويبتعد عن المحرمات، ويحاول أن يُخَلِّصَ توحيده، ولا ينفع هذا الكلامُ الإنسانَ نفعًا كاملًا، بل عليه أن يدرس التوحيد، وعليه أن يحضر حلقات العلم عند العلماء المُخلصين، أهل السنة الذين يراقبون الله تعالى، الذين يقولون: "قال الله ، وقال رسوله ، وقال الصحابة ".
أسأل الله تعالى -بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى- أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
وأسأله أن يجعلني وإياكم من الموحدين الكُمَّل في توحيده، ونعوذ بالله من الشرك كبيرِه وصغيرِه. ونسأل الله تعالى الهدى والسداد والتوفيق لما يحبه ويرضاه، ونسأله جميعًا العلمَ النافع، والعملَ الصالح، والتوفيقَ لما يحبه ويرضاه.
وجزاكم الله خيرًا. وصلى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الأسئلة
***
السؤال: .....
الشيخ: هذا السؤال فيه كتابٌ موجودٌ في السوق، ويكفي إن شاء الله.
السؤال: حسنًا، أحسن الله إليكم شيخنا الكريم، هذا سائلٌ يسأل يقول: لديَّ ولدٌ عاقٌّ وله صحبةٌ سيئةٌ، وهو موجودٌ بيننا، يريد توجيهًا ونصيحةً.
الشيخ: نصيحتي لهذا الابن العاق أن يتوب إلى الله تعالى قبل أن ينتقم الله منه؛ لأن عقوق الوالدين جريمةٌ عظيمةٌ قَرَنَها الله تعالى بالشرك: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ألا أُنَبِّئُكم بأكبر الكبائر؟، قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين[38]رواه البخاري: 5976 واللفظ له، ومسلم: 87.، قَرَنَ عقوق الوالدين بالشرك بالله تعالى.
والعقوق معناه: العَقُّ، مأخوذ من الشَّق، شقَّ الثوب: عقَّه.
والله تعالى قرن عبادته بالإحسان إلى الوالدين؛ لأن الله هو الخالق الذي خلق الوالد والولد، وجعل الوالد سببًا في وجود الولد؛ فعليك يا عبدالله يا بُنَيَّ أن تتوب إلى الله، ولا تَعُقَّ والدك، يُخشَى عليك العقوبة العاجلة في الدنيا قبل الآخرة.
وعليك أن تعلم بأنك لا تستطيع أن تَجْزيَ والدك إلا إذا وجدتَه مملوكًا فأعتقتَه، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: لا يجزي ولدٌ والدًا، إلا أن يجده مملوكًا، فيشتريَه فيُعتِقَه[39]رواه مسلم: 1510..
كان ابن عمر رضي الله عنهما قد وجد بعض أهل اليمن يطوف بوالدته على الكعبة، يقول:
| إنِّي لها بَعِيرُها المُذَلَّلُ | إنْ أُذعِرَتْ رِكابُها لم أُذْعَرِ |
ثم نظر إلى ابن عمر رضي الله عنهما، وقال: أتُراني جزيتُها؟ قال: لا، ولا بزفرةٍ واحدةٍ[40]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 11، وصحَّحه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 11/ 9..
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه جاء إليه رجلٌ يريد الجهاد، فقال : ألك والدةٌ؟[41]رواه النسائي: 3104، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2485.. وفي روايةٍ: ألك والدان؟، قال: نعم. قال: الْزَمْهُما؛ فإن الجنة تحت أرجلهما. والحديث ثابتٌ[42]رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 2202، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2485.، أي: يأتيك نصيبُك من الجنة عن طريق الوالد، والتوفيقُ.
وعليك يا عبدالله أن تَبَرَّ والدك ووالدتك، وقد ثبت: أنه ما من ذنبٍ أجدر بأن تُعَجَّل العقوبة لصاحبه في الدنيا قبل الآخرة من قطيعة الرحم والبغي[43]رواه أبو داود: 4902، والترمذي: 2396، وابن ماجه: 4211، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 308.. فأيُّ قطيعةٍ أعظم من عقوق الوالد؟
والمؤمنون -كما بيَّن الله تعالى- يَدْعون لذُرِّيَّاتهم وأَهْلِيهم، والتوفيق بيد الله، الهداية بيد الله، ولكن مع ذلك: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15]، رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74].
وعليك أيها الولد كذلك أن تدعوَ الله بالهداية، تدعوَ ربك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: يا عبادي، كُلُّكم ضالٌّ إلا من هَدَيْتُه؛ فاستهدوني أَهْدِكم[44]رواه مسلم: 2577.. إذن؛ سَلْ ربك الهداية.
أسأل الله تعالى أن يهديَ هذا الشاب، وأن يهديَ جميع أولاد المسلمين، وأن يُريَهم الحق حقًّا ويرزقهم اتباعه، ويُريَهم الباطل باطلًا ويرزقهم اجتنابه؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ.
السؤال: أحسن الله إليكم، سؤال يقول: ما هو المُعين بعد الله جل وعلا في زماننا هذا على الاستمرار في الطاعة؟
الشيخ: المُعين بعد الله تعالى هو الالتزام بكتاب الله تعالى، قراءة القرآن الكريم، وحضور حلقات العلم التي يُدَرِّسُ فيها العلماءُ طلابَ العلم، من أهل السنة والجماعة الذين بَيَّنْتُ لك صفاتهم، هم الذين -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- يكونون على مثل ما أنا عليه وأصحابي[45]رواه الترمذي: 2641، وحسنه الألباني في "السراج المنير": 4133..
فعليك أن تحضر حلقات العلم، ففيها الخير الكثير والعلم النافع، وعليك أن تدرس وتبدأ بالكتب المفيدة؛ كتب التوحيد، وكتب العقيدة، والتفسير المعتمد، كتفسير ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى، وتفسير السعدي والبغوي؛ ففيها الخير، وغير ذلك. وتبتعد عن قُرَناء السوء، وعن المجالس التي فيها قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، وتسأل الله تعالى التوفيق، وتبتعد عن المعاصي والسيئات، كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]، يُفَرِّق به بين الحق والباطل: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [الأنفال:29]، وتبتعد عن المعاصي كذلك، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله:
| شكوتُ إلى وَكِيعٍ سُوءَ حفظي | فأرشدَني إلى ترك المعاصي |
| وقال: اعلم بأن العلم نورٌ | ونورُ الله لا يؤتى لعاصي[46]يُنسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله. ينظر: "المحمدون من الشعراء" للقفطي، ص138- 139. |
كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقرأ على الإمام مالكٍ فأعجبه، أعجب الإمامَ مالكًا، فقال الإمام مالكٌ للإمام الشافعي: "إني أرى اللهَ قد قذف في قلبك نورًا، فلا تُطْفِئْه بظلمة المعاصي". هذه المعاصي لا تُعينك على طلب العلم، بل تُبعدك من طلب العلم، وخاصةً النظر، غُضَّ نظرك عما حرم الله تعالى عليك؛ فإنَّ له تأثيرًا في القلب.
أسأل الله لي ولك العلمَ النافعَ، وللمستمعين ولجميع المسلمين....
| ^1 | رواه البخاري: 3606، ومسلم: 1847 واللفظ له. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 6267، ومسلم: 30. |
| ^3 | رواه أبو داود: 4596، وابن ماجه: 3992، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1082. |
| ^4, ^5 | رواه البخاري: 3348 واللفظ له، ومسلم: 222. |
| ^6 | رواه الترمذي: 2641، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 5343. |
| ^7 | رواه مسلم: 1920 بنحوه. |
| ^8 | رواه البخاري: 2856، ومسلم: 30 واللفظ له. |
| ^9 | رواه البخاري: 3435 واللفظ له، ومسلم: 28. |
| ^10 | رواه الترمذي: 3540، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1616. |
| ^11 | رواه البخاري: 6573، ومسلم: 184. |
| ^12 | رواه البخاري: 5752، ومسلم: 220 واللفظ له. |
| ^13 | رواه أحمد: 8707. |
| ^14 | رواه البخاري: 5705. |
| ^15 | رواه البخاري: 5811، ومسلم: 216. |
| ^16 | رواه البخاري: 1496، ومسلم: 19 واللفظ له. |
| ^17 | رواه مسلم: 93. |
| ^18 | رواه البخاري: 4497 واللفظ له، ومسلم: 92. |
| ^19 | رواه أبو داود: 3251، والترمذي: 1535 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2952. |
| ^20 | رواه ابن ماجه: 3531، وأحمد: 20000. |
| ^21 | رواه أحمد: 23630، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 32. |
| ^22 | رواه الترمذي: 3175، وأحمد: 25705 واللفظ له، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 162. |
| ^23 | رواه البخاري في "الأدب المفرد": 716، وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 716/ 554. |
| ^24 | رواه مسلم: 2985. |
| ^25 | رواه البخاري: 6499 واللفظ له، ومسلم: 2986. |
| ^26 | رواه ابن ماجه: 4204، وأحمد: 11252، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 30. |
| ^27 | رواه الترمذي: 3154، وابن ماجه: 4203 واللفظ له، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 33. |
| ^28 | رواه البخاري: 3445. |
| ^29 | رواه النسائي: 3057 واللفظ له، وابن ماجه: 3029، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2863. |
| ^30 | رواه البخاري: 427، ومسلم: 528. |
| ^31 | رواه مسلم: 532. |
| ^32, ^35 | رواه أبو داود: 2042، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1780. |
| ^33 | رواه مالك في "الموطأ": 85، وصححه الألباني في "النصيحة": 68. |
| ^34 | رواه مسلم: 972. |
| ^36 | رواه النسائي: 1282، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1215. |
| ^37 | رواه مسلم: 969. |
| ^38 | رواه البخاري: 5976 واللفظ له، ومسلم: 87. |
| ^39 | رواه مسلم: 1510. |
| ^40 | رواه البخاري في "الأدب المفرد": 11، وصحَّحه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 11/ 9. |
| ^41 | رواه النسائي: 3104، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2485. |
| ^42 | رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 2202، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2485. |
| ^43 | رواه أبو داود: 4902، والترمذي: 2396، وابن ماجه: 4211، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 308. |
| ^44 | رواه مسلم: 2577. |
| ^45 | رواه الترمذي: 2641، وحسنه الألباني في "السراج المنير": 4133. |
| ^46 | يُنسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله. ينظر: "المحمدون من الشعراء" للقفطي، ص138- 139. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط