جدول المحتويات
- مقدمة للمحاضرة
- أسباب السلامة من الفتن
- أسباب الوقوع في الفتن
- أسباب السلامة من الفتن
- الاعتصام بكتاب الله تعالى
- العمل بالسُّنَّة والاعتصام بها
- تقوى الله.. والسمع والطاعة لولاة الأمور في طاعة الله
- التعوذ بالله من الفتن
- المبادرة بالطاعات والابتعاد عن المُحرَّمات
- تجنُّب الفتن وعدم المشاركة فيها
- الالتفاف حول العلماء الراسخين في العلم
- التضرع إلى الله تعالى والدعاء له سبحانه وتعالى
- المراقبة لله في السر والعلن
- الأسئلة:
مقدمة للمحاضرة
إنَّ من سُنَّة الله تعالى أنَّه يبتلي خَلْقَه، وأنَّه يُعرِّضهم للفتن؛ والفتن أصابت كلَّ أحدٍ، فوصلت إلى العالِم والمتعلِّم، وإلى العاميِّ والعالِم، وإلى الحضريِّ والبدويِّ، وإلى الصغير والكبير، وإلى الذكر والأنثى، وما من إنسانٍ يقول: إنَّها لم تمرَّ بي الفتن.
فتنة التعالم
فالمقصود بالتعالُم أن يُظهِر شخصٌ أنَّه عالِمٌ بالأمور الشرعية ودلائلها، وطرائق الاستنباط فيها، يدَّعي أنَّه كذلك وليس كذلك، ثم يتكلَّم في مسائل الأُمَّة؛ إمَّا في قضاياها الكبار، وإما في مسائل العلم الشرعية، وهو على هذه الحالة وهذه الصفة: قليلُ البضاعة في العلم، أو ناقصُ العلم، أو أنَّه مُدَّعٍ للعِلم وليس بحاله، فكلُّ هذا يدخل في هذه الظاهرة التي نتحدث عنها، وهي ظاهرة التعالم. قال تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].
فتنة الدِّين
أيها المؤمنون، إنَّ فتنة الدِّين تتبدَّى في مظاهرَ مُختلفةٍ، تُجلِّل أصحابَها فيُعرَفون، وتُحيط بهم فيتميَّزون، ويتجلَّى الفرقان بين المفتونين في دينهم وبين الراسخين الثابتين.
الفتن.. فلذاتُ الأكباد يُؤتَى لهم بتلك القنوات التي على غير... الشهوات، ثم يُقلب البيت بكامله طرفَه على مسلسلةٍ وراقصةٍ وعاريةٍ، وربما على أمورٍ مُفزعةٍ وشبهاتٍ. أليس عندنا قنواتٌ للتنصير؟! أليس عندنا قنواتٌ للمذاهب الباطلة المُنحرفة الضالَّة التي تقدح في نبيِّنا ، وتُكفِّر أصحابَ محمدٍ ، وتَعرِض كثيرًا من الشبهات التي تُزعزع أصول الإيمان والاعتقاد؟!
الفتن! هناك أسبابٌ تجعل الإنسان يقع في الفتن؛ فمن أسباب الوقوع في الفتن: الغفلة عن دين الله، والوقوع في المعاصي والضلالات، وكذلك الإعجابُ بحضارة الكُفار.
فتنة المال
كم من إنسانٍ عنده مالٌ وفيرٌ، لكنَّ ذلك المال من أسباب شقائه، ومن أسباب سوء حاله، ومن أسباب عذابه في الدنيا قبل الآخرة!
من المفاهيم السيئة عند الناس فيما يتعلَّق بالمال: النظرةُ إلى أصحاب الأموال كنظرة أصحاب قارونَ إليه، مَن عنده المال فهو الدرجة العليا، إنْ خطب زُوِّجَ، وإن جاء في المجلس صُدِّرَ، حتى ولو كان لا يُنفِق، وإن تكلَّم سُمِع له وأطاعه الناس. قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال:28].
فتنة الأصحاب
فإن صحبتَ الأخيار نِلتَ السعادة بصحبتهم، وإن صحبتَ الأشرار أصابك شيءٌ من شرِّهم لا محالة. وترون -يا إخواني- المُصاحِب له تأثيرٌ، حتى لو بلغ الإنسان -خذوا قاعدةً- لو بلغ الذِّروة في العقل وفي العلم، تراه إذا جالَسَ بدون احتياطاتٍ تأتي المؤثِّرات. قال تعالى: فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات:55- 57].
فعلى مَنْ مَنَّ الله عليه بالإسلام أن يَعرِف عِظم شأن هذه النعمة؛ الثبات في زمن الفتن، وعليه أن يأخذ بأسباب الثبات: الثبات على الإسلام، والثبات على الحق، والثبات على الإيمان وعلى الطاعة.
الفتن.. الفتن. قال تعالى: وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2].
مجموعةٌ من المحاضرات العلمية، والتي أُلقيت بجامع الشيخ سعد بن ظافر آل مفتاح بالإسكان، في طريق الخرج بمدينة الرياض، في الفترة من الثاني عشر إلى التاسع والعشرين من شهر جُمادى الأولى لعام ألفٍ وأربعِمئةٍ واثنين وثلاثين من الهجرة النبوية.
ومع المحاضرة الثامنة، والتي هي بعنوان: "أسباب السلامة من الفتن"، لفضيلة الشيخ الدكتور/ سعيد بن علي بن وهف القحطاني.
أسباب السلامة من الفتن
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يَهْدِه اللهُ فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعد:
أشكر الله تعالى أنْ يسَّر الوصول إلى هذا المكان، وأشكر الإخوان على حرصهم على هذه العناوين المُباركة، التي أسأل الله تعالى أن يوفِّقهم للأجر العظيم الذي بيَّنه النبيُّ عليه الصلاة والسلام بقوله: مَن دلَّ على خيرٍ، فله مِثْلُ أجر فاعِلِه[1]رواه مسلم: 1893..
ولا شكَّ أنَّ مِثل هذه المجالس يَحصُل الإنسان فيها على الثواب العظيم الذي بيَّنه النبيُّ عليه الصلاة والسلام، ومِن هذا الثواب: كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري، حينما بيَّن اللهُ تعالى للملائكة الذين يلتمسون حِلَقَ الذِّكر، بيَّنهم النبيُّ عليه الصلاة والسلام، ثم يسأل الله تعالى -وهو أعلم- الملائكةَ عن أحوالهم، فيُبيِّنون أنَّهم أَتَوْا يذكرون الله تعالى، ويُكبِّرونه، ويُهلِّلونه، ويريدون الجنة، ويعوذون به من النار. وفي آخر الحديث يقول الله تعالى: فأُشهدكم أنِّي قد غفرتُ لهم فيقول بعضُ الملائكة: يا ربِّ، فيهم فلانٌ ليس منهم، فيهم فلانٌ ليس منهم، وإنَّما جاء لحاجةٍ؛ فيقول اللهُ تعالى: وله غفرتُ، هم القومُ لا يشقى بهم جليسُهم[2]رواه البخاري: 6408، ومسلم: 2689..
وهذا يدلُّ على فضل الله تعالى، ويدلُّ -والله أعلم- على أنَّ النية مطلوبةٌ في كلِّ عملٍ، ولا يُقبَل العمل إلا بنِيَّةٍ؛ لقول النبيِّ عليه الصلاة والسلام: إنما الأعمالُ بالنِّيَّات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى[3]رواه البخاري: 1 واللفظ له، ومسلم: 1907.، إلا حضور حلقات العلم. فالله تعالى أَعْلَمَ بأنَّ هذا الحديث يُخصِّص النصوص الأخرى، وأنَّ مَن حضر حلقات العلم ودروس العلم، حتى ولو لم يُرِد الاستفادة، وإنَّما أراد شخصًا أو أراد حاجةً ينتظر ليَحصُل عليها، فالله تعالى يقول: وله غفرتُ، هم القومُ لا يشقى بهم جليسُهم[4]سبق تخريجه، وهذا -والله- فضلٌ عظيمٌ، وثوابٌ كبيرٌ.
أمَّا موضوع المحاضرة في هذه الليلة -كما سمعتم- فهو: أسباب السلامة من الفتن.
ما معنى الفتن؟
يسمع الناس كثيرًا: "الفِتَن!"، فما الفِتَن؟
قد تكون الفتنة مطلوبةً ويُحبُّها الناس ويرغبون فيها، وقد تكون الفتنة ضلالةً ويهرب منها الناس؛ ولهذا بيَّن ابنُ مسعودٍ هذا فقال: "إذا استعاذَ أحدُكم فليستعِذْ بالله من مُضِلَّاتِ الفتن، فإنَّه ما منَّا إلا وقد اشتمل على فتنةٍ".
وقد قال الله تعالى: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن:15].
فالفتن على أنواعٍ، ولا بُدَّ للإنسان أن يُفرِّق بين هذه المعاني. فالفتنة مأخوذةٌ من الفَتْن، وهو: إدخالُ الذهبِ النارَ لتَظهرَ جودتُه من رداءتِه، وهذا في اللغة.
أمَّا المعاني؛ فقد ورد في القرآن الكريم وفي سُنَّة النبيِّ عليه الصلاة والسلام أكثرُ من عشرين معنًى للفتنة.
ومن هذه المعاني: الاختبارُ بالخيرِ والشرِّ، بمنزلة الكِير يُخرِج خَبَثَ الحديد؛ ولهذا قال الله تعالى: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:1-2]. فالاختبار بالخيرِ والشرِّ يُقال له: فتنةٌ، يُختبَرُ الإنسانُ بالخيرِ والشرِّ: هل يقوم بالواجبات؟ هل يشكر الله تعالى على النِّعَم؟ هل يصبر إذا أصابته الضرَّاءُ أو إذا أصابه الفقر والمرض؟
هذا اختبارٌ بالخيرِ والشرِّ؛ ليَظهرَ إيمان العبد صادقًا أم غير ذلك؛ ولهذا قال اللهُ تعالى: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن:15]. فتنةٌ يعني: اختبارًا، هل تقومون بالواجب؟ هل تُربُّونهم على طاعة الله؟ هل تمتثلون أمر الله تعالى فيهم؟
وهكذا قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ما من عبدٍ يسترعيه اللهُ على رعيَّةٍ، يموت يومَ يموت وهو غاشٌّ لرعيَّتِه، إلَّا حرَّمَ اللهُ عليه الجنةَ [5]رواه مسلم: 142.. هذا اختبارٌ، كون الإنسان يُختبَر بالأموال والأولاد وغير ذلك، هذا اختبارٌ ليكون من الفائزين، وليكون من القائمين بالواجب أو غيره.
وكذلك من المعاني: الشكُّ في الخبر الذي لا يُقبَل فيه الشكُّ: وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد:14]. إذن؛ قد يُقال إن هذا من المعاني.
ومن المعاني كذلك في الفتنة: قتل المؤمنين وتعذيبهم وتشريدهم، إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10]، فالذي يَفتِن المؤمنين ويُعذِّب المؤمنين ويبتلي المؤمنين؛ توعَّده الله تعالى بعذاب جهنَّمَ، وتوعَّده الله تعالى بالإحراق فيها؛ لأنه فتَن المؤمنين؛ عذَّبهم، وشدَّد عليهم، وظلمهم ولم يعدل فيهم، إذا كان واليًا. إذن؛ هذا من معاني الفِتَن، وهذا يدخل في معنى هذه المُحاضرة، فإن معنى "أسباب السلامة من الفتن" أي: الفتن المُضِلَّة التي تُضِلُّ الإنسان، وتُوقِعه في الإثم، وتُوقِعه في العذاب في الدنيا أو في الآخرة.
وكذلك من المعاني: التعرُّض للشرِّ والوقوع فيه، قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [التوبة:49]. إذن؛ هذا من معاني الفتن، أنَّها مَن يقع في الشرور، ويتعرَّض للبلایا والمعاصي.
ومن معانيها أيضًا: تزيين المعاصي في قلوب الناس، وهذا كما قال الله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ [الأعراف:27]، أي: لا يُغوينَّكم ويُزيِّن لكم الأعمال التي تُغضِب الله تعالى.
كذلك الصدُّ عن دين الله، وتعذيب المؤمنين، والوقوف أمام أمور الدين -هذا يُقال له: من الفتن المُضِلَّة- كما قال الله تعالى: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ[المائدة:49].
وكذلك العذاب، كما قال الله تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل:110]. إذن؛ هذا من معاني الفتن التي ينبغي للمسلم أن يُعنَى بها؛ حتى يعلم معنى الفتنة؛ لأن المعاني كثيرةٌ، وقد وردت في القرآن الكريم في أكثر من هذا.
ومنها كذلك: العقاب والعذاب، وهذا فتنةٌ، كما قال الله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[الأنفال:25]. هذا من معاني الفتن.
كذلك الشر والبلاء، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:73].
والسببُ للصدِّ عن دين الإسلام يُقال له فتنةٌ، كما قال الله تعالى: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ[يونس:85]، أي: لا تجعلنا سببًا للصدِّ عن دين الله وعن دين الإسلام؛ لِما يظهر منَّا من الأمور التي تُبعِدهم عن دين الإسلام.
وكما قال تبارك وتعالى في السبب للكفر: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء:60].
وكذلك حصول المكروه، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11].
كذلك من المعاني التي ينبغي للمسلم أن يعلمها: الرِّدَّة عن الإسلام، قال الله تعالى: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا[الأحزاب:14].
وغير ذلك من المعاني: عدم الهداية، إذا لم يُوَفَّق للهداية، ولم تحصل له الهداية؛ فهذا ضلالٌ، وهذه فتنةٌ -نسأل الله تبارك وتعالى العافية- قال الله تعالى: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا[المائدة:41]. إذا أراد الله فتنته -نسأل الله العافية- وعدم هدايته؛ لا يهديه أحدٌ من الناس.
وغير ذلك من المعاني التي في كتاب الله تعالى، وفي سُنَّة النبي .
أسباب الوقوع في الفتن
وهناك أسبابٌ تجعل الإنسان يقع في الفتن قبل الوقوع، أو قبل العلاج للأسباب، أو أسباب المخرج من الفتن أو السلامة من الفتن؛ هناك أسبابٌ تُوقِع الناس في الفتنة.
ومن هذه الأسباب: الإعراض عن دين الله تعالى، كما قال الله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124- 126].
كذلك: نقض الميثاق مع الله، أو مع الناس، هذا من أسباب الوقوع في الفتن المُضلَّة، كما قال الله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13]. إذن؛ هذا من أسباب الوقوع في الفتن: نقض العهد مع الله، أو مع الناس، كما قال الله تعالى في ذلك.
وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا من أسباب الوقوع في الفتن المُضلَّة، كما قال الله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78- 79]. إذن؛ هذا من أسباب الوقوع في الفتن.
ومن أسباب الوقوع في الفتن كذلك: الغفلة عن دين الله، والوقوع في المعاصي والضلالات؛ ولهذا قال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41]. إذن؛ هذا من أسباب الوقوع في الفتن المُضلَّة؛ أن الناس إذا فسدوا أفسدوا في الأرض، فهذا من الفتن، ولكن فيه حكمةٌ: ليعلموا أن الله على كل شيءٍ قديرٌ، وليرجعوا إلى ربهم تبارك وتعالى، كما قال في آخر الآية.
كذلك: الإعجاب بحضارة الكفَّار، يعني: يُعجَب بحضارة الكفَرة والمُشركين والمُلحدين، وينسى ما أعدَّ الله تعالى للمؤمنين على إيمانهم وعلى أعمالهم، وربما يحتقر أعمال المسلمين، وربما ينسب الأخلاق الحميدة إلى الكافرين في بيعهم وشرائهم، وينسب الأخلاق الذميمة إلى المؤمنين -والعياذ بالله تعالى- فهذا من الفتن المُضلَّة التي قال الله تبارك وتعالى في معنى ذلك، يُبيِّن سبحانه وتعالى أن ما كان عليه الكفَّار لا ينبغي للمسلم أن يقتدي بهم، كما قال الله تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7].
إذن؛ يعلمون حتى أخلاقهم ومعاملاتهم إنما هي من أجل الدنيا، من أجل أن يفوزوا بالأرباح، ومن أجل أن يحصلوا على الأموال. إذن؛ هذا من الأسباب التي تُوقِع في الفتن، والعياذ بالله تعالى.
عدم الإخلاص لله تعالى في الحب، أو الولاء والبراء، قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11].
فينبغي للمؤمن أن يكون وليًّا لله تعالى، ومن أولياء المؤمنين، كذلك يحبُّ لله، ويبغض لله، ويمنع لله، ويعطي لله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان[6]رواه أبو داود: 4681، وابن أبي شيبة في "مصنفه": 37457، والطبراني في "المعجم الكبير": 7613، والبيهقي في "الشُّعب": 8605، … Continue reading. إذن؛ هذا يدلُّ على الولاء والبراء، والولاء والبراء هو أوثق عُرَى الإيمان.
أمَّا كون الإنسان يحب الكافرين، ويحب أعداء الدين، ولا يحب المؤمنين ولا المسلمين؛ فهذا يدلُّ على نقص إيمانه، أو يدلُّ على فقده إذا أوغل فيه ووقع فيه، يعني: إذا كره المسلمين وأعمال المسلمين، وأحب الكافرين -والعياذ بالله- كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
سكوت العلماء وأهل الخير وأهل الصلاح عن الإنكار، وعن البيان للناس ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، فهذا من أسباب الوقوع في الفتن المُضلَّة؛ ولهذا بيَّن الله تعالى ذلك بقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:159]، نسأل الله العفو والعافية.
وقال عليه الصلاة والسلام: مَن رأى منكم منكرًا فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان[7]رواه مسلم: 49.
مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر
ولكن الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر -كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى- له أربع مراتب:
- المرتبة الأولى: أن يزول المُنكَر جملةً وتفصيلًا، يعني: عنده يقينٌ أو غالبُ ظنٍّ أن المُنكَر يزول كله، فهذا يجب الأمر ويجب النهي فيه، ينهى عن المنكر إذا حصل وتيقَّن ذلك أو غلب على ظنه.
- الدرجة الثانية: أن يقلَّ المُنكَر، إذا كان عنده يقين بأن المُنكَر يقل، إذن هذا يجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المُنكَر إذا قلَّ هذا الشر.
- الدرجة الثالثة: أن يستوي الطرفان، يعني: إذا أنكر المُنكَر يخلفه مثله. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وهذا اختلف فيه العلماء رحمهم الله تعالى، ولم يُجزَم فيه بشيءٍ، ما دام عندك يقينٌ بأنك إذا أنكرت هذا المُنكَر يخلفه مثله في الدرجة وفي الشر". إذن؛ يتوقف فيه ابن القيم رحمه الله تعالى عن الفتوى في هذه المسألة.
- الدرجة الرابعة: أن ينكر المُنكَر، ويخلفه أنكرُ منه، أي: يخلفه شرٌّ أعظم، فقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "لا يجوز له أن ينكر هذا المُنكَر، إذا علمت بأنك إذا أنكرت هذا المنكر خَلَفَه شرٌّ منه".
مثل: بعض الناس أو بعض العلماء إذا رأى مجموعةً من الشباب الفاسقين أمام أبواب مدارس البنات، أو قريبًا من النساء؛ فإذا أنكر عليهم دخلوا داخل المدرسة، أو اقتربوا من الشر. إذن؛ هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسبِّب الوقوع في أنكر منه. أو إذا علم بأن بعض الناس لو قيل له: ابتعد عن أذى المسلمين، وعن الوقوع في أعراضهم، وعن الوقوع في جراحاتهم، فإنه يعلم أنه إذا قيل له ذلك عاند وقتل، إذن لا يُنهى عن المُنكَر في هذه الحالة.
إذن؛ الإنسان لو عرف هذه الدرجات –خاصة طلاب العلم– لاستيقن، وهذا الذي يحصل لبعض العلماء رحمهم الله تعالى، سواءٌ أكانوا من السابقين أو من اللاحقين.
فإذا رأيت مُنكَرًا، ولم يُنكِره عالمٌ من العلماء، فاحمله على هذا، احمله على أنه لو أنكر هذا المُنكَر ربما يقع الناس في شرٍّ منه، ولكن هذا لا يعرفه إلا العلماء. كما ذُكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن التتار كانوا يشربون الخمور حينما غزوا المسلمين وقتلوا المسلمين، فنهى عن نهيهم عن هذا، وقال: اتركوهم؛ لأنهم إذا انتبهوا وتركوا الخمور قتلوا مسلمين، فدعوهم يقعون في مُنكَرٍ هو أخف من غيره.
الخلاصة: أن معرفة هذه الدرجات من الأمور التي ينبغي لطالب العلم أن يُعنَى بها ويستفيد منها.
كذلك من الأمور التي تُوقِع الناس في الفتن: تلبيس الحق بالباطل من بعض المُجرمين، ومن بعض العلمانيين، ومن بعض الحداثيين، ومن بعض الفسقة.
كذلك طول الأمل في المعاصي، ومن ذلك نجد أن كثيرًا من الناس، أو بعض الناس، ربما يستصعب ترك المعاصي، ويقع فيها ويستصغرها.
كذلك من هذه الأمور: التذبذب الذي يُوقِع في الفتن، يتذبذب؛ مرةً مستقيمًا على طاعة الله، وأخرى مُقصِّرًا، والثالثة يقع في المُنكَرات والبلايا. وهذا من أسباب الوقوع في الفتن المُضلَّة، نسأل الله تعالى السلامة.
نسيان ذكر الله تعالى، هذا يُسبِّب الوقوع في الفتن، كما قال الله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام:44].
إذًن؛ هذا يدلُّ على أن الوقوع في هذه الأمور يُوقِع في الفتن والمعاصي.
كذلك أنواع المعاصي واستصغارها يُوقِع في الفتن -نسأل الله العافية- المُضلَّة؛ ولهذا قال بعض السلف: إن الصحابة كانوا يرون المعصية على رؤوسهم كالجبال العظيمة، والفاسق يرى المعصية كأنها ذبابٌ على أنفه، قال به هكذا. وهذا من أسباب الوقوع في الفتن.
أسباب السلامة من الفتن
أمَّا عن أسباب السلامة من هذه الفتن، فهي كثيرةٌ، وقد اختصرتُها تقريبًا في ستة أنواعٍ فقط، وهناك أكثر منها، لكن هذا للاختصار. ستة أنواعٍ إذا عمل بها الإنسان نجا من مُضلَّات الفتن بإذن الله تعالى:
الاعتصام بكتاب الله تعالى
الأمر الأول: الاعتصام بكتاب الله تعالى، وهو التمسك والاستمساك به، والعمل به، كما قال الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103].
إذن؛ الاعتصام بحبل الله: التمسك بالقرآن والعمل بالقرآن، وهو حبل الله المتين، كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى.
قال الله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ [النساء:59]، أي: إذا حصل الخلاف بين الناس على مسألةٍ من المسائل، أو على حُكم من الأحكام، أو على غير ذلك، لا يختلفون ويكثرون الجدال، بل يرجعون إلى كتاب الله تعالى، كما قال الله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59].
إذن؛ لو تنازع الناس، لو قدَّر الله تعالى أن الخلاف بين الناس والمشاقَّة بينهم، وما يحصل بينهم؛ سواءٌ أكان في القتال، أو في الولاية، أو في أي شيءٍ من الأمور، أو في القضاء، أو في الأحكام، أو في أي شيءٍ؛ يرجع الكل فيقول: بيننا وبينكم الكتاب، نرجع إلى كتاب الله وسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10].
وقال الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7].
هذا من أعظم العلاج للفتن المُضلَّة بين الناس؛ ولهذا لو قدَّر الله تعالى أن ما يحصل بين الناس في هذه الأقطار التي تسمعونها كثيرًا، لو أنهم رجعوا إلى كتاب الله تعالى وسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام، وتحاكموا في ذلك؛ لابتعدوا عن جميع هذه المعاصي.
بل ثَبَتَ في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أسباب هذه الفتن والمَخرَج منها، بقوله عليه الصلاة والسلام: وما لم تَحكُم أئمتهم بكتاب الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم[8]رواه ابن ماجه: 4019 واللفظ له، والبزار في "مسنده": 6175 بنحوه، والطبراني في "المعجم الأوسط": 4671، وصحَّحه الألباني في … Continue reading.
فما يحصل بين الناس هذا يرجع إلى التقصير في الحكم بكتاب الله وبسُنَّة النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا قال الله تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].
وقال تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].
وقال تعالى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ [المائدة:15- 16].
إذن؛ هذا يدل على أنَّ مَن تمسَّك بكتاب الله تعالى فله النجاة من هذه الفتن المُضلَّة، وهو ممَّا يُنجي، بل هو السبب الأعظم الذي ترجع جميع الأسباب إليه؛ ولهذا أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بكتاب الله تعالى، فقال: وأنا تاركٌ فيكم ثَقَلَيْنِ: أوَّلُهما كتاب الله فيه الهدى والنور، هو حبل الله، مَن اتَّبعه كان على الهدى، ومَن تركه كان على الضلالة، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به[9]رواه مسلم: 2408.. هذه وصيةٌ من النبي عليه الصلاة والسلام، فالقرآن يأمر بالاجتماع وينهى عن الفُرقة.
العمل بالسُّنَّة والاعتصام بها
الأمر الثاني من أسباب السلامة من الفتن: العمل بالسُّنَّة والاعتصام بها، أمر الله تعالى بالأخذ بها، فقال: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7].
جميع الأوامر التي أمر بها الله تعالى، وأمر بها النبي عليه الصلاة والسلام، وجميع النواهي التي نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام؛ هي في القرآن الكريم، ما قال شيئًا عليه الصلاة والسلام إلا في كتاب الله، كل عملٍ نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام فهو بالقرآن في هذه الآية. لا تنسَ هذه الآية: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7].
وهذا ينطبق -والله أعلم- على كل مسألةٍ من مسائل الدين، بحيث لو قيل: عليك الدليل من كتاب الله وسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام، فيأتي بالدليل من القرآن: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر:7]، هذا من كلام الله، ويأتي بالدليل من سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام، فالله تعالى قد أمر بها، وهذا من الأمور المُنجية من الفتن، فالله تعالى قد أمر بذلك.
وكذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فقال: إن الله يرضى لكم ويكره لكم ثلاثًا؛ يرضى لكم: أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا. ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال[10]رواه مسلم: 1715..
وقال الله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115].
إذن؛ هذا من الأمور التي تُنَجِّي الناس من الفتن، من مُضلَّات الفتن: أن يلتزموا بسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام. قال الله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]، أي: عن أمر الرسول عليه الصلاة والسلام.
إذن؛ الفتنة هي بترك أمر النبي عليه الصلاة والسلام، وبالوقوع في نهيه عليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].
وكذلك ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: بُعثتُ بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبَد الله وحده، وجُعل الذل والصَّغار على من خالف أمري ، وفي روايةٍ: بُعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبَد الله وحده، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعل الذل والصَّغار على من خالف أمري[11]رواه أحمد في "المسند": 5115، وابن أبي شيبة في "مصنفه": 20550، والبيهقي في "الشُّعب": 1154، وصحَّحه الألباني في "صحيح … Continue reading. اللهم صلِّ وسلِّم عليه.
لا تظننَّ بأنَّ مَن خالف أمر النبي عليه الصلاة والسلام، ورأيته يتمتع بالصحة والعافية والأموال والجاه، بأنه يستمر على ذلك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول صلوات الله وسلامه عليه: إن الله ليُمْلِي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه[12]رواه البخاري: 4686، ومسلم: 2583.. فقد يبقى أربعين سنةً أو خمسين سنةً على الظلم والعدوان والطغيان، ثم بعد ذلك يأتيه الذل والصَّغار، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام: وجعل الذلَّ والصَّغار على من خالف أمري، ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم[13]سبق تخريجه..
تشبَّه بالكفَّار وتشبَّه بأعداء الدين، أو تشبَّه بالمسلمين، أو اقتدى بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم، يُحشَر معهم.
جاء رجلٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: "يا رسول الله، الرجل يُحب القوم ولما يلحق بهم"، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: المرء مع مَن أَحبَّ يوم القيامة[14]رواه البخاري: 6168، ومسلم: 2640.، فإنْ أَحبَّ الكافرين حُشِرَ معهم، وإن أَحبَّ المؤمنين والنبي عليه الصلاة والسلام حُشِرَ معهم.
وجاء رجلٌ فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فسَكَتَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام، لا يعلم الساعة عليه الصلاة والسلام. قال: ما أعددتَ لها؟، قال: ما أعددتُ لها من كثير صلاةٍ ولا صيامٍ ولا صدقةٍ، ولكني أُحبُّ الله ورسوله؛ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أنتَ مع مَن أحببتَ[15]رواه البخاري: 6171، ومسلم: 2639.. قال أنسٌ : "ما فرحنا يومئذٍ بشيءٍ فَرَحَنا بهذا الحديث، فإني أُحبُّ الله، وأُحبُّ رسوله عليه الصلاة والسلام، وأبا بكرٍ وعُمَرَ، وإني أرجو الله أن يحشرني معهم، ولو لم أعمل بأعمالهم..
إذن؛ فمَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم، كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه. وقال عليه الصلاة والسلام -وهذا يدلُّ على أنَّ مَن نجا من الفتن هو مَن تمسَّك بسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام وأمره-: كلُّ أمتي يدخلون الجنة إلَّا مَن أَبَى، قالوا: يا رسول الله، ومَن يأبى؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أَبَى[16]رواه البخاري: 7280.. ما يريد؟! الجنة! كلهم يدخل الجنة إلا مَن أَبَى.
وفي الحديث الآخر، قال عليه الصلاة والسلام في النهي عن ترك السُّنة: لا أَلْفَيَنَّ أحدَكم مُتكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرتُ به أو نهيتُ عنه، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلالٍ استحللناه، وما وجدنا فيه من حرامٍ حرَّمناه، ألا وإنِّي أوتيتُ الكتاب ومِثْلَه معه[17]رواه أبو داود: 4604 و4605، والترمذي: 2663، وابن ماجه: 13، وأحمد في "المسند": 23876، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7172..
يعني: هذا ردٌّ على مَن يقول: أنا لا أعمل إلا بالقرآن. قال: ألا وإنِّي أوتيتُ الكتاب ومِثْلَه معه، أي: السُّنَّة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام كثيرةٌ. ثم قول النبي عليه الصلاة والسلام قولُ الله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[النجم:3- 4].
تقوى الله.. والسمع والطاعة لولاة الأمور في طاعة الله
الأمر الثالث من الأسباب التي تُسلِّم الناس من الوقوع في مُضلَّات الفتن: الأخذُ بعلاج النبيِّ صلواتُ الله وسلامُه عليه للفتن المُضلَّة، وهو أنه عليه الصلاة والسلام كان يومًا في أصحابه، صلَّى بهم يومًا، ثم أقبل عليهم عليه الصلاة والسلام، فوعظهم موعظةً وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، عليه الصلاة والسلام. فقالوا: يا رسول الله، أو قال بعضهم: يا رسول الله، كأنها موعظةُ مُودِّعٍ، فأوصِنا؛ قال : أوصيكم بتقوى الله ....
تقوى الله: هي أن تعمل بطاعة الله، على نورٍ من الله، ترجو ثواب الله؛ وتترك معصية الله، على نورٍ من الله، تخشى عقاب الله. وهي أن تجعل بينك وبين عقاب الله وقايةً تقيك من غضبه، وتقيك من انتقامه، وتقيك من عذابه في الدنيا والآخرة.
قال : أوصيكم بتقوى الله، والسَّمع والطاعة ...، أي: السمع لولاة الأمر.
كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، لكن في طاعة الله؛ ولهذا ذكر بعض العلماء أن قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم؛ لأن طاعة الله تعالى مُطلقةٌ، يجب أن تُنفَّذ على أي وجهٍ، وطاعة النبيِّ عليه الصلاة والسلام مُطلقةٌ، أمَّا طاعة ولاة الأمر فهي في طاعة الله، ما لم يأمروا بمعصية، فقال: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، أي: أطيعوهم في طاعة الله تعالى، ولا تعصوهم فيما أمروا به من طاعة الله تعالى.
فلو أمرك ألَّا تُصلِّي، أو ألَّا تصوم، أو أمرك أن تقتل المسلمين بغير حقٍّ، وبالعدوان والظلم؛ فلا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق؛ ولهذا قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني[18]رواه البخاري: 2957، ومسلم: 1835.. إذن؛ هذا في طاعة الله؛ لأن طاعة ولاة الأمر يحصل بها الخيرات، وهي من منهج أهل السُّنَّة والجماعة، يَحصُل بها: حقنُ الدماء، وإيقافُ الفتن، وحمايةُ الدين، وحمايةُ الأعراض، وحمايةُ ممتلكات المسلمين وغير ذلك.
ولهذا قال البربهاري رحمه الله تعالى: "إذا رأيتَ الرجل يدعو للسلطان فاعلم أنه من أهل السُّنَّة، وإذا رأيتَ الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه من أهل البدعة"، أو كما قال رحمه الله تعالى.
ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "لو كان لي دعوةٌ مُستجابةٌ، أو لو أعلم أن الله يستجيب لي دعوةً؛ لصرفتُها لوليِّ الأمر"، لماذا؟ لما يجعل الله تعالى على يديه من إصلاح العباد والبلاد، فإذا صلح صلحت الرعيَّة؛ لأن الناس أتباعٌ، بعض الناس كالأغنام السارحة يتبعون الراعي؛ فإذا كان الراعي مستقيمًا على طاعة الله؛ فالناس معه؛ ولهذا قال: "لو كان لي دعوةٌ مُستجابةٌ لصرفتها لولي الأمر"، أو كما قال رحمه الله.
وهذا يدلُّ على أنَّ من أسباب السلامة من الفتن: طاعة وليِّ الأمر في طاعة الله.
قال : ... وإن كان عبدًا حبشيًّا ...، أي: لو كان هذا عبدًا حبشيًّا في أصله، لكنه الآن أصبح وليًّا لأمر المسلمين، يحكمهم بكتاب الله وبسُنَّة النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وَجَبَتْ طاعتُه، وإن كان أصله عبدًا يُباع ويُشترى من الحبشة؛ لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام أمر بذلك.
قال : وإنه مَنْ يَعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. إذن؛ أَمَرَ بسُنَّته عليه الصلاة والسلام، ونهى عن تركها: فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ. وإيَّاكم ومُحدَثات الأمور، فإن كل مُحدَثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ[19]رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676، وابن ماجه: 42، وأحمد في "المسند": 17144، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب … Continue reading.
التعوذ بالله من الفتن
ومن هذه الأمور التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: تَعَوَّذوا بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن[20]رواه مسلم: 2867.. إذن؛ هذا من العلاج: أن يتعوَّذ الإنسان من الفتن، من مُضلَّات الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
وقال عليه الصلاة والسلام: يتقارب الزمان، ويَنقُص العمل ... -وفي روايةٍ: ويَنقُص العِلم- ويُلقَى الشُّحُّ، وتظهر الفتن [21]رواه البخاري: 7061، ومسلم: 157.، وهذا يُبيِّن الفتن، وكذلك الهَرْج، يَكثُر الهَرْج، أي: القتل بين الناس، وهذه من علامات الساعة التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام.
وبيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه فقال: اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمانٌ إلا الذي بعده شَرٌّ منه، حتى تلقوا ربكم[22]رواه البخاري: 7068..
المبادرة بالطاعات والابتعاد عن المُحرَّمات
وكذلك عليه الصلاة والسلام بيَّن أن من الأمور التي تُعالج بها الفتن، وتكون من أسباب السلامة من الفتن: العبادة، المبادرة بالعبادة لله، والطاعة لله قبل حصول الفتن؛ ولهذا قال: بادِروا بالأعمال فِتَنًا كقطع الليل المظلم، يُصبح الرجل مؤمنًا ويُمسي كافرًا، أو يُمسي مؤمنًا ويُصبح كافرًا، يبيع دينه بعَرَضٍ من الدنيا[23]رواه مسلم: 118.، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا!
فالنبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بالمبادرة بالقيام بالطاعات والابتعاد عن المُحرَّمات، قبل أن يأتي هذا الوقت الذي يبيع كثيرٌ من الناس دينه بدنياه؛ نسأل الله العفو والعافية.
تجنُّب الفتن وعدم المشاركة فيها
وبيَّن أنَّ من أسباب السلامة من الفتن: عدمَ المشاركة في الفتن، فلا تُشارك فيها بمالك، ولا بلسانك، ولا بأعمالك إذا لم يظهر لك وجه الحق. أمَّا إذا ظهر وجه الحق؛ فالمؤمن مع الحق بالدليل من كتاب الله وسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام.
ولهذا قال : ستكون فِتَنٌ، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي[24]رواه البخاري: 3601، ومسلم: 2886.، وهذا يدلُّ على الابتعاد عنها، وعدم الوقوع فيها، وعدم المشاركة في الفتن المُضلَّة؛ ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أحوال الناس أثناء حصول الفتن، فكلما ابتعد الإنسان عن الفتن كان سليمًا، وكان بعيدًا عن الفتن، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.
وممَّا يدل على العلاج والوقاية من الفتن: حديث حذيفة ، قال: "كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر؛ مَخافةَ أن يُدرِكني، فقلتُ: يا رسول الله، إنَّا كُنا في جاهليةٍ وشرٍّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرٍّ؟"، فقال : نعم، يعني: بعد هذا الخير الذي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام من الله، هو قال: بعده شرٌّ. فقال : "فهل بعد ذلك الشرِّ من خيرٍ؟"، فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، وفيه دَخَنٌ، قلتُ: "وما دَخَنُه؟"، فقال : قومٌ يَستَنُّون بغير سُنَّتي، ويهتدون بغير هديي، تَعرِفُ منهم وتُنكِر.، قال : "فهل بعد ذلك الخير من شرٍّ؟"، فقال : نعم، دُعاةٌ على أبواب جهنَّمَ، مَن أجابهم إليها قذفوه فيها.
هؤلاء الذين يدعون إلى العَلمانية، ويدعون إلى الفساد، ويدعون إلى الاختلاط، ويدعون إلى التبرُّج، ويدعون إلى الخمور، ويدعون إلى العُهر، ويدعون إلى العُري، ويدعون إلى الحُكم بغير ما أنزل الله؛ هم دُعاةٌ على أبواب جهنَّمَ، مَن أجابهم من الناس قذفوه فيها.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لحذيفة ، حينما سأله: مَن أجابهم إليها قذفوه فيها، قال : "يا رسول الله، صِفْهم لنا، مَن هُم؟"، فقال : قومٌ من جِلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قال : "يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟"، فقال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، يعني: اجعل نفسك مع جماعة المسلمين وإمام المسلمين على الحق. قال : "يا رسول الله، فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ؟" -ما ترك سؤالًا إلا وسأله عن الشرع-، قال : فاعتزل تلك الفِرَق كلها، ولو أن تَعَضَّ على أصل شجرةٍ، حتى يُدرِكك الموت وأنتَ على ذلك[25]رواه البخاري: 3606، ومسلم: 1847..
وهذا الحديث، بالتمسُّك به والتدبُّر لما فيه، يدلُّ على أنَّ مَن تمسَّك به، فإنه يكون قد أتى بسببٍ عظيمٍ من أسباب السلامة من الوقوع في الفتن.
وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام فقال : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فِرقةً، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فِرقةً، وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقةً، كلُّها في النار إلا واحدة، قيل: "يا رسول الله، مَن هُم؟" قال : هُم مَن كان على مِثل ما أنا عليه وأصحابي[26]رواه الترمذي: 2641، وابن ماجه: 2993 بنحوه، وابن حبَّان في "صحيحه": 3143، والطبراني في "المعجم الكبير": 129، وصحَّحه … Continue reading.
إذن؛ مَن كان على مثل ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فهذا هو الناجي من الوقوع في الفتن.
الأمة الإسلامية التي تدَّعي الإسلام، وليست أمة الدعوة، وإنما أمة الإجابة، كل مَن يدَّعي الإسلام ويقول أنا مُسلم، ينقسمون إلى ثلاثٍ وسبعين فرقةً، كلُّها في النار إلا واحدةً، هم مَن قال النبي عليه الصلاة والسلام وبيَّنهم. وكلٌّ من الناس يقول: أنا من أهل السُّنَّة، يعني: من غير تحديدٍ، فِرقٌ مختلفةٌ، حتى الرافضة يقولون: نحن من أهل السُّنَّة! وفلانٌ يقول: أنا من أهل السُّنَّة!
إذًن؛ ما الضابط لأهل السُّنَّة إن كنتَ صادقًا؟
ضَبَطَه النبيُّ عليه الصلاة والسلام وبيَّنه فقال: هُم مَن كان على مِثل ما أنا عليه وأصحابي. إذن؛ مَن كان على مِثل ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فهو من أهل السُّنَّة. وقال عليه الصلاة والسلام: لا تزال طائفةٌ من أمتي قائمةً بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم؛ حتى يأتي أمر الله تعالى[27]رواه البخاري: 3641، ومسلم: 1037..
الالتفاف حول العلماء الراسخين في العلم
الأمر الرابع: الالتفاف حول العلماء الراسخين في العلم، العالمين بالله تعالى. إذن؛ هذا من الأسباب المُنجية من الفتن، كما قال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل:43].
إن حصل بين الناس بعض المُخالفات، أو بعض الأمور، أو الدعوة إلى مُظاهراتٍ، أو الدعوة إلى فسادٍ، أو الدعوة إلى قتالٍ؛ يسألون أهل العلم العالمين بالله؛ بكتاب الله، وبسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام. وقد قال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل:43].
وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: إنَّ الله لا يَقبِض العِلمَ انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يَقبِض العِلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتَّخَذ الناس رؤوسًا جُهّالًا، فسُئلوا فأَفْتَوا بغير عِلمٍ، فضَلُّوا وأَضَلُّوا[28]رواه البخاري: 100، ومسلم: 2673.. إذًن؛ هذا يدلُّ على أنَّ مِن أسباب السلامة من الوقوع في الفتن: سؤالَ أهل العِلم العالمين بكتاب الله، وبسُنَّة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
التضرع إلى الله تعالى والدعاء له سبحانه وتعالى
الأمر الخامس من الأسباب التي تُعين على السلامة من الفتن: التضرع إلى الله تعالى، والدعاء له سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما من مُسلمٍ يدعو الله بدعوةٍ إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاثٍ: إما أن يُعجِّل له دعوته، وإما أن يَصرِف عنه من الشرَّ مِثلَها، وإما أن يدَّخرها له في الآخرة[29]رواه أحمد في "المسند": 11133، وابن أبي شيبة في "مصنفه": 31128، والطبراني في "المعجم الأوسط": 4368 بنحوه، وصحَّحه … Continue reading.
هذا يدلُّ على أنَّ الدعاء من أعظم أسباب السلامة؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عليه الصلاة والسلام.
المراقبة لله في السر والعلن
الأمر السادس والأخير في هذه الكلمة: المراقبة لله في السر والعلن.
إذا أراد الإنسان أن يعمل عملًا، فعليه أن ينظر: هل هذا العمل يُرضي الله ؟ هل هذا العمل يُقرِّبه من الله؟ هل هذا العمل يرفع منزلته عند الله؟ هل هذا العمل يزيد في حسناته؟ هل هذا العمل يجعله سعيدًا في الدنيا والآخرة؟ أم هذا العمل شرٌّ له في الدنيا والآخرة ومن أسباب الضلال له ولغيره؟
فلا بُدَّ من المراقبة لله تعالى، فإذا راقب الله وطمع فيما عند الله تعالى؛ سَلِمَ من هذا. قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:2- 3].
أسأل الله تعالى، بأسمائه الحُسنى وصفاته العلى، أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه؛ إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الأسئلة:
المُقدِّم: جزى الله شيخنا على ما قدَّم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ما قدَّمه في ميزان حسناته، وأن يرفع قدره في الدنيا والآخرة. ونستأذن شيخنا في استعراض بعض الأسئلة:
س: هذا سائلٌ يقول: يأتي مندوب البنك إلى العميل، ويوقِّع على عقد بيع السلعة، ثم يوقِّع على توكيل شركة توريدات لتبيع السلعة، وبعد أيامٍ يضع البنك المبلغ في حسابه دون أن يرى أو يتسلم السلعة؛ فهل هذا التورُّق جائزٌ؟
ج: الله يقول: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء:59]. والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع السلعة حتى يَحوزها التُّجار إلى رحالهم. فإذا اشتريتَ لك سلعةً، هذا بالمشاهدة، اشتريتَ سيارةً في معرضٍ -هذا مثالٌ- ثم أردتَ أن تبيع هذه السيارة في مكانها؛ إذن هذا لا يجوز؛ لأنك لم تنقلها إلى رحالك، أو تنقلها إلى مكانٍ آخرَ، فلا بُدَّ أن تنقلها إلى مكانٍ آخرَ.
الأمر الثاني: أنه يبيع ما ليس عنده. بعض الناس يكتب العقود، الإنسان يبيع لك سيارةً، ثم يُمسكه ويأخذ عليه عربونًا كما يقولون، أولًا: يقبضه، فإذا أثبته ذهب يشتري السلعة. فهذا بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه بقوله لحكيم بن حزام : لا تَبِعْ ما ليس عندك[30]رواه أبو داود: 3503، والترمذي: 1232، والنسائي: 4613، وابن ماجه: 2187، وأحمد في "المسند": 15311، وصححه الألباني في "صحيح … Continue reading.
فهذه الأمور التي تعملها البنوك بهذه الصورة لا تجوز، وفيها فتوى من هيئة كبار العلماء. والمسلم عليه أن يبتعد عن هذه الأمور التي أقلُّ الأحوال في بعضها الشبهة. أما كونه يشتري تورُّقًا واضحًا، يشتري سيارةً من بائعٍ، أو من بنكٍ لا يتعامل بالربا، حاضرةً موجودةً، يشتريها إلى أجلٍ، ثم يأخذ هذه السيارة ويبيعها في مكانٍ آخر، فهو ما أخذ هذه السيارة إلا من أجل الورق؛ ولهذا قيل له: بيع التورُّق؛ فهذا لا بأس به؛ كونه يشتري شيئًا حاضرًا.
أما كونه يشتري شيئًا لا يملكه البائع، أو يشتري شيئًا ولا ينقله إلى رحله؛ فهذه الأحاديث سمعتموها. ثم إن البنوك الربوية، حتى ولو كان عندهم سيارات يبيعونها أمامهم، عندهم حوشٌ وفيه سياراتٌ وأغراضٌ وحديدٌ، ويقولون له: اشترِ، ويشتري منها وينقلها. لا بُدَّ من هذا، أن تُنقَل هذه، يعني: لا يُعينهم على الباطل؛ ولهذا قال الله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2].
س: أحسن الله إليكم، هذه إحدى الأخوات تسأل عن حكم البسملة عند الغُسل وعند الوضوء..؟
ج: البسملة واجبةٌ مع الذِّكر، وتَسقُط مع النسيان، فتُسمِّي إذا كانت تغتسل في مُغتسَلٍ وليس فيه كنيفٌ تُقضَى فيه الحاجة، تُسمِّي بصوتٍ مرتفعٍ. وإذا كانت في كنيفٍ، أي: تُقضَى فيه الحاجة؛ فتُسمِّي في نفسها إذا ذكرت، والمسلم كذلك يُسمِّي في نفسه.
س: أحسن الله إليكم، هذا أحد الإخوة يسأل: ما هي أعظم الفتن؟
ج: أعظم الفتن فتنة الدِّين، نسأل الله العفو والعافية، الفتنة في الدِّين.
س: أحسن الله إليكم، هذا سائلٌ يقول: لديَّ ولدان أصحاب احتياجاتٍ خاصةٍ، وعِلَّتهم في النطق؛ هل يجوز لهم الصلاة على حالهم حتى لو كان نطقهم للآيات خطأ أم لا؟
ج: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا [البقرة:286]، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]. حتى لو كان أعجم، لا يتكلم ولا يسمع، يُكبِّر، يرفع يده، ويركع.
س: أحسن الله إليكم، هذا سائلٌ يقول: أُصبتُ منذ شهرين بمرض الكُلى، فلما أتوضأ يَخرُج مني دمٌ بعد الانتهاء منه، ماذا عليَّ؟ علمًا بأن هذا الدم يمنعني من الخروج إلى أداء الصلاة مع الجماعة، فماذا أفعل؟ جزاكم الله خيرًا.
ج: إذا كان هذا باستمرارٍ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، إذا دخل وقت الصلاة؛ ولهذا قال العلماء: من شروط الطهارة: دخول الوقت لمن حدثه دائمًا لفرضه، فإذا دخل الوقت تتوضأ وتتحفظ، ولا يضرك ما خرج إذا كان هذا بمثابة السلس أو استطلاق الريح، يعني: يكون مستمرًّا لا تستطيع أن تتصرف فيه، فالحمد لله لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، تنتظر حتى يدخل وقت الصلاة، ثم تتوضأ وتتحفظ حتى لا تُلوث الثياب والمسجد، وصلِّ مع المسلمين، وصلِّ من النوافل ما شئتَ إلى الفريضة الأخرى، إلا أن يأتي ناقضٌ آخر، فإذا أتى ناقضٌ آخر تتوضأ للناقض الآخر، أما هذا فتصلي به الفرض والنوافل إلى الفرض الآخر.
س: أحسن الله إليكم، هذا سائلٌ يقول: عليَّ قضاءٌ من شهر رمضانَ، ولا أستطيع القضاء؛ لأن صحتي لا تسمح لي بذلك، فماذا أفعل؟ أفتوني مأجورين.
ج: إذا كان قرَّر الطبيب المُسلم الثقة أن هذا المرض لا يُرجَى بُرؤه، وأنه مُستمرٌّ معك، فلا يُكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، تُطعِم عن كل يومٍ مسكينًا، إذا كنتَ لا يُرجَى بُرء المرض. أما إذا كان يُرجَى بُرؤه، فينتظر حتى يشفى، ثم يقضي الأيام.
س: أحسن الله إليكم، هذه إحدى الأخوات تسأل: ما هو اللبس الشرعي في قصور الأفراح؟ لأن بعض النساء تكشف الظهر والصدر، وقد ابتُلينا بلبس القصير؛ فهل من توجيهٍ نحو ذلك؟
ج: اللباس الشرعي للمرأة أن تتغطى إذا كانت أمام الرجال الأجانب، ولا يبدو منها شيءٌ إلا عينها إذا كانت تلبس النقاب، أو إذا كانت تلبس الغطاء الذي يُسمونه الغطوة أو غير ذلك، كما فعلت الصحابيات في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. أما عورة المرأة أمام النساء وأمام الرجال غير الأجانب، فذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أنها ما تدعو الحاجة إليه والمهنة -يعني: العمل-، فالرأس والكفَّان والقدمان، وإذا احتاجت إلى كشف الساعد أمام النساء أو القدم أو الساق التي إذا عملت يعوقها اللباس، فلا بأس أمام الرجال المحارم وأمام النساء.
أما كونها تُبدي صدرها أمام النساء وعُنقها وساقيها، وربما تلبس الضيق؛ فهذه تدخل في قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: صِنفان من أهل النار لم أرهما: نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مائلاتٌ مميلاتٌ، رؤوسهنَّ كأسنمة البُخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها[31]رواه مسلم: 2128.. إذن؛ كاسياتٌ، أي: بالثياب لكنها عاريةٌ لأنها ضيقةٌ. بعض النساء لا تستطيع أن تلبس الواسع، لا بَدَّ أن تلبس ضيقًا حتى يُبيِّن عورتها من الأمام ومن الخلف، نسأل الله العفو والعافية، ويُبيِّن حجم العورة، هذه فتنةٌ، هذا عذابٌ، هذا مرضٌ، وهذه كبيرةٌ من كبائر الذنوب، والعياذ بالله. أو عاريةٌ لأنها شفَّافٌة، تلبس الملابس الشفافة، أو كاسيةٌ عاريةٌ لأنها قصيرةٌ، عليها ثيابٌ لكنها قصيرةٌ، فهي كذلك.
فعلى المرأة أن تتقي الله تعالى، لا يجوز إبداء شيءٍ من جسد المرأة أمام الرجال المحارم والنساء إلا ما تدعو الحاجة إليه؛ كالوجه والرأس والكفَّين أو الساعدين عند الحاجة والقدمين. أما أمام غير المحارم، فلا يبدو منها شيءٌ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: المرأة عورةٌ[32]رواه الترمذي: 1173، والبزار في "مسنده": 2065، وابن خزيمة في "صحيحه": 1685، وابن حبَّان في "صحيحه": 1519، وصحَّحه الألباني … Continue reading، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
وقد وقع في هذا كثيرٌ ممن حتى يدَّعون العلم، وممن يدَّعون دراسة القرآن وتعليمه، ربما بلغني أن بعض الناس تُعلِّم القرآن، ولكنها تأتي بلباسٍ لا يسترها، وبعض المديرات وبعض المُدرِّسات -جزاهن الله خيرًا- بلغني في بعض المناطق أن بعضهن تَأمُر المُدرِّسات بالالتزام بالتستر، فجاءت إليها مُدرِّسةٌ ونصحتها، وكانت تلبس ضيقًا قصيرًا -مُدرِّسةٌ تُعلِّم بنات المسلمين!- يومًا من الأيام وقفت عند الباب، وقالت: والله لا تدخلي المدرسة، ارجعي، فرجعت حتى لبست ثوبًا فضفاضًا واسعًا طويلًا. فالأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر بين المُدرِّسات وبين من أعطاهن الله تعالى الولاية كالمُديرة أو المُساعدة أو غير ذلك، أو صاحبة الحفل إذا كانت هناك امرأةٌ صالحةٌ، والحفل لأهلها وأهل بيتها؛ تقف على الباب أو يُعلَن بأنه لا تدخل امرأةٌ مُتعريةٌ أمامنا، وإنما ترجع إلى بيتها. نسأل الله لنا ولكم العفو والعافية.
س: أحسن الله إليكم، هذا سائلٌ يقول: ابتُلي بعض الشباب بالتشبُّه بالكفار، فيلبسون الملابس الرياضية التي عليها أسماء وأرقام اللاعبين الكفرة؛ فهل من توجيهٍ نحو ذلك، أثابكم الله؟
ج: ما عندي زيادةٌ على كلام النبي عليه الصلاة والسلام حينما سمعتموه يقول: وجُعل الذل والصَّغار على مَن خالف أمري، ومن تشبَّه بقوم فهو منهم[33]رواه أحمد في "المسند": 5114، وابن أبي شيبة في "مصنفه": 53226، والبزار في "مسنده": 8606، والبيهقي في "الشُّعب": 1154، وصححه … Continue reading. تشبُّهٌ بالكفار وتشبُّهٌ بأعداء الله والمُشركين، لا يجوز للمسلم أن يلبسه؛ ولهذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الإنسان له أن يلبس كل لباسٍ، كل لونٍ، إلا الأصفر المُعصفَر، حتى الأحمر والأسود والأبيض، إلا الأصفر المُعصفَر، وما فيه تشبُّهٌ بالكفار أو المُشركين أو بالنساء.
إذن؛ فلا يجوز لبس الملابس التي قد خُصصت للكفار ومن أعمال الكفار، أو لباسٍ فيه شهرةٌ، حتى لو كان يُلبَس في سابق الأزمان، ثم يلبسه في هذا الوقت من أجل إظهار الفخر وإظهار الشهرة بين الناس؛ حتى يُشار إليه بالبنان. ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن لبس لباسَ شهرةٍ لم ينظر الله إليه يوم القيامة[34]رواه بلفظٍ قريبٍ البخاري: 2665، ومسلم: 2085.. نسأل الله العافية، فلا يلبس المسلم اللباس المُخصَّص للكفار.
س: أحسن الله إليكم، هذا سائلٌ يسأل عن حكم لعبة (البلوت).
ج: (البلوت) هذا الذي يُسمونه الورق، يعني: أفتى العلماء رحمهم الله تعالى، منهم سماحة شيخنا ابن باز، أنه من لهو الحديث، وأنه لا يجوز على أي وجهٍ من الوجوه، حتى لو لم يَحصُل فيه شيءٌ، لكن من اللوازم التي لا بُدَّ منها فيه، وإلا يكون الإنسان راسبًا ساقطًا كما يقولون: الكذب، والتدليس، واللعن، والسب، والغضب، وربما يحصل غضبٌ بين الفريقين، وهذا لا يجوز كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، نعم.
س: أحسن الله إليكم، هذا سائلٌ يسأل عن المُحرِم، هل يلمس الكعبة إذا كان عليها طِيبٌ؟
ج: لا بأس أن يلمس الكعبة، هو ليس مسؤولًا. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يستلم الركن اليماني ويُقبِّله عليه الصلاة والسلام، ولا يَضرُّه ذلك، نعم، لكن لا يتمسَّح بها بحيث يأخذ بيده ويمسح جسده ويمسح إحرامه، يستلم كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام ويكفي.
س: أحسن الله إليكم، هذا سائلٌ يقول: كيف أكسب محبة الرسول ؟
ج: تكسب محبة النبي عليه الصلاة والسلام، يعني: كيف تحصل على محبة النبي؟ كيف تحب النبي عليه الصلاة والسلام؟ يقول الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31]، تكسب محبة النبي بأن تحب النبي عليه الصلاة والسلام إذا اتَّبعتَه عليه الصلاة والسلام، والتزمتَ بهديه صلوات الله وسلامه عليه، وأطعتَ الله تبارك وتعالى، واقتديت به؛ كسبتَ محبته عليه الصلاة والسلام، يعني: أنت تحبه، وتكسب محبته كذلك بمعرفة الأحاديث التي وردت في ذلك، منها قوله عليه الصلاة والسلام: لا يؤمن أحدُكم حتى أكونَ أَحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين[35]رواه البخاري: 15، ومسلم: 44.، اللهم صلِّ وسلِّم عليه.
فانظر إلى عملك، إذا أردتَ أن تُحبَّ النبي فلا تُقدِّم عليه محبةَ أحدٍ من الناس، أي: تطيع أحدًا من الناس في معصية النبي ، لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحب إليه من ولده[36]سبق تخريجه.، يكون عليه الصلاة والسلام أَحبَّ من ابنك، بحيث إذا طلب ابنُك شيئًا حرَّمه النبي عليه الصلاة والسلام أو نهى عنه، مثال ذلك: لو قال ابنك: يا أبي، أريد أن تشتري لي ثوبًا طويلًا يغطي الكعبين، يغطي الكعبين، أي: مُسبِلًا، أو فيه صورةٌ، فإن أطعته في ذلك وألحَّ عليك؛ فهذا يدلُّ على أن محبة النبي عليه الصلاة والسلام ليست كاملةً. وإن قلتَ: لا، يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه: ما أسفل من الكعبين ففي النار[37]رواه البخاري: 5787.، يا ولدي، لا يجوز؛ فهذا يدلُّ على أنك تحبُّ النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وَجَدَ بهنَّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أَحبَّ إليه ممَّا سواهما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يُحبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذَف في النار[38]رواه البخاري: 16، ومسلم: 43.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، نعم.
س: أحسن الله إليكم، هذا سائلٌ يقول: ما حكم الاحتفاظ بصورة الميت؟ والمقصد من ذلك: إني إذا نظرتُ إليه أتذكره وأدعو له.
ج: لا، ما يجوز هذا، هذا من الأمور المنهي عنها، الصورة لا يُحتفَظ بها، إذا مات، الله يغفر له، وتدعو له. أما كونك تحتفظ بالصورة من أجل الذكريات، يَحصُل فيها تعظيمٌ وتحصل فيها أمورٌ أخرى، لا تحتفظ بها، إنْ كنتَ تُحبه فعليك أن تدعو له، وإن شاء الله تقابله في جنات النعيم، إن أطعتَ الله تعالى، وكان من أهلها.
س: أحسن الله إليكم، هذا سائلٌ يسأل ويقول: ما حكم من سمع الغناء وهو مُكرَهٌ؟
ج: لا حرج عليه إذا كان مُكرَهًا، لكن الإكراه له أحوالٌ، إذا كان يجلس في مجلسٍ من المجالس ويستمع الغناء، بعض الناس وهو جالسٌ يستطيع أن يَخرُج، هذا ليس بمُكرَهٍ، هذا راضٍ، فليخرج من هذا المجلس. أما إذا كان مسجونًا مربوطًا على عمودٍ أو مسجونًا في غرفةٍ من الغرف، ويستمع إلى الغناء؛ فهذا لا حرج عليه؛ لأنه مُكرَهٌ. بعض الناس يقول: مُكرَهٌ، أنا ركبت معه في السيارة لكني مُكرَهٌ أسمع الغناء، لا، لست مُكرَهًا، قُل: قِفْ، وانزل، وتكون مُوفَّقًا، أو ركب معك في السيارة ويريد أن يُغني! لا، أو يأتي بأغنيةٍ مُحرَّمةٍ! لا، فالمُكرَه له أحوالٌ، الإكراه أن يكون الإنسان مُجبَرًا لا يستطيع أن يتخلص من هذا الإكراه.
س: أحسن الله إليكم، هذا سائلٌ يقول: أنا أعلم أحد أصحابي يُدخِّن، ولقد نصحتُه أكثر من مرةٍ؛ فما الواجب عليَّ في ذلك؟ مع العلم أنه من المُقرَّبين إليَّ.
ج: عليك أن تستمرَّ على نصيحته إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56]، تستمرَّ على نصيحته، وتدعو له.
س: أحسن الله إليكم، هذا سائلٌ يقول: رجلٌ عليه صيامُ نذرٍ، ونوى من الليل الصيام، واستيقظ من النوم وقد أذَّن المُؤذِّن بحوالي ثماني دقائقَ، فأكل وشرب واستأنف الصيام، هل صيامه صحيحٌ؟
ج: صيامه ليس بصحيحٍ؛ لأنه صام بعد أن أفطر، لو بقي على نيَّته أنه بيَّت الصيام، ولكن أذَّن المُؤذِّن فأمسك؛ لكان صيامه صحيحًا، لكنه مُخالفٌ للسُّنَّة؛ لأنه لم يتسحر. لكن ما دام أكل بعد الأذان؛ فعليه أن يقضي هذا اليوم، والأذان إذا كان الأذان بعد طلوع الفجر المُقيَّد، إذا أذَّن المُؤذِّن حقًّا، يعني: بعد طلوع الفجر، أما إذا أذَّن المُؤذِّن قبل الفجر فلا حرج في ذلك.
س: أحسن الله إليكم، هذا أحد الإخوة يقول: لقد تقاعس الناس في هذا الزمن عن حِلَقِ العلم، وعن حضور مثل هذه المجالس؛ فهل هذا يدلُّ على آخر الزمان، أم ماذا يدلُّ عليه حفظكم الله ورعاكم؟
ج: نعم يدلُّ، مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: يظهر الجهل ويَقِلُّ العلم[39]رواه البخاري: 5577، ومسلم: 2671 بنحوه.. من علامات الساعة، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا، يُفَقِّهه في الدين[40]رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037.. فمَن وفَّقه الله للفقه في الدين، فهذا يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّ الله أراد به خيرًا، ومن تقاعس عن طلب العلم وعن الفقه في الدين، فهذا يدل على أن الله لم يُرِدْ به خيرًا، ما الدليل على ذلك؟ الدليل على ذلك: مفهوم الحديث، قول النبي عليه الصلاة والسلام: مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا، يُفَقِّهه في الدين[41]سبق تخريجه.، مفهوم الحديث ومنطوقه، هذا المنطوق، والمفهوم يدلُّ على أن مَن لم يُرِدِ اللهُ به خيرًا لم يُفَقِّهه في الدين.
وقد كان شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى يشرح للناس قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2- 3]، فقال: هذا منطوق الآية، ومفهومها يدلُّ على أنَّ مَن لم يَتَّقِ اللهَ لا يجعل الله له مَخرَجًا، ولا يرزقه من حيث لا يحتسب؛ فالآيات لها مفهومٌ ولها منطوقٌ.
أسأل الله تعالى لي ولكم التوفيق والتسديد، والعلم النافع، والعمل الصالح، وأن يتقبَّل مني ومنكم، ومن جميع المسلمين.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
| ^1 | رواه مسلم: 1893. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 6408، ومسلم: 2689. |
| ^3 | رواه البخاري: 1 واللفظ له، ومسلم: 1907. |
| ^4 | سبق تخريجه |
| ^5 | رواه مسلم: 142. |
| ^6 | رواه أبو داود: 4681، وابن أبي شيبة في "مصنفه": 37457، والطبراني في "المعجم الكبير": 7613، والبيهقي في "الشُّعب": 8605، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5965. |
| ^7 | رواه مسلم: 49 |
| ^8 | رواه ابن ماجه: 4019 واللفظ له، والبزار في "مسنده": 6175 بنحوه، والطبراني في "المعجم الأوسط": 4671، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7978. |
| ^9 | رواه مسلم: 2408. |
| ^10 | رواه مسلم: 1715. |
| ^11 | رواه أحمد في "المسند": 5115، وابن أبي شيبة في "مصنفه": 20550، والبيهقي في "الشُّعب": 1154، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2831. |
| ^12 | رواه البخاري: 4686، ومسلم: 2583. |
| ^13, ^36, ^41 | سبق تخريجه. |
| ^14 | رواه البخاري: 6168، ومسلم: 2640. |
| ^15 | رواه البخاري: 6171، ومسلم: 2639. |
| ^16 | رواه البخاري: 7280. |
| ^17 | رواه أبو داود: 4604 و4605، والترمذي: 2663، وابن ماجه: 13، وأحمد في "المسند": 23876، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7172. |
| ^18 | رواه البخاري: 2957، ومسلم: 1835. |
| ^19 | رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676، وابن ماجه: 42، وأحمد في "المسند": 17144، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 37. |
| ^20 | رواه مسلم: 2867. |
| ^21 | رواه البخاري: 7061، ومسلم: 157. |
| ^22 | رواه البخاري: 7068. |
| ^23 | رواه مسلم: 118. |
| ^24 | رواه البخاري: 3601، ومسلم: 2886. |
| ^25 | رواه البخاري: 3606، ومسلم: 1847. |
| ^26 | رواه الترمذي: 2641، وابن ماجه: 2993 بنحوه، وابن حبَّان في "صحيحه": 3143، والطبراني في "المعجم الكبير": 129، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1082. |
| ^27 | رواه البخاري: 3641، ومسلم: 1037. |
| ^28 | رواه البخاري: 100، ومسلم: 2673. |
| ^29 | رواه أحمد في "المسند": 11133، وابن أبي شيبة في "مصنفه": 31128، والطبراني في "المعجم الأوسط": 4368 بنحوه، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1633. |
| ^30 | رواه أبو داود: 3503، والترمذي: 1232، والنسائي: 4613، وابن ماجه: 2187، وأحمد في "المسند": 15311، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7206. |
| ^31 | رواه مسلم: 2128. |
| ^32 | رواه الترمذي: 1173، والبزار في "مسنده": 2065، وابن خزيمة في "صحيحه": 1685، وابن حبَّان في "صحيحه": 1519، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 346. |
| ^33 | رواه أحمد في "المسند": 5114، وابن أبي شيبة في "مصنفه": 53226، والبزار في "مسنده": 8606، والبيهقي في "الشُّعب": 1154، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2831. |
| ^34 | رواه بلفظٍ قريبٍ البخاري: 2665، ومسلم: 2085. |
| ^35 | رواه البخاري: 15، ومسلم: 44. |
| ^37 | رواه البخاري: 5787. |
| ^38 | رواه البخاري: 16، ومسلم: 43. |
| ^39 | رواه البخاري: 5577، ومسلم: 2671 بنحوه. |
| ^40 | رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط