تخطى إلى المحتوى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فضل التَّقرب إلى الله تعالى بكلامه

أيها الإخوة، لا شكَّ أن مكانة صاحب القرآن مكانةٌ عظيمةٌ، مكانةٌ رفيعةٌ في الدنيا والآخرة؛ لأن هذا القرآن هو كلام الله تعالى الذي أنزله على محمدٍ عليه الصلاة والسلام، كلام الله ، لفظه ومعانيه، منه بدأ، وإليه يعود، مَن عمل به كان من السُّعداء في الدنيا والآخرة، ومَن أعرض عنه كان من الأشقياء، والعياذ بالله تعالى.

وأعظم ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من النوافل: كثرة قراءة القرآن، سواءٌ كان حافظًا لكتاب الله تعالى، أو كان قارئًا، أو كان مُعَلِّمًا، فإن كثرة تلاوة القرآن من أعظم الأمور التي يحصل الإنسان بها على الأجور العظيمة، وسماعه بتفكرٍ وتدبرٍ وتفهمٍ.

قال خَبَّاب بن الأَرَتِّ لرجلٍ: "تقرب إلى الله ما استطعتَ، واعلم أنك لن تتقرب بشيءٍ أحبَّ إلى الله من كلامه"، أي: من كلام الله تعالى.

طهارة القلب وعلاقتها بالقرآن

لا شكَّ أنه كلام الله تعالى، منه بدأ، وإليه يعود، فأعظم قُربات النوافل: تدبر هذا القرآن العظيم، وقراءته وتلاوته ابتغاء مرضاة الله تعالى.

وقال عثمان : "لو طهرتْ قلوبنا ما شَبِعَتْ من كلام ربها"، ولا شكَّ أن هذا كلامٌ عظيمٌ، وأن الإنسان إذا قرأ القرآن وتَلَذَّذ بقراءته دلَّ ذلك على أن قلبه من القلوب الطاهرة، ومن القلوب السليمة.

أما إذا قرأ القرآن وحصل له النُّعاس والكسل دلَّ ذلك -والعياذ بالله تعالى- على ضعف القلب وعدم طهارته الكاملة، نسأل الله لنا ولكم العافية.

قال عبدالله بن مسعودٍ : "مَن أحبَّ القرآن فهو يُحبُّ الله ورسوله" الذي يُحبُّ القرآن يُحبُّ الله ورسوله ، هذا منطوقٌ، والمفهوم: أن مَن لم يُحبَّ القرآن لا يُحب الله، ولا يُحب رسوله عليه الصلاة والسلام.

الثواب الجزيل والأجور المُضاعفة لقارئ القرآن

لا شكَّ أن الله قد أعطى على قراءة وتلاوة هذا القرآن الثواب العظيم، والأجر الجزيل، ومن ذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أن مَن قرأ حرفًا من كتاب الله تعالى فله بذلك الحرف حسنةٌ، وقال: لا أقول: {الم} حرفٌ، ولكن ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ[1].

ولا شكَّ أن الحسنة بعشر أمثالها، وهذا ثوابٌ عظيمٌ، فلا يُعْلَم من الأعمال ما يُوازي قراءة القرآن بتدبُّرٍ في الحسنات ورفعة الدرجات؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه يشفع لأصحابه، اقرؤوا الزَّهْرَاوين: البقرة وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غَمَامَتَان، أو كأنهما غَيَايَتَان، أو كأنهما فِرْقَان من طيرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّان عن أصحابهما[2]، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

ومن مكانة صاحب القرآن والعامل بالقرآن ومُعلِّم القرآن ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: خيركم مَن تعلم القرآن وعَلَّمه[3].

خير الناس مَن تعلم القرآن وعَلَّمه، يكفي هذا الإنسان، يكفيه هذه الخيرية التي تُبين أنه من خير الناس، ما قال: من خيركم، بل قال: خيركم مَن تعلم القرآن وعَلَّمه.

ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أن قارئ القرآن وصاحب القرآن والحافظ للقرآن ومُعلِّم القرآن كلهم يدخلون في قوله عليه الصلاة والسلام: يُقال لصاحب القرآن أي: يوم القيامة اقرأ، وَارْتَقِ، ورَتِّلْ كما كنتَ تُرَتِّل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آيةٍ تقرأ بها[4].

إذن درجاتنا في الجنة على حسب ما عندنا من القرآن، وما نعمل به من القرآن.

القرآن أعظم من متاع الدنيا ونفائسها

ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: أَيُّكم يُحبُّ أن يَغْدُو كل يومٍ إلى بُطْحَان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كَوْمَاوَين في غير إثمٍ ولا قطع رحمٍ؟ قالوا: يا رسول الله، نُحب ذلك. قال: أفلا يَغْدُو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله ​​​​​​​ خيرٌ له من ناقتين، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ، وأربعٌ خيرٌ له من أربعٍ، ومن أعدادهنَّ من الإبل[5]، هذا يدل على أن قراءة آيةٍ أعظم من هذا، خيرٌ من ناقةٍ.

الآن الإبل والنُّوق بعضها يُسَامُ بالملايين -كما يقول المزايد- والله، قراءة آيةٍ واحدةٍ خيرٌ من هذه الإبل التي هي حُمْر النَّعَم.

قد ثبت عندي: أن بعض الإبل يُسَام بسبعةٍ وعشرين مليونًا، جملٌ من هذه الجِمَال يُسَام بسبعةٍ وعشرين مليونًا، وصاحبه لا يُوافق على بيعه!

والله، قراءة آيةٍ بتدبُّرٍ رغبةً فيما عند الله تعالى خيرٌ من هذا الجمل، لا شكَّ في ذلك.

هذا من باب الأمثلة، فالنبي عليه الصلاة والسلام بيَّن ذلك من باب ضرب الأمثال، وإلا فَذَرَّةٌ واحدةٌ من الخير خيرٌ من الدنيا وما فيها؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لَأَنْ أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحبُّ إليَّ مما طلعتْ عليه الشمس[6]، ولا شكَّ أن هذا من أعظم الأمور.

ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: أَيُحِبُّ أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ؟ قالوا: نعم. قال: فثلاث آياتٍ يقرأ بهنَّ أحدكم في صلاته خيرٌ له من ثلاث خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ[7]، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

الغِبْطَة المشروعة ومكانة أهل الله وخاصته

مما يدل على مكانة صاحب القرآن ومُعلم القرآن والعامل بالقرآن قول النبي عليه الصلاة والسلام: لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالًا، فهو يُنفقه آناء الليل وآناء النهار[8].

لا حسد لا ينبغي، ولا غِبْطَة، ولا ينبغي لأحدٍ أن يَغْبِطَ أحدًا على شيءٍ من أمور الدنيا، ولا على شيءٍ من أمور الجَاهِ إلا في هاتين الاثنتين: صاحب القرآن الذي يعمل به، وصاحب الأموال التي يصرفها في طاعة الله تعالى.

والله تعالى قد بيَّن في هذا القرآن العظيم ما ينفع الأُمَّة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا كانت مكانة صاحب القرآن عاليةً؛ ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام -كما رواه ابن ماجه عن أنسٍ - أنه قال: إن لله أَهْلِينَ من الناس، قالوا: يا رسول الله، مَن هم؟ قال: هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته[9]، رواه ابن ماجه.

هذا يدل على عِظَم مكانة صاحب القرآن، وأنه من أهل الله تعالى، ومن خاصَّته، وهذا من فضل الله تعالى عليه.

وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: إن من إجلال الله إكرام ذي الشَّيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المُقْسِط[10]، رواه أبو داود.

هذا يدل على أن صاحب القرآن من مكانته أن يُكْرَم ويُجَلَّ؛ لما معه من هذا القرآن العظيم.

ولا شكَّ أن صاحب القرآن له مكانةٌ عند الله تعالى، وله أجرٌ وثوابٌ عند الله تعالى.

ثمار التَّدبر في حياة القلوب

صاحب القرآن هو الذي يتأثر بالقرآن، أو العامل بالقرآن.

المعلم الصادق: هو الذي يستفيد من كلام الله تعالى، ومن كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ويتدبره تدبرًا كاملًا إن وفَّقه الله تعالى لذلك؛ ولهذا ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى بعض فوائد تدبر القرآن وتفهم القرآن  فقال رحمه الله تعالى: "القرآن حياة القلوب، وشفاءٌ لما في الصدور، فبالجملة لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتَّدبر والتَّفكر، وهذا الذي يُورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتَّوكل والرضا والتَّفويض والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يَزْجُر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه".

فلا شكَّ أن الإنسان إذا تدبر القرآن علم هذا الخير، ولو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتَّدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها؛ ولهذا قال الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29]، وقال سبحانه: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24].

التَّحذير من الإعراض عن القرآن وهَجْره

تدبر القرآن من أعظم العبادات لله تعالى، ومن أعظم القُربات التي بيَّنها الله تعالى لعباده؛ ولهذا بيَّن الله تعالى أن مَن أعرض عن هذا القرآن ولم يتدبر القرآن -نسأل الله العفو والعافية- فله العذاب المهين: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ۝ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ۝ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124- 126].

فلا شكَّ أن مَن أعرض عن ذكر الله وعن القرآن فله الشَّقاوة.

وصاحب القرآن: هو الذي يتأثر بالقرآن، كما قال الله تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة:83]، قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ۝ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ۝ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:107- 109].

هؤلاء أهل العلم، أهل القرآن الذين يتأثرون بالقرآن: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم:58].

هؤلاء أهل العلم، أهل القرآن، أهل الخشية لله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2].

ولا شكَّ أن المسلم عليه أن يغتنم حياته بقراءة هذا القرآن، ويتدبر القرآن؛ حتى يجد السعادة، ويجد الخير في الدنيا والآخرة بطاعة الله تعالى، وطاعة النبي عليه الصلاة والسلام.

حال النبي والصحابة مع القرآن والتَّدبر

النبي عليه الصلاة والسلام هو قُدوتنا صلوات الله وسلامه عليه، كان عليه الصلاة والسلام يتدبر القرآن صلوات الله وسلامه عليه، فقد قال لعبدالله بن مسعودٍ : اقرأ عليَّ القرآن، قال: فقلتُ: يا رسول الله، أقرأ عليك، وعليك أُنْزِلَ؟! فقال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري، قال: فقرأتُ النساء حتى إذا بلغتُ: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [النساء:41] رفعتُ رأسي -أو غَمَزَني رجلٌ إلى جنبي فرفعتُ رأسي- فرأيتُ دموعه تسيل[11].

تَدَبَّرَ القرآن صلوات الله وسلامه عليه.

وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قام بآيةٍ يُرددها حتى الصباح، وهي قوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118][12].

لا شكَّ أن النبي عليه الصلاة والسلام هو قُدوتنا صلوات الله وسلامه عليه.

وثبت عنه عليه الصلاة والسلام -عن أنس بن مالكٍ - أنه قال لِأُبَي بن كعبٍ : إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، قال: "آلله سَمَّاني لك؟" يعني: سَمَّاني باسمي لك، فقال عليه الصلاة والسلام: الله سَمَّاك لي، قال: فجعل أُبَيٌّ يبكي[13]؛ لأن هذا غنيمةٌ، نعمةٌ من الله تعالى أن الله ذكره باسمه، وقال للنبي عليه الصلاة والسلام أن يقرأ عليه القرآن صلوات الله وسلامه عليه.

وفي لفظٍ: أنه عليه الصلاة والسلام قال: إن الله أمرني أن أقرأ عليك: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة][14].

هذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام يتدبر القرآن، وأن أصحابه عليه الصلاة والسلام يتدبرون القرآن، ولا شكَّ أن هذه ميزةٌ، أو هذه منقبةٌ لِأُبَيٍّ ؛ لأنَّ الله تعالى ذكره للنبي صلوات الله وسلامه عليه.

وذكر النووي رحمه الله تعالى أنه قَدِمَ أناسٌ من أهل اليمن على أبي بكر الصديق ، فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر الصديق : "هكذا كنا" أي: كانوا يبكون لقراءة القرآن في زمن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

الرفعة بالقرآن الكريم

المسلم عليه أن يشكر الله تعالى إن كان من أهل القرآن، ومن مُعلمي القرآن، وعليه أن يعمل، يشكر الله تعالى ويغتنم العمل بالقرآن؛ حتى يكون من أهل القرآن العاملين به، الذين مدحهم الله تعالى، ومدحهم النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام -كما جاء في حديث عمر في "صحيح مسلم"-: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين[15].

يرفع به أقوامًا، ويضع به آخرين؛ يرفع به مَن عمل به، ومَن تدبره، ومَن قام بما أوجب الله تعالى فيه، ويضع به مَن أعرض عنه، ومَن لم يعمل به.

ولهذا المسلم عليه أن يسأل الله تعالى أن يُصلح قلبه وعمله، وأن يجعله من أهل القرآن، وأن يتدبر القرآن، وأن يتلو القرآن، ولا يهجر القرآن؛ فإنَّ هَجْر القرآن قد يكون بعدم تلاوته، وقد يكون بعدم تدبره، وقد يكون بعدم الحكم به.

وقد يكون الهَجْر بعدم الاستشفاء به والتَّداوي به، وقد يكون بالإعراض عنه، وهكذا، فَهَجْر القرآن أنواعٌ كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى.

أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَا أن يجعلني وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهل الله تعالى وخاصَّته، وأن يجعلنا وإياكم من العاملين بالقرآن الذين يتدبرون القرآن، فإن هذه نعمةٌ عظيمةٌ يَمُنُّ الله تعالى بها على مَن يشاء من عباده، فهو ذو الفضل والجود والإحسان والكرم.

ونشكره على أن يَسَّرَ هذا اللقاء بالإخوة، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين يقولون القول ويتَّبعون أَحْسَنَه، إنه وَلِيُّ ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

^1 رواه الترمذي: 2910، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1416.
^2 رواه مسلم: 804.
^3 رواه البخاري: 5027.
^4 رواه أبو داود: 1464، والترمذي: 2914، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1317.
^5 رواه مسلم: 803.
^6 رواه مسلم: 2695.
^7 رواه مسلم: 802.
^8 رواه البخاري: 7529، ومسلم: 815.
^9 رواه ابن ماجه: 215، وأحمد: 12292، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1432.
^10 رواه أبو داود: 4843، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 98.
^11 رواه البخاري: 5055، ومسلم: 800 واللفظ له.
^12 رواه النسائي: 1010، وابن ماجه: 1350، وحسنه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 966.
^13 رواه البخاري: 4960.
^14 رواه البخاري: 3809، ومسلم: 799.
^15 رواه مسلم: 817.