تخطى إلى المحتوى

مكانة الصلاة في الإسلام.. وحكم تاركها

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

الحكمة من خلق العباد

أما بعد:

أيها الإخوة، لا شكَّ ولا ريب أنَّ الله تعالى خلق عباده لعبادته وحده، كما قال : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۝ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ۝ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56- 58]. فالله تعالى خلق الجن والإنس لعبادته وحده.

والعبادة: اسمٌ جامعٌ لما يُحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وأعظم العبادات مطلقًا: تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأعظمها بعد هذه الشهادة: الصلاة، التي هي الركن الأعظم بعد الشهادتين، مَن حافَظَ عليها وقام بها كان من المسلمين، ومن تركها وضيَّعها مُتعمدًا كان من الكافرين، وهذا لا شكَّ فيه كما ستسمعون إن شاء الله تعالى.

تعريف الصلاة وحكمها

وهذه الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، والصلاة معناها لغةً: الدعاء، وشرعًا: هي عبادةٌ ذات أقوالٍ وأفعالٍ مخصوصةٍ، مُبتدَأةٌ مُفتتَحةٌ بالتكبير، مُختتَمةٌ بالتسليم. وقيل لها صلاةً؛ لأنها تشتمل على نوعَي الدعاء كلها:

  • دعاء المسألة: كأن يقول الإنسان: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار.
  • ودعاء العبادة: الذي تدخل فيه العبادات كلها. فإذا صلى فهذا دعاءٌ، لماذا؟ لأنه يطلب من الله تعالى بهذه الصلاة أن يغفر له، وأن يتقبل منه. إذا زكَّى دعا، يطلب بهذه الزكاة كذلك أن يتقبل الله منه، وأن يغفر له. وهكذا دعاء العبادة تدخل فيه جميع العبادات؛ لأن الإنسان يطلب من الله تعالى بهذا العمل أن يغفر له، وأن يُدخله الجنة، وأن يُعيذه من النار، وأن يرضى عنه، وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة:72].

أما الصلاة فهي تشتمل على النوعين؛ تشتمل على دعاء المسألة ودعاء العبادة. فما من ركنٍ من أركان الصلاة إلا وفيه مسألةٌ. تكبيرة الإحرام أو الركن الأول هي دعاءٌ، حينما يقول: "الله أكبر"، فهذا ذكرٌ لله تعالى، كذلك: "رب اغفر لي"، وهكذا دعاء المسألة.

والصلاة حكمها أنها فرضٌ واجبٌ بكتاب الله تعالى، وبسُنَّة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وبإجماع أمة الإسلام على أنها فريضة تجب على المسلمين على حسب ما بيَّنه الله تعالى، وبيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام، فالله تعالى يقول: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ [البينة:5]، هذا يعني أنَّ الله تعالى أمر بها، وبيَّن أنهم ما أُمروا إلا ليقوموا بهذه الأركان العظيمة، وقال تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103].

والنبي عليه الصلاة والسلام حينما بعث معاذًا إلى اليمن قال عليه الصلاة والسلام له: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب... -يعني: علَّمه عليه الصلاة والسلام أن هؤلاء من أهل الكتاب؛ حتى يتأهَّب لهم وحتى يتهيَّأ لهم؛ لأن أهل الكتاب عندهم علم- قال : إنَّك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسول الله، فإنْ هُم أطاعوا لذلك، فأَعْلِمْهم أن الله افترض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة، فإنْ هُم أطاعوا لذلك، فأَعْلِمْهم أن الله افترض عليهم صدقةً تُؤخَذُ من أغنيائِهم فتُرَدُّ في فُقَرائِهم...[1]رواه البخاري 1496، ومسلم: 19. الحديث، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. والشاهد فيه قوله عليه الصلاة والسلام: خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة.

وحديث عبدالله بن عُمَرَ رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، والحَجِّ، وصومِ رمضان[2]رواه البخاري: 8، ومسلم: 16 باختلاف يسير.، فالصلاة الركن الثاني من أركان الإسلام، الذي هو دِعامة عظيمة، لو سقط هذا الركن سقط الإسلام كله.

وأجمعت الأمة -أمة النبي صلوات الله وسلامه عليه- على وجوب خمس صلواتٍ في اليوم والليلة.

مكانة الصلاة ومنزلتها في الإسلام

والصلاة مكانتها عظيمة في الإسلام؛ ومما يدل على عِظَم مكانتها:

أنها عمود الدين

أولًا: أنها عمود الدين الذي إذا سقطَ سقطَ ما بُني عليه؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذُروة سَنامِه الجهاد[3]رواه الترمذي: 2616، والنسائي في "السنن الكبرى": 11330، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2866.، فإذا سقط العمود سقط ما بُني عليه. خيمةٌ بُنيت على عمودٍ واحدٍ، فسقط العمود أو انكسر، فإن ما بُني عليها يسقط؛ كذلك الإسلام يسقط إذا هُدمت الصلاة، على الصحيح من أقوال أهل العلم بالأدلة الصريحة الصحيحة التي ستسمعونها -إن شاء الله تعالى- في موضعها.

أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة

ومن عِظم شأنها ومكانتها في الإسلام: أنها أول ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة، كما ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام: أول ما يُحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامة الصلاةُ، فإنْ صَلَحَت صَلَحَ له سائرُ عملِه، وإنْ فَسَدَت فَسَدَ سائرُ عملِه[4]رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 1859، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 376.، وفي روايةٍ: إنَّ أولَ ما يُحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامة من عَمَلِه صلاتُه، فإنْ صَلَحَت فقد أفلحَ وأنجحَ، وإنْ فَسَدَت فقد خابَ وخَسِرَ، فإن انتقصَ من فريضته شيءٌ قال الربُّ تبارك وتعالى: انظروا هل لعبدي من تطوُّعٍ فيُكَمَّلُ بها ما انتقص من الفريضة؟[5]رواه الترمذي: 413، والنسائي: 465، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 540.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى. وهذا يدل على مكانتها، وعلى عِظَم شأنها، وأن لها الشأن العظيم بعد الشهادتين.

آخر ما يُفقَد من الدين

وكذلك من مكانتها وعِظم شأنها وعلو منزلتها: أنها آخر ما يُفقَد من الدين، فما فُقد آخره لم يكن له أول ولا آخر، انتهى؛ ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الإسلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فكلما انْتَقَضَت عُرْوَةٌ تشبَّثَ الناسُ بالتي تَلِيها، وأولهنَّ نقضًا الحكمُ، وآخِرُهنَّ الصلاةُ[6]رواه أحمد 22160، وابن حبَّان في "صحيحه": 4866، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 6680.، رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وفي لفظٍ للطبراني أنه عليه الصلاة والسلام قال: أولُ ما يُرفَعُ من الناسِ الأمانةُ، وآخِرُ ما يبقى الصلاةُ، ورُبَّ مُصَلٍّ لا خيرَ فيه[7]رواه الطبراني في "المعجم الصغير": 387، والبيهقي في "شعب الإيمان": 4892.، نسأل الله العفو والعافية!

فإذا كانت آخرَ شيءٍ، فإذا فُقدت فلا دين ولا إسلام ولا أخلاق ولا حياة إيمانية بعد الصلاة، ولا شكَّ أنَّ هذا يدل على مكانتها وعلوِّ شأنها وفضلها؛ ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ الصلاة هي آخر وصيةٍ أوصى بها صلوات الله وسلامه عليه، كما ثبت في الحديث أنه قال: الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكَت أيمانُكم، حتى جعل النبيُّ صلوات الله وسلامه عليه يُلَجْلِجُلها في صدره، وما يُفِيص بها لسانُه عليه الصلاة والسلام[8]رواه النسائي في "السنن الكبرى": 7061، وابن ماجه: 1625، وأحمد في "المسند": 26483، وصحَّحه محققو "المسند"..

الصلاةَ الصلاةَ، أي: الزموا الصلاة. هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يُوصي بالصلاة، حتى في الغرغرة، حتى إنه لا يُعرَف له كلامٌ بعد هذه الوصية عليه الصلاة والسلام، بل قبض الله روحه صلوات الله وسلامه عليه. وهذا يدل على علو مكانتها وعلى علو شأنها، وأنها من أعظم الأمور بعد الشهادتين.

مدح القائمين بها.. وذمُّ المُضيعين لها

ومما يدل على مكانتها وعلو شأنها: أن الله تعالى مدح القائمين بها، والآمرين بها أهليهم، فقال : وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ۝ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم:54- 55]. هذا ثناءٌ من الله على إسماعيل  بأنه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وكان عند ربه مرضيًّا.

وكذلك ذمَّ الله تعالى المُضيعين لها، والمتكاسلين عنها، والمتخلفين عنها، فقال تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ، -أي: من بعد الأنبياء- خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59]؛ إذَن هذا ذمٌّ لهؤلاء الذين ضيَّعوا الصلوات التي فرض الله تعالى.

وذمَّ المنافقين الذين يتكاسلون عن الصلاة، فقال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ [النساء:142- 143]. ذمَّ الله المنافقين الذين يتكاسلون عن الصلوات، لا يأتون الصلاة إلا دَبْرًا متأخرين، لا يدركون الإمام، وهكذا ذمَّهم الله تعالى، وذمَّهم النبي صلوات الله وسلامه عليه. وقال الله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ۝ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:4- 7]، والسهو في الصلاة عامٌّ يدخل فيه من أخَّرها عن أوقاتها، ومن تركها نسيانًا أو غير ذلك، ومن لم يخشع فيها. نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

الصلاة الركن الأعظم من أركان الإسلام

كذلك مما يدل على علو شأنها وعِظَم منزلتها: أنها الركن الأعظم من أركان الإسلام، كما تقدَّم في حديث عبدالله بن عُمَرَ رضي الله عنهما: بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، والحَجِّ، وصومِ رمضان[9]سبق تخريجه.، إذَن هذا يدل على علو شأنها، أنها الركن الأعظم الذي بُني عليه الإسلام.

أن الله ​​​​​​​ فرضها بنفسها

ومما يدل على علو شأنها وعلو منزلتها ومكانتها في الإسلام: أن الله تعالى لم يفرضها بواسطة جبريل، فالله تعالى فرض الفرائض من الجهاد وغيره من الأمور، حتى فرض الشهادتين (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله)، وغير ذلك من شرائع الإسلام، فُرضت في الأرض عن طريق الوحي؛ يُوحي الله تعالى إلى جبريل، ويأتي جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام. إلا الصلاة، فرضها الله تعالى مباشرة -دون واسطة- على النبي صلوات الله وسلامه عليه فوق سبع سماوات.

فقد عُرج به عليه الصلاة والسلام إلى السماء السابعة، من السماء الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، حتى تجاوز إبراهيم ، فوجده قد أسند ظهره إلى البيت المعمور في السماء السابعة، فرحَّب به وقال: "مرحبًا بالنبي الصالح"، ثم تجاوز النبي عليه الصلاة والسلام إبراهيم إلى مكان يسمع فيه صَرِير الأقلام عليه الصلاة والسلام. وهذا يدل على علو منزلته عليه الصلاة والسلام، وأنه أفضل الخلق صلوات الله وسلامه عليه، ويدل على علو مكانة الصلاة. ففرض الله تعالى عليه الصلاة خمسين صلاةً في اليوم والليلة. تصوَّر إذا كان على الناس خمسون صلاةً في اليوم والليلة، ربما يكون بعد كل عشر دقائق يؤذن المؤذن ويصلون صلاةً، هذا شيءٌ عظيمٌ.

لعلو شأنها فرضها خمسين صلاةً فريضةً على هذه الأمة، وامتثل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، ورجع إلى موسى في السماء السادسة، فسأله: ما فَرَضَ ربُّك عليك؟ قال : خمسين صلاةً في اليوم والليلة، قال: إن أُمَّتَك لا تُطيق ذلك، وقد جرَّبت بني إسرائيل، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فرجع إلى الله فسأله، فحطَّ عنه خمسةً، فما زال بين الله وبين موسى ؛ كلما أتى موسى قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، حتى قال : فرض عليَّ خمس صلواتٍ في اليوم والليلة، أو كما قال النبي عليه الصلاة السلام، فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال : قد واللهِ استحييتُ من ربي. مراتٍ يُراجع ربه في التخفيف، فأمر الله تعالى مناديًا: أني قد أمضيتُ فريضتي، وخفَّفتُ عن عبادي، وشرع الله تعالى هذه الصلاة، فهي خمسون في الميزان، وخمسٌ في العمل، فمن حافظ على الصلوات الخمس كانت خمسين في موازين حسناته يوم يلقى ربه[10]رواه البخاري: 349، 3207، 3342، 7517، ومسلم: 162، 163، بلفظ قريب..

هذا من فضل الله، وهذا يدل على علو مكانة الصلاة، وأن الله فرضها فوق سبع سماواتٍ مباشرةً. خاطب الله تعالى النبيَّ عليه الصلاة والسلام؛ فهو كليم الله، كما أنَّ موسى عليه الصلاة والسلام هو كليم الله، صلوات الله وسلامه عليهما، وعلى أنبيائه أجمعين.

أن الله ​​​​​​​ افتتح أعمال المُفلحين بها

من علو شأنها، ومما يدل على عِظَم منزلتها: أن الله ​​​​​​​ افتتح أعمال المُفلحين بها، واختتمها بها، فقال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1]، أي: فازوا في الدنيا والآخرة، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2]، إلى أن أكمل صفات المؤمنين فقال: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ۝ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ [المؤمنون:9- 10]. فالله افتتح أعمال المُفلحين بها، واختتمها بها، وهذا يدل على علو مكانتها وعلو شأنها.

ومن ذلكم: أن الله تعالى أمر النبي صلوات الله وسلامه عليه وأتباعه أن يأمروا بها أهليهم، كما قال الله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132]. قال النبي عليه الصلاة والسلام: مُرُوا أولادَكم بالصلاة وهم أبناءُ سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناءُ عشر سنين، وفرِّقوا بينهم في المضاجع[11]رواه أبو داود: 495، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 509.. فالله تعالى أمر النبيَّ عليه الصلاة والسلام أن يأمر بها أهله، وأمر المسلمين أن يأمروا بها كذلك أهليهم، وهذا يدل على علو شأنها، وعلى علو منزلتها.

أن النائم والناسي أُمِرا بقضائها

وكذلك من علو شأنها ومكانتها: أنَّ النائم والناسيَ أُمِرا بقضائها. لو نسي أو نام فإنه لا تسقط عنه هذه الصلاة، بل يصليها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث: مَن نسيَ صلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرها، لا كفارةَ لها إلا ذلك...[12]رواه البخاري: 597، ومسلم: 684.، وفي رواية: مَن نسيَ صلاةً أو نام عنها، فكفَّارتُها أن يُصَلِّيَها إذا ذَكَرها[13]رواه مسلم: 684.. فإذا نام عنها أو نسيها صلَّاها في أي وقتٍ كان، نسي صلاة الظهر مثلًا، لم يُصلِّها وصلى العصر، وبعد العصر ذكر أنه شُغل عن الصلاة، فإنه يصليها، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. فإن نام عنها يصليها، لا كفارة لها إلا ذلك. هذا يدل على علو مكانتها.

ومما يدل على علو مكانتها: أن المُغمَى عليه أُمر بقضائها، وقد ثبت ذلكم عن الصحابة ، فإذا أُغمِيَ عليه وفُقد عقله ثلاثة أيامٍ فأقل، فإنه يصلي الصلاة. أما إذا كان أكثر من ثلاثة أيامٍ، فذكر العلماء أنه يُلحَق بالمجنون والمعتوه فلا يقضي. وأما الذي يُغمَى عليه ثلاثة أيام فأقل، فإنه يُلحَق بالنائم فيقضيها. هذا يستفيد منه مَن أُغمِيَ عليه في الحوادث، وهي كثيرةٌ -نسأل الله لنا ولكم العفو والعافية-، أو في المستشفى، أو غير ذلك؛ فإذا كان ثلاثة أيامٍ فأقل فإنه يقضيها، أما إذا كانت أكثر من ثلاثة أيامٍ، فإنه يُلحَق بالمجنون والمعتوه، ولا يقضيها، والحمد لله تعالى.

ومما يدل على أهميتها: أنها لا تسقط بأي حال من الأحوال، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

خصائص الصلاة

والصلاة لها خصائصُ، ما دامت بهذه المكانة فلها خصائصُ؛ ومن خصائصها:

أنَّ الله ​​​​​​​ سمَّاها إيمانًا

أنَّ الله ​​​​​​​ سمَّاها إيمانًا: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143]، حينما صلى النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة إلى بيت المقدس، فأمره الله تعالى أن يتجه إلى البيت الحرام (الكعبة)، فقال بعض الناس: أُبطلت صلاتهم، فسمَّاها الله إيمانًا: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143]، وهي إيمانٌ لأنها تدل على إيمان من قام بها وصلَّاها، وتدل على صدقه مع الله تبارك وتعالى.

خصَّها ​​​​​​​ بالذكر تمييزًا لها من بين سائر العبادات

وخصَّها ​​​​​​​ بالذكر تمييزًا لها من بين سائر العبادات، كما قال الله تعالى عن الأنبياء أو بعض الأنبياء: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ [الأنبياء:73]؛ فالصلاة تدخل في فعل الخيرات، لكن لأهميتها ذكرها الله تعالى وخصَّها.

والله تعالى أمر بأن يُتلى القرآن الكريم، فالله تعالى خصَّها بالذكر، اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ [العنكبوت:45]، التلاوة هنا -والله أعلم- هي العمل بالقرآن، والأمر بالعمل بالقرآن تلاوةً وعملًا، فخصَّ الله تعالى الصلاة بذلك: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45].

أنها قُرنت في القرآن الكريم بعباداتٍ أخرى كثيرة

ومما يدل على مكانتها: أنَّ من خصائصها أنها قُرنت في القرآن الكريم بعباداتٍ كثيرة: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]. فقد قُرنت بعباداتٍ كثيرةٍ، وهذا يدل على أهميتها.

كذلك من خصائصها: أنَّ الله تعالى أمره  أن يصطبر عليها، فقال: وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا [طه:132]، وهو قد أمر تبارك وتعالى بالاصطبار على عبادته فقال: وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ [مريم:65]، ولكنه خصَّ الصلاة فقال: وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132]. فقد أمر بالاصطبار على جميع العبادات، لكن خصَّها بالذكر لعلو شأنها ولمكانتها.

كذلك من خصائصها عن غيرها: أن الله تعالى لم يَعذُر فيها النائم، ولا الناسي، ولا المريض، ولا غيره؛ بل يصلي ما دام عقله ثابتًا. صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ[14]رواه البخاري: 1117.، فإن لم تستطع فمُستلقيًا، حتى لو كان مستلقيًا. ومنهم من قال إنه يُحرِّك عينيه، لكن هذا يحتاج إلى دليل. صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ[15]سبق تخريجه، فإن لم تستطع فمُستلقيًا. لا تسقط عنه ما دام عقله ثابتًا، حتى لو لم يستطع أن يتحرك وعقله ثابتٌ يصلي بقلبه، يركع ويكبِّر ويركع، ما دام عقله معه يصلي.

وهذا يدل على أنَّ كثيرًا من الناس المرضى في المستشفيات يتركون هذا الركن العظيم، فيقول أحدهم إنه لا يستطيع أن يصلي، ولا يستطيع أن يستقبل القبلة، ولا يستطيع أن يتطهر، ولا يستطيع أن يتكلم ويقرأ الفاتحة. لا، لا تسقط عنه ما دام عقله ثابتًا، يصلي على حسب حاله، مُستقبِلَ القبلة إن استطاع، وإن لم يستطع فلا حرج. يتطهر إن استطاع، يتيمم إن استطاع، فإن لم يستطع فلا حرج، وهكذا، يصلي ما دام عقله ثابتًا. وهذا من خصائصها، أنها لا تسقط عن الإنسان بأي حالٍ من الأحوال ما دام عقله معه.

وكذلك من خصائصها: أنه استعمل فيها وشرع أن تُعمَل بجميع الجوارح والأعضاء، فالقلب واللسان والجوارح لا بُدَّ أن يُحضرها في الصلاة؛ لتقوم بأركانٍ وواجباتٍ وسُننٍ، واللسان كذلك، أركانٌ وواجباتٌ وسننٌ تُقال باللسان في الصلاة، والقلب لا بُدَّ من حضوره في صلاته وإقباله على ربه ، وهذا من خصائص الصلاة.

وقد لا تُقبَل الصلاة إن خرج القلب -نسأل الله العافية-، أو كَثُرت الحركات في الصلاة المتوالية؛ ولهذا ثَبَتَ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: إنَّ الرجل لَينصرفُ، وما كُتِبَ إلا عُشرُ صلاته، تُسعُها، ثُمنُها، سُبعُها، سُدسُها، خُمسُها، رُبعُها، ثُلثُها، نِصفُها[16]رواه أبو داود: 796، والنسائي في "السنن الكبرى": 615، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 537.، ينصرف على حسب ما حضر قلبه في صلاته، نسأل الله العافية!

وقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: إنَّ الرجل لَيُصَلِّي ستين سنةً ما تُقبَلُ له صلاةٌ؛ لعله يُتِمُّ الركوع ولا يُتِمُّ السجود، ويُتِمُّ السجود ولا يُتِمُّ الركوع[17]رواه ابن أبي شيبة: 2992، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 529.، أي: ينقرها. هذا يدل على أنَّ القلب لا بُدَّ منه في الصلاة؛ ولهذا قال حذيفة حين رأى رجلًا لا يكمل صلاته ولا ركوعه ولا سجوده، قال: "منذ كم هذه صلاتُك؟"، قال: منذ أربعين سنة، قال: "ما صلَّيتَ منذ أربعين سنةً..."[18]رواه أحمد في "المسند": 23258، وصحَّحه محققو "المسند".؛ لأنه يتحرك في صلاته، ولا يخشع في صلاته. وهذا خطرٌ عظيمٌ، الصلاة من خصائصها: استعمال جميع الجوارح؛ القلب واللسان والجوارح، وليس ذلك لغيرها من العبادات.

كذلك نُهي الإنسان أن يشتغل فيها بغيرها، حتى اللفظة والخَطْرة، وخصائصها كثيرةٌ لا يتسع المقام لذكرها، لكن هذا منها.

حكم تارك الصلاة

ومما يدل على أهميتها ومكانتها في الإسلام: أنَّ مَن تَرَكها يكون كافرا مُرتدًّا عن دين الله تعالى، على الصحيح من أقوال أهل العلم. فالعلماء أجمعوا قاطبةً على أنَّ مَن ترك الصلاة جاحدًا لوجوبها، فإنه يكون كافرًا عند جميع العلماء، أما من تركها مُتعمدًا مُقِرًّا بوجوبها، لكن تركها كسلًا وتهاونًا وانشغل عنها، فهو يكون كافرًا على القول الصحيح من أقوال أهل العلم بأدلته من الكتاب والسُّنَّة، كما قال الله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ۝ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم:42- 43].

وقد ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ الله يكشف عن ساقه يوم القيامة، وهذا كصفاته، له ساقٌ تليق بجلاله ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، وليست كسُوق البشر، بل ساقه تختص به، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، تليق بجلاله . الساق معلومةٌ، والكيف مجهولٌ، والإيمان بها واجبٌ، والسؤال عن الكيفية بدعةٌ. فيَكشف عن ساقه، فيخرُّ له كل مؤمنٍ بالله تعالى به ساجدًا، إلا المنافقين، لا يستطيعون أن يسجدوا، بل تبقى ظهورهم طَبَقًا واحدًا[19]رواه البخاري: 7439.، وكذلك الذين لا يُصلون؛ لأن الله تعالى قال: وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ۝ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم:42- 43].

هذا يدل على كفره، واستدل بهذا الدليل شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى، فهو من الأدلة التي تدل على كفره؛ لأنه لو كان مسلمًا لسجد مع المسلمين، فيبقى ظهره طَبَقًا لا يسجد مع المسلمين.

كذلك مما يدل على كفره: أنَّ الله تعالى قال: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ۝ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ۝ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ۝ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ۝ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ۝ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:38- 43]، فبدؤوا بالصلاة. وقد ذُكر في آخر الآية أنهم كانوا يكذِّبون بيوم الدين، فدلَّ ذلكم على أنَّ مَن ترك الصلاة يكون مع مَن يُكذِّب بيوم الدين، نسأل الله العفو والعافية!

والله تعالى قال: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5]، قال: هذا يدل على أنَّ مَن لم يُصَلِّ فإنه لا يُخلَّى سبيله. فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11]، يدل على أنَّ مَن لم يُصَلِّ ليس من إخواننا في الدين.

وكذلك ما ثَبَتَ في "صحيح مسلم": عن جابر أنه قال: بينَ الرَّجُل وبينَ الشِّرْكِ والكُفرِ تركُ الصلاة[20]رواه مسلم: 82.، هذا الفرق. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن "ال" هنا هي الكفر الأكبر، فقرَّر رحمه الله تعالى أن "ال" التعريفية إذا دخلت على الكفر فهو الأكبر؛ فقوله عليه الصلاة والسلام: بين الرجل وبين الشرك والكفر. إذن ما دام قال: والكفر، قال: هو ترك الصلاة. وذكر أكثر من اثني عشر دليلًا على أنَّ مَن ترك الصلاة يكون كافرًا كفرًا أكبر.

بل قال النبي عليه الصلاة والسلام: العهدُ الذي بينَنا وبينَهم الصلاةُ، فمَن تَرَكها فقد كَفَرَ[21]رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وابن ماجه: 1079، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 564.، رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه.

وعن عبدالله بن شَقيقٍ قال: «كان أصحابُ محمدٍ لا يرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ غيرَ الصلاة»[22]رواه الترمذي: 2622، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 565.، يعني: لو ترك الزكاة، لو ترك الصيام، لو ترك الحج، وهو يُقِرُّ بوجوبه لكنه أخطأ؛ فيرى الصحابة إجماعًا كما ذكر ابن القيم -وأنا لا أنقل الإجماع عن نفسي ولا عن غيري، بل أنقله عن ابن القيم رحمه الله تعالى بلفظه- قال: حكى إجماعَ الصحابة على كفر تارك الصلاة غيرُ واحدٍ من أهل العلم، ذكره في كتابه "الصلاة" رحمه الله تعالى، وأورد اثنين وعشرين دليلًا على كفر تارك الصلاة الكفرَ الأكبر، فقال رحمه الله تعالى بعد ذلك: "وقد دلَّ على كُفر تارك الصلاة الكتابُ والسنةُ وإجماعُ الصحابة".

هذا كلام ابن القيم رحمه الله تعالى، فمَن كان عنده من المستمعين الحاضرين أو غيرهم شكٌّ في ذلك فليراجع كتابه، وهو علَّامةٌ رحمه الله تعالى، أعطاه تعالى من العلم ما هو به عليمٌ .

ومما يدل على علو مكانتها وعلو منزلتها: ما ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام في فضلها من الأحاديث العظيمة التي بيَّنها صلوات الله وسلامه عليه، بل بيَّنها ربُّنا تبارك وتعالى كذلك، فالله تعالى قال: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45]، إذَن، ما دامت تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا يدل على فضلها وعلى علو شأنها. وذكر العلماء رحمهم الله تعالى... بل الذي يظهر من الآية أنَّ مَن أقام الصلاة بشروطها التسعة، وأركانها الأربعة عشر، وواجباتها الثمانية، وسُنَنها كذلك، وما يُستحب فيها، وما يُكرَه يتركه، إذا قام بذلك كله؛ فإنها تنهاه عن الفحشاء والمنكر.

فإذا رأيت الرجل يصلي في الصف الأول أو الثاني، ويحافظ على الصلوات الخمس؛ فعليك أن تشهد له بالإيمان، ولو كان عنده بعض المعاصي؛ فهذه المعاصي التي عنده يدل الدليل لهذه الآية المستنبط منها -والله تعالى أعلم- أن صلاته ليست بكاملةٍ بل فيها نقصٌ؛ إذ لو كانت كاملةً بشروطها وأركانها وواجباتها وسُننها، لنهتْه عن الفحشاء والمنكر.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: فصَلِّ صلاةَ مُودِّعٍ[23]رواه ابن ماجه: 4171، وأحمد في "المسند": 23498، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 742.، صلاة المودِّع: يصلي كأنه يصلي صلاة من يعتقد أو من يظن أنه لا يصلي صلاةً أخرى غيرها. هل يخرج من هذه الصلاة ويذهب إلى الأماكن المُحرَّمة ويعمل المُحرَّمات؟ هل يذهب من هذه الصلاة التي خشع فيها وكان يصلي فيها بقلبه وقالبه، ثم يذهب ويعمل معصيةً من المعاصي؟ هل يُسبل إزاره، ويحلق لحيته، ويعمل عملًا مُحرَّمًا، ويزني، ويستمع الغناء؟ لا، صلَّى صلاة مُودِّعٍ، وهذا يدل على أنَّ مَن صلى الصلاة بأركانها، وأتمَّ شروطها وأركانها وواجباتها وسُننها، فإنها تنهاه عن الفحشاء والمنكر، وهذا يدل على علو مكانتها.

ومما يدل على علو مكانتها: أنها أفضل الأعمال بعد الشهادتين؛ ولهذا في حديث ابن مسعودٍ قال: سألتُ رسولَ الله : أيُّ العمل أفضل؟ قال : الصلاةُ لوقتها[24]رواه البخاري: 7534، ومسلم: 85.، إذَن هذا أفضل الأعمال.

ومما يدل على علو مكانتها: أنها تغسل الخطايا غسلًا، مَثَلُ الصلوات الخمس كمَثَلِ نهرٍ جارٍ غَمْرٍ على باب أحدكم، يغتسل منه كلَّ يوم خمسَ مراتٍ[25]رواه مسلم: 668.، وفي رواية: ... هل يبقى من دَرَنِه شيءٌ؟ قالوا: لا يبقى من دَرَنِه شيءٌ. قال : فذلك مَثَلُ الصلوات الخمس...[26]رواه مسلم: 667.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على علو مكانتها في الإسلام.

وكذلك تُكفِّر السيئات والخطايا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: الصلواتُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ؛ مُكفِّراتٌ ما بينهنَّ، إذا اجتنبَ الكبائر[27]رواه مسلم: 233.، هذه تُكفِّر الخطايا والسيئات، وهذا من فضلها، ومن فضل الله تعالى على عباده أن وفَّقهم لهذه الصلاة.

وهي نورٌ لصاحبها في الدنيا والآخرة، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه ، وحثَّهم على ذلك، وقال  : مَن حافَظَ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومَن لم يُحافِظْ عليها لم يكن له نورٌ ولا برهانٌ ولا نجاةٌ، وكان يومَ القيامةِ مع قارونَ وفرعونَ وهامانَ وأُبَيِّ بنِ خَلَفٍ[28]رواه أحمد في "المسند": 6576، وابن حبَّان في "صحيحه": 1467، وحسَّنه محققو "المسند".، رواه الإمام أحمد وغيره.

وذكر العلماء رحمهم الله تعالى -ومنهم شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمة الله تعالى عليه- أنَّ تارك الصلاة إنْ تركها لأجل مُلكِه حُشِر مع فرعون، وإن تركها لأجل الوزارة -وزارته- فإنه يُحشَر مع هامان، وإن تركها وضيَّعها لأجل أمواله حُشر مع قارون، وإن تركها لأجل المعاملات مع الناس والأخذ والعطاء والتجارات حُشِر مع أُبَيِّ بن خلف، على حسب حاله. فإذا كان السبب من هذه الأسباب يُحشَر مع هؤلاء الكفرة، وهذا يدل على علو شأن هذه الصلاة.

الصلاة من أسباب دخول الجنة

كذلك هي من أسباب دخول الجنة، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام قد ثَبَتَ عنه أنه شهد لمَن حافظ على خمس صلواتٍ بالجنة عليه الصلاة والسلام؛ فقد شهد لمَن صلى الصلاة حتى النوافل، فثَبَتَ أن ربيعةَ بن كعبٍ الأسلمي كان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام في ليلةٍ من الليالي، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يُكافئه عليه الصلاة والسلام آخر الليل، فقال : سل، يعني: اطلب مني، ماذا تريد؟ تصوَّر لو كان إنسانٌ يسأل مَلِكًا من الملوك، أو تاجرًا من التجار الذين أعطاهم الله تعالى الأموال الطائلة، التي ربما بعضهم يُقال بأنه أغنى الناس في البلاد أو في الكرة الأرضية، لو قال لبعض الناس: "سل يا فلان"، ماذا يسأل؟

فالنبي عليه الصلاة والسلام يملك ويستطيع أن يُعطيه أو يُقطِعه أرضًا أو غير ذلك. قال : سل، ما كان يتصور عليه الصلاة والسلام أنه يسأل شيئًا عظيمًا، فقال : «أسألك مرافقتك في الجنة»، ترقَّى وترك كل ما يهواه إلى هذه الدرجة العظيمة؛ مرافقة النبي عليه الصلاة والسلام. فقال : أو غيرَ ذلك؟ قال: هو ذاك، يعني: ما أريد إلا هذا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: فأَعِنِّي على نفسك بكثرة السُّجُود[29]رواه مسلم: 489.، وقال : لا تَسجُدُ لله سجدةً إلا رفعك اللهُ بها درجةً...[30]رواه مسلم: 488.. هذا يدل على علو هذه الصلاة وعلو مكانتها وشأنها في الإسلام.

كذلك مما يدل على علو شأنها ومكانتها: أنها تُعَدُّ ضيافةً لمن غدا إليها أو راح، كما ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن غدا إلى المسجد أو راح...، الغُدُوُّ في الصباح، والرَّوَاح في العَشِيِّ. مَن غَدَا إلى المسجد أو راحَ، أعدَّ اللهُ له في الجنة نُزُلًا كلما غَدَا أو راحَ[31]رواه البخاري: 662، ومسلم: 669.، يعني: الذهاب بضيافة في الجنة من الله الكريم الأكرم، والرجوع كذلك إلى بيته بضيافة في الجنة من الله ​​​​​​​ إعدادًا. مَن غَدَا إلى المسجد أو راحَ، أعدَّ اللهُ له في الجنة نُزُلًا كلما غَدَا أو راحَ، اللهم صلِّ وسلِّم عليه.

وانتظارُها رِباطٌ في سبيل الله: ألَا أَدُلُّكم على ما يمحو اللهُ به الخطايا ويرفعُ به الدرجاتِ؟ قالوا: بلى يا رسولَ الله. قال : إسباغُ الوضوءِ على المكاره، وكثرةُ الخُطَى إلى المساجد، وانتظارُ الصلاةِ بعدَ الصلاة؛ فَذَلِكُم الرِّبَاطُ[32]رواه مسلم: 251.. هذا فضلٌ عظيمٌ يدل على علو مكانة الصلاة.

من علو مكانتها في الإسلام: أنَّ الملائكة تُصلي على صاحبها ما دام في مُصَلَّاه، أنت في مُصلًّى تأتي إلى المسجد وتجلس، تصلي عليك الملائكة. والصلاة من الملائكة: الدعاء "اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه"، ما دام في مُصَلَّاه. الصلاة من الله: الثناء على عباده، أنت إذا قلتَ: اللهم صلِّ على محمدٍ، فالمعنى: اللهم أثنِ عليه في الملأ الأعلى. صلاة الملائكة هي الدعاء والاستغفار، إذَن تُصلِّي عليه: "اللهم اغفر له، اللهم تب عليه"، ما لم يُؤذِ، وما لم يُحدِث، فإذا آذى أو تكلَّم أو سبَّ أو أحدثَ توقفت الملائكة عن هذا العمل المبارك[33]رواه البخاري: 659، 2119، ومسلم: 649، بلفظ قريب..

مما يدل على مكانتها: أنَّ الإنسان إذا تطهَّر في بيته فهو في صلاةٍ حتى يرجع. وهذا من فوائد الوضوء في البيت، الوضوء في المسجد لا بأس به، لكن لو توضأ في بيته ثم ذهب إلى المسجد، فهو في صلاةٍ حتى يرجع، وما يخطو خُطوة إلا كُتب له حسنةٌ، ورُفع بها درجةً، وحُطَّ عنه خطيئةٌ[34]رواه مسلم: 654.، ثلاثة أشياءَ؛ الخطوة بثلاثة أمورٍ: يُحَطُّ عنه خطيئةٌ، ويُكتَب له حسنةٌ، ويُرفَع درجةً، وهو في صلاته؛ ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن التشبيك في الصلاة[35]رواه أبو داود: 562، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 571.، وذكر العلماء أنه إذا كان في طريقه من البيت إلى المسجد، فلا يُشبِّك بين أصابعه، فإنه في صلاةٍ. هذا يدل على علو مكانة الصلاة، وأن شأنها عظيم.

كذلك من علو شأنها ومكانتها في الإسلام: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام بشَّر المشَّائين إليها بالنور التام يوم القيامة، فقال: بَشِّر المشَّائينَ في الظُّلَمِ إلى المساجدِ بالنورِ التامِّ يومَ القيامة[36]رواه أبو داود: 561، والترمذي: 223، وابن ماجه: 781، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 315.، للمشَّائين في الظُّلَم نورٌ تامٌّ يوم القيامة؛ لا شمس، لا قمر، لا نجوم، طُمست الشمس، وظلماتٌ على الصراط، ولكن يبقى نور الإيمان، ونور العمل الصالح. ولهذا فالمشَّاؤون إلى المساجد في الظُّلَم يُبَشِّرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالنور التام يوم القيامة.

والمشي إليها تُرفَع به الدرجات كما سمعتم، وتُكتَب به الحسنات، وتُحَطَّ به الخطايا، لحديث عبدالله بن مسعودٍ قال: "وما مِن رجلٍ يتطهَّر فيُحسِن الطُّهُورَ، ثم يَعمِدُ إلى مسجدٍ من هذه المساجد، إلا كتبَ اللهُ له بكل خُطوةٍ يخطوها حسنةً، ويرفعه بها درجةً، ويحطُّ عنه بها سيئةً"[37]رواه مسلم: 654.، هذا من فضل الله تعالى على عباده.

حكم صلاة الجماعة

من علو مكانتها في الإسلام: أنَّ الله تعالى أمر بها مع جماعة المسلمين في بيوت الله تعالى، للذكور العاقلين القادرين الذين يستطيعون أن يذهبوا إلى المساجد وليس عندهم عذرٌ، فالنبي صلوات الله وسلامه عليه أوجب ذلك على هؤلاء وجوبًا مؤكدًا لا شكَّ فيه، ومَن قال بأن الصلاة لا تجب على الناس في المساجد، فقد خالف كلام الله تعالى الذي يقول: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]. وثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: من سمع النداء فلم يأتِه فلا صلاةَ له، إلا مِن عُذر[38]رواه ابن ماجه: 793، والحاكم في "المستدرك": 812، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6300..

وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في هذا، فاختار ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى أنَّ مَن لم يُصَلِّ مع الجماعة فلا صلاة له، ولو صلَّى في بيته، وذكروا أنَّ هذا شرطٌ لصحة الصلاة، وجمعٌ من العلماء، وهو الصواب -إن شاء الله تعالى- الذي حققه المحقِّقون؛ أنَّ مَن صلاها في بيته فصلاته ناقصةٌ غير تامةٍ، وهو آثمٌ عند الله تعالى، ويستحق العقوبة من الله في الدنيا وفي الآخرة، فإنْ عاقبه فهو على ذلك قديرٌ، وإن عفا عنه فهو الغفور الرحيم، ومن تاب تاب الله عليه.

فالصواب: أنَّ ترك صلاة الجماعة جريمةٌ عظيمةٌ وذنبٌ عظيمٌ، ومخالَفةٌ لكلام الله تعالى، وكلام النبي صلوات الله وسلامه عليه الذي قال عليه الصلاة والسلام: لقد هممتُ أنْ آمُرَ رجلًا يُصلِّي بالناس، ثم أُخالِفَ إلى رجالٍ يتخلَّفون عنها، فآمُرَ بِهِم، فيُحرِّقوا عليهم بِحُزَم الحَطَب بيوتَهم...[39]رواه البخاري: 644، ومسلم: 651.، همَّ عليه الصلاة والسلام بأن يُحرِّق عليهم البيوت بالنار.

ولم يُرخِّص  للأعمى؛ فقد جاءت فيها أحاديثُ، منها: حديث عبدالله بن أم مكتومٍ ، وحديثٌ آخر، مجموع ما في الحديثين: أنَّ الرجل كان أعمى، وكبيرًا في السن، وبعيدَ الدار، والمدينة كثيرة الهَوَامِّ، وليس له قائدٌ يُلائمه، فسأل النبيَّ عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: هل تسمع النداء بالصلاة؟، قال: نعم، قال: فأجِبْ[40]رواه مسلم: 653.. أعمى، بعيد الدار، كبير السن، ليس له قائدٌ يُلائمه، والمدينة كثيرة الهَوَامِّ، وكثيرة النخل؛ ومع ذلك لم يأذن له النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وكذلك في الجهاد في سبيل الله تعالى، أمر الله تعالى المجاهدين -كما في سورة النساء- أن يصلوا جماعةً، صلاة الخوف. وهذا يدل على أنَّ الله تعالى لم يُسقط الفريضة، ولم يُسقط صلاة الجماعة، حتى على المجاهدين في سبيل الله تعالى.

خطورة ترك صلاة الجماعة

وثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ما مِن ثلاثةٍ في قريةٍ ولا بَدْوٍ لا تُقام فيهم الصلاةُ... -أي: جماعة- إلا قد استحوذَ عليهم الشيطان...[41]رواه أبو داود: 547، والنسائي: 847، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 427.. وهذا يدل على عِظَم شأنها، ولا شكَّ أنَّ المسلم عليه أن يعلم أنَّه يجب عليه أن يُصلي مع جماعة المسلمين.

ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أحاديثُ تدل على أنه إذا لم يُصَلِّ الصلاة مع الجماعة فهو من المنافقين، لا شكَّ في ذلك، ومن هذا ما ثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال صلوات الله وسلامه عليه: لَيَنْتَهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهِم الجماعات، أو لَيَخْتِمَنَّ اللهُ على قلوبهم، ثم لَيَكُونُنَّ من الغافلين[42]رواه ابن ماجه: 794، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 725.، رواه ابن ماجه رحمه الله تعالى، والحديث أخرجه مسلمٌ، لكنه بلفظ: الجُمُعات[43]رواه مسلم: 865.، أما لفظ ابن ماجه فهو: الجماعات. وهذا يدل على أنه يُخشى على مَن ترك الجماعة مع جماعة المسلمين أن يختم الله تعالى على قلبه، والعياذ بالله تعالى!

وثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان صلوات الله وسلامه عليه يسأل عن الناس في المسجد، فيقول عليه الصلاة والسلام: أشاهدٌ فلانٌ؟، يسأل: هل حضر فلانٌ في صلاة الجماعة؟ أشاهدٌ فلانٌ؟، قالوا: لا. قال : إنَّ هاتين الصلاتين أثقلُ الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حَبْوًا على الرُّكَب. وإنَّ الصفَّ الأول على مِثل صفِّ الملائكة، ولو علمتُم ما فضيلته لابتدرتُموه. وإنَّ صلاةَ الرجل مع الرَّجُل أزكى من صلاتِه وحدَه، وصلاتَه مع الرَّجُلين أزكى من صلاتِه مع الرَّجُل، وما كثُر فهو أحبُّ إلى الله [44]رواه أبو داود: 554، وأحمد في "المسند": 21265، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 411..

وثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام في الأحاديث التي حذَّر فيها من المنافقين: أنه بيَّن صلوات الله وسلامه عليه أنَّ للمنافقين علاماتٍ يُعرَفون بها؛ فعن أبي هريرة ، عن النبي صلوات الله وسلامه عليه قال: إنَّ للمنافقين علاماتٍ يُعرَفون بها: تحيتُهم لعنةٌ...، بعض الناس إذا قابله يلعنه، والآخر يلعنه، هذه من علامات المنافقين، فبدلًا من أن يقول: "السلام عليكم ورحمة الله"، يلعنه، والعياذ بالله!- وطعامُهم نُهْبَةٌ، وغنيمتهم غُلولٌ، ولا يَقْرَبون المساجدَ إلا هَجْرًا...، يهجرون المساجد، ولا يأتون الصلاةَ إلا دَبْرًا...، أي: يأتون إذا سلَّم الإمام، أو إذا لم يبقَ عليه إلا ركعةٌ، وإذا هم يقضون دائمًا دائمًا، مستكبرين، لا يألفون ولا يُؤلَفون، خُشُبٌ بالليل...، بالليل مثل الخشب، صُخُبٌ بالنهار[45]رواه أحمد في "المسند": 7926، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 2702.، بالنهار أصواتهم عاليةٌ في المزادات والإعلانات والحَرَاج كما يُقال.

وقال عبدالله بن عُمَرَ رضي الله عنهما: «كنا إذا فقدنا الرجلَ في الفجر والعشاء أسأْنا به الظنَّ»، وفي روايةٍ عنه قال: «كنَّا إذا فقدنا الرجلَ من صَرَّة الغَدَاة أسَأْنا به الظنَّ».

ولا شكَّ أن الإنسان ينبغي له أن يعلم بأنَّ صلاة الجماعة واجبةٌ وجوبَ فرض عينٍ على القادرين الذين لا عذر لهم، وهذا في هذا أحاديثَ كثيرةٍ.

وما سمعنا نسأل الله تعالى أن ينفعنا جميعًا به، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الأسئلة

المُقدِّم:

بسم الله، شكر الله لفضيلة شيخنا هذا البيان الشافي حول أهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام، ونسأل الله جلَّ وعلا أن ينفعنا بما سمعنا وما قال الشيخ، ويجعله في ميزان حسناته.

هناك بعض التساؤلات حول الصلاة وأهميتها، أول هذه الأسئلة:

س: يقول: يا شيخ، بعض الشباب يُفرِّط وينام عن الصلاة ويعتذر بالنوم، فما نصيحتكم لأولئك الشباب، لا سيَّما في صلاة الفجر وصلاة العصر؟

ج: الإنسان لا يُلام على النوم، لكنه يُلام على ترك الأسباب التي تُعينه على الصلاة، فالنائم إذا أراد أن ينام يعمل بالأسباب، إما أن يُوقِّت مُنبِّهًا يُنبِّهه، أو الجيران أو الزملاء يُنبِّهونه للصلاة، كما يُنبِّههم أن يُوقظوه للعمل أو للدراسة أو غير ذلك.

ومما يدل على أنَّ مَن عمل بالأسباب يصلي مع الجماعة: أنه سُئل وأنا أسمع، بل أنا الذي سألته: كيف تصلي صلاة الفجر؟ الصم البكم، لا يسمع ولا يتكلم، أصم أبكم، فسُئل: كيف يصلي؟ كيف يسمع؟ فأشار إليه المترجم بالإشارة، قلت له: كيف تصلي مع الجماعة؟ قال: صلاة الفجر أربط حبلًا في رجلي، ثم أُدَلِّيه من النافذة، وقد اتفقت مع زميلي أو جاري إذا مرَّ أن يأخذ هذا الحبل ويجرَّه. الله أكبر! انظر، يربط في رجله حبلًا لأجل أن يوقظه لصلاة الفجر، وأنت أعطاك الله السمع والبصر والكلام، ومع ذلك يحصل هذا التقصير؟!

فالذي يرغب في شيءٍ يَجِدُّ في طلبه، فعليك -يا عبدَالله- أن تأخذ بالأسباب، إذا كان قلبك فيه حركةٌ. وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ النائم مرفوعٌ عنه القلم حتى يستيقظ[46]رواه أبو داود: 4401، والنسائي في "السنن الكبرى": 7303، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 3512.. لا، اعمل بالأسباب، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2].

س: بعض الناس يجادل في الجماعات، فيكون هناك جماعاتٌ في المسجد خلاف الجماعة الأولى مع الإمام، فهل الجماعة الثانية والثالثة والرابعة هي جماعةٌ؟

ج: نعم، ما يدل على ذلك: الجماعة الأولى أفضل لا شكَّ في ذلك، إلا لإنسانٍ يكون معذورًا، حصل له تأخيرٌ. ومما يدل على أنَّ الصلاة الثانية التي يصليها الإنسان حين يأتي متأخرًا فيصلي مع الجماعة: أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلًا يصلي في المسجد، فقال لبعض الصحابة: ألَا رجلٌ يتصدَّق على هذا، فيُصلِّيَ معه؟[47]رواه أبو داود: 574، وأحمد في "المسند": 11613، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2652.، فقام رجلٌ وصلَّى معه. وهذا يدل على أنَّ في صلاة الجماعة صدقةً.

لكن الإنسان لا يتأخر دائمًا، فبعض الناس دائمًا يصلي مع الجماعة الثانية، وهذا خطأٌ، هذا تقصيرٌ، هذا نقصٌ في الدين إذا كان متعمدًا، بل بعضهم ظاهره الصلاح؛ ولهذا يراه الناس بظاهره فيُقدِّمونه إمامًا، فيكون إمامًا للمتأخرين في رمضان في صلاة المغرب، ويكون إمامًا للمتأخرين في الصلوات الأخرى؛ لأن شكله وظاهره الصلاح، لكن يُخشى عليه أن يكون باطنه فيه خللٌ، فالإنسان يحافظ على صلاة الجماعة، لكن لو شُغِلَ عنها أو تأخَّر عنها أو انشغل، فإنه يصلي صلاة الجماعة في المسجد، ولا يصلِّي في بيته.

س: وهذا سائلٌ يسأل يقول: بعض النساء يؤخِّرن الصلاة عن وقتها، أو حتى يخرج الوقت؛ إما لانشغالها بأبنائها، وإما لتجهيزهم للمدرسة الفجر، وإما بإصلاح الطعام، وقد تصلي لكن بعد خروج الوقت؛ فما الحكم؟

ج: ما يجوز لأحدٍ أن يؤخِّر الصلاة عن وقتها، فالله تعالى بيَّن أنَّ الصلاة كانت على المؤمن كتابًا موقوتًا، والنبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أوقات الصلوات[48]عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: سُئل رسولُ الله  عن وقت الصلوات، فقال: وقتُ صلاة الفجر ما … Continue reading:

  • صلاة الفجر: من طلوع الفجر الأول إلى شروق الشمس، قبل أن تَشرُق الشمس لا بُدَّ أن تصلي، والأفضل أن تُصلي بغَلَس، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام[49]رواه البخاري: 947..
  • صلاة الظهر: من زوال الشمس عن كبِد السماء إلى جهة الغروب، حتى يصير ظلُّ كل شيءٍ مثلَه.
  • صلاة العصر: من ظلِّ كل شيءٍ مثلَه إلى اصفرار الشمس، ووقت الضرورة إلى غروب الشمس.
  • صلاة المغرب: من غروب الشمس تمامًا إلى غروب الشَّفَق الأحمر.
  • صلاة العشاء: من غروب الشَّفَق الأحمر إلى نصف الليل، فما بعد نصف الليل يكون خارج وقت الصلاة.

فالمرأة عليها أن تتقي الله تعالى، وتصلِّي الصلاة على وقتها، والأفضل في أول وقتها؛ إلا صلاتين: صلاة الظهر عند اشتداد الحر، وصلاة العشاء لها أن تؤخِّرها، لكن تصليها بعد منتصف الليل.

س: سائلٌ يسأل عن قول الله جلَّ وعلا: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ [مريم:59]، ما معنى إضاعة الصلاة؟ هل تركُها بالكلية؟

ج: يدخل فيها هذا وهذا، والله أعلم؛ لظاهر الآية. فسواءً تركها بالكلية أو أضاع شيئًا من أركانها أو أضاع وقتها؛ فقد أضاعها. والخلاصة: أن الإنسان مذمومٌ إذا ضيَّع الصلاة، نسأل الله العافية!

س: هذا سائلٌ يسأل يقول: كيف أخشع وأتلذذ في الصلاة أو بصلاتي؟

ج: بسؤال الله تعالى التوفيق، وبعلمك بأنَّ الله يراك وأنه مُطلعٌ عليك، وأنه لا تخفى عليه خافيةٌ، وبخشيتك من الله أن ينصرف عنك؛ فقد ثَبَتَ في الحديث الصحيح أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: إنَّ أحدكم إذا قام في صلاته فإنما يُناجي ربَّه، أو إن ربَّه بينه وبين قِبلته...[50]رواه البخاري: 405.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

وقد ذكر شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى أن الانصراف يكون على نوعين -نسأل الله العافية-: انصراف الإنسان بالجسد، لا ينصرف فينصرف الله عنه، فإذا انصرف بجسده، التفت أو غير ذلك؛ فهذا انصرافٌ. والانصراف الآخر: انصرافٌ بالقلب، قلبه خارج المسجد، وقلبه يعمل في الدنيا، والله تعالى قِبَل وجهه، فهذا يُخشى أن ينصرف الله عنه، نسأل الله العفو والعافية. فالإنسان يفكر في هذا.

كذلك مما يُحضر القلب في الصلاة: أن يعلم أنه يخاطب الله في صلاته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفَين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قال الله تعالى: حَمِدَني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قال: مجَّدَني عبدي، وقال مرةً: فوَّضَ إليَّ عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل[51]رواه مسلم: 395.، رواه مسلمٌ. فالله يخاطبك، فإذا شعرتَ بذلك حضر قلبُك.

كذلك مما يُعينك على حضور القلب: أن تذكُر أن قيامك في الصلاة بين يدي الله تعالى. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أن للإنسان بين يدي الله تعالى موقفَين: موقف في الدنيا، وموقف في الآخرة، فإذا حسُن وقوفه في الدنيا سهُل عليه الوقوف في الموقف الثاني أمام الله يوم القيامة، وإذا أساء الوقوف في الدنيا صعُب عليه وشقَّ عليه الوقوف أمام الله تعالى يوم القيامة، أو كما قال رحمه الله تعالى، فإذا ذكر الإنسان ذلك...

ثم يسأل الله تعالى أن يُصلح قلبه، يسأل الله أن يجعله من الخاشعين في صلاته، يسأل الله أن يُعيذه من شر الشيطان، يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم قبل قراءة الفاتحة، وحتى لو كان في الصلاة له أن يستعيذ من الشيطان الرجيم، وله أن يتفُل عن يساره إذا لم يكن في المسجد، أو كان في مسجدٍ في مكانٍ ليس فيه أحدٌ، أو في بيته، له أن يتفُل عن يساره ثلاث مراتٍ، كما ورد عن بعض الصحابة  أنه أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: "يا رسولَ الله، إنَّ الشيطان حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يَلبِسُها عليَّ"، فقال رسولُ الله : ذاك شيطانٌ يُقال له خِنْزَب، فإذا أحسستَه فتعوَّذْ بالله منه، واتفُل على يسارك ثلاثًا. قال: "ففعلتُ ذلك، فأذهبَه اللهُ عني"[52]رواه مسلم: 2203.. وهكذا يعمل الإنسان بالأسباب، والتوفيق بيد الله تعالى.

س: وإذا احتاج إلى النفث في الصلاة في الفريضة؟

ج: لا بأس، لكن بصورةٍ لا يؤذي مَن عنده، ولا يُلوِّث المسجد، بصورةٍ سليمة.

س: وهذا سائلٌ يسأل يقول: ما نصيحتكم للآباء الذين يحرصون على استيقاظ أبنائهم للمدرسة ولا يحرصون على استيقاظهم لصلاة الفجر؟

ج: هذا مرضٌ خطيرٌ، معصيةٌ لله تعالى، ولرسوله عليه الصلاة والسلام. الطفل إذا بلغ سبع سنواتٍ كان أمرُه بالصلاة على والده واجبًا، يجب عليك ما يجب عليه، صلاته إذا بلغ سبع سنينَ يكون واجبًا عليك أن تأمره بالصلاة، وتضربه عليها لعشرٍ، فلا تتركه ينام، بل توقظه للصلاة في المسجد، فهذا يتعود.

بعض الإخوان قبل سنين كان من الجيران، قبل خمسٍ وعشرين سنةً أو ثلاثين سنةً تقريبًا، كان من جيراني في مكانٍ ما، وكان عنده ابنٌ بلغ سبع عشرة سنةً، ويشتكي منه يقول: لا يصلي، عصاني ولم يُصَلِّ معي في المسجد. فقلت له: هل أمرتَه بالصلاة لسبعٍ؟ قال: لا والله، ما أمرته بالصلاة لسبعٍ، تركتُه، والآن أريده يصلي. قلت: أنت المُفرِّط، ما درَّبتَه، ما امتثلتَ أمر النبي عليه الصلاة والسلام. أيقِظه، إذا بلغ سبع سنواتٍ، أيقِظه للصلاة، شجِّعه أن يصلي مع جماعة المسلمين، وهكذا حتى إذا بلغ -إن شاء الله- يأتي إلى المسجد قبلك. نسأل الله أن يوفق الجميع، ولا شكَّ أنَّ الله تعالى يقول: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].

على المرءِ أن يسعى إلى الخيرِ جُهْدَهُ وليس عليهِ أن تتمَّ المقاصدُ[53]لم نقف على نسبته إلى قائل. يُنظَر: "درر الفرائد المُستحسنة" لابن عبدالحق العمري: ص121.

أي: إن إتمام المطالب بيد الله، عليك أن تجتهد، والتوفيق والتسديد بيد الله تعالى.

س: هذا سائلٌ، وهذا آخر الأسئلة: هل يوجد دليلٌ من الكتاب والسُّنَّة على أنَّ الإمام يقف بين الفاتحة والسورة لقراءة الفاتحة؟

ج: ذكر العلماء رحمهم الله تعالى -ومنهم ابن القيم رحمه الله تعالى- أنَّ الإنسان له ثلاث سكتاتٍ في الصلاة:

  • سكتةٍ عند تكبيرة الإحرام، وهذه يقول فيها دعاء الاستفتاح.
  • والسكتة الثانية: بعد قراءة الفاتحة.
  • والسكتة الثالثة: عند نهاية القراءة، إذا انتهى من القراءة وأراد أن يركع.

فالسكتتان الأولى والثالثة ثابتتان في الأحاديث، السكتة الأولى بعد تكبيرة الإحرام يقرأ فيها الاستفتاح، والسكتة الأخيرة التي قبل الركوع، كان يسكت عليه الصلاة والسلام حتى يتراجع النفس، ثم يُكبِّر بعد انتهاء القراءة.

أما السكتة التي بعد الفاتحة فذكروا أنَّ في حديثها مقالًا؛ فمِن العلماء مَن عمل بها وسكت، ومنهم مَن لم يسكت. فمن سكت لا يُنكَر عليه، إذا سكت الإمام بعد قراءة الفاتحة فلا تُنكِر عليه تقول: لماذا؟ وإذا لم يسكت لا تُنكِر عليه. هذا منهج شيخنا رحمه الله تعالى في هذه المسألة؛ لأنه لم يثبت حديثٌ في هذه السكتة التي بعد الفاتحة، فمَن سكت فلا يُنكَر عليه، ومن لم يسكت لا يُنكَر عليه، وبالله التوفيق.

أسأل الله تعالى، بأسمائه الحُسنى وصفاته العلا، أن يتقبَّل مني ومنكم ومن جميع المسلمين؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جديرٌ.

وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

^1 رواه البخاري 1496، ومسلم: 19.
^2 رواه البخاري: 8، ومسلم: 16 باختلاف يسير.
^3 رواه الترمذي: 2616، والنسائي في "السنن الكبرى": 11330، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2866.
^4 رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 1859، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 376.
^5 رواه الترمذي: 413، والنسائي: 465، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 540.
^6 رواه أحمد 22160، وابن حبَّان في "صحيحه": 4866، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 6680.
^7 رواه الطبراني في "المعجم الصغير": 387، والبيهقي في "شعب الإيمان": 4892.
^8 رواه النسائي في "السنن الكبرى": 7061، وابن ماجه: 1625، وأحمد في "المسند": 26483، وصحَّحه محققو "المسند".
^9 سبق تخريجه.
^10 رواه البخاري: 349، 3207، 3342، 7517، ومسلم: 162، 163، بلفظ قريب.
^11 رواه أبو داود: 495، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 509.
^12 رواه البخاري: 597، ومسلم: 684.
^13 رواه مسلم: 684.
^14 رواه البخاري: 1117.
^15 سبق تخريجه
^16 رواه أبو داود: 796، والنسائي في "السنن الكبرى": 615، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 537.
^17 رواه ابن أبي شيبة: 2992، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 529.
^18 رواه أحمد في "المسند": 23258، وصحَّحه محققو "المسند".
^19 رواه البخاري: 7439.
^20 رواه مسلم: 82.
^21 رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وابن ماجه: 1079، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 564.
^22 رواه الترمذي: 2622، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 565.
^23 رواه ابن ماجه: 4171، وأحمد في "المسند": 23498، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 742.
^24 رواه البخاري: 7534، ومسلم: 85.
^25 رواه مسلم: 668.
^26 رواه مسلم: 667.
^27 رواه مسلم: 233.
^28 رواه أحمد في "المسند": 6576، وابن حبَّان في "صحيحه": 1467، وحسَّنه محققو "المسند".
^29 رواه مسلم: 489.
^30 رواه مسلم: 488.
^31 رواه البخاري: 662، ومسلم: 669.
^32 رواه مسلم: 251.
^33 رواه البخاري: 659، 2119، ومسلم: 649، بلفظ قريب.
^34, ^37 رواه مسلم: 654.
^35 رواه أبو داود: 562، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 571.
^36 رواه أبو داود: 561، والترمذي: 223، وابن ماجه: 781، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 315.
^38 رواه ابن ماجه: 793، والحاكم في "المستدرك": 812، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6300.
^39 رواه البخاري: 644، ومسلم: 651.
^40 رواه مسلم: 653.
^41 رواه أبو داود: 547، والنسائي: 847، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 427.
^42 رواه ابن ماجه: 794، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 725.
^43 رواه مسلم: 865.
^44 رواه أبو داود: 554، وأحمد في "المسند": 21265، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 411.
^45 رواه أحمد في "المسند": 7926، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 2702.
^46 رواه أبو داود: 4401، والنسائي في "السنن الكبرى": 7303، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 3512.
^47 رواه أبو داود: 574، وأحمد في "المسند": 11613، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2652.
^48 عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: سُئل رسولُ الله عن وقت الصلوات، فقال: وقتُ صلاة الفجر ما لم يَطلُع قَرْنُ الشمس الأول، ووقتُ صلاة الظهر إذا زالت الشمسُ عن بطن السماء ما لم يَحضُر العصر، ووقتُ صلاة العصر ما لم تَصْفَرَّ الشمسُ ويَسقُطْ قَرْنُها الأول، ووقتُ صلاة المغرب إذا غابت الشمسُ ما لم يَسقُط الشَّفَقُ، ووقتُ صلاة العشاء إلى نصف الليل، رواه مسلم: 612.
^49 رواه البخاري: 947.
^50 رواه البخاري: 405.
^51 رواه مسلم: 395.
^52 رواه مسلم: 2203.
^53 لم نقف على نسبته إلى قائل. يُنظَر: "درر الفرائد المُستحسنة" لابن عبدالحق العمري: ص121.