تخطى إلى المحتوى

أثر التوحيد في حفظ الأمن

جدول المحتويات

المقدم: ..... الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات في هذا الجامع المبارك: جامع الإمام تركي بن عبدالله في مدينة الرياض.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا وسهلًا بكم، وحيَّاكم الله ضمن سلسلة لقاءات هذا الجامع.

موضوع اللقاء: أثر التوحيد في حفظ الأمن

يَسُرُّنا في هذه الليلة أن نستضيف شيخين فاضلين:

أولهما صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور: سعيد بن علي بن وهف القحطاني، الداعية بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، وعضو اللجنة الشرعية والاستشارية بالوزارة.

وصاحب الفضيلة الشيخ: عمر بن عبدالرحمن العمر، المشرف العام ومدير المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات بحي الثمامة، والمدرس في كلية الاتصالات.

واللذان سيتحدثان عن موضوعٍ مهمٍّ هو موضوع الساعة وما تحتاجه الأُمة من هذا الموضوع، ويكفي أن أقول: إنه أثر التوحيد في حفظ الأمن.

ولعلنا نبدأ هذا الموضوع مع صاحب الفضيلة الشيخ سعيد، والذي سيتكلم عن مكانة التوحيد في الأمن، فليتفضل مشكورًا، مأجورًا، بارك الله فيه وسدَّد خُطَاه.

مكانة التوحيد في الأمن

الشيخ سعيد: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

التوحيد غاية الخلق وأساس الأمن

لا شكَّ أن التوحيد هو دين الله تعالى الذي خلق الله تعالى الثَّقلين من أجله، كما قال سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۝ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ۝ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56- 58].

ولا شكَّ أن التوحيد هو أعظم الوسائل في تحقيق الأمن من المكروه ومن الشرور في الدنيا والآخرة؛ أولًا: لأن الأمن التام الكامل من جميع الوجوه يكون بتحقيق التوحيد بجميع أنواعه، ونَبْذ الشرك بجميع أنواعه، ويدل على ذلك دلالةً واضحةً وبدون شكٍّ ولا ريبٍ إخبار الله بما حصل لإبراهيم  في مُحَاجَّة قومه، كما قال الله تبارك وتعالى: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنعام:81].

فَفَصَل الله تعالى بين الفريقين بقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] أي: لم يخلطوا إيمانهم بظلمٍ، وإنما حققوا التوحيد لله تعالى.

والمعنى: لهم الأمن من المخاوف والعذاب والشَّقاوة، ولهم الهداية إلى الصراط المستقيم، فإن كانوا لم يخلطوا إيمانهم بظلمٍ مطلقًا، ولا بِشِرْكٍ، ولا بِمَعَاصٍ؛ حصل لهم الأمن التام والهداية التامة، وإن كانوا لم يخلطوا إيمانهم بالشرك وحده، لكنهم يعملون السيئات؛ حصل لهم أصل الهداية وأصل الأمن، ولكن لا يحصل لهم كمال الأمن، ولا كمال الهداية.

ولا شكَّ أن مفهوم الآية: أن الذين لم يحصل لهم الأمران -أي: الأمن والهداية- لم تحصل لهم هدايةٌ ولا أمنٌ، بل نصيبهم الضلال والشَّقاوة والخسارة والتَّعاسة في الدنيا والآخرة، والعياذ بالله تعالى.

بالتوحيد والعلم يرتفع شأن الإنسان

لما حكم الله لإبراهيم عليه الصلاة والسلام وبيَّن له بهذه البراهين القاطعة، قال : وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ أي: علا بها على قومه وغلبهم، وهذا من فضل الله تعالى: نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ [الأنعام:83]، فكما رفع الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام درجاتٍ في الدنيا والآخرة، فإن العلم يرفع اللهُ به صاحبَه في الدنيا والآخرة: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11].

تعريف التوحيد لغةً واصطلاحًا

لا شكَّ أن التوحيد الذي يتحقق به الأمن هو في اللغة مُشتقٌّ من "وَحَّدَ الشيء" إذا جعله واحدًا، فهو مصدر "وَحَّد يُوَحِّد توحيدًا"، ومعنى "وَحَّد" أي: قال مُعتقدًا: إن الله واحدٌ أحدٌ، أو لا إله إلا الله.

وهو في الاصطلاح -كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى-: إفراد الله تعالى بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.

هذا مفهوم التوحيد المُطلق.

فالمسلم عليه أن يُعْنَى بهذا التوحيد حتى يحصل على هذا الثواب الذي بيَّنه الله تعالى لعباده، ويحصل على هذا الأمن التام إن كَمَّلَ التوحيد من كل وجهٍ.

شمولية دعوة الرسل للتوحيد وبُطْلَان ما سواه

ولأهمية التوحيد الذي يتحقق به الأمن بيَّن الله الأساليب الكثيرة في الدعوة إليه، فحتى يتحقق للناس الأمن التام أمر الله تعالى عباده بعبادته وحده، وبيَّن لهم ذلك: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، وجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام دعوا إلى التوحيد: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ [النحل:36]، وقال سبحانه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ۝ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:13- 14].

لا شكَّ أن الله تبارك وتعالى هو القادر على كل شيءٍ، وهو المالك لكل شيءٍ، وما يُدْعَى من دونه لا يملك من قِطْمِيرٍ.

والقِطْمِير: هو اللُّفافة التي تكون على النَّواة، وهي لفافةٌ حقيرةٌ زهيدةٌ؛ ولهذا ما يملك هؤلاء من قِطْمِيرٍ، ولكن المالك لكل شيءٍ هو الله تبارك وتعالى.

الأمثال المضروبة في القرآن لبيان حقيقة الشرك

ولِعِظَم هذا التوحيد وعِظَم شأنه ضرب الله تعالى الأمثال للناس حتى يعقلوها، وحتى يفهموها ويفهموا التوحيد الذي يتحقق به الأمن، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73].

فالله تبارك وتعالى ضرب هذا المثل العظيم للناس: أن ما يُدْعَى من دون الله تعالى ما يملك شيئًا، ولا يخلق ذبابًا ولو اجتمعوا له جميعًا، ولو سلبهم الذباب شيئًا مما عليهم من الطِّيب أو من الدم أو غير ذلك فإنهم لا يملكون ولا يستطيعون أن ينتزعوه من هذا الذباب الضعيف، وهذا يدل على ضعفهم.

وقال سبحانه: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31]، وهذا مثالٌ عظيمٌ بيَّن أن المُشرك بالله تعالى إذا وقع في الشرك فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ.

وقال سبحانه: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:41]، فهؤلاء الذين اتَّخذوا من دون الله أولياء يدعونهم ويستغيثون بهم ويَنْذرون لهم مثل العنكبوت اتَّخذتْ بيتًا لتأوي إليه، ولتتقوَّى به، ولكن هذا البيت ضعيفٌ، والعنكبوت ضعيفةٌ، فضعيفٌ يأوي إلى ضعيفٍ، وكذلك مَن يدعو غير الله هو ضعيفٌ، ويأوي إلى مَن هو أضعف منه.

فالله تعالى هو المالك لكل شيءٍ، والقادر على كل شيءٍ: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

عاقبة الشرك وبُطْلَان الأعمال

لا شكَّ أن الله تعالى أبطل عمل مَن ترك التوحيد ووقع في الشرك، فأبطل الله تعالى عمله؛ لأنه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم؛ قال سبحانه: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].

وحرَّم الله الجنة على مَن أهمل التوحيد ووقع في الشرك، وإذا حُرِمَ الجنة وأُدْخِل النار فلم يحصل له الأمن التام، ولم يحصل له إلا الذل والخسارة؛ ولهذا قال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72].

وكذلك بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام بقوله في الحديث الصحيح: مَن مات لا يُشْرِك بالله شيئًا دخل الجنة، ومَن مات يُشْرِك بالله شيئًا دخل النار[1]رواه مسلم: 93. رواه الإمام مسلمٌ رحمه الله تعالى.

ولا شكَّ أن الله بيَّن في كتابه أنه لا يغفر الشرك الأكبر إذا وقع فيه الإنسان؛ إذا مات عليه ولم يَتُبْ منه، قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

هذا يدل على أن ما دون الشرك فهو تحت المشيئة: إن شاء الله تعالى غفره وعفا عنه، وإن شاء عَذَّبَ العبد بذنوبه، ثم بعد التَّطهير يُخْرِجه من النار، ويُدْخِله الجنة، وهذا مذهب أهل السُّنة والجماعة.

شمولية القرآن الكريم لموضوع التوحيد

مما يدل دلالةً واضحةً على أن التوحيد أعظم الأمور ورأس الأمور: أن القرآن كله في التوحيد -وقد يستغرب بعض الناس هذا القول: القرآن كله في التوحيد- كما ذكر العلماء الراسخون في العلم؛ فالقرآن:

  • إما خبرٌ عن أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله وأقواله، فهذا توحيد الربوبية والأسماء والصفات.
  • وإما دعوةٌ إلى عبادة الله وحده، وخَلْع ما يُعْبَد من دونه، فهذا توحيد الألوهية.
  • وإما أمرٌ ونَهْيٌ وإلزامٌ بطاعة الله، وهذا من حقوق التوحيد ومُكَمِّلاته.
  • وإما خبرٌ عن أهل الشرك وما يحصل لهم في الدنيا والآخرة من الذل والهوان والخسارة والتَّعاسة والهزائم في الدنيا، فهذا جزاء مَن خرج عن التوحيد.
  • وإما خبرٌ عن إكرام أهل طاعة الله، وما يُفْعَل بهم في الدنيا والآخرة، وهذا جزاء مَن عمل بالتوحيد لله .

إذن القرآن كله في التوحيد من أوله إلى آخره، وهذا يدل على أهمية التوحيد، وأنه الأمر كله، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشِّرك وأهله وجزائهم.

أقسام التوحيد الثلاثة

ينبغي للعبد المسلم أن يتفقه في أنواع التوحيد، فإن التوحيد -كما ذكر العلماء واستقرؤوا من الآيات والأحاديث- ينقسم إلى ثلاثة أقسامٍ:

  • توحيد الربوبية: وهو الاعتقاد الجازم أن الله وحده هو الخالق، الرازق، المُدَبِّر، مالك المُلْك، بيده كل شيءٍ: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ۝ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا [الشورى:49- 50]، يخفض مَن يشاء، ويرفع مَن يشاء، يُعِزُّ ويُذِلُّ، بيده كل شيءٍ.
    هذا توحيد الربوبية، وهو توحيد الله تعالى بأفعاله وحده.
  • ولكن هذا التوحيد لا يُدْخِل الإسلام، ولا يكون الإنسان به مسلمًا، بل لا بد من توحيد الألوهية؛ ولهذا بيَّن الله تعالى عن المشركين أنهم يُقِرُّون بتوحيد الربوبية، ويُنْكِرون توحيد الألوهية: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9]، وقال : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87].

فالله الخالق، أَقَرُّوا بذلك، ولكنهم لم يُقِرُّوا بتوحيد الألوهية، وهو صرف جميع أنواع العبادة لله ، ولا يصرف العبد العبادة إلا لله، فلا يدعو إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا ينذر إلا لله، ولا يذبح إلا لله، ولا يُعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله، ولا يُحب إلا لله، ولا يُبْغِض إلا لله، وبهذا يستكمل الإيمان كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام: مَن أحبَّ لله، وأَبْغَضَ لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان[2]رواه أبو داود: 4681، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3029.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

  • توحيد الأسماء والصفات: وهو إثبات ما أَثْبَتَه الله تعالى لنفسه، وأَثْبَتَه له رسوله عليه الصلاة والسلام من غير تعطيلٍ، ولا تحريفٍ، ولا تمثيلٍ، ولا تكييفٍ، ويُمِرُّونها كما جاءتْ مع الإيمان بمعانيها.
    وكذلك يُنْفَى عنه ما نَفَاه عن نفسه، أو نَفَاه عنه رسوله عليه الصلاة والسلام.

براهين التوحيد ودعوة الأنبياء

مما يدل على أهمية التوحيد وفضله: أن الله تعالى أنزل البراهين القطعية على إثباته حتى يُبين للناس؛ رحمةً منه وإحسانًا، يُبين لهم هذا التوحيد: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فَبَيَّن الحكمة من خَلْق الجنِّ والإنس أنه لتوحيده، كما قال بعض العلماء: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي: يُوَحِّدُوني.

ولا شكَّ أن الله تعالى أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام بالدعوة إلى التوحيد: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وقال : وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، قضى: أمر وحكم وألزم ألا يُعْبَد إلا هو .

فلا شكَّ أن هذا من البراهين الواضحة على أن التوحيد أهم المُهمات، وأوجب الواجبات؛ ولهذا قال الله تعالى يُبين أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما من رسولٍ أُرْسِل إلى قومه إلا دعاهم إلى توحيد الألوهية، إلى توحيد العبادة: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59].

وقال الله تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام آمرًا له أن يجعل حياته ومماته وأعماله كلها لله؛ إخلاصًا لله تعالى، كما قال : قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162- 163].

التوحيد حقُّ الله على العباد

التوحيد -في الحقيقة- هو حقُّ الله تعالى على عباده، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذٍ : يا معاذ، هل تدري ما حقُّ الله على العباد؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: حقُّ الله على العباد: أن يَعْبُدوه ولا يُشْرِكوا به شيئًا، هذا هو حقُّ الله على العباد: أن يعبدوه ولا يُشْرِكوا به شيئًا، وحقُّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك: ألا يُعَذِّب مَن لا يُشْرِك به شيئًا[3]رواه البخاري: 2856، ومسلم: 30..

هذا حقٌّ أحقَّه الله تعالى على نفسه؛ كرمًا وجُودًا وإحسانًا، ولم يُحِقَّه عليه أحدٌ غيره، فهو الذي أحقَّ ذلك على نفسه من كرمه وجوده.

فضل التوحيد وثمراته

ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في فضل التوحيد: مَن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم ورُوحٌ منه، والجنة حقٌّ، والنار حقٌّ؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل[4]رواه البخاري: 3435 واللفظ له، ومسلم: 28..

وفي حديث عتبان : فإن الله حَرَّم على النار مَن قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله[5]رواه البخاري: 5401، ومسلم: 33..

وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة[6]رواه أبو داود: 3116 واللفظ له، وأحمد: 22127، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6479..

والتوحيد له ثمراتٌ وفوائد كثيرةٌ يتحقق بها الأمن في الدنيا والآخرة، بيَّنها العلماء استنباطًا من الأحاديث ومن الآيات الكريمة:

  1. منها: أن الله تعالى يغفر به جميع الذنوب، كما في الحديث السابق: أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، فحصلت المغفرة بسبب التوحيد.
  2. التوحيد هو السبب الأعظم في تفريج الكُرُبات في الدنيا والآخرة.
  3. كذلك ردُّ العقوبات ورفعها إذا وقعتْ، هذا هو التوحيد.
  4. يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبةٍ من خردلٍ، فهذا من فضائل التوحيد.
  5. إذا كَمُلَ في القلب منع دخول النار بالكلية، أما إذا كان ضعيفًا فإنه قد لا يمنع، وقد يُطَهَّر الإنسان من المعاصي ثم يدخل الجنة بعد التَّطهير.
  6. يحصل لصاحبه الهدى الكامل والأمن التام في الدنيا والآخرة.
  7. هو السبب الوحيد لِنَيْل رضوان الله تعالى، والحصول على ثوابه.
  8. إن أسعد الناس بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام مَن قال: لا إله إلا الله؛ خالصًا من قلبه أو نفسه[7]رواه البخاري: 99..
  9. جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة مُتوقفةٌ في قبولها وفي كمالها وفي تَرَتُّب الثواب عليها على التوحيد، وعلى كمال التوحيد، وعلى العمل بالتوحيد.
  10. يُسَهِّل الله تعالى على العبد فعل الخيرات، وتَرْك المُنْكَرات، ويُسَلِّيه عن المصائب، فالمُخلص لله في إيمانه وتوحيده يُخَفِّف الله تعالى عنه ما يكره من المصائب وغير ذلك، ويُزَيِّن الله تعالى الإيمان في قلبه، ويُكَرِّه الله تعالى إليه الكفر والفسوق والعصيان، وهذا من فضل الله تعالى على عبده.
  11. التوحيد يُسَبِّب للعبد أنه يتحرر به من رِقِّ المخلوقين والتَّعلق بهم، فخوفه من الله، ورجاؤه لله، وعمله لله، لا يعمل شيئًا إلا لله تعالى.
  12. إذا كَمُلَ التوحيد في القلب وتحقق تحقُّقًا كاملًا بالإخلاص التام فإنه يُصَيِّر العمل القليل كثيرًا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لرجلٍ قال: يا رسول الله، أُقَاتِل وأُسْلِم؟ قال: أَسْلِمْ ثم قاتل، فأسلم ثم قاتل فَقُتِلَ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام حينما قُتِلَ: عَمِلَ قليلًا، وأُجِرَ كثيرًا[8]رواه البخاري: 2808.، قبل أن يسجد لله سجدةً، وهذا يدل على أن التوحيد يجعل اللهُ تعالى العملَ القليل به كثيرًا، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى.
  13. يُدافع الله عن المُوحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ [الحج:38]، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].

أسأل الله تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعلني وإياكم ممن يُحققون التوحيد الذي يحصل به الأمن، والذي يرضى الله تعالى به على هَدْي رسوله عليه الصلاة والسلام، ونعوذ بالله من الشرك: كبيره وصغيره، إنه وَلِيُّ ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

المقدم: شكر الله لصاحب الفضيلة الشيخ سعيد ما تَفَضَّل به من هذه الكلمات، وأسأل الله أن يجعل ذلك في موازين حسناته.

التوحيد وأثره وأهميته

العنصر الثاني من هذه المحاضرة -أيها الإخوة-: "التوحيد وأثره وأهميته" كنموذجٍ حيٍّ لهذه البلاد المُباركة -بلاد الحرمين الشريفين- وما نَنْعَم به -ولله الحمد- من أثر هذه النعمة: نعمة التوحيد ونعمة الأمن، وهو ما سيتحدث عنه صاحب الفضيلة الشيخ: عمر العمر، فليتفضل مشكورًا، مأجورًا، بارك الله فيه وسدَّده.

استهلالٌ ببيان فضل التوحيد ومكانته

الشيخ عمر العمر: الحمد لله الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [الفتح:28].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مَزِيدًا.

أما بعد:

أيها الإخوة في الله، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

وبعد: فإن التوحيد -كما سمعتم من فضيلة الشيخ وَفَّقه الله- أهم المُهمات، وأوجب الواجبات، وأساس العبادات، له من المزايا ما لا يُحْصَى، ومن الثمرات ما لا يُسْتَقْصَى، رَتَّب الله تعالى لِمَن حَقَّقه الثواب العظيم في الدنيا والأُخرى.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في بيان فضل التوحيد وعِظَم مكانته: "ومَن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاحٍ في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله ، وكل شرٍّ في العالم وفتنةٍ وبلاءٍ وقَحْطٍ وتسليط عدوٍّ وغير ذلك فسببه مُخالفة الرسول والدعوة إلى غير الله، ومَن تدبر هذا حقَّ التَّدبر وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه وفي غيره عمومًا وخصوصًا". انتهى كلامه.

ويقول تلميذه العَلَّامة ابن القيم رحمه الله في بيان فضل التوحيد: "التوحيد مَفْزَع أعدائه وأوليائه؛ فأما أعداؤه فَيُنَجِّيهم من كُرَب الدنيا وشدائدها: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65]، وأما أولياؤه فَيُنَجِّيهم به من كُرُبات الدنيا والآخرة وشدائدها.

هذه سُنَّة الله في عباده، فما دُفِعَتْ شدائد الدنيا بمثل التوحيد؛ ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد، ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروبٌ إلا فَرَّج الله كَرْبَه بالتوحيد، فلا يُلْقِي في الكُرَبِ العِظَام إلا الشرك، ولا يُنَجِّي منها إلا التوحيد، فهو مَفْزَع الخَلِيقة ومَلْجَؤُها وحصنها وغِيَاثها". انتهى كلامه.

أثر التوحيد في تحقيق الأمن الاجتماعي

أيها الإخوة في الله، ومن فضائل التوحيد العظيمة وثمراته الجليلة: توفر الأمن والطُّمأنينة في المجتمع المُوحِّد، يظهر هذا جليًّا في حالة العرب قبل الإسلام، وقبل دعوة التوحيد الخالص؛ فقد كانوا من قبل أعداءً مُتناحرين، يفتخرون بالقتل والنَّهب والسَّلب، فلما أسلموا وتركوا الشرك وانقادوا للتوحيد أصبحوا بعد ذلك إخوةً مُتحابِّين، كما قال جلَّ في عُلاه: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران:103].

يقول الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: "ذَكَّرَهم الله تعالى نعمته، وأمرهم بذكرها فقال: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً يقتل بعضكم بعضًا، ويأخذ بعضكم مال بعضٍ، حتى إن القبيلة يُعَادِي بعضهم بعضًا، وأهل البلد الواحد يقع بينهم التَّعادي والاقتتال، وكانوا في شرٍّ عظيمٍ.

وهذه حالة العرب قبل بعثة النبي ، فلما بعثه الله، وآمنوا به، واجتمعوا على الإسلام، وتآلفتْ قلوبهم على الإيمان؛ كانوا كالشخص الواحد من تآلف قلوبهم، ومُوالاة بعضهم لبعضٍ". انتهى كلامه رحمه الله.

شرط الاستخلاف والتَّمكين في الأرض

من أظهر الأدلة -أيها الإخوة- وأوضح النصوص الشرعية على أثر تحقيق التوحيد في حفظ الأمن وحصول الطُّمأنينة والتَّمكين قول الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور:55]، قال بعد ذلك ربُّنا: يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، هذا هو الشرط، فإذا تحقق هذا الشرط تحقق المشروط وهو الأمن والتَّمكين والاستخلاف في الأرض.

ذكر البغوي في تفسيره سبب نزول هذه الآية عن أبي العالية أنه قال: "مكث النبي بمكة بعد الوحي عشر سنين مع أصحابه، وأُمِرُوا بالصبر على أذى الكفار، وكانوا يُصبحون ويُمسون خائفين، ثم أُمِرُوا بالهجرة إلى المدينة، وأُمِرُوا بالقتال وهم على خوفهم، لا يُفارق أحدٌ منهم سلاحه، فقال رجلٌ منهم: ما يأتي علينا يومٌ نأمن فيه ونضع السلاح! فأنزل الله تعالى قوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ .. الآية".

اقتران تحكيم الشريعة بِبَسْط الأمن

أيها الإخوة في الله، إن الأمن والطُّمأنينة والاستقرار في الدول والمجتمعات مُرتبطٌ غاية الارتباط بالتوحيد والتَّمسك بالعقيدة الصحيحة، وإقامة الحدود وتطبيق الشريعة، يقول ربنا جلَّ في عُلاه: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96].

يقول سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى: "كل بلادٍ استقامتْ على أمر الله، وحَكَّمَ حُكَّامُها شريعة الله تطمئن، ويَقِلُّ فيها الخوف، ويسود فيها الأمن، وتحصل فيها الحياة الكريمة، وتسهل الأرزاق، ويعيش الناس في أمنٍ وعافيةٍ وطُمأنينةٍ في كل شيءٍ.

وكل بلادٍ تضيع فيها الشريعة، ولا تُقام فيها حدود الله؛ يَكْثُر فيها الخوف، ويَقِلُّ فيها الأمن، وتسود فيها الفوضى، وتكثر الرذائل، وتَقِلُّ الفضائل، ولا يطمئن الناس في عيشٍ، ولا في رزقٍ، قال الله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112].

وكل مَن نظر في العالم وأحوال الناس يعلم ما ذكرنا عن يقينٍ، وعن مُشاهدةٍ.

فإذا تأمل المؤمن البصير حالة عصر الصحابة وما فيه من الخير العظيم، والجهاد الواسع، والفتوحات الكثيرة، والأمن والأمان في البلدان التي حكمها المسلمون بسبب تطبيقهم لشريعة الله، وتنفيذهم لأحكام شرعه الذي شرع، وإقامتهم لحدوده؛ يرى العَجَب العُجَاب، ويتَّضح له صحة ما ذكرنا من وجود الأمن والحياة الكريمة بسبب تطبيق الشريعة الإسلامية العظيمة، ويعلم يقينًا أيضًا أن البلاد الأخرى التي سادتْ فيها الفوضى، وَاخْتَلَّ فيها الأمن، وتعدَّى فيها القوي على الضعيف؛ أن ذلك بأسباب عدم تحكيمهم لشريعة الله، وعدم قيام حُكَّامهم بما يجب من الوازع الشرعي في إقامة الحدود والتَّعزيرات، والأخذ على يد الظالم، وإنصاف المظلوم، إلى غير ذلك.

وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور:55]، وهذا واضحٌ ..." والكلام لسماحته رحمه الله: "وهذا واضحٌ في أن ربنا وعد عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات: أن يستخلفهم في الأرض، ويُمَكِّن لهم فيها كما مَكَّنَ لِمَن قبلهم ممن عمل عملهم، واستقام على الإيمان والعمل الصالح، وأدَّى حقَّ الله، وطبَّق الشريعة؛ وَعَدَهم سبحانه أن يُمَكِّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأن يُبَدِّلَهم من بعد خوفهم أَمْنًا، وما ذاك إلا بأسباب إيمانهم وعملهم الصالح، والضِّد بالضِّد؛ فمتى أَخَلّوا بالإيمان وأَخَلّوا بالعمل الصالح تخلَّف هذا الوعد، فالجزاء من جنس العمل.

فمَن استقام على أمر الله، وطبَّق حقَّه ، وأنصف المظلوم من الظالم، وأقام الحدود في ولايته؛ صارتْ بلاده في أمنٍ وأمانٍ، وراحةٍ وطُمأنينةٍ وحياةٍ كريمةٍ؛ تحقيقًا لما وعد الله به عباده ، وهو الصادق في وعده جلَّ في عُلاه.

ومتى أَخَلّوا بذلك، ولم يُنَفِّذوا أمر الله، بل تساهل حُكَّامهم بشريعة الله، ولم يُنَفِّذوا ما يجب من الحدود والتَّعزيرات الشرعية؛ أصابهم في بلادهم من الخلل والضعف واختلال الأمن ووجود الخوف والقلق بحسب ما عندهم من تضييع أوامر الله، وبحسب ما ضَيَّعوا من إقامة حدود الله.

وهذا كله واضحٌ لِمَن سَبَرَ أحوال العالم، ودرس أحوال الدول الموجودة والبائدة". انتهى كلامه رحمه الله.

نموذج الدولة السعودية وأثر دعوة التوحيد

أيها الإخوة في الله، إذا أردنا أن نأخذ نموذجًا حديثًا ومثالًا واقعًا لأثر التوحيد في حفظ الأمن فإننا نرى ذلك واقعًا محسوسًا في بلادنا المملكة العربية السعودية -حرسها الله- عندما قامتْ على أساس التوحيد الخالص، وتَعَاهَدَ الإمامان المُصْلِحَان: الإمام محمد بن سعود، والإمام المُجدد شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب -رحمهما الله- على الدعوة إلى التوحيد، ومُحاربة الشرك، وتحكيم الشريعة بين العباد؛ حصل الخير الكثير بسبب هذه الدعوة السلفية، ليس لأهل نجدٍ فحسب، وإنما عَمَّ نفعها وخيرها الجزيرة العربية وأقطارًا كثيرةً من العالم الإسلامي.

وما زالتْ هذه الدولة -وَفَّقها الله- قائمةً بالتوحيد، مُحَارِبَةً للشرك، آمرةً بالمعروف، ناهيةً عن المنكر، ناشرةً للخير والفضيلة، قامعةً للشرِّ والرذيلة، مُحَكِّمةً للكتاب والسُّنة، يظهر ذلك جليًّا في أقوال وأفعال حُكَّامها منذ نشأتها إلى وقتنا الحاضر، جزاهم الله عنَّا وعن المسلمين خير الجزاء.

من أقوال الملك المُؤسس عبدالعزيز في التوحيد والمنهج

من ذلك ما قاله الإمام المُؤسس الملك الصالح: عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل رحمه الله، يقول: "أنا عندي أمران لا أتهاون في شيءٍ منهما، ولا أَتَوَانَى في القضاء على مَن يحاول النَّيل منهما ولو بشعرةٍ:

الأول: كلمة التوحيد "لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله"، إني والله وبالله وتالله أُقَدِّم دمي ودم أولادي من آل سعود فداءً لهذه الكلمة، لا أَضِنُّ بها.

والثاني: هذا المُلْك الذي جمع الله به شَمْلَ العرب بعد الفُرْقَة، وأعزَّهم بعد الذِّلَّة، وكثَّرهم بعد القِلَّة، فإني كذلك لا أَدَّخر قطرةً من دمي في سبيل الذَّوْد عن حوضه".

ومن وصاياه رحمه الله لابنه وولي عهده الملك سعود أنه قال له: "واعلم أننا نحن آل سعود ما أخذنا هذا الأمر بحولنا وقوتنا، وإنما مَنَّ الله به علينا بسبب كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله".

ومن أقواله أيضًا: "أفخر بأنني سلفيٌّ مُحمديٌّ على مِلَّة إبراهيم الخليل، دستوري وقانوني ونظامي وشعاري دِينُ محمدٍ ، فإما حياةٌ سعيدةٌ على ذلك، وإما مَوْتَةٌ سعيدةٌ".

ومن أقواله رحمه الله ردًّا على مَن يُلَقِّب أهلَ السُّنة السَّلفيين بالوَهَّابيين؛ تنفيرًا منهم، يقول رحمه الله: "يُسموننا بالوهابيين، ويُسمون مذهبنا "الوهابي" باعتبار أنه مذهبٌ خاصٌّ، وهذا خطأٌ فاحشٌ نشأ عن الدِّعايات الكاذبة التي كان يَبُثُّها أهل الأغراض.

نحن لسنا أصحاب مذهبٍ جديدٍ أو عقيدةٍ جديدةٍ، ولم يأتِ محمد بن عبدالوهاب بالجديد، فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح التي جاءتْ في كتاب الله وسُنة رسوله  وما كان عليه السلف الصالح.

نحن نحترم الأئمة الأربعة، ولا فرق عندنا بين مالكٍ والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، كلهم مُحترمون في نظرنا.

هذه العقيدة التي قام شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب يدعو بها، وهذه عقيدتنا، وهي عقيدةٌ مبنيةٌ على توحيد الله ، خالصةٌ من كل شائبةٍ، مُنَزَّهةٌ عن كل بدعةٍ، فعقيدة التوحيد هذه هي التي ندعو إليها، وهي التي تُنْجِينا مما نحن فيه من مِحَنٍ وأَوْصَابٍ".

ثم ذكر رحمه الله ما أنعم الله به عليه من النِّعَم وأن ذلك بسبب التوحيد، حيث يقول: "لقد كنتُ لا شيء، وأصبحتُ اليوم وقد استوليتُ على بلادٍ شاسعةٍ يحدُّها شمالًا: العراق وبَرُّ الشام، وجنوبًا: اليمن، وغربًا: البحر الأحمر، وشرقًا: الخليج.

لقد فتحتُ هذه البلاد ولم يكن عندي من الأعتاد سوى قوة الإيمان وقوة التوحيد، ومن العِدَدِ غير التَّمسك بكتاب الله وسُنَّة رسوله ، فنصرني الله نصرًا عزيزًا".

هذه أقواله رحمه الله، وقد سار على منهجه أبناؤه البَرَرَة من بعده إلى وقتنا الحاضر، ولله الحمد والمِنَّة.

من مآثر الملك عبدالعزيز في حماية العقيدة

من أفعال الملك المُؤسس رحمه الله التي تُصَدِّق أقواله التي سمعتُموها قبل قليلٍ: أنه رحمه الله هدم القِبَاب المبنية على القبور؛ مثل: قبة قبر خديجة في مكة، وكذلك قبة قبر ميمونة، وأيضًا قبة قبر حواء في جدة، كما قام رحمه الله بهدم القِبَاب المبنية على قبور بعض الصحابة في البقيع.

ومن ذلك أيضًا: أنه أمر بهدم صنم "ذي الخُلَصَة" في جنوب المملكة على يد عامله عبدالعزيز بن إبراهيم رحمه الله.

يقول الأستاذ محمد بن علي المغربي في كتابه "أعلام الحجاز": "كان السُّذَّج من الناس يزورون هذه القبور التي كانت مُنتشرةً بمدن الحجاز كلها، وينذرون لها النُّذور، وهذه كلها من البدع الضَّالة المُضِلَّة التي دخلتْ على المسلمين، واستغلَّ القائمون على هذه القبور سَذَاجة الناس وغفلتهم وجهلهم بالدين الصحيح فأقاموا القِبَاب على هذه القبور، واستولوا على ما يَرِد لها من أموال النُّذور، وكل هذا ليس من الدين الصحيح في شيءٍ، بل هو مَدْعَاةٌ للانحدار إلى هاوية الشرك -والعياذ بالله- فالله تعالى هو الضَّار، وهو النَّافع، والدعاء يجب أن يكون له وحده تعالى دون وسيطٍ أو شريكٍ.

وقد أُزيلتْ هذه القبور وما عليها من القِبَاب، وانتهتْ تلك البدع الضَّالة المُضلة حينما قامت الحكومة السعودية بعد انضمام الحجاز إليها بإزالة تلك القبور والقِبَاب؛ فَسَلِمَتْ للناس عقائدهم من الشَّوائب والانحرافات". انتهى كلامه.

حقيقة العَدَاء للدولة المُوحدة

أيها الإخوة، ولأن هذه الدولة أقامت التوحيد، ونصرتْ عقيدة السلف الصالح، كان الذي يُعاديها إنما يُعادي التوحيد والمنهج الأصيل الذي قامتْ عليه.

يقول سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله: "فالعداء لهذه الدولة عداءٌ للحقٍّ، عداءٌ للتوحيد، أي دولةٍ تقوم بالتوحيد الآن؟ أي دولةٍ من حولنا يُقِيمون التوحيد؟ مَن الذي يدعو للتوحيد الآن ويُحَكِّم شرع الله ويهدم القبور التي تُعْبَد من دون الله؟ مَن؟ وأين هم؟ أين الدولة التي تقوم بهذه الشريعة غير هذه الدولة؟". انتهى كلامه رحمه الله.

نسأل الله بِمَنِّه وكرمه وجوده وإحسانه أن يُدِيم علينا نعمة التوحيد والأمان، وأن يُدِيم علينا نعمة التوحيد والإيمان، ونعمة الأمن والأمان، وأن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين عامةً من كل سُوءٍ ومكروهٍ.

اللهم يا حيُّ، يا قَيُّوم، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وَفِّقهم لِهُدَاك، واجعل عملهم في رضاك، يا ربَّ العالمين، واجعلنا وإياهم من المُتعاونين على البِرِّ والتقوى، وخُذْ بِنَوَاصينا ونَوَاصيهم إلى البِرِّ والتقوى، يا ذا الجلال والإكرام.

وآخر دَعْوَاي أن الحمد لله ربِّ العالمين.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

المقدم: شكر الله لصاحب الفضيلة الشيخ عمر هذه الكلمات، وأسأل الله أن يجعل ذلك في موازين حسناته.

تعليق سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ

أيها الإخوة والأخوات، نستمع الآن إلى تعليقٍ من سماحة شيخنا ووالدنا الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ -مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء- على هذه الندوة، فليتفضل مشكورًا، مأجورًا، بارك الله فيه.

الاستهلال والثَّناء على موضوع النَّدوة

الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمُرسلين، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

وبعد: فهذه ندوةٌ مُباركةٌ، وكلامٌ طيبٌ، وتوجيهٌ سليمٌ من الشيخين: سعيد وعمر العمر.

هذه النَّدوة المُباركة التي ينبغي أن تكون دائمةً في كل عامٍ حلقةً أو حلقتين أو ثلاثًا؛ لأن تذكير الناس بالتوحيد وتحذيرهم من الشرك أمرٌ مطلوبٌ؛ لأن التوحيد أعظم الطاعات، والشرك أعظم المعاصي، وكلما ذُكِّر العباد بهذا الشأن وبُيِّن لهم التوحيد وفضله وإنعام الله به، والشرك وضرره وأذاه وعاقبته السيئة؛ فهذا أمرٌ إذا ذُكِّرَ العباد به سنرى خيرًا.

من الخطأ أن نغفل عن التوحيد ونقول: التوحيد الكل عرفه، والكل يعرفه. كيف نقول هذا؟! ما يَصْلُح هذا، لا بد أن يُذَكَّر الناس بالأمر العظيم، وانظروا في كتاب الله من أوله إلى آخره في التوحيد وتعظيم أمره.

التوحيد قوة القلب ومُنطلق الأعمال

يا إخواني، الإعراض عن تعلم التوحيد وتعليمه والتَّحدث عنه هو الذي أوقع الناس فيما أوقعهم فيه؛ لأن صحة التوحيد وقوته في القلب قوةٌ للجوارح وأداء الأعمال الصالحة، وإذا ضعف التوحيد في القلب فلا بد أن تضعف الأعمال كلها.

أيها الإخوة، هذا التوحيد أساس المِلَّة والدين، ولأجله خَلَقَنا الله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، ولأجله أنزل الكتب، ولأجله أرسل الرسل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

الارتباط الوثيق بين الأمن النفسي والتوحيد

أيها الإخوة، ارتباط الأمن بالتوحيد ارتباطٌ وثيقٌ؛ فإن التوحيد هو الذي يُحقِّق الأمن للإنسان في نفسه وفي مجتمعه، فالإنسان في نفسه عندما يقوى توحيد الله في قلبه، ويعرف الله بأسمائه وصفاته، ويُوقِن بأنه ربه وخالقه، لا خالق له غيره، ولا ربَّ سواه، وأنه المُستحق أن يُعْبَد وحده دون ما سواه؛ عندما يتقرر هذا الأصل في نفسه ويَثْبُت هذا الأمر في نفسه عند ذلك يطمئن قلبه، وتسكن نفسه، ويزداد خيرًا وإيمانًا، فالله جلَّ وعلا قال: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] فالذين آمنوا ولم يُخالط إيمانَهم شركٌ بالله لهم الأمن وهم مُهتدون.

وهذا الأمن إما أمنٌ مُطلقٌ في الدنيا والآخرة، وإما أمنٌ فيه خللٌ.

فمَن أتى بالتوحيد والأعمال الصالحة ظاهرًا وباطنًا كان له الاهتداء في الدنيا، والأمن يوم القيامة -أمنٌ من عذاب الله- حتى في الدنيا يأمن قلبه من تلاعب الشيطان به، فإن المُشرك مُتذبذبٌ، لا إله له ثابتٌ، فتراه يعبد الأشجار والأحجار والأنبياء والأولياء والصالحين، مُتذبذبٌ وغير مُستقرٍّ.

أما المُوحِّد فهو الذي وَحَّد الله بعبادته له، وإخلاصه الدين له؛ وَحَّده بذلك لعلمه بأنه ربه وخالقه الموصوف بكل صفات الكمال والجلال، تلك الصفات والأسماء اللائقة به جلَّ جلاله وتقدَّستْ أسماؤه.

فالذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بِظُلمٍ لهم الأمن: أمنٌ في الدنيا؛ فهو في الدنيا آمِنٌ، مُستقرٌّ، قرير العين، طيب النفس، يعبد الله ويُخلص له الدين، وهو آمِنٌ عند موته، تقول له الملائكة: أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30]، آمِنٌ في لَحْدِه، حينما يجيئه المَلَكَان يقول: "الله ربي، والإسلام ديني، ومحمدٌ نبيي"، آمِنٌ يوم القيامة، فلا يُحزنه الفزع الأكبر، فهو يوم القيامة آمِنٌ من عذاب الله.

التَّنبيه على خطورة تجاهل التوحيد في هذا الزمان

أيها الإخوة، التوحيد من أهم الأمور وأعظم الواجبات والمُهمات، لكن المشكلة أننا في زمنٍ كَثُرَ القِيل والقال فيه، وتجاهل الناسُ هذا الأصل العظيم، وضعف شأنه عندهم، فإن هذا خطرٌ عظيمٌ، فقد يقع الناس في الشرك من حيث لا يعلمون.

فالاهتمام بالتوحيد، والدعوة للتوحيد، وكل الدُّعاة والخُطباء يهتمون بهذا الجانب؛ فالخطيب يخطب للجمعة في مواضع التوحيد، والتحذير من الشرك، والمُتحدث والمُتكلم في وسائل الإعلام يجعل التوحيد أهم أموره، وغاية مقصوده.

هذا المهم -يا إخواني- فإن الجهل بهذا الأصل العظيم فيه ضررٌ بلا شكٍّ ولا ريبٍ؛ لأنه أمرٌ خَلَقَ اللهُ الخَلْق لأجله، وأرسل الرسل لأجله، ولا يَقْبَل أيَّ عملٍ من أي عاملٍ إلا إذا صحَّ توحيده، وإذا لم يكن له توحيدٌ وَاخْتَلَّ توحيده قال الله: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65].

فنسأل الله أن يُثَبِّتنا على دينه، وأن يجزي الشيخين عما قالا وتكلما خيرًا.

المقدم: أحسن الله إليكم، وجزاكم الله خيرًا على ما تفضلتم به من تعليقٍ، وأسأل الله أن يجعل ذلك في موازين حسناتكم.

أيها الإخوة والأخوات، أودُّ أن أُنَبِّهكم إلى أن محاضرة الأسبوع القادم ستكون بعنوان: "الرؤية الشرعية في كيفية التعامل مع الفتن النازلة"، والتي سيتفضل بإلقائها صاحب الفضيلة الشيخ: محمد بن أحمد الفيفي، عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام.

الأسئلة

سماحة الشيخ، الأسئلة كثيرةٌ جدًّا، سأعرض على سماحتكم بعضها، وأعتذر إلى الإخوة الذين لم أتمكن من عرض أسئلتهم.

س: هذا سائلٌ يقول: سماحة الشيخ، هناك مَن يُفَسِّر معنى كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" بأنها: إخراج اليقين الفاسد، وإدخال اليقين الصحيح في ذات الله. فما حكم هذا التفسير؟

ج: "لا إله إلا الله" في قوله جلَّ وعلا: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19]، وفي قوله عن المشركين أنهم قالوا: إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ۝ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات:35- 36].

العلماء يقولون: "لا إله إلا الله" له إثباتٌ، وحقيقتها: لا إِلَهَ معبودٌ حقٌّ إلا الله، فـ"لا إله إلا الله" تنفي أن يُعْبَد بحقٍّ إلا الله، فلا معبود بحقٍّ، ليس "لا موجود"، لكن "لا معبود بحقٍّ"؛ لأنه وُجِدَتْ معبودات من دون الله، لكن الآية تنفي استحقاق العبادة لغير الله، وتُثْبِت العبادة لله.

فـ"لا إله إلا الله": لا معبود حقٌّ إلا الله، قال الله: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ۝ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ۝ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:26- 28]، وهي "لا إله إلا الله".

فـ"لا إله إلا الله" معناها الذي دلَّ القرآن والسُّنة عليه: نفي استحقاق العبادة لغير الله، وإثبات العبادة لله، وأنه لا معبود بالأرض ولا بالسماء بحقٍّ إلا الله، وأن كل ما عُبِدَ من دون الله فمعبودٌ بالباطل: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62].

س: أحسن الله إليكم، وجزاكم الله خيرًا سماحة الشيخ، هناك مَن يقول: إن الدعوة إلى التوحيد تُفَرِّق المسلمين، فالواجب علاج جراحات المسلمين بدلًا من هذه الفُرقة، والله يحفظكم ويرعاكم.

ج: التوحيد هو الذي يجمع المسلمين، لا يُفَرِّقهم أبدًا، هو الذي يجمعهم: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ۝ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:62- 63]، وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران:103].

كيف نُعالج الجراح ونحن في مُصيبةٍ عظيمةٍ: الشرك بالله؟!

كيف أُعالج قضيةً والشرك بالله باقٍ؟!

لا، لا بد أن نُحقق التوحيد؛ فالتوحيد هو الذي يُؤلف القلوب، أما أن يكون معي وَثَنِيٌّ يعبد غير الله، ويتعلق بغير الله؛ فهذا ليس على طريقتي، ولا على منهجي، هذا مُشْرِكٌ.

فلا يجوز لنا أن نعتقد أن هناك جراحاتٍ وآلامًا ينبغي علاجها قبل التوحيد، أو نعتقد أننا يمكن أن نجتمع جميعًا مع وجود الشرك في بعضنا، والتَّعلق بغير الله من بعضنا، هذا ما يجوز، فلا بد من التوحيد الخالص، والله يقول لنبيه : وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم:9] يعني: وَدَّ المشركون لو تترك آلهتهم ليتركوا سَبَّ ربِّك: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ.

فلا بد من تحقيق التوحيد: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا [الممتحنة:4]، هذا بقوله جلَّ وعلا: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة:114].

فالمشركون نتبرأ منهم، ولا نُوَاليهم، وندعوهم للتوحيد، فإن قَبِلُوا وإلا تَبَرَّأْنَا منهم، وأَبْغَضناهم في الله، ولا نعتقد أنهم إخواننا وهم مُشركون.

أما أن نقول: لا ..... أُخوةٌ إسلاميةٌ، وأُخوةٌ دينيةٌ، وهذا مُشركٌ، وهذا وَثَنِيٌّ، وهذا جَهْمِيٌّ، وهذا مُلْحِدٌ، لا، ما يصلح هذا.

س: أحسن الله إليكم، وجزاكم الله خيرًا سماحة الشيخ، هذا سائلٌ يقول: خرجنا للدعوة إلى الله خارج هذه البلاد، ووجدنا الكثير يطوفون ويَدْعُون ويتوسلون عند القبور، وعندما أردنا أن نُنكر هذا بطبيعة فطرتنا في هذه البلاد قال لنا المسؤولون عنا والأُمراء علينا: لا تُنكروا على هؤلاء، وإنما حَبِّبوهم في الإسلام أولًا، وادعوهم، وهكذا. فما رأي سماحتكم في هذه الطريقة؟ وهل نذهب ونخرج إلى خارج البلاد بهذه الدعوة؟ والله يحفظكم ويرعاكم.

ج: مَن تَهَيَّأ له الخروج للدعوة إلى الله، وكان على علمٍ وبصيرةٍ وحُسن فهمٍ للواقع؛ فجزاه الله خيرًا، وينبغي أن يبدأ بالتوحيد، ويتَّصل بهؤلاء ويُبين لهم ويُوضح لهم حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك؛ لأن البعض قد يشهد ذلك: نَشَأَ وترعرع وشَبَّ وشَابَ على شركٍ وضلالٍ، فلا بد أن أُنَبِّهُهُ وأُخَلِّصُه من هذا الشرك.

أما أن نقول: أنتم إخواننا، ونحن إخوانكم، وهم على ما هم عليه، ما يصلح هذا، ليست هذه أُخوةً، لا بد من تحقيق التوحيد، لا بد من الدعوة إلى الله، لا بد من بيان فساد الشرك وضرره وأَذَاه.

س: أحسن الله إليكم سماحة الشيخ، وقال في سؤاله الثاني: وهل نخرج مع هؤلاء الجماعة الذين يُزَهِّدون في التوحيد والسُّنة، ويُبْعِدوننا عنه؟ أفتونا مأجورين.

ج: لا يخرج معهم، الذي لا يهتم بالتوحيد ويعتني به ليس الخير فيه، لا بد أن يكون التوحيد ... هذا شيءٌ خُلِقْنَا لأجله، إذا فَرَّطنا في هذا فَرَّطنا في ديننا، خُلِقْنَا لِنَعْبُدَ الله، خُلِقْنَا لِنُوَحِّد الله، خُلِقْنَا لِنَدْعو الله، خُلِقْنَا لِنَسْتَغِيث بالله، خُلِقْنَا لِنُنْكِر على كل مَن عَبَدَ غير الله.

س: أحسن الله إليكم، وجزاكم الله خيرًا سماحة الشيخ، إذا كنا في بلادٍ أهله مُوحِّدون مُسلمون، فكيف نبدأ معهم الدعوة إلى الله ؟ هل نبدأ بالتوحيد أو نبدأ بالتَّحذير من التَّبرج والسُّفور وغيرها من المعاصي؟

ج: يا إخواني، المعاصي شيءٌ، والشرك أعظم الذنوب.

ادعُ إلى التوحيد، وحَبِّب التوحيد لهم، وبَيِّن لهم حقيقة التوحيد، فالرسول دخل مكة ثلاث عشرة سنةً كلها بالتوحيد، لم تُفْرَض عليه الصلاة إلا قبل الهجرة بسنتين أو ثلاث سنوات ركعتين، وإلا كل عهد مكة مُكَرَّسٌ للدعوة للتوحيد، ودَحْر المشركين، وإقامة الحقِّ، ودَحْض الباطل.

س: أحسن الله إليكم، وجزاكم الله خيرًا سماحة الشيخ، هذا سائلٌ يقول: أحد الدُّعاة في محاضرةٍ له -نُقِلَتْ على وسائل الإعلام وتناقلتها المُنتديات- قال عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه بأنه سارقٌ! ويلعب بتركات المسلمين ويتلاعب بها! ويَنْسِب ذلك لكتاب "كنز العمال"، فما حكم ذلك؟ أفتونا مأجورين.

ج: يا إخواني، عقيدة أهل السُّنة والجماعة أولًا: محبة أصحاب رسول الله ، وأن حُبَّهم فريضةٌ، لماذا؟

لأنهم أنصار محمدٍ ، خِيرَة الخلق بعد الأنبياء، فقد نظر الله في قلوب العباد وإذا قلبُه خير القلوب؛ فاختاره لرسالته، ثم نظر لقلوب العباد بعد ذلك فرأى قلوب أصحابه؛ فاختارهم لِنُصْرَة دينه.

فأصحاب رسول الله : أحبابه، وأنصار دينه، وحملة شريعته الذين بَلَّغونا القرآن والسُّنة، هؤلاء نُحبهم، ونُوَاليهم، ونترضى عنهم، ونعرف لهم سابقتهم وفضلهم، وأنه ما كان فيمَن مضى ولن يكون فيما بعد أن يأتي على الأرض أفضل منهم، فهم سبقونا بالإيمان، وسبقونا بالهجرة، وسبقونا بالجهاد، وسبقونا بكل عملٍ صالحٍ.

فمحاولة القَدْح فيهم، أو البحث عن نقائصهم، أو محاولة الحَطِّ من قَدْرهم، أو تَشْوِيه سُمعتهم؛ هذا لا يتيسر من قلب مؤمنٍ، فمَن كان يُؤمن حقًّا أحبَّهم؛ لمحبة الله لهم، ومحبة رسوله ، والله يقول لنا: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100]، ويقول: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:10]، المُتقدم والمُتأخر، فلا شكَّ أنهم في الفضل ... لكن في الجملة هم خيار الخلق، وإن كان بعضهم أفضل من بعضٍ بلا شكٍّ، فالصِّدِّيق  أفضل الأمم بعد الأنبياء، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي ، ثم العشرة، وأهل بدر وبيعة الرِّضوان.

ومع هذا جميع أصحاب رسول الله  الذين شاهدوا رسول الله وآمنوا به في حياته هؤلاء أصحابه الكرام؛ نُحبهم، ونُوَاليهم، ونُؤيدهم، وندعو لهم، ونترضى عنهم.

أما القَدْح فيهم، ونقل كلامٍ سيِّئٍ أحيانًا؛ كذبًا على هذه الكتب، حتى لو كان صحيحًا إلى هذا الكتاب، لكن ما هو بعبرةٍ، فهو كتابٌ من الكتب: كثيرٌ من أحاديثه ضعيفةٌ وغير ثابتةٍ، مع أنه لم ينقل عن الصحابة هذا الخبر، وليس بموجودٍ فيه.

فالواجب عليهم تقوى الله، فكيف يصير الصحابي سارقًا؟! حاشا وكلا، فهو صحابيٌّ جليلٌ، خال المؤمنين، كاتب الوحي، صلَّى وراء رسول الله  وجاهد معه، ورَضِيَه الصِّدِّيق وعمر وعثمان أميرًا للشام، ورضوا بولايته، وأحبَّه المسلمون وأجمعوا على بيعته إجماعًا قطعيًّا، ورضوا به إمامًا لهم، وهو أول ملوك الإسلام، وخير ملوك الإسلام، رضي الله عنه وأرضاه، فمَن قدح فيه أو شكَّ فيه فَلْيَتُبْ إلى الله وليُراجع دينه.

س: أحسن الله إليكم سماحة الشيخ، وقال في سُؤاله: وما حكم -يا سماحة الشيخ- حضور مثل هذه الدروس والحِلَق، ونشر أشرطتها ومحاضراتها؟

ج: والله، أيُّ حَلْقةٍ أو أي شريطٍ يحمل هذا الداء -هذا البلاء- يجب إتلافه، ولا يجوز أن أحضر حلقاتٍ فيها سَبُّ أصحاب رسول الله ، فأصحاب محمدٍ  نُحبهم، والذي يقدح فيهم نُبْغِضه ونُعاديه في الله، ونعتقد أنه على غير هُدًى.

س: أحسن الله إليكم، وجزاكم الله خيرًا سماحة الشيخ، أحسن الله إليكم على ما تَفَضَّلتم به عن فضل التوحيد وما يترتب عليه، ونطلب من سماحتكم -حفظكم الله وبارك فيكم- في ظلِّ هذه الظروف التي تَمُرُّ بالناس اليوم فهم في حاجةٍ للتوحيد وما يتعلق به، فنطلب منكم -يا سماحة الشيخ- شرح كتاب "ثلاثة الأصول" لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب في إذاعة القرآن الكريم وبعض الفضائيات؛ حيث إن الكثير من الناس يستمعون لسماحتكم وتوجيهاتكم، ويقبلون منكم، والله يحفظكم ويرعاكم.

ج: نرجو الله أن يُوفق للخير، إن شاء الله.

س: أحسن الله إليكم، وجزاكم الله خيرًا سماحة الشيخ، هذا سائلٌ يقول: هل الإصرار على المعاصي والكبائر يجعل صاحبها كافرًا كفرًا أكبر مُخْرِجًا من الدين؟

ج: لا، حاشا وكلا، الكبائر كبائر، مُحرَّمةٌ، حرامٌ، لا يجوز، مُرَتَّبٌ عليها وَعِيدٌ شديدٌ، لكنها لا تُخْرِج من المِلَّة، إنما هي خطرٌ على العبد، إذا استمرَّ عليها يُخْشَى من نقص إيمانه ومن قلبه، لكنها لا تُخْرِج عن التوحيد.

س: أحسن الله إليكم سماحة الشيخ وبارك فيكم، سماحة الشيخ: كيف يتدرج العامِّي وطالب العلم المُبتدئ في دراسة التوحيد، خاصةً توحيد العبادة؟ والله يحفظكم ويرعاكم، وهل يحفظ كتب الإمام محمد بن عبدالوهاب؟ وبِأَيِّها يبدأ: بكتاب "الأصول الثلاثة"، أو كتاب "التوحيد"، أو "كشف الشبهات"؟ نرجو التوضيح، والله يحفظكم ويرعاكم.

ج: الحقيقة أن الله جلَّ وعلا وَفَّق شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب للاهتمام بتوحيد العبادة؛ فإن الشيخ رحمه الله كرَّس جهده في الدعوة إلى توحيد العبادة، وأرسل الرسائل لعلماء زمانه الذين خالفوه واختلفوا معه، وبيَّن لهم عقيدته وحقيقة دعوته، وأنها دعوةٌ صادقةٌ لتوحيد الله، قال في أثناء كلامه لبعض مَن كتب له: "وإني أُشهد الله وملائكته ومَن حولي من عباده المؤمنين أنكم لو أتيتُموني بقولٍ لي يُخالف الكتاب والسُّنة كنتُ أول الناس رجوعًا عنه".

فهو رحمه الله يهتم بالتوحيد؛ ولهذا وُفِّق للتأليف، فألَّف "الأصول الثلاثة"، وهو كتابٌ مع وَجَازة لفظه إلا أنه فيه توضيحٌ لتوحيد العبادة بعد الربِّ والدين والنبي معرفة الشرك وأنواع العبادة، وهو كتابٌ مع اختصاره كان الأوائل يحفظونه ويُعلمونه للناس -للكل- بعد صلاة الفجر.

كتاب "التوحيد" 67 ترجمة في التوحيد وتكميله وما يُضاده أو يُنقصه.

"كشف الشبهات" وضعه للإجابة عن جميع شُبَه المُعارضين، وإذا تأمَّلته حقَّ التَّأمل وجدتَه كتابًا رَزِينًا فيه جدالٌ بعلمٍ وحقٍّ، ودَحْضٌ للباطل بأصولٍ جيدةٍ.

فَكُتُبُه رحمه الله فيها خيرٌ عظيمٌ، وَفَّقه الله لهذا الأمر العظيم، فمَن قرأ كتبه ورسائله بقراءةٍ مُنصفةٍ عادلةٍ بتوفيق الله سيستفيد الخير الكثير.

والشيخ ابن باز رحمه الله له رسالةٌ سمَّاها "العقيدة الصحيحة وما يُضادها"، وهي أيضًا محاضرةٌ ألقاها في أحد الأندية، فيها خيرٌ كثيرٌ وعلمٌ جَمٌّ، رحمهما الله جميعًا.

س: أحسن الله إليكم، وجزاكم الله خيرًا سماحة الشيخ، ما رأي سماحتكم فيمَن يقول: إن ذِكْر أحاديث السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين وتحريم الخروج عليهم إنما هذا هو الذي يقوله العملاء، والذين يُسمونهم علماء السُّنة بأنهم نَفْعِيُّون وجاميون؟ فنرجو من سماحتكم بيان ذلك، والله يحفظكم ويرعاكم.

ج: يا إخواني، وجوب طاعة ولي الأمر وتحريم الخروج عليه والنَّهي عن ذلك هذا دلَّ الكتاب والسُّنة عليه، وهذا كتاب الله وسُنة محمدٍ ، ما قلنا شيئًا من ذات أنفسنا.

أما أن نزعم أن هذه السُّنة لا اعتبار لها، أو نقول ... هذا ما يجوز.

بعضهم يقول: هذه أحاديث مطعونٌ فيها.

ما يجوز، هي أحاديث صحيحةٌ صريحةٌ في وجوب السمع والطاعة لولي الأمر، وتحريم الخروج عليه، وأن مَن خرج على إمامه لَقِيَ الله وليس له حُجَّةٌ، ومات ميتةً جاهليةً.

هذا أمرٌ شرعيٌّ مُقررٌ، لكن مُريد الفتن والبلاء يقول هذه الأقوال السيئة.

س: أحسن الله إليكم، وجزاكم الله خيرًا سماحة الشيخ، هل هنالك علاقةٌ بين التوحيد وطاعة ولاة الأمور في كتب العقائد؟ نرجو التوضيح في ذلك.

ج: لأنه من عقائد أهل السُّنة؛ لأن الخوارج يرون الخروج على ولي الأمر بمجرد معصيته واستحلال دمه وماله، هذا من الخوارج، وأهل السلف الصالح ضد ذلك، قالوا: تجب طاعة ولي الأمر في المعروف، ويحرم الخروج عليه؛ لما في الخروج من المفاسد والفتن والأضرار ما الله به عليمٌ.

يا إخواني، انظروا إلى العالم الآن: فتنٌ تَرُوج، فتنٌ ومِحَنٌ بأسباب عدم الطاعة؛ من اختلاف الناس وانقسامهم على أنفسهم، والغوغائيات والفوضويات التي لعبتْ بعقول الأُمة، وهذه الدماء تُسْفَك الآن بكل مكانٍ بأسباب التَّمرد على الشرع، وبأسباب المعاصي، وبأسباب الخروج على الأئمة جاء البلاء -نسأل الله العافية- لأن الأمور لم تُعالج بحكمةٍ، وإنما عُولِجتْ بأهواء، وأعداء الإسلام هم الذين أعدُّوا تلك الفتن وتلك الشرور؛ لتدمير الأُمة وإذلالها وسلبها قوتها؛ حتى يتحكموا فيها كيفما شاؤوا، نسأل الله السلامة والعافية.

س: أحسن الله إليكم، وجزاكم الله خيرًا سماحة الشيخ، هذا سائلٌ يقول: نحن في هذه البلاد -ولله الحمد- وغيرها من بلاد المسلمين مُوحِّدون، وعقائدنا سليمةٌ، فلماذا الكلام عن التوحيد في ظلِّ هذه الظروف التي تُعاصرها الأُمة والمسلمون في شتَّى بقاع الأرض؟

ج: يا إخوة، التوحيد قوةٌ بالقلب، فلا قوةَ لقلب المؤمن إذا لم يكن التوحيد في القلب، لا خير في ذلك، لا توجد قوةٌ ولا عِزٌّ إلا إذا قوي التوحيد في القلب.

س: أحسن الله إليكم، وجزاكم الله خيرًا سماحة الشيخ، هل هنالك علاقةٌ بين التوحيد والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر؟ نرجو التوضيح، والله يحفظكم.

ج: نعم، هناك علاقةٌ؛ فالتوحيد يدعو إلى طاعة الله، وإلى الأمر بالخير، فالتوحيد أعظم المعروف، والشرك أعظم المنكر، فالمُوحِّد يأمر بتوحيد الله وطاعته، وينهى عن معصيته، ويُحَرِّم الشرك بالله.

س: أحسن الله إليكم، وجزاكم الله خيرًا سماحة الشيخ، في حديث بَعْث معاذٍ  إلى اليمن عندما قال له النبي : فَلْيَكُنْ أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله[9]رواه البخاري: 7372، ومسلم: 19 واللفظ له.، فعلى أي شيءٍ يُبيِّن؟ وماذا نستفيد من هذا الحديث؟ والله يحفظكم ويرعاكم.

ج: فَلْيَكُنْ أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله يدل على البدء بالتوحيد، وأنه أهم الواجبات وأعظمها.

المقدم: أحسن الله إليكم، وجزاكم الله خيرًا على ما تَفَضَّلتم به من بيانٍ وإجاباتٍ لهذه الأسئلة، وأسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناتكم.

أيها الإخوة والأخوات، كان هذا السؤال الأخير في لقاء هذه الليلة، وأسأل الله أن يرفع قدركم في عليين، وأن يجزي المشايخ خيرًا على ما تفضلوا به، وأن يجزي سماحة شيخنا وإمامنا الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ خير الجزاء على ما تَكَبَّده من مَشَاقَّ في مجيئه من السفر.

وأسأل الله أن يجمعنا وإياكم على خيرٍ، ونجتمع -بإذن الله تعالى- في خيرٍ ضمن لقاءات هذا الجامع المبارك، والله يحفظكم ويرعاكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

^1 رواه مسلم: 93.
^2 رواه أبو داود: 4681، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3029.
^3 رواه البخاري: 2856، ومسلم: 30.
^4 رواه البخاري: 3435 واللفظ له، ومسلم: 28.
^5 رواه البخاري: 5401، ومسلم: 33.
^6 رواه أبو داود: 3116 واللفظ له، وأحمد: 22127، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6479.
^7 رواه البخاري: 99.
^8 رواه البخاري: 2808.
^9 رواه البخاري: 7372، ومسلم: 19 واللفظ له.