جدول المحتويات
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأشكر الله تعالى على توفيقه وامتنانه وتيسيره الوصول إلى هذا المكان، وأسأله تبارك وتعالى أن يتقبل من الجميع. ثم أشكر الإخوة القائمين على هذا المُخيم، وعلى رأسهم الشيخ محمد أبو ريان العَمري، نائب رئيس مجلس الإدارة للدعوة في "طريب"؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد قال: لا يَشكُر اللهَ مَن لا يَشكُر الناسَ[1]رواه أبو داود: 4811، وأحمد في "المسند": 7939، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7719.؛ فينبغي أن يُشكَر ويُدعَى له.
وأشكر كذلك الهيئات على هذا المعرض الجميل المُوفَّق، الذي يُبيِّن للناس الخير؛ فجزاهم الله جميعًا خيرًا، وضاعف مثوبتهم، وزادنا وإياكم وإياهم علمًا وهدًى وتوفيقًا؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جديرٌ.
أما موضوع هذه الليلة، فكما سمعتم: "حقوق الجار في الإسلام".
لا شكَّ أنَّ حقوق الجار من الواجبات العظيمة التي أوجب الله تعالى على عباده؛ فمن قام بهذه الحقوق فقد أدى واجبًا أوجبه الله تعالى وأوجبه رسوله عليه الصلاة والسلام، ومن قَصَّر في هذا الواجب فقد ترك واجبًا ويستحق مِن الله تبارك وتعالى العقوبةَ على تَرْك هذه الفريضة العظيمة.
مفهوم الجار ومراتبه
ولا شكَّ أنَّ مفهوم الجار كما هو معلومٌ، الجار: هو المُجاوِر لك في السكن والمكان، هذا يُقال له "جار".
واسم "الجار" يشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والبلدي -أي: الحاضر-، والنافع والضار، والقريب والأجنبي، والأقرب دارًا والأبعد دارًا.
وله مراتبُ، أعلاها: ما اجتمعت به هذه الصفات المذكورة كلها، ثم أكثرها، وقد رُوي أن الجيران ثلاثة:
- جارٌ لو حقٌّ واحدٌ: وهو الجار الكافر، له حق الجوار؛ من الدعوة إلى الله، والترغيب في الخير، وبيان محاسن الإسلام.
- وجارٌ له حقَّان: وهو الجار المسلم، له حق الإسلام، وله حق الجوار.
- والجار الذي له ثلاثة حقوقٍ: هو الجار القريب المسلم، له حق القرابة، وله حق الإسلام، وله حق الجوار.
فينبغي للمسلم أن يفهم هذا.
حدود الجار والمسافة بين الجيران
وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في حدود الجار، مَن هو الجار؟ كم المسافة بينك وبين الجار؟ فقيل: مَن صلَّى معك صلاةَ الصبح في المسجد فهو جارٌ.
وهذا التعريف على حسب مفهوم أهل الإسلام: أنهم كانوا يصلون الصلاة؛ فمَن سمع النداء يأتي إلى المسجد، فمعنى ذلك: أن هذا تعريفٌ قد يكون بعيدَ الدار لكنه يصلي مع الجماعة؛ إذن هذا هو جارك.
وقيل: أربعون بيتًا، أربعون بيتًا عن يمينك وأربعون بيتًا عن شمالك، وأربعون بيتًا من أمامك وأربعون بيتًا من خلفك؛ من جميع الجهات أربعون بيتًا. وهذا يدل على عِظَم حق الجار؛ أربعون وأربعون، وأربعون وأربعون: ثمانون، مئة وستون بيتًا.
والخلاصة: أن هذا هو تعريفٌ للجار، وقد يكون أبعد من ذلك، لكن كلما يَقْرُب الناسُ وكلما يتعارف الناس؛ فهو جارٌ، فكلما يَقْرُب يكون حقُّه أعظمَ للجوار.
الحقوق العشرة في سورة "النساء"
وحق الجارِ فريضةٌ من فرائض الإسلام التي فرض الله تعالى على عباده، وهو من الوصايا العشر التي أوصى بها ربُّنا في كتابه، كما قال الله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا [النساء:36]، هذه حقوقٌ عشَرةٌ، آية "النساء" يقال لها "آية الحقوق العشر":
- أولها: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، هذا حقُّ الله تعالى على عباده: ألا يُشركوا به شيئًا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام حينما سُئل عن حق الله تعالى أو: ما حقُّ الله على العباد؟ قال: أن يَعْبدوه ولا يُشركوا به شيئًا[2]رواه البخاري: 2856، ومسلم: 30..
- وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، وبعد حقِّ الله تعالى: حق الوالدين، حقٌّ عظيم؛ لأن الله هو الخالق، الذي خَلَق وأوجد ورزق تبارك وتعالى؛ فهو المُستحِق للعبادة، وهو الذي أوجد. والوالد والوالدة كذلك هما اللذان جعلهما الله سببًا في وجودك في هذه الحياة الدنيا، وسببًا في عبادتك لله تعالى، فقَرَن اللهُ تعالى حقَّهما بحقه ، حق الوالد والوالدة حقٌّ عظيمٌ؛ ولهذا قال: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.
- وَبِذِي الْقُرْبَى: القرابة الأقرب فالأقرب، كما بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام، لهم حقوقٌ عظيمةٌ.
- وَالْيَتَامَى، اليتيم: هو الذي فَقَد أباه في الصِّغر، فله حقٌّ على المجتمع في الإحسان والتربية، وغير ذلك من أنواع الإحسان.
- وَالْمَسَاكِينِ، المسكين: هو الذي لا يجد ما يَقُوم بحاله من الطعام والشراب وغير ذلك، فله حقٌّ على الناس.
- وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى: هو الجار القريب الذي بينك وبينه قَرَابةٌ، له ثلاثةُ حقوقٍ كما تقدَّم.
- وَالْجَارِ الْجُنُبِ، الجار الجُنُب: هو الجار البعيد، الجار الجُنُب: هو الذي ليس بينك وبينه قَرابةٌ.
- وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ، الصاحب بالجَنْب قيل: هو الصاحب في السفر. وقيل: هي الزوجة. وقيل: الصاحب مطلقًا. والأقرب -والله أعلم-: أنه الصاحب مطلقًا، سواءٌ أكانت الزوجة أو كان القريب أو كان المسافر معك فهو قريبك، وهذا قد جعل الله تعالى له حقًّا.
- ثم قال بعد ذلك: وَابْنِ السَّبِيلِ: هو المنقطع الذي سافر ولا يجد ما يُعينه.
- وكذلك: وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، من العبيد المماليك إذا وُجدوا، ومِن الحيوانات؛ فإن الإحسان إلى الحيوانات هو مِن عبادة الله تبارك وتعالى.
وهذه الحقوق يجب أن يَقُوم بها الإنسانُ كما يُحبه الله تعالى، ومما يدل على ذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال -عليه الصلاة والسلام-: ما زال جبريل يُوصيني بالجار؛ حتى ظننتُ أنه سَيُورِّثه[3]رواه البخاري: 6015، ومسلم: 2625.. جبريل يُوصي النبي عليه الصلاة والسلام بالجار حتى ظَنَّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ جبريل سيأتي بالوحي من الله تعالى أن يرث مع الأولاد، يكون وارثًا، ولكنه لم يكن ذلك، وظنَّ النبي عليه الصلاة والسلام أن يرث مع الأولاد. وهذا يدل على عِظَم حق الجار.
إيذاء الجار دليلٌ على ضعف الإيمان
كما أنَّ أذى الجار يدل على ضعف الإيمان أو عدمه، وعلى الظلم والعدوان والتعدي، وقد بيَّن الله تعالى أنَّ هذا من المُحرِّمات، وأوجب الله تعالى الإحسان وعدم الأذى؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن.... ثلاث مراتٍ؛ لا يؤمن الإيمان الكامل. قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: مَن لا يَأْمَنُ جارُه بوائقه[4]رواه البخاري: 6016..
البوائق: هي الشرور، وهي المُهْلكة، وهي الطَّوَامُّ الواقعة: يَخشى مِن جاره أن يَحصُل منه شرٌّ له، أو مصيبة له، أو تَعَدٍّ على حدود الله، أو وقوعٌ فيما حرَّم الله فيما يختص به؛ فهذا لا يُؤمَن، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا يَدْخل الجنة مَن لا يأمن جارُه بوائقه[5]رواه مسلم: 46.، الذي لا يأمن جارُه بوائقه لا يدخل الجنة، كما قاله النبي عليه الصلاة والسلام.
وهذا يدل على عِظَم حقِّ الجار، وأنَّ مَن آذَى الجار وخاف منه الجار وخاف مِن شره وخاف مِن تَعَدِّيه وخاف مِن خيانته وخاف من شروره؛ فهذا لا يدخل الجنة؛ لأنه ما خافه إلا وقد تحقَّق أنَّ عنده شرورًا، وأنه من أصحاب الشر، ومن أصحاب البلاء؛ فخافه، وخاف البوائق التي تَصدُر منه. فهذا لا يدخل الجنة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا وعيدٌ عظيمٌ شديدٌ.
ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره: مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُؤذِ جاره...، الذي يؤمن بالله واليوم الآخر لا يؤذي جاره إذا كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فَلْيُكْرِم ضيفه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت[6]رواه البخاري: 6018، ومسلم: 47.. هذا من العلامات على الإيمان أن يقوم بهذه الحقوق.
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام، من حديث أبي هريرة، أنه قال: لا يُؤمن أحدكم حتى يُحِبَّ لأخيه أو قال: لجاره ما يحب لنفسه[7]رواه البخاري: 13، ومسلم: 45 واللفظ له.. هذا مما يدل على أنَّ مَن لم يُحب لجاره ما يُحب لنفسه فليس بمؤمنٍ الإيمانَ الكامل، بل إيمانه ناقصٌ، بل إيمانه ضعيفٌ، بل إيمانه مهزوزٌ؛ لأنه لا يحب لجاره ما يحب لنفسه. فقِسْ هذا على نفسك، انظر: هل تحب لجارك ما تحبه لنفسك من الخير ومن السعادة ومن الأنس ومن الأمن، أو لا تحب؟
بل أقسم النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك في روايةٍ أخرى، قال: والذي نفسي بيده، لا يُؤمِن العَبْدُ حتى يُحِبَّ لجاره... أو قال: لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه. رواه مسلم[8]رواه مسلم: 45.. قال: والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبدٌ حتى يحب لأخيه أو لجاره ما يحب لنفسه[9]سبق تخريجه.؛ هذا فيه خطرٌ عظيمٌ، وأن المسلم ينبغي له أن يُعنَى بحقوق الجار.
وهذا يدل على عِظم الإسلام، وعلى محاسن الإسلام، وأنه أَمَر بالإحسان إلى الجيران أكثرَ مِن الإحسان إلى الأسرة؛ إلى أسرتك وأولادك ونسائك. هذا يدل على هذا الأمر العظيم.
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فَلْيُكرِم جاره، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فَلْيُكرِم ضيفَه جائِزَتَه.... قيل: وما جائزته يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: يومٌ وليلةٌ، وضيافتُه ثلاثة أيامٍ، فما كان وراء ذلك فهو صدقةٌ...، أي: صدقةٌ عليه؛ أي: يومٌ وليلةٌ للضيف، هذه واجبةٌ من الواجبات؛ أن تُكرمه، ثم بعد ذلك سُنَّةٌ ثلاثة أيام، هذا من السُّنَّة، هذه جائزةٌ، سُنَّةٌ، فما زاد على ذلك فهو صدقةٌ، قال: ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت[10]رواه البخاري: 6019، ومسلم: 48..
وهذا يدل على محاسن الإسلام، وعلى فَضْل الإسلام، وعلى توفيق الله تعالى لهذا النبي الكريم، الذي دلَّه الله تعالى على ما ينفع العباد في الدنيا والآخرة، صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا أكرمه بأن يجعل له كلَّ عملٍ نعمله للنبيِّ عليه الصلاة والسلام مثله.
ولهذا لا يجوز لك أن تقول: "اللهم اغفر لمحمدٍ"، تقول: "اللهم صلِّ على محمدٍ"، ولا يجوز لك أن تعتمر عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا أن تتصدق؛ لماذا؟ لأن جميع الصدقات التي تعملها أنت، وجميع الصلوات التي تُصليها، وجميع الأعمال التي تعملها؛ يكون له مثلها عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: مَن دَلَّ على خيرٍ فله مِثلُ أجرِ فاعِلِه[11]رواه مسلم: 1893.. هذا يدل على فضل الله تعالى على هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فَلْيُحسِن إلى جارِه...، الإحسان إلى الجار هذا من الإيمان بالله واليوم الآخر، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِم ضيفه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت[12]رواه مسلم: 48.. وهذا رواه مسلمٌ.
خير الجيران عند الله خيرهم لجاره
ومما يدل على عِظَمِ حقِّ الجار، وحق الصاحب، ويُراقب الإنسان في الخير، ويُرغِّب الإنسان فيما يُحِبُّه الله تعالى ويرضاه أنَّ: خير الأصحاب عند الله تعالى خيرُهم لصاحبِه، وخير الجِيران عند الله تعالى خيرُهم لجاره[13]رواه الترمذي: 1944، وأحمد في "المسند": 6566، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 3270..
إذن؛ المنافسة هي في الخيرية التي يحصل عليها الإنسان من الله تعالى، كثيرٌ من الناس يقول: ما أَحْسَنَ إليَّ جاري. افْرَحْ إذا لم يُحسِن إليك وأنت تُحسِن إليه، عليك أن تفرح بفضل الله؛ لأنك تكون بهذا عند الله خيرًا منه.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره[14]سبق تخريجه.. هذا فضلٌ كبيرٌ، وثوابٌ عظيمٌ؛ فإذا أحسنتَ إلى جارك ولم يُحسِن إليك فهذا يدل على أنك خيرٌ عند الله تعالى، ويحبك الله أكثر منه.
ولهذا جاء رجلٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله، إنَّ لي قَرابةً أَصِلُهم ويقطعونني، وأُحسِن إليهم ويُسيئون إليَّ، وأَحْلُم عنهم ويَجْهلون عليَّ. قال: لئن كُنْتَ كما قُلْتَ فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ... -المَلُّ: هو الرَّمَاد الحار- لئن كُنتَ كما قُلتَ فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ، ولا يزال معك مِن اللهِ ظهيرٌ عليهم ما دُمْتَ على ذلك[15]رواه مسلم: 2558.. معك مِن الله مُعِينٌ يُعينك عليهم ما دمت تُحسِن إليهم وهم يُسيئون إليك، وخاصةً إذا كانوا من القرابة.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ أفضلَ الصدقةِ الصَّدَقةُ على ذي الرَّحِم الكاشِح[16]رواه أحمد في "المسند": 15320، والدارمي في "مسنده": 1721، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1110.. ذي الرحم الكاشح، الكاشح: هو الذي يُضمِر العداوة في كَشْحِه؛ أي: في خَصْرِه وفي داخله، فأفضل الصدقة عند الله على هذا الذي يُضمِر العداوة لك، وهذا يدل على الإيمان عندك، وأنك تؤمن بالله واليوم الآخر، وترجو ثواب الله وتخشى عقابه؛ لأنك تريد فضل الله تعالى.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطِعتْ رَحِمُه وَصَلها[17]رواه البخاري: 5991.؛ يعني: الواصل هو ليس بالمكافئ، إذا وَصَلَكَ الجار وَصَلْتَه، إذا أعطاك أعطيتَه، إذا أكرمك أكرمتَه؛ هذه مكافأةٌ، لكن قال: ولكن الواصل الذي إذا قُطِعتْ رحمه وصلها[18]سبق تخريجه.. فإذا قَطَعك جارُك وأعطيتَه، ومنعك وأعطيتَه، وأساء إليك وأحسنتَ إليه؛ فأنت الواصل، تَحصُل على هذا الثواب من الله تعالى، وعلى هذا الخير العظيم الذي بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.
عِظَم الإساءة إلى الجار
ولا شكَّ أنَّ الإساءة إلى الجيران من أعظم الذنوب والجرائم والفواحش العظيمة، هذا للإساءة إلى الجار، إذا أساء إلى جاره فقد ارتكب ذنبًا عظيمًا وجرما كبيرًا وفاحشةً عظيمةً، إذا أساء إلى جاره.
واسمع كلام النبي عليه الصلاة والسلام، فقد قال: ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرَّمه الله ورسوله؛ فهو حرامٌ إلى يوم القيامة... كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68- 70]. والشاهد هو قوله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ [الفرقان:68].
هذا يدل على أنَّ الزنا من أعظم الجرائم بعد الشرك، قَرَنه اللهُ تعالى بالشرك، ومع هذا قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرَّمه الله تعالى ورسوله، فهو حرامٌ إلى يوم القيامة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لَأَنْ يَزْنِيَ الرجلُ بعَشْر نسوةٍ أيسرُ عليه مِن أن يزني بامرأة جاره.... هذا أيسر! هو جُرْمٌ عظيمٌ في المرة الواحدة! لكن إذا كان في حقِّ الجار يكون مضاعفًا عشرَ مراتٍ -نسأل الله العفو والعافية-، والجزاء والعقاب عند الله تعالى في الدنيا والآخرة. قال : ما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرَّمها الله ورسوله، فهي حرامٌ. قال : لَأَنْ يسرق الرجلُ مِن عشرة أبياتٍ أيسرُ عليه مِن أن يسرق من جاره[19]رواه أحمد في "المسند": 23854، والطبراني في "المعجم الكبير": 605، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2549.. يعني: هذه مضاعفةٌ، السرقة جريمةٌ وذنبٌ عظيمٌ.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لعَنَ اللهُ السارقَ؛ يسرق البيضة...[20]رواه البخاري: 6783، ومسلم: 1687.؛ ملعونٌ، إذا سَرَق بيضةً فهو ملعونٌ، فكيف إذا سرق من جاره! إذا سرق من جاره فهو أعظم مِن أن يسرق عشر مراتٍ؛ لأن الجار له حقٌّ عظيمٌ.
وثبت عن عبدالله بن مسعودٍ ، عن النبي ، أنه قال : سألتُ النبي فقلتُ: "أيُّ الذنبِ أعظمُ عند الله؟" قال: أن تَجْعل لله ندًّا وهو خَلَقَك...، تجعل لله شريكًا، تجعل لله مثيلًا، تجعل لله شبيهًا، وهو الذي خلقك، وهو الذي يستحق العبادة، هذا هو المُستحِق للعبادة، فإذا جعلت لله ندًّا فهذا مِن أعظم الذنوب والجرائم. قال : قلتُ: "إنَّ ذلك لَعَظيمٌ". هذا الأمر عظيمٌ، ذنبٌ عظيم. قال: قلتُ: "ثم أيٌّ؟" بعد الشِّرك، قال : أن تَقْتُل ولدك خشية أن يَطْعم معك، هذا كان يَحصُل في الجاهلية، يقتلون أولادهم خشية أن يَطعموا معهم، سواءٌ أكانوا من البنات أو من الذكور. ثم قال: قلت: "ثم أيٌّ؟: مع الشِّرك بالله تعالى والقتل، قال : أن تُزاني بحَلِيلة جارك[21]رواه البخاري: 4477، ومسلم: 86.. والحليلة: هي الزوجة.
هذا يدل على أن هذا مِن أعظم الذنوب، ومِن الذي قَرَنه الله تعالى بالشرك بالله: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72].
إذن؛ قَرَن هذا العمل في حقِّ الجار بالشرك بالله تعالى، وهذا يدل على عِظَم حق الجار، وعلى عظم الأمور التي ينبغي له أن يُعنَى بها في حقِّ جاره؛ مَن آذى جاره لعنه الله ، الذي يؤذي جاره يلعنه الله، وهو يستحق اللعنة.
يجوز لك أن تقول: "فلانٌ ابن فلانٍ"، لا، تقول: "مَن آذى جارَه؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"؛ لا بأس، لكن ما تقول: "فلانٌ ابن فلانٍ"؛ لَعْنُ المُعيَّن لا يجوز لأنه قد يتوب، لكن على وجه العموم تَلْعن العُصاة: "لعنة الله على مَن آذى جاره، لعنة الله على مَن أسبل إزاره، لعنة الله على مَن شرب الخمر، لعنة الله على من يستمع الغِناء والمعازف، لعنة الله على مَن نظر إلى محارم الناس". لك أن تقول على وجه العموم، أما تقول: "فلانٌ"، لا، حتى الكافر لا تقول: "لعنة الله على الكافر"؛ لأنه قد يُسلِم؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام بيَّن ذلك.
فعن أبي هريرةَ قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ، قال: "إنَّ لي جارًا يُؤذيني..." يشتكي عند الرسول : عندي جارٌ آذاني، عذَّبني، ماذا أعمل؟ فقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: انطلِق، فأَخْرِج متاعك إلى الطريق؛ يعني: خُذْ ما عندك من المتاع واجعله على طريق الناس؛ حتى ينظروا المتاع -متاع من الأمور والمواعين- واجلس عندها؛ معناه: اجلس عندها. فانطلَق فأَخْرَج متاعه، فاجتمع عليه الناس، قالوا: ما الذي جعلك تَخرج من بيتك؟ ما هو هذا الأمر؟ خَرَجْتَ بمتاعك ومواعينك ووقفت على الشارع! فقالوا له: ما شأنك؟ قال: "لي جارٌ يُؤذيني". فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم اخْزِه. فبلغه -أي: بلغ الجار- فأتاه فقال: ارجِعْ إلى منزلك؛ فوالله لا أؤذيك[22]رواه أبو داود: 5153، والبخاري في "الأدب المفرد": 124 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 124..
هذا هو الشاهد: أنَّ هؤلاء لعنوه، وقالوا: "اللهم اخزه"، والنبي عليه الصلاة والسلام أقرَّهم.
وثبت من حديث أبي جُحَيْفةَ : أن رجلًا جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يشكو جاره، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: اطرح متاعك في الطريق، أمام الناس؛ فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يمرون به ويسألونه فيُخبرهم الخبر، يقول: آذاني جاري. فجعل الناس يلعنونه بلعنة الله. فجاء إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام هذا الجارُ المؤذي الذي آذى، فقال: "يا رسول الله، ما لَقِيتُ مِن الناس! ما لَقِيتُ من الناس!" قال : وما لقيتَه منهم؟ قال: يلعنوني. قال : فقد لعنك اللهُ قبل الناس، الله قد لعنك قبل أن يلعنك الناس، فحينئذٍ قال: "يا رسول؛ فإني لا أعود"، لا أعود إلى هذا العمل. فجاء إلى الذي شكا إلى النبي فقال: "ارجِعْ ولا ترى مني شيئًا تكره" -أي: مدة حياتك- فرجع ولم يُؤْذِه[23]رواه الحاكم في "المستدرك": 7531، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 9101، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2558..
هذا يدل على عِظَم حقِّ الجار، وأنَّ الجارَ له حقوقٌ عظيمة ينبغي أن يُعنَى بها.
ومن الأمور العظيمة التي تُزعج الإنسان وتُوجب له العذاب -والعياذُ بالله- إن لم يعفُ الله عنه: أن يَخْرُج جارُه أو يرتحل ويترك بيته مِن أجل أَذَى جاره؛ ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: وما من جارٍ يَظلم جارَه ويَقْهره، حتى يَحْمِله ذلك على أن يَخْرج من منزله؛ إلا هلك[24]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 127، والطبراني في "مسند الشاميين": 681، وصحَّحه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 127.. والهلاك يكون في الدنيا والآخرة، فإذا خرج من بيته ورحل من مكانه من أجل جاره؛ فهذا الجار الذي آذاه سيهلك بكلام النبي عليه الصلاة والسلام.
خطر التقصير في حق الجار
خطر أذى الجار، أذى الجار له خطرٌ عظيم، في التقصير في حقه، وإدخال الضرر عليه؛ ولهذا ثبت عن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: لقد أتى علينا زمانٌ -أو قال: حِينٌ- وما أحدٌ أحقَّ بديناره ودرهمِه مِن أخيه المسلم، ثم الآن الدينار والدرهم أحبُّ إلى أحدنا مِن أخيه المسلم، سمعتُ رسول الله يقول: كم من جارٍ متعلقٌ بجاره يوم القيامة، يقول: يا ربي، هذا أغلق بابَه دوني؛ فمنعني معروفه[25]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 111، والأصفهاني في "الترغيب والترهيب": 875، وحسَّنه الألباني في "صحيح الأدب … Continue reading؛ أي: مَنَع المعروف منه الذي يوصله إليه، وأغلق بابه. هذا سيلقى حقَّه عند الله تعالى يوم القيامة.
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ليس المؤمن الذي يَشبع وجاره جائعٌ[26]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 112، والطبراني في "المعجم الكبير": 12741، وصحَّحه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 112.. هذا ليس بمؤمن! جاره جائعٌ وهو شبعان. وهذا خطرٌ، وخاصةً عند بعض الناس، والجار قد يكون عاملًا من العُمال، قد يكون من الفقراء. بعض الناس يظن أن الجار لا يكون إلا مِن جنسيته، لا؛ الجار قد يكون كافرًا، وهذا ينطبق حتى على الجار الكافر، وينطبق على العمالة: ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع[27]سبق تخريجه.؛ فلا بُدَّ أن يُعنَى بهذا الأمر.
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا تقوم الساعةُ حتى يَقتل الرجلُ جارَه... -يذبحه، هذا من علامات الساعة- وأخاه وأباه[28]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 118، وحسَّنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 118.. وهذا قد حصل: منهم مَن قتل جاره، ومنهم مَن قتل أخاه، ومنهم مَن قتل أباه -نسأل الله العفو والعافية-، ولا شكَّ أنَّ المسلم ينبغي له أن يُعنَى بحق الجار.
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام: أنه قال في امرأةٍ كانت تقوم الليل وتصوم النهار ولكن كانت تؤذي جيرانها بلسانها؛ فعن أبي هريرة قال: قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: "يا رسول الله، إن فلانةً تقوم الليل وتصوم النهار، وتفعل، وتَصَّدَّقُ، وتُؤذي جيرانها بلسانها". فقال رسول الله : هي من أهل النار.... فاللسان هذا مصيبة عظيمة! إذا آذَتْ به جيرانها -ولو صامت النهار ولو قامت الليل- فإنها في النار؛ حتى تكف لسانها من إيذاء جيرانها.
قالوا: "وفلانةٌ تُصلي المكتوبة، وتَصَّدَّق بأثوارِ -أي: بقِطَع- الأَقِطِ، ولا تُؤذي أحدًا" أي: لا تُؤذي جيرانها. فقال رسولُ الله : هي من أهل الجنة[29]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 119، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 9098، وصحَّحه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 119.. ما دام أنها تُحافظ على الواجبات، وتبتعد عن المُحرَّمات، ولا تُؤذي جيرانها بلسانها؛ فهي من أهل الجنة، كما بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام.
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: أول خصمين يومَ القيامة جاران[30]رواه أحمد في "المسند": 17372، والطبراني في "المعجم الكبير": 852، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 2563.، مِن أول الخصوم عند الله تعالى يوم القيامة: جاران يتخاصمان عند الحكم العدل يوم القيامة، وهو إذا حَكَم بينهما يحكم بالعدل.
وعن عُبَادة بن الصامت يرفعه: أن رسول الله قضى: أن لا ضرر ولا ضرار[31]رواه ابن ماجه: 2340، وأحمد في "المسند": 22778.، وقال: لا ضرر ولا ضرار[32]رواه ابن ماجه: 2341، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7517.. والضَّرَرُ: هو أن تُلْحِق الأذى بجارك، أن تمنعه المعروفَ، تُؤْذِيَه، تُدْخِلَ الأذى عليه. والضِّرَار: هو أن تُقابِلَ مضرَّته بالضرر الآخر. هذا يُقال له: ضِرَار. أنت ضرَرْتَه إذا منعته حقَّه أو آذيته أو أدخلت عليه الأذى، والضرار: هو أن يقابلك بالمُضَارَّة؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: لا ضرر ولا ضرار[33]سبق تخريجه..
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن ضارَّ أضرَّ الله به، ومَن شاقَّ شقَّ الله عليه[34]رواه أبو داود: 3635، وابن ماجه: 2342، وأحمد في "المسند": 15755، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 6372.؛ فانتبه يا عبدَالله، لا تَضُرَّ أحدًا لا من جيرانك ولا من غيرهم.
ولا شكَّ أنَّ الإحسان إلى الجار، بكفِّ الأذى، والهدية، والصبر على أذاه؛ هو مِن أعظم العبادات، ومن أعظم القربات لله تبارك وتعالى؛ ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة أنه قال: مَن يأخذ عني هؤلاء الكلمات...، كلماتٌ خمسٌ، فيعمل بهن، أو يُعلم مَن يعمل بهن؟ قال أبو هريرة : قلتُ: "أنا يا رسول الله". فأخذ بيدي -أخذ بيد أبي هريرةَ - فعَدَّ خمسًا، قال : اتَّقِ المحارمَ تَكُنْ أعبد الناس...، جميع ما حرَّم الله ابتعِدْ عنه، قال: اتَّقِ المحارم تَكُنْ أعبد الناس، وارضَ بما قسَم اللهُ لك تكن أغنى الناس، وأَحْسِن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأَحِبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تُكثِر الضحك؛ فإن كثرة الضحك تُميت القلب[35]رواه الترمذي: 2305، وأحمد في "المسند": 8095، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2349..
بعض الناس يرفع صوته بالضحك والقهقهة، وهذا يُميت القلبَ كما بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام؛ لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام كان يَضحك حتى تَبْدو ضَوَاحِكُه، حتى تبدو أنيابه عليه الصلاة والسلام ويبتسم[36]رواه البخاري: 1936، ومسلم: 1111.. أما القهقهة فهي تُميت القلب، كما بيَّنه النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
الوصية بالإحسان إلى الجار
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام في الوصية بالجار للنساء والرجال أنه قال: يا نساءَ المسلمات، لا تَحْقِرَنَّ جارةٌ لجارتها ولو فِرْسَنَ شاةٍ[37]رواه البخاري: 2566، ومسلم: 1030.. فِرْسن الشاة: هو ظِلْف الشاة، وهو قليل اللحم، حتى لو لم تَجِدْ إلا الظِّلْفَ، فلها أن تُهْدي إلى جيرانها، لكن على حسب الأحوال؛ فقد يكون الناسُ أغنياءَ ويكون عندهم خيرٌ، ثم تأتي بالظِّلْف تُهْديه إليهم، على حسب العرف بين الناس. لكنَّ هذا فيه الحثُّ والترغيب على الإهداء للجار ولو بأقل القليل، وهذا من محاسن الإسلام، ومِن فَضْل الله تعالى على عباده.
قبول هدية الجار
وعلى الجار أن يَقبَل الهدية ولو كانت قليلةً؛ ولهذا ثَبَت عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنه قال: لو دُعيتُ إلى ذِراعٍ أو كُراعٍ لَأجبتُ...، كُرَاعِ دابةٍ، أُرِيدَ أن تأكله، والله سيُجِيبه عليه الصلاة والسلام، قال: لو دُعِيتُ إلى ذِراعٍ أو كُراعٍ لَأجبتُ، ولو أُهْدِيَ إليَّ ذراعٌ أو كُراعٌ لَقَبِلْتُ[38]رواه البخاري: 2568.. لو واحدٌ أَهْدى إليه ذراعًا أو كُراعًا لَقَبِلَ عليه الصلاة والسلام. وهذا فيه الحثُّ على قبول هدية الجار ولو كانت يسيرةً، يقبلها مِن أجل تطييب الخاطر، وهذا مِن فضل الله تعالى على عباده.
وبيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام أحقَّ الجيران بالهدية والإحسان؛ فالجيران لهم حقٌّ، لكن الأقرب فالأقرب، والأقرب يكون بأقرب الأبواب، قد يكون الجدار قريبًا ولكنَّ آخِرَ جدارِه بعيدٌ وبابُه قريبٌ؛ فالأولى هو قريب الباب؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها حينما قالت: "يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيِّهما أُهْدي؟" فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إلى أقربِهما مِنْكِ بابًا[39]رواه البخاري: 2259..
يبدأ بالهدية للباب القريب، ثم الأبعد فالأبعد، وهذا يدل على أن الجيران يُعتبر القرب بالأبواب؛ فكلما كان أقربَ بابًا يكون أقربَ وأفضلَ وأولى وآكَد بالوصل وبالإحسان.
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لأبي ذرٍّ : يا أبا ذر، إذا طَبَخْتَ مَرَقةً فأَكثِرْ ماءها وتَعاهَدْ جيرانك[40]رواه مسلم: 2625.، وفي لفظٍ: إن خليلي أوصاني: إذا طَبَخْتَ مَرَقًا فأَكْثِر ماءَه، ثم انظُرْ أهلَ بيتٍ مِن جيرانك فأَصِبْهم منها بمعروفٍ[41]رواه مسلم: 2624.، يعني: ما قال: أَكثِر لحمها، بل قال: أَكْثِر ماءها، وهذا على حسب الأحوال. حينما يسمع الإنسانُ هذه الأحاديث يُنزلها على حسب منازلها، وعلى حسب أعراف الناس.
ولهذا جاء عن عائشة رضي الله عنها: عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: أنزلوا الناسَ منازلهم[42]رواه أبو داود: 4842.، لا يكون جارُكَ أميرًا أو تاجرًا من التُّجَّار العظماء، ثم تَزيد المَرَقةَ وتُهدي إليه، هو غنيٌّ عن هذا، لكن هذا على حسب الأحوال، وعلى حسب الأعراف بين الناس، وعلى حسب الحاجة؛ فإذا كان يحتاج إلى ذلك أَكْثِرِ المَرَقَ وأَعْطِه، وإذا كان لا يحتاج أَهْدِه هديةً تنفعه؛ حتى لا يقع الإنسان في الحرج، ويقوم بما أمر به النبيُّ عليه الصلاة والسلام.
الصبر على أذى الجار
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام: أنه نهى الجارَ أن يَمْنع جارَه شيئًا ينفعه، حتى إنه قال: لا يَمْنَعْ أحدُكم جارَه أن يَغْرِز خشبةً في جداره[43]رواه البخاري: 2463، ومسلم: 1609.، إذا كان جارُك بجانبك واحتاج أن يجعل خشبةً على جدارك مِن أجل أن يَبني له غُرفةً أو غير ذلك؛ لا تمنعه، فإنْ منعتَه فقد عصيتَ الله وعصيتَ النبي عليه الصلاة والسلام، إلا لحاجة: إذا خُشي على الجدار أن ينهدم، الجدار ضعيفٌ لا يتحمَّل؛ هذا له عذرٌ. أما إذا كان الجدار يتحمل فلا تمنع هذه الخشبة، لا يَمْنَعْ أحدُكم جارَه أن يَغْرِز خشبةً في جداره[44]سبق تخريجه.، هذا من وصايا النبي -صلوات الله وسلامه عليه- بحقوق الجار.
وثبت عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنه بيَّن أنَّ ثلاثةً يُحبهم الله، وثلاثةً يُبغضهم الله، فالثلاثة الذين يُحبهم الله:
- الأول: رجلٌ غزا في سبيل الله... فقاتَلَ حتى قُتِل.
- والثاني رجلٌ كان له جارٌ... يُؤذيه، فصَبَر على أذاه حتى يَكْفيه الله تعالى إياه بحياةٍ أو موتٍ. هذا يُحبه الله؛ يصبر على أذى جاره، يؤذيه ويتعدى عليه، ويتطاول عليه، ولكنه يصبر عليه حتى يتفارق هو وإياه إما بحياةٍ وإما بموتٍ؛ فهذا يحبه الله تعالى. وإذا أحبَّكَ الله فأبشِر بالخير؛ أحبَّك كلُّ شيء.
- والثالث: ورجلٌ سافَرَ مع قومٍ... فأتى عليهم آخِرُ الليل فناموا، فقام فتطهَّر وقام يُصلي...، هؤلاء من الثلاثة الذين يُحبهم الله تعالى.
وأما الثلاثة الذين يُبغضهم الله تعالى:
- الأول: فالمختال الفخور، مُختالٌ يتكبَّر ويمدح نفسه؛ هذا يُبغضه الله تعالى.
- والثاني: البخيل المَنَّان، بخيلٌ لكنه إذا أعطى شيئًا مَنَّه؛ هذا يُبْغضه الله تعالى.
- والثالث: التاجر الحَلَّاف[45]رواه أحمد في "المسند": 21530، والطبراني في "المعجم الكبير": 1637، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2569.، تاجرٌ حلَّافٌ: يَحْلِف: "والله اشتريتُ بكذا، والله إنها سِيمَتْ بكذا"، يحلف بالله تعالى؛ هذا يُبغضه الله تعالى، تاجرٌ حلَّافٌ. فلا يتعرض لهذه الأمور ولا يحلف عليها؛ بل عليه أن يقول الصدق، يقول: سِيمَتْ بكذا، اشتريتُها بكذا، تسوى كذا بدون دِيْن.
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: أربعٌ من السعادة: ...، أربعةُ أمورٍ من سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة: المرأة الصالحة هذه من السعادة، والمسكن الواسع هذا من السعادة، والجار الصالح هذا من السعادة، والمَرْكب الهنيء هذا من السعادة. قال : وأربعٌ من الشقاوة: الجار السُّوء...، الجار الخبيث هذا من الشقاوة لك -نسأل الله العفو والعافية-، والمرأة السُّوء مرأةٌ قبيحةُ الأخلاقِ هذه مِن الشقاوة، والمَسْكن الضَّيِّق، والمركب السوء[46]رواه ابن حبَّان في "صحيحه": 4032، والأصفهاني في "حلية الأولياء": 8/ 388، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 4021..
وهذا يدل على حرص النبي عليه الصلاة والسلام على تعليم الناس الخيرَ، صلوات الله وسلامه عليه.
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: اللهم إني أعوذ بك مِن جار السوء في دار المُقامة؛ فإن جار البادية يتحوَّل[47]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 117، وأبو يعلى في "مسنده": 6536، وصحَّحه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 117.، يستعيذ بالله من جار السُّوء في دار المُقَامة؛ فإن جار البادية يتحوَّل، أي: يَشُدُّ ويذهب، لكن المصيبة الجار الذي يُقيم بجنبك، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المُقامة؛ فإن جار البادية يتحوَّل[48]سبق تخريجه..
وهذا يدل على عِظَم الجار، وخَطَرِ الإثم على الجار الذي يؤذي جاره، وثبت عن عبدالله بن عُمَرَ رضي الله عنهما: أن غلامه سَلَخ شاةً، فقال: "يا غلام، إذا فرَغْتَ فابدأ بجارنا اليهودي". قال: أعطِ جارَنا اليهودي مِن هذه الشاة، فقال رجلٌ من القوم: "اليهوديَّ -أصلحك الله-! تُعطي اليهوديَّ -أصلحك الله-"، قال : سمعتُ النبي يُوصِي بالجار حتى خشينا -أو قال رُؤينا- أنه سيُورِّثه[49]رواه البخاري: 6015، ومسلم: 2625.، حتى لو كان يهوديًّا أَحْسِنْ إليه. ومن الإحسان إلى اليهودي: أن تدعوه إلى الإسلام، وتُحسِن إليه بالكلام، وتُراقبه، وتُبيِّن له محاسن الإسلام؛ حتى تحصل الصلة بينك وبين جارك.
وثبت عن أبي أُمَامةَ قال: سمعتُ رسول الله وهو على ناقته الجَدْعاء في حجة الوداع يقول: أوصيكم بالجار، أوصيكم بالجار. حتى أَكْثَرَ، فقلتُ: إنه لَيُورِّثُه[50]رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 7523، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2573.. إذن؛ الجارُ له حقٌّ عظيم.
فتبيَّن أنَّ اللهَ أوصى بالجار، قال: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ [النساء:36]، أوصى الله به. وأوصى به النبي عليه الصلاة والسلام، قال: أوصيكم بالجار[51]سبق تخريجه.. وأوصى به جبريل النبيَّ عليه الصلاة والسلام.
إحسان معاملة الجار
وامتثالُ الوصية بإيصال أنواع الإحسان على حسَب الطاقة؛ فالإحسان إلى الجار يكون بالهديةِ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: تهادُوا تَحَابُّوا[52]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 594، وأبو يعلى في "مسنده": 6148، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 3004.. والسَّلَامِ كما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام، قال: لا تؤمنوا حتى تَحَابُّوا، ثم قال في آخر الحديث عليه الصلاة والسلام: ألا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم[53]رواه مسلم: 54..
وكذلك طلاقةُ الوجه، يكون الوجه فيه بشاشةٌ، ويتبسَّم إذا لاقى جارَه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْقٍ[54]رواه مسلم: 2626.، وفي روايةٍ: طَلِيقٍ[55]رواه الترمذي: 1833، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2682.. وتفقُّدُ أحوالِه، هذا من حقوقه عليك؛ تتفقد أحواله: كيف حالك؟ كيف أبناؤك؟ عسى ما نَقَص عليكم شيءٌ؟ تحتاجون شيئًا؟ أيُّ خدمةٍ؟ جزاكم الله خيرًا، نحن في خدمتكم إن شاء الله. تفقُّدُ أحوالِ الجار.
إرادة الخير للجار
كذلك ومعاونته فيما يحتاج إليه، وإعانته على ما يحتاج إليه، وكفُّ أسبابِ الأذى عنه على اختلاف أنواعه -حسيةً كانت أو معنويةً-، يَكُفُّ الأذى عنه. هذا من حقوقه عليك. والذي يَجمع ويَشمل الجميعَ: إرادةُ الخيرِ له، وموعظتُه بالحسنى، والدُّعاء له بالهداية، وتَرْك الإضرار له، إلا في الموضع الذي يجب فيه الإضرار له بالقول والفعل.
والذي يخص الصالِحَ: هو جميعُ ما تقدَّم، وغير الصالح: كفُّه عن الذنب الذي يرتكبه بالحُسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر. ويعظ الكافِرَ بعَرْض الإسلام عليه، ويُبيِّن له محاسنه، والترغيب فيه برفقٍ. ويعظ الفاسق بما يناسبه، بالرفق أيضًا واللين مع إعلامه، وكذلك إن أبى فإنه يَهجُره ويُخبِره بسبب الهجر، إذا أقام على المعاصي فإنه يهجره لكن بشرط إذا كان الهجر ينفعه. أما إذا كان الهجر يزيد شرًّا ويزيد مصيبةً ويزيد شحناءَ بينه وبينه ويزيد أذًى؛ فلا يهجره، إذا كان الهجر يؤدي ويُوصِّل إلى ذنبٍ أعظم.
من حقوق الجار
ومن الحقوق للجار الإقراض: إذا استقرض، إذا استقرض أَقْرِضْه ولو يسيرًا، والإعانة إذا استعان، والعيادة إذا مرض، إذا مَرِضَ زُرْه، عُدْه لله تعالى. وإذا أصابه خيرٌ هنَّأْته، حصل له مولودٌ بارَكَ الله لك، حصل له نعمةٌ تُهَنِّئه. وإذا أصابَتْه مصيبةٌ تُعزِّيه وتُصبِّره.
وكذلك لا يستطيل عليه بالبناء فيحجب الهواء والريح، لا يجعل الجدار أو البيت أعلى من بيته حتى يحجب الريح عليه، إلا بإذنه؛ لأن هذا مِن الأذى، إذا كان عنده بيتٌ منخفضٌ وأنت ترفع العمارة عليه حتى تحجب الريح وتحجب الهواء الطيِّب عنه فهذا أذًى، لا تفعل ذلك إلا بعد أن تُرضيه، حتى لو تعطيه مالًا حتى يرضى، فإن رضي فكذلك.
كذلك إن احتاج أعطاه، كذلك يَصْبر على أذاه وعلى أذى أولاده؛ فقد يحصل له أذًى، فإذا آذاه فإنه يصبر على أذاه، وهذا من حق الجار ألا يؤذي جاره. وأعظمُ المشاكل وأكثر المشاكل التي تأتي بين الناس بسبب الأولاد ومشكلات الأولاد؛ فعلى الإنسان أن يصبر، إذا أتى إليك ولدك يبكي: "ضربني ولدُ فلانٍ"، قل: "اصبر يا ولدي، جزاك الله خيرًا، اصبر، هذا جارك، أحسِنْ". لكن إذا ذهبت إليه تقول: "قل لي: لماذا يُضرب ولدي؟"، ثم ينتقم منه، وإذا ضَرب الولد صارت مصيبةً أعظم: جاء الثاني وضَرب الولدَ أو حصل قتالٌ، لا. من أسباب المشكلاتِ: الأولادُ بين الجيران؛ فعليه أن يصبر على أذى الأولاد، وسيزول إن شاء الله، وسيحصل على الخير إن شاء الله إذا صبر على ذلك.
كذلك لا يُؤذيه بريح القاذورات، قد يجعل القمامة عند بابه، أو يؤذيه بالقاذورات، ولا برِيح قِدْرك إذا كان عندك رِيحُ قِدْرٍ وهم عُمَّالٌ أو ضُعَفاءُ، وتَطْبخ اللحمَ وتَطلُع الرائحة والمشويات على هذا المسكين الذي بجانبك؛ فهذا أذًى، عليك أن تعطيه أو لا تؤذيه بهذه الرائحة. ولا كذلك يخرج أولادك بالفاكهة أمامه وبالطعام الطيب ولا بالحلوى، إلا أن تُهدي إليه. وغير ذلك من الأمور التي فيها الإحسان إلى الجار.
حرمة هجر الجيران
والمسألة الأخيرة وهي هجر الجيران والتهاجر بين الجيران، هذا من الجرائم العظيمة ومن الكبائر؛ ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاثِ ليالٍ يلتقيان فيُعرِض هذا ويُعرِض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام[56]رواه البخاري: 6077، ومسلم: 2560.. خيرهما عند الله الذي يبدؤه بالسلام بعد ثلاثة أيامٍ، الله أعطاك ثلاثةَ أيامٍ تهجره فيها، إذا حصل بينك وبينه مشقَّةٌ فهوِّن على نفسك وبرِّد على نفسك؛ ثلاثةُ أيامٍ إجازةٌ لك حتى يَذهب ما في نفسك، بعد الثلاثة عليك أن تَذهب وتُسلِّم عليه.
إذا كان الأمر يحتاج إلى عنايةٍ وإلى تأديبٍ وإلى تعدٍّ وأذًى، فالمحكمةَ -الحمد لله-، لا يَهْجره، بل يذهب إلى المحكمة. إذا كان الأمر يحتاج إلى تغييرِ أذًى ولا يصبر عليه؛ يذهب إلى المحكمة، ولا يهجره، ويُسلِّم عليه. هذا هو الذي يجب على العبد.
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: تُفتَح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس؛ فيُغفر لكل عبدٍ لا يُشرك بالله شيئًا ... ، هذا يوم الإثنين والخميس تُفتح أبواب الجنة، فيُغفر لكلِّ عبدٍ لا يُشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شَحْناءُ، فيقال: أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يَصْطَلِحَا[57]رواه مسلم: 2565.: اتركوهما حتى يصطلحا، لا يُغفَر لمن هَجَر جاره في شَحْناءَ بينهما، حتى لو سلَّم عليه وبينهما شحناءُ، حتى يصطلحا. وهذا يدل على أنه يجب السعي إلى الصلح بين الجيران؛ حتى لا يقع في هذه الجريمة العظيمة.
وفي لفظٍ: تُعرَض الأعمال في كلِّ يوم إثنين وخميس، فيَغفر الله في ذلك اليومِ لكلِّ امرئٍ لا يُشرك بالله شيئًا، إلا امْرَأً كانت بينه وبين أخيه شحناءُ، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا[58]رواه مسلم: 2565.؛ أي: اتركوا هذين حتى يصطلحا. وهذا أمرٌ من الأمور العظيمة.
والجار إذا هَجَر جاره، أو المُسلِم إذا هجر المسلمَ سنةً كاملة؛ كان كسَفْكِ دَمِه، فإنه كأنه سَفَكَ دَمَه، كأنه ذبحه -والعياذ بالله-، إذا هَجَرْتَه سنةً كاملة فكأنك قتلتَه -والعياذ بالله تعالى-، هذا خطرٌ عظيمٌ؛ فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا يَحِلُّ لمؤمنٍ أن يهجر مؤمنًا فوق ثلاثٍ، فإن مرَّت به ثلاثٌ فَلْيَلْقَه فَلْيُسلِّم عليه، فإن ردَّ عليه السلام فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يَرُدَّ عليه فقد باء بالإثم[59]رواه أبو داود: 4912، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2757.، الذي لم يرد تحمُّل الإثم. وفي روايةٍ: وخرج المُسَلِّم من الهجرة.[60]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 414.
والحديث الأخير: أنَّ الإنسان إذا هجر أخاه -أو تهاجرا- ثم سلَّم عليه فإن الملائكة تَرُد عليه إن لم يُسلِّم عليه، إذا قُلتَ: "السلام عليك يا فلان"، ولم يُسلِّم عليك؛ فاعلم بأن الملائكة يقولون: "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته"؛ فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا يحل لمسلمٍ أن يهجر مسلمًا فوق ثلاث ليالٍ، فإن كان تصارَمَا فوق ثلاثٍ فإنهما ناكبان عن الحَقِّ ما داما على صِرَامِهما، وأولهما فيئًا فسَبْقُه بالفيء كفارةٌ له، فإن سلَّم فلم يَرُدَّ عليه رَدَّت عليه الملائكة، وردَّ على الآخَرِ شيطانٌ، فإن ماتا على صِرَامهما لم يجتمعا في الجنة[61]رواه أحمد في "المسند": 16257، والبخاري في "الأدب المفرد": 407، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2759.، لو مات الاثنان وهما متهاجران لم يجتمعا في الجنة، نسأل الله العفو والعافية!
وكذلك الهجر لله: لا بأس به لو هجره لله، إذا كان لا يُصلِّي مع الجماعة، أو كان يرتكب المُحرَّمات وهجره لله؛ فلا بأس ولو هجره سنينَ، لكن بشرط ألا يَحصُل فتنةٌ أخرى وذنبٌ أعظم، فإذا كان يتوقَّع بأنه يأتيه فتنةٌ أخرى أو ذنبٌ أعظم فإنه لا يَهْجُر، وعليه أن يُصلح الأحوال: إما بالمحكمة أو بالهيئة أو بغير ذلك.
والخلاصة: أن الإنسان لو تكلَّم في حقِّ الجارِ سنينَ عديدةً لا يمكن أن يُوفِّي بحقِّ الجار الذي أوجبه الله له؛ فعليك -يا عبدَالله- أن تُحسِن إلى جارك، وألا تُؤذيَ جارك، وأَبْشِر بالخير، وعليك الصبر والاحتساب.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا، أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
| ^1 | رواه أبو داود: 4811، وأحمد في "المسند": 7939، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7719. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 2856، ومسلم: 30. |
| ^3, ^49 | رواه البخاري: 6015، ومسلم: 2625. |
| ^4 | رواه البخاري: 6016. |
| ^5 | رواه مسلم: 46. |
| ^6 | رواه البخاري: 6018، ومسلم: 47. |
| ^7 | رواه البخاري: 13، ومسلم: 45 واللفظ له. |
| ^8 | رواه مسلم: 45. |
| ^9, ^14, ^18, ^27, ^33, ^44, ^48, ^51 | سبق تخريجه. |
| ^10 | رواه البخاري: 6019، ومسلم: 48. |
| ^11 | رواه مسلم: 1893. |
| ^12 | رواه مسلم: 48. |
| ^13 | رواه الترمذي: 1944، وأحمد في "المسند": 6566، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 3270. |
| ^15 | رواه مسلم: 2558. |
| ^16 | رواه أحمد في "المسند": 15320، والدارمي في "مسنده": 1721، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1110. |
| ^17 | رواه البخاري: 5991. |
| ^19 | رواه أحمد في "المسند": 23854، والطبراني في "المعجم الكبير": 605، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2549. |
| ^20 | رواه البخاري: 6783، ومسلم: 1687. |
| ^21 | رواه البخاري: 4477، ومسلم: 86. |
| ^22 | رواه أبو داود: 5153، والبخاري في "الأدب المفرد": 124 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 124. |
| ^23 | رواه الحاكم في "المستدرك": 7531، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 9101، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2558. |
| ^24 | رواه البخاري في "الأدب المفرد": 127، والطبراني في "مسند الشاميين": 681، وصحَّحه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 127. |
| ^25 | رواه البخاري في "الأدب المفرد": 111، والأصفهاني في "الترغيب والترهيب": 875، وحسَّنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 111. |
| ^26 | رواه البخاري في "الأدب المفرد": 112، والطبراني في "المعجم الكبير": 12741، وصحَّحه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 112. |
| ^28 | رواه البخاري في "الأدب المفرد": 118، وحسَّنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 118. |
| ^29 | رواه البخاري في "الأدب المفرد": 119، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 9098، وصحَّحه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 119. |
| ^30 | رواه أحمد في "المسند": 17372، والطبراني في "المعجم الكبير": 852، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 2563. |
| ^31 | رواه ابن ماجه: 2340، وأحمد في "المسند": 22778. |
| ^32 | رواه ابن ماجه: 2341، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7517. |
| ^34 | رواه أبو داود: 3635، وابن ماجه: 2342، وأحمد في "المسند": 15755، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 6372. |
| ^35 | رواه الترمذي: 2305، وأحمد في "المسند": 8095، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2349. |
| ^36 | رواه البخاري: 1936، ومسلم: 1111. |
| ^37 | رواه البخاري: 2566، ومسلم: 1030. |
| ^38 | رواه البخاري: 2568. |
| ^39 | رواه البخاري: 2259. |
| ^40 | رواه مسلم: 2625. |
| ^41 | رواه مسلم: 2624. |
| ^42 | رواه أبو داود: 4842. |
| ^43 | رواه البخاري: 2463، ومسلم: 1609. |
| ^45 | رواه أحمد في "المسند": 21530، والطبراني في "المعجم الكبير": 1637، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2569. |
| ^46 | رواه ابن حبَّان في "صحيحه": 4032، والأصفهاني في "حلية الأولياء": 8/ 388، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 4021. |
| ^47 | رواه البخاري في "الأدب المفرد": 117، وأبو يعلى في "مسنده": 6536، وصحَّحه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 117. |
| ^50 | رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 7523، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2573. |
| ^52 | رواه البخاري في "الأدب المفرد": 594، وأبو يعلى في "مسنده": 6148، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 3004. |
| ^53 | رواه مسلم: 54. |
| ^54 | رواه مسلم: 2626. |
| ^55 | رواه الترمذي: 1833، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2682. |
| ^56 | رواه البخاري: 6077، ومسلم: 2560. |
| ^57, ^58 | رواه مسلم: 2565. |
| ^59 | رواه أبو داود: 4912، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2757. |
| ^60 | رواه البخاري في "الأدب المفرد": 414. |
| ^61 | رواه أحمد في "المسند": 16257، والبخاري في "الأدب المفرد": 407، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2759. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط