تخطى إلى المحتوى

تحقيق التوحيد والتحذير مما يضادُّه

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

تحقيق التوحيد

أما بعد:

فهذا الموضوع هو أهم الموضوعات على الإطلاق، وأعظم الأمور التي يجب على العباد أن يُحقِّقوها: "تحقيق التوحيد، والتحذير مما يضادُّه".

ولا شكَّ أنَّ تحقيق التوحيد هو تخليصه وتصفيته من شوائب الشِّرك والبدع والمعاصي، فلا شكَّ أنَّ التوحيد المُحقَّق الكامل هو الذي سَلِم صاحبُه من الوقوع في المعاصي والسيئات، ومن الوقوع قبل ذلك في الشركيات.

وهو في الحقيقة معناه مُشتقٌّ من "وحَّد الشيءَ": إذا جعله واحدًا، فهو مصدر "وحَّد" يوحِّد توحيدًا، أي: جَعَل الشيء واحدًا، أي: قال مُعتقدًا: إنَّ الله واحدٌ أحدٌ، أو قال: "لا إله إلا الله".

والتوحيد في الحقيقة: إفراد الله تعالى بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.

والتوحيد هو تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه حينما بَعث مُعاذًا  إلى اليمن: إنك تَقْدَم على قومٍ من أهل الكتاب، فَلْيكن أوَّل ما تدعوهم إليه: أن يُوحِّدوا الله تعالى[1]رواه البخاري: 7372.، وفي الرواية الأخرى: إنك ستأتي قومًا أهلَ كتاب، فإذا جئتهم فَادْعُهم إلى أن يشهدوا: أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله[2]رواه البخاري: 1496.، وفي اللفظ الآخر: فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ​​​​​​​[3]رواه البخاري: 1458، ومسلم: 19..

وهذا يدل على أنَّ التوحيد هو تحقيق كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله" عليه الصلاة والسلام.

مفهوم "لا إله إلا الله"

ولا شكَّ أنَّ مفهوم "لا إله إلا الله": لا معبود بحقٍّ إلا الله. فمَن قال بأن معنى "لا إله إلا الله": لا معبود إلا الله، أو قال: لا موجود إلا الله؛ فقد أساء في تعريف التوحيد، وقد عَرَّف البِدعيات، بل عرَّف الأضرحة، وعرَّف ما يُعبَد مِن دون الله تعالى بتعريف التوحيد. لا؛ بل هو: لا معبود حقٌّ إلا الله؛ لأنَّ المعبوداتِ كثيرةٌ التي تُعبَد مِن دون الله تعالى، وهي معبودةٌ بباطلٍ؛ ولهذا قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62].

والمشركون في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يعرفون معنى "لا إله إلا الله" أفضل مِن كثيرٍ مِن الناس ممن يدَّعي الإسلامَ في أقطار الأرض، وليس في هذه البلاد؛ بل في بعض الأقطار يقولون: "لا إله إلا الله" ويَدْعون غيرَ الله، يقولون: "لا إله إلا الله" ويستغيثون بغير الله، يقول بعضهم: "لا إله إلا الله" ويعمل الأعمال الشركية، وهذا يدل على أنهم لم يعرفوا معنى "لا إله إلا الله".

فكما سمعنا من صاحب الفضيلة: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول للناس: يا أيها الناس، قولوا "لا إله إلا الله" تُفلحوا[4]رواه أحمد في "المسند": 16603، وابن حبان في "صحيحه": 6562، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 6528.؛ فالمشركون يعرفون معناها؛ ولهذا قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]، علموا بأنهم لو قالوا: "لا إله إلا الله"، لعبدوا الله تعالى وحده وتركوا معبوداتهم.

ولهذا قال بعض العلماء رحمهم الله تعالى: فلا خير فيمن كان كُفَّار المشركين أَعْرفَ منه بمعنى لا "إله إله إلا الله"؛ امتنعوا أن يقولوا "لا إله إلا الله"؛ لأنهم يعلمون أنهم لو قالوها لتركوا المعبودات من دون الله تعالى وعبدوا إلهًا واحدًا.

والخلاصة: أن معنى "لا إله إلا الله": لا معبود حقٌّ إلا الله، لا يُدعَى إلا الله، ولا يُستغاث إلا بالله، ولا يُذبَح إلا لله، ولا يُنذَر إلا لله، ولا يُحَبُّ إلا لله تعالى، ولا يُبغَض إلا لله، يَعمل الأعمال الصالحة كلها ابتغاء مرضاة الله تعالى، يرجو وجه الله تعالى ويخشى عقابه.

فضل التوحيد

وكذلك التوحيد له فضلٌ عظيمٌ، بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام، ومنه الحديث العظيم الذي قال فيه النبي صلوات الله وسلامه عليه: ... ما كان من العمل، يُغفر له إذا كان يعمل ويعتقد بهذه الأعمال؛ ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم ورُوحٌ منه، وأن الجنة حقٌّ، وأن النار حقٌّ؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل[5]رواه البخاري: 3435، ومسلم: 28..

هذا يدل على أنَّ مَن حقَّق هذه الأمور فإنه يدخل الجنة؛ لأنه قد حقَّق التوحيد؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يُشرك بالله شيئًا دخل النار[6]رواه البخاري: 1238، ومسلم: 93 واللفظ له..

وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث عِتْبانَ  أنه قال: فإنَّ اللهَ حرَّم على النارِ مَن قال "لا إله إلا الله"، يبتغي بذلك وجهَ الله تعالى[7]رواه البخاري: 425، ومسلم: 33.؛ وهذا يدل على أنَّ مَن قال "لا إله إلا الله"، وعمل بشروطها وأركانها، وابتعد عن المعاصي والسيئات؛ فإنه يدخل الجنة مِن أوَّلِ وهلةٍ.

أما مَن قال "لا إله إلا الله"، ونقص من أعمالها ومما ينبغي أن يُعمَل به في شأنها؛ فإنه يكون على خطرٍ عظيمٍ، ويكون تحت المشيئة؛ إذا مات على معصيةٍ مِن كبائر الذنوب فإنه يكون تحت المشيئة: إن شاء الله تعالى غفر له، وإن لم يشأ لم يغفر له، إذا سَلِم ونجا من الشركيات ومن الشرك بالله تعالى.

ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لمُعاذٍ : هل تدري ما حقُّ الله على العباد؟ قال: قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال : حقُّ الله على العباد: أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا[8]رواه البخاري: 2856، ومسلم: 30..

أهمية التوحيد

والخلاصة: أنَّ الذي يدل على أهمية التوحيد: أنَّ القرآنَ كلَّه في التوحيد، مِن أوله إلى آخره، ولا نجد سورةً واحدةً في القرآن إلا وهي تتكلم عن التوحيد، كما بيَّن العلماء رحمهم الله تعالى؛ فالقرآن:

  • إما خبرٌ عن أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله وأقواله؛ فهذا توحيد الربوبية والأسماء والصفات.
  • وإما دعوةٌ إلى عبادة الله تعالى وحده، وخَلْع ما يُعبَد من دونه؛ فهذا توحيد الألوهية.
  • وإما أمرٌ ونهيٌ وإلزامٌ بطاعة الله تعالى؛ وهذا من حقوق التوحيد ومُكملاته.
  • وإما خبرٌ عن أهل الشرك وما فَعَل اللهُ بهم في الدنيا والآخرة؛ وهذا جزاءُ مَن خرج عن التوحيد.
  • وإما خبرٌ عن إكرام الله تعالى لأهل طاعته، وما يفعل بهم في الدنيا والآخرة؛ وهذا جزاءُ توحيدِه ومَن قام بتوحيده.

إذن؛ فالقرآن كله في التوحيد: في حقوقه، وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم.

وهذا يدل على أنَّ التوحيد هو الدين كله؛ ولهذا ينبغي للمسلم أن يُعنَى بالتوحيد، فإذا كان مُوحِّدًا قائمًا بالتوحيد في عباداته؛ فالعمل القليل يكون كثيرًا. وإذا كان العمل فيه شركٌ -حتى لو كان من الشرك الأصغر- فإنَّ هذا العمل: إما يكون باطلًا، وإما يكون قليلًا.

ما يضادُّ التوحيد

ولا شكَّ أنَّ عنوان المحاضرة فيها: "وما يُضادُّ التوحيد". ما يُضادُّ التوحيد: الشِّرْك بالله تعالى.

أنواع الشرك

والشرك شركان:

  • شِرْكٌ أكبر: وهو صَرْفُ نوعٍ من أنواع العبادة لغير الله تعالى، وهو أن يجعل العبدُ لله ندًّا وهو خلقه، وهو أيضًا دعوةُ غيرِ الله تعالى معه، وهو أيضًا مساواة غير الله تعالى بالله فيما هو مِن خصائص الله، كما قال المشركون الذين يقولون لمعبوداتهم: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ۝ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:97- 98].

والبراهينُ الجلية التي أبطل اللهُ تعالى بها الشرك، والتحذير منه، حذَّر من الشرك؛ فإن الله تعالى حذَّر من الشرك في كتابه في آياتٍ كثيرةٍ، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:116]، إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72]، قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [المائدة:76]، قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا [الإسراء:56].

فلا شكَّ أنَّ الآيات في الشرك والتحذير من الشرك كثيرةٌ جدًّا، وأعظمُ هذه الآيات: قولُه تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ۝ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:22- 23]، وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ ۝ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس:106- 107]، وقال في الآية الأخرى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام:17].

ولا شكَّ أنَّ على المسلم أن يُعنَى بالتوحيد، ويبتعد عن الشرك؛ فإن كثيرًا مِن الناس -إلا مَن عصم اللهُ تبارك وتعالى- في أقطار الأرض يستغيثون بغير الله، ويذبحون لغير الله، وينذرون لغير الله، فتسمع بعضهم يقول: "يا سيدي فلان، يا سيدي ميرغني، اشفِ مريضي، يا سيدي عبدالقادر الجيلاني، يا سيدي فلان، يا سيدتي زينب، يا سيدي الحسين، يا علي، يا فاطمة".

هذا دعاءٌ لغير الله تعالى، وهو شرك أكبر -نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة- يُحبِط جميع الأعمال -والعياذ بالله تعالى-؛ ولهذا قال الله تعالى: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ [إبراهيم:25]، ويُحذِّرهم من الشرك: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73].

هذا الذي يُدعَى مِن دون الله تعالى لا يستطيع أن يَخلُق ذبابًا، وهو مِن أضعف المخلوقات، وكذلك لا يستطيع أن يستردَّ ما أُخذ مِن الطِّيب الذي قد وُضع عليه، أو أُخذ مِن دمه، أو غير ذلك، فهو ضعيفٌ لا يستطيع أن يُنقذ نفسه؛ ولهذا ضرب الله تعالى هذا المثل العظيم، قال: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:41].

بيتُ العنكبوتِ ضعيفٌ، والإنسانُ العبدُ الضعيف، ضعيفٌ يَأْوي إلى ضعيفٍ، ويترك الذي إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، ويترك عبادةَ الله تعالى، الذي يقول: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40]؛ فهو المُستحِقُّ للعبادة.

ولهذا؛ فإن الذي يَعبُد غيرَ الله تعالى لا شكَّ أنَّ في عقله نقصًا، وفي دينه نقصًا؛ بل يكون مُرتدًا -إن كان من المسلمين- عن دين الله، إذا أشرك بالله تعالى الشرك الأكبر؛ ولهذا قد مَنَّ الله تعالى على هذه البلاد بالتوحيد والخير، فالمسلم عليه أن يشكر الله تعالى.

ولا شكَّ أنَّ الشرك يُبطِل جميع الأعمال، الشرك الأكبر: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، هذا هو الشرك الأكبر. الشرك الأكبر: هو صَرْفُ العبادة أو صَرْفُ نوعٍ من أنواع العبادة لغير الله تعالى.

  • وأما الشرك الأصغر، فالتحقيق -والله أعلم- في تعريف الشرك الأصغر: أنه كلُّ وسيلةٍ تُوصِّل إلى الأكبر، سواءٌ أكانت قوليةً أو فِعليةً أو إراديةً. ويصحُّ أن يُقال: كلُّ ما ذُكر في القرآن وفي السُّنَّة بالشِّرك وسُمِّي شِركًا لكنه لم يبلغ رتبة العبادة، هذا يُقال له شركٌ أصغر، وهو لا يُخرِجه من الملة، ولكن صاحبه على خطرٍ عظيمٍ؛ أن تُبطَل أعماله، والعياذ بالله تعالى.

أنواع الشرك الأصغر

ولا شكَّ أنَّ الشرك الأصغر على أنواعٍ:

  • شركٌ يكون في الأقوال، كأن يقول: "ما شاء الله وشئت"، أو "أنا بالله وبك"، أو يحلف بغير الله. فإذا حلف بغير الله أو قال: "ما شاء الله وشئت" أو قال: "أنا بالله وبك"؛ فهو على نوعين:
    1. إن كان يعتقد أنه ينفع ويضر مِن دون الله تعظيمًا لغير الله، إذا حلف بالنبيِّ ، قال: "والنبي" ويعتقد بأن النبي يضر وينفع عليه الصلاة والسلام، ويُعطي ويمنع، تعظيمًا له؛ فهو شِرْكٌ أكبر.
    2. أما إذا كان ذلك يجري على لسانه ولا يقصد التعظيم، وإنما جرى على لسانه؛ فهو من الشرك الأصغر.
  • شرك النيَّات والإرادات، وهذا شركٌ عظيمٌ؛ خافه النبي صلوات الله وسلامه عليه على أُمته أَخْوَفَ مِن الشرك الأكبر؛ ولهذا قال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ الشِّرك الخفي: أن يقوم الرجل يُصلي، فيُزيِّن صلاته لما يَرَى مِن نَظَرٍ رَجُلٍ[9]رواه ابن ماجه: 4204، وأحمد في "المسند": 11252 بلفظ قريب، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 2607.، أي: إليه.

هذا خافه النبي عليه الصلاة والسلام، على مَن؟ علينا؟ على الصحابة! ونحن مِن أتباع الصحابة: ألا أُخبركم بما هو أخوف عليكم؟ ...[10]سبق تخريجه.، وفي الصحابة أبو بكرٍ وعُمَرُ، وغيرهم  من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، خافه النبي عليه الصلاة والسلام عليهم!

ولهذا كان عُمَرُ -كما ذُكر عنه- أنه بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام يأتي إلى حُذيفةَ ويقول: أنشدك بالله، هل سَمَّاني لَكَ رسولُ الله  من المنافقين؟

وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في الحديث القدسي الذي يَرويه عن ربِّه تبارك وتعالى: أنا أغنى الشُّرَكاء عن الشِّرك، مَن عَمِل عملًا أشرك معي فيه غيري تركتُه وشَرْكَه[11]رواه مسلم: 2985..

وقال النبي عليه الصلاة والسلام في ذلكم: إذا جمع الله الأوَّلين والآخِرين ليوم القيامة، ليومٍ لا ريب فيه، نادى مُنادٍ: مَن كان أشرك في عَمَلٍ عَمِلَه لله أحدًا، فَلْيطلب ثَوَابَه مِن عند غير الله؛ فإنَّ الله أغنى الشركاء عن الشرك[12]رواه الترمذي: 3154، وابن ماجه: 4203، وأحمد في "المسند": 15838، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 33.، رواه الترمذي وغيره. وهذا يدل على التحذير من الرياء، أعاذنا الله وإياكم منه.

ويدخل في ذلكم السُّمْعة: أن يُحِب أن يُذكَر بخيرٍ أو غير ذلك. والسمعة على نوعين:

    1. إما أن يعمل أعمالًا صالحة، ثم يُحدِّث بها الناسَ حتى يذكروه.
    2. وإما أن يعمل أعمالًا أمام الناس من قراءة القرآن أو الذِّكر أو غير ذلك، يقصد بذلك ثناء الناس، ولا يقصد وجه الله تعالى. أو يجمع بين الأمرين: يقصد وجه الله تعالى، ويُحب أن يُثنَى عليه أمام الناس.

فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن سَمَّع سَمَّع الله به، ومَن يُرائي يُرائي الله به يوم القيامة[13]رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2986.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

وأول مَن تُسعَّر بهم النار ثلاثةٌ؛ منهم الذي يقرأ القرآن يريد أن يُقال بأنه قارئٌ، ومنهم الذي يُعلِّم العِلم للناس يُريد أن يُقال: هو عالم، ومنهم الذي يجاهد في سبيل الله يُريد أن يُقال: شجاعٌ أو يُقال: جريءٌ. وهذا أمرٌ عظيمٌ؛ ينبغي للمؤمن أن يخاف الرياء والسُّمعة، أعاذني الله وإياكم منها.

قال النبي إنَّ أخوفَ ما أخاف عليكم الشركُ الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال : الرِّياء، يقول الله ​​​​​​​ لهم يوم القيامة إذا جُزِي الناسُ بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً؟[14]رواه أحمد في "المسند": 23630، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 1555.، رواه الإمام أحمد. وهذا أمرٌ عظيمٌ؛ ينبغي للمسلم أن يتقي الله تعالى، وأن يسأل الله تعالى الإخلاص والتوفيق، وأن يَذكُر الله تعالى، ويسأل الله أن يُصلِح قلبه وعمله.

  • ومن أنواع الشرك الأصغر: شرك الأفعال، كمن يُعلِّق التمائم والخَرَزَ والوَدَعَ؛ فيجب على المسلم أن يحذر ذلك.

وسائل الشرك

أما وسائل الشرك فهي كثيرةٌ، لكن هي باختصار:

الغلو في الصالحين

الغلو في الصالحين؛ كان بين آدَمَ ونوحٍ عليهما السلام عشَرةُ قرونٍ كلُّهم على الإسلام، حتى غَلَوْا في الصالحين، ثم بَعَث اللهُ الرسلَ عليهم الصلاة والسلام، وأوَّلهم نوحٌ عليه الصلاة والسلام.

بناء المساجد على القبور

ومن وسائل الشرك: بناء المساجد على القبور؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، حينما أُخبِر بأنَّ هناك كنيسةً في الحبشة، قال: إنَّ أولئكِ... -أي: يقول لأمِّ سلمةَ رضي الله عنها- إنَّ أُولَئِكِ إذا كان فيهم الرجلُ الصالح فمات، بَنَوْا على قبره مسجدًا وصَوَّرُوا فيه تلك الصُّوَرَ، أولئك شِرار الخلق عند الله تعالى يوم القيامة[15]رواه البخاري: 3873، ومسلم: 528.، مُتفقٌ على صحته.

هذا يدل على أنَّ الذين يَعْبدون القبور، ويَدْعون القبورَ ويستغيثون بها، ويُصوِّرون الصور فيها ويُعظِّمونها؛ هم شِرار الخلق عند الله تعالى، حتى لو قالوا: "لا إله إلا الله"؛ لأنهم نقضوا هذه الكلمة العظيمة.

اتخاذ قبر النبي  عيدًا

اتِّخاذ قبر النبي عليه الصلاة والسلام عيدًا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: لا تجعلوا قبري عِيدًا، وصَلُّوا عليَّ؛ فإن صلاتكم تَبْلُغني حيث كنتم[16]رواه أبو داود: 2042، وأحمد في "المسند": 8804، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 7226.، وقال : إنَّ لله ملائكةً سَيَّاحِين، يُبَلِّغوني عن أُمتي السلام[17]رواه النسائي: 1282، وأحمد في "المسند": 4320، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1215.، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

فأنت تُصلي على النبي عليه الصلاة والسلام في أقطار الأرض، في أماكنَ بعيدةٍ، تُبلِّغه الملائكةُ الصلاةَ، تُبلِّغه صلاتَك، وتُبلِّغه سلامَك.

الصلاة إلى القبور

كذلك نهى النبيُّ عليه الصلاة والسلام عن الصلاة إلى القبور، وقال: لا تجلسوا على القبور، ولا تُصَلُّوا إليها[18]رواه مسلم: 972..

اتخاذ الصور والتماثيل

وكذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصُّوَر، ونهى عن التماثيل، فقال أبو الهَيَّاج الأَسَدي: قال لي عليٌّ : ألا أبعثُكَ على ما بعثني عليه رسولُ الله : لا تَدَع تمثالًا إلا طَمَسْتَه، ولا قبرًا مُشرِفًا إلا سَوَّيْتَه[19]رواه مسلم: 969..

إسراج القبور

وإسراج القبور؛ فقد لَعَن النبي عليه الصلاة والسلام زائراتِ القبور، والمُتَّخِذِين عليها المساجد والسُّرُجَ[20]رواه أبو داود: 3236، والترمذي: 320، والنسائي: 2043، وأحمد في "المسند": 2030، وحسَّنه محققو "المسند"..

الغلو في المدح

وكذلك المدح والإطراء، قال عليه الصلاة والسلام: لا تُطْروني كما أَطْرَتِ النَّصَارى ابنَ مريم؛ إنما أنا عبدُه، فقولوا: عبد الله ورسوله، عليه الصلاة والسلام[21]رواه البخاري: 3445..

شدُّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة

وشدُّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، هذا من وسائل الشرك.

زيارة القبور للاستغاثة بأصحابها

كذلك زيارةُ القبور الزيارةَ الشِّركية؛ لأن زيارةَ القبور على ثلاثةِ أنواعٍ:

  • نوعٌ يكون من الشرك الأكبر: كأن يزور القبور يدعوها مِن دون الله ويدعو أصحابها ويستغيث بهم مِن دون الله تعالى، هذا شِرْكٌ أكبر.
  • ونوعٌ آخر مِن البدع: كأن يذهب إلى القبور يُصلي عند القبور، أو يدعو عند القبور، يقول: "هذا المكان مبارَكٌ، وهذا تُستجاب به الدعوات"، فهذا من البِدع المُحدَثة. وكذلك سؤال الله تعالى بجاه أهل القبور، هذا من البدع التي ينبغي للمسلم أن يبتعد عنها.
  • وأما الزيارة المشروعة: فهي مِن أجل الدعاء للميت، وإحياء السُّنَّة، وترقيق القلب، وتَذَكُّر الآخرة.

مَضَارُّ الشرك

الشرك له أضرارٌ كثيرة؛ فهو:

  • شَرُّ الدنيا والآخرة من أضرار الشرك، فالشرك هو السبب الأعظم لحصول الكربات والهزائم، والذُّلُّ والهوانُ في الدنيا والآخرة يحصل لصاحب الشرك.
  • الضلال: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:116].
  • الشرك الأكبر لا يغفره الله تعالى إذا مات عليه صاحبه، كما قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].
  • الشرك الأكبر يُحبِط جميع الأعمال: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88].
  • الشرك الأكبر يُوجِب لصاحبه النارَ، ويُحرِّم عليه الجنةَ: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72]، وقال: مَن مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومَن مات يُشرك بالله دخل النار[22]رواه البخاري: 1238، ومسلم: 93..
  • الشرك الأكبر يُخلَّد صاحبه في النار.
  • الشرك الأكبر أعظم الظُّلم وأعظم الجُرم: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].
  • الشرك الأكبر أعظم الافتراء على الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، وقال : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]؛ فالله تعالى ورسوله  بريءٌ من المُشركين، الله بريءٌ من المُشركين ورسوله.
  • الشرك الأكبر هو أعظم الذنوب التي حرَّمها الله تعالى.
  • الشرك يُطفئ نور الفطرة: خلقتُ عبادي حُنَفاءَ كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم[23]رواه مسلم: 2865..
  • الشرك يقضي على عزة النفس؛ لأن المُشرِكَ يَذِلُّ للطواغيت، ويدعو غير الله تعالى، ويُهين نفسه، ويترك عبادة الله تبارك وتعالى.
  • الشرك الأكبر يُبيح الدَّمَ والمال، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة[24]رواه البخاري: 25، ومسلم: 22..
  • الشرك الأكبر يُوجِب العداوة بين صاحبه وبين المؤمنين.
  • الشرك الأصغر يُحبِط العمل الذي قارنه، وينقص الإيمان.
  • الشرك يُسبِّب الخوفَ، وينزع الأمن في الدنيا والآخرة. والشرك له أضرارٌ كثيرة.

أسأل الله تعالى، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا، أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

مداخلة: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين.

اللهم صلِّ على نبيِّنا، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى مَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

وبعد:

الشيخان: سعد العريفي، والشيخ سعيد، تحدَّثَا عن قضيةٍ مُهمةٍ، وهي: تحقيق التوحيد. لا شكَّ أنَّ التوحيدَ أوَّلُ واجبٍ على العبد، وأنه أساس الملة والدين، لأجله خلق الله الخلق، ولأجله أرسل الرسل، ولأجله أنزل الكتب، ولأجله قسَم فريقين؛ فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير. هذا التوحيد فَطَر اللهُ الخَلْق عليه: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30].

هذا التوحيد أول الواجبات، انظر إلى القرآن: أوَّل واجبٍ مأخوذٌ من قوله : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21]، وأخبرنا تعالى أنه ما خلق الثقلين إلا لهذا التوحيد: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وأخبر أنَّ الرُّسل جميعًا دَعَوْا إلى التوحيد: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وأن الرسالة عمَّت جميع الخلائق، دعوة التوحيد، وتحذيرٌ من الشرك، قال جلَّ وعلا: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

وأصل الدين أنْ تُحقِّق التوحيد، بأن تعتقد في قلبك اعتقادًا جازمًا أنَّ الله وحده هو المُستحِق للعبادة دون ما سواه، أنه المعبود بحقٍّ، وأن ما سواه هو الباطل: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ [لقمان:30]، تعتقد بقلبك حقيقةَ ذلك الأمر، وتنطق بلسانك بهذا التوحيد، وتعمل بجوارحك فتبتعد عن الشرك قليله وكثيره، فإن الشرك إذا اقترن بالأعمال أبطلها؛ قال جلَّ وعلا: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ۝ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:65- 66]، وقال جلَّ وعلا: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88].

فالتوحيد إخلاص الدين لله ​​​​​​​، وإفراد الله بجميع أنواع العبادة، وأنْ يتعلَّق قلبك بالله حبًّا وخوفًا ورجاءً، وأن تعلم أنَّ كشفَ الضُّرِّ وجَلبَ النَّفْع إنما يُطلَب مِن الله ​​​​​​​، الله مالك ذلك: قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [المائدة:76].

فالذي يَدْعو غيرَ الله يدعو إلى أمواتٍ غائبين، لا يسمعون ولا يُدركون: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ۝ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:5- 6]، وقال : وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ۝ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:13- 14].

"لا إله إلا الله" أساسُ الدين، لها دعت الرسل، فكلُّ رسولٍ بدأ قومَه بهذا التوحيد، قال الله  عن نوح : لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، وقال  عن هودٍ : وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:65]، وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:73]، وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:85].

كل هذا يدلُّك على أنَّ هذا أصلٌ، هو أساسُ دعوةِ الرسل، أساس الملة والدين. فتَعَلُّمُ هذا التوحيد وتَبْيينه للناس وإيضاحه لَأَمْرٌ مهم؛ لأن العقيدة إذا صَلُحت صلحت معها الأعمال كلها، وعندما تفسد العقيدة وتسوء تضعف الأعمال أو تتلاشى.

فإن التوحيد هو أصل الملة، قال جلَّ وعلا عن المُشركين: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]؛ فكل أعمالهم باطلةٌ لأنها فقدت التوحيد، وإذا خلت الأعمال من التوحيد فلا اعتبار لها على الميزان. وتحقيقه -كما تعلمون-: تخليصه مِن شوائب الشرك؛ فإن الشِّرك يَشِين به، والبدع تقدح فيه، والمعاصي تنقص ثوابه.

الشرك أعظم الذنوب وأكبرها، وأعظم الظلم: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، والله جلَّ وعلا أخبرنا أنَّ مَن لقيه مُشركًا به فالجنة عليه حرام: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72]، إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

نسأل الله أن يُثبِّتنا على هذا التوحيد، وألا يُزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا؛ فإنَّ مَن مَن كان آخر كلامه "لا إله إلا الله"؛ دخل الجنة[25]رواه أبو داود: 3116، والترمذي: 977، وأحمد في "المسند": 22127، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6479.، نسأل الله الثبات.

وصلَّى الله على محمدٍ.

^1 رواه البخاري: 7372.
^2 رواه البخاري: 1496.
^3 رواه البخاري: 1458، ومسلم: 19.
^4 رواه أحمد في "المسند": 16603، وابن حبان في "صحيحه": 6562، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 6528.
^5 رواه البخاري: 3435، ومسلم: 28.
^6 رواه البخاري: 1238، ومسلم: 93 واللفظ له.
^7 رواه البخاري: 425، ومسلم: 33.
^8 رواه البخاري: 2856، ومسلم: 30.
^9 رواه ابن ماجه: 4204، وأحمد في "المسند": 11252 بلفظ قريب، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 2607.
^10 سبق تخريجه.
^11 رواه مسلم: 2985.
^12 رواه الترمذي: 3154، وابن ماجه: 4203، وأحمد في "المسند": 15838، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 33.
^13 رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2986.
^14 رواه أحمد في "المسند": 23630، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 1555.
^15 رواه البخاري: 3873، ومسلم: 528.
^16 رواه أبو داود: 2042، وأحمد في "المسند": 8804، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 7226.
^17 رواه النسائي: 1282، وأحمد في "المسند": 4320، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1215.
^18 رواه مسلم: 972.
^19 رواه مسلم: 969.
^20 رواه أبو داود: 3236، والترمذي: 320، والنسائي: 2043، وأحمد في "المسند": 2030، وحسَّنه محققو "المسند".
^21 رواه البخاري: 3445.
^22 رواه البخاري: 1238، ومسلم: 93.
^23 رواه مسلم: 2865.
^24 رواه البخاري: 25، ومسلم: 22.
^25 رواه أبو داود: 3116، والترمذي: 977، وأحمد في "المسند": 22127، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6479.