تخطى إلى المحتوى

الدعاء وموانعه وشروط الإجابة

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

نحييكم في بداية هذه الحلقة من برنامجكم "مجالس العلماء"، آملين أن تقضوا معنا من خلاله وقتًا طيبًا ومفيدًا وعامرًا بذكر الله تبارك وتعالى.

أيها الإخوة والأخوات، في هذه الحلقة ننقلكم إلى أروقة "جامع الإمام تركي بن عبدالله" بمدينة الرياض، حيث عُقد في ذلكم الجامع مجلسٌ من مجالس العلماء، تحت عنوان: "الدعاء، فضله وآدابه". شارك فيه كلٌّ من: فضيلة الدكتور: عبدالرحمن بن عبدالله درويش عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء، وفضيلة الشيخ: سعيد بن علي القحطاني عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، وفضيلة الشيخ: عبدالرحمن بن عبدالله العجلان عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ومدير المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد بحي السويدي بالرياض.

أيها الإخوة والأخوات، في بداية الندوة تحدَّث فضيلة الدكتور: عبدالرحمن بن عبدالله الدرويش عن مفهوم الدعاء، وبيان فضله واهتمام الأنبياء به.

أيها الإخوة والأخوات، بعد ذلك تناول الشيخ: سعيد بن علي القحطاني بعضَ شروط الدعاء وموانع الاجابة، فقال فضيلته:

الشيخ: لا شك أن الدعاء لأهميته لا يُقبل ولا يكون صالحًا إلا بالعمل بالشروط والابتعاد عن الموانع؛ ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحَدِّه، فمتى كان السلاح سلاحًا تامًّا لا آفة به، والساعد ساعدًا قويًّا، والمانع مفقودًا، حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحدٌ من هذه الثلاثة تخلف التأثير، فإن كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه، أو كان ثَمَّ مانع؛ لم يحصل التأثير"[1]الداء والدواء: صـ 26.. فيلزم الداعي الذي يدعو الله ​​​​​​​ أن يلتزم بهذه الشروط.

وهذا يدل على أن الشروط ينبغي أن يُعمل بها، وأن توجد، وينبغي أن تكون الموانع غير موجودة عند الداعي حتى يُستجاب له.

شروط إجابة الدعاء

ومن هذه الشروط من باب الاختصار:

الإخلاص لله

الشرط الأول: الإخلاص لله ​​​​​​​، وهذا شرط في جميع العبادات، لا يقبل الله العبادة إلا إذا كانت خالصةً لوجه الله ​​​​​​​، ومن أعظم العبادة الدعاء، سواء كان دعاءَ عبادةٍ أو دعاء مسألة؛ ولهذا قال الله ​​​​​​​: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف:29]، هذا أمرٌ من الله ​​​​​​​ بالإخلاص في الدعاء وفي غيره من أنواع العبادات: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [غافر:14].

وبيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام تعليمًا وتربيةً لابن عباس، وتعليمه عليه الصلاة والسلام للواحد تعليمٌ للأمة، قال: يا غلام؛ إني أعلمك كلماتٍ، احفظ الله يحفظك الله، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله... الحديث[2]رواه الترمذي: 2516، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5302.، وهذا يدلُّ على عناية النبي عليه الصلاة والسلام بتربية الأمة على ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، والله ​​​​​​​ في كتابه العزيز في آيات كثيرة يحثُّ على الإخلاص.

متابعة النبي عليه الصلاة والسلام

أما الشرط الثاني: فهو متابعة النبي عليه الصلاة والسلام، متابعة النبي صلوات الله وسلامه عليه والسير على منهجه صلوات الله وسلامه عليه وعلى منهاجه؛ ولهذا قال الله ​​​​​​​: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، هذا بيان منه تبارك وتعالى بأن لنا في النبي عليه الصلاة والسلام قدوةً وأسوةً صلوات الله وسلامه عليه.

وبيَّن بأنا إذا كنا صادقين في ادِّعاء محبة الله ​​​​​​​ فعلينا أن نتبع النبي عليه الصلاة والسلام: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]، وقال: وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158]، وقال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة:92]، حينئذٍ أمر بطاعته وأمر باتباعه عليه الصلاة والسلام.

وكذلك بيَّن الله ​​​​​​​ في قوله تبارك وتعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، فالعمل الصالح لا يكون صالحًا سواء كان دعاءً أو غيره إلا بالإخلاص لله ومتابعة النبي عليه الصلاة والسلام، وقال الله تبارك وتعالى في ذلك: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [لقمان:22]؛ إسلام الوجه: هو إخلاص القصد. وَهُوَ مُحْسِنٌ أي: باتباع النبي عليه الصلاة والسلام في أيِّ عبادة شرعها الله تبارك وتعالى.

الثقة بالله

ومن هذه الشروط وهو الشرط الثالث: الثقة بالله ​​​​​​​، فإذا وثق الإنسان بربه ​​​​​​​، وعلم بأنه القادر على كل شيء: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [النحل:40]، وبيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم: يد الله ملأى، لا تَغِيضها نفقةٌ سَحَّاءَ الليلِ والنهارِ، ألم تروا كم أنفق منذ خلق السماوات والأرض[3]رواه البخاري: 7419، ومسلم: 993.. أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

هذا يدل على أن الله ​​​​​​​ لا مانع لما أعطى، ولا مُعطي لما منع، ولا ينفع صاحب الغنى غناه منه تبارك وتعالى، فإذا وقعت هذه الثقة وحُسن الظن بالله ​​​​​​​ في قلب العبد؛ حينئذٍ هذا من أسباب الإجابة، بل من شروط الدعاء: أن يثق بالله ​​​​​​​، وأن يحسن الظن بربه تبارك وتعالى. وهذا من أعظم أسباب إجابة الدعاء، وهو شرط كما سمعنا.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الترمذي: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة[4]رواه الترمذي: 3479، والطبراني في "الدعاء": 62، والحاكم: 1817، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 245.، فلا بد للإنسان أن يوقن بالإجابة، ويثق بالله ​​​​​​​.

حضور القلب والعزم

الشرط الرابع من هذه الشروط: وهو حضور القلب، لا بد للداعي أن يُحضر قلبه ويخشع لله ​​​​​​​ في دعائه؛ ولهذا بعد أن ذكر الله ​​​​​​​ الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وذكر زكريا وذريته قال: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].

إذن: هذا من الشروط التي ينبغي للداعي أن يلتزمها، وهو أن يحضر قلبه وأن يخشع لله ​​​​​​​ في دعائه، ويعلم بأنه فقير إلى الله ​​​​​​​ في دعائه. وهذا من الأسباب التي يوفق لها المسلم في الدعاء.

كذلك من هذه الشروط كذلك: أن يعزم ويجزم في المسألة، إذا دعا الله ​​​​​​​ يعزم، فلا يقول: اللهم اغفر لي إن شئت، أو اللهم ارحمني إن شئت أو غير ذلك؛ لأن الله ​​​​​​​ لا مُكرِه له[5]هذا نصُّ حديث رواه البخاري: 6339، ومسلم: 2679.، وإنما يقال ذلك للعبد الضعيف الذي يُخشى عليه أن يُؤثِّر عليه الطلب، فيقول: إن شئت أعطني، إن شئت أعطني كذا، أعطني كذا. وهذا للعبد، أمَّا الله ​​​​​​​ فلا مُكرِه له؛ فهو يعطي تبارك وتعالى ولا ينقص من عطائه شيءٌ تبارك وتعالى.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسَكم وجنَّكم قاموا في صعيدٍ واحد فسألوني فأعطيتُ كلَّ إنسان مسألتَه؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المَخِيط إذا أُدخل البحر[6]رواه مسلم: 2577.، هذا دليلٌ على كرم الله أنه على كل شيء قدير.

فالمسلم عليه أن يجزم في الدعاء، وعليه أن يعلم بأن الله تبارك وتعالى هو القادر على إجابة الدعاء.

موانع إجابة الدعاء

هناك موانع تمنع إجابة الدعاء إذا كان الإنسان قد تلبَّس بها، فهي من أسباب الحرمان من إجابة الدعوات. ومن هذه الموانع:

الإكثار والتوسع في الحرام

الإكثار والتوسع في الحرام، فإذا أكثر الإنسانُ: كان مشربه وملبسه وغذاه وجميع أموره من الحرام؛ فهذا يُخشى ألا يُقبل منه الدعاء.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: أيها الناس؛ إنَّ الله طيِّب لا يقبل إلا طيبًا، ثم قال في آخر الحديث: فذكر الرجل يُطيل السفر أشعث أغبر يَمُد يديه إلى السماء يقول: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه، والحديث رواه مسلم[7]رواه مسلم: 1015..

استبعادٌ، كيف يُستجاب لهذا الإنسان الذي قد تَلطَّخ بهذه المحرمات؟! بالطعام والشراب واللباس والغذاء وغير ذلك، ومع ذلك قد وُجِدت بعض أسباب الإجابة، فهو أشعث أغبر وهذا من أسباب الإجابة، ومن أسباب الإجابة رفع اليدين؛ ولهذا لم تُستبعد الإجابة له، لكنه قد أكثر في هذه المحرمات.

فالمسلم عليه أن يبتعد عن هذا؛ ولهذا كان الصحابة والصالحون يعتنون بالمطاعم والمشارب، وهذا من توفيق الله ​​​​​​​ لهم، ففي البخاري عن عائشة رضي الله عنها: أن أبا بكر كان له خادم، وكان يأكل من خراجه، فأتى إليه يومًا من الأيام بطعامٍ من الخراج فأكل منه، فقال: هل تدري مما هذا؟ قال: مما هو؟ قال: كنت تكهَّنت في الجاهلية لرجلٍ ولا أُحسن الكهانة فخدعتُه، فهذا الذي أكلتَه منه. فحينئذٍ أَدخل يده في جوفه وأخرج ما في بطنه . رواه البخاري[8]رواه البخاري: 3842..

وفي روايةٍ لأحمد في "الزهد"، كذلك لأبي نعيم زيادة: بأنه قيل له: يرحمك الله، لقمة! ما تفعل هذه اللقمة؟! قال: والله لو لم تَخرج إلا بنفسي لأخرجتُها؛ فإني سمعت النبي يقول: أيما لحمٍ نبت من سحتٍ فالنار أولى به[9]رواه أبو نعيم في "الحلية": 1/31.، واني أخشى أن ينبت لحمي من هذه اللقمة من السحت. أو كما قال .

هذا يدل على عنايتهم، كم من الناس يأكلون الحرام؟ ويأكل الربا والرشوة والغش والتدليس والتطفيف وغير ذلك والسرقة ولا ينظر ولا يضرب لذلك حسابًا، لقمةٌ واحدة أخرجها من بطنه ، وهو أفضل الصحابة، أفضل الخلق بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أبو بكر .

ارتكاب المعاصي

هناك مانع آخر: وهو ارتكاب المعاصي، قد يرتكب الإنسان المعاصي والسيئات والمحرمات، فتكون من أسباب حرمان الإجابة؛ ولهذا يقول الله ​​​​​​​: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11].

فإذا حَلَّ بالإنسان مصيبةٌ وأراد أن يُزيلها بالدعاء ويسأل الله ​​​​​​​ أن تزال؛ فعليه أن يتوب إلى الله ​​​​​​​، وينظر إلى أحواله أولًا، ويطهر نفسه، ويسأل الله تبارك وتعالى. وكذلك لو وقع في بعض المحرمات عليه أن يتوب إلى الله تبارك وتعالى؛ لأنها تسد طريق الإجابة، تسد طريق الإجابة؛ ولهذا قال بعض السلف: تطمعون في الإجابة وقد سددتم طريقها بالمعاصي. أو كما قال.

فالمسلم عليه أن يبتعد عن المعاصي؛ فإنها من أسباب الخسارة ومن أسباب الذلِّ والهوان في الدنيا والآخرة؛ ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في قوله عليه الصلاة والسلام كما رواه الإمام أحمد: وجُعِل الذلُّ والصَّغار على من خالف أمري[10]رواه أحمد: 5667، وحسنه الألباني في "إرواء الغليل": 1269.، الذلُّ في الدنيا والآخرة. ومن أعظم الذلِّ: عدم إجابة الدعاء، والحرمان العظيم. نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.

ترك الواجبات

كذلك من الموانع: ترك الواجبات. ترك الواجبات التي أوجب الله أو أوجبها النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهي من أسباب عدم إجابة الدعاء، أي: من الموانع؛ ولهذا بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره وهو حديث ثابتٌ: والذي نفسي بيده، لَتأمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم[11]رواه الترمذي: 2169، وأحمد: 23301، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 7070.. أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وذكر في "مسند الإمام أحمد" بأن الله ​​​​​​​ يقول: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أستجب لكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم[12]رواه ابن ماجه: 4004، وأحمد: 25255، واللفظ له، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2325.. أو كما رُوي عن النبي صلوات الله وسلامه عليه. هذا معنى صحيح؛ لأن الإنسان إذا ترك الواجبات ووقع في المحرمات يكون ذلك من أسباب البعد ومن أسباب الحرمان في الدنيا والآخرة. نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.

الدعاء بإثمٍ أو قطيعة رحم

ومن هذه الموانع: الدعاء بإثمٍ أو قطيعةِ رحمٍ، أو ما يعارض الحكمة الربانية، فقد يسأل الإنسانُ شيئًا واللهُ ​​​​​​​ يرى بأن الصلاح له في أمرٍ آخر، قد يسأل اللهَ خيرًا فيصرف الله عنه شرًّا أعظم من ذلك؛ لأنه الحكيم، وهو أرحم بعباده من الأم بولدها؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما مِن مسلمٍ يدعو اللهَ بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحمٍ؛ إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يُعجِّل له دعوته، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها، وإما أن تُؤخَّر له إلى يوم القيامة. قال الصحابة: إذن نكثر يا رسول الله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: الله أكثر[13]رواه أحمد: 11133، والبخاري في "الأدب المفرد": 710، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1633..

فالإنسان المسلم إذا قام بالواجبات، وابتعد عن المحرمات، وقام بالشروط، وابتعد عن الموانع، ودعا الله ​​​​​​​، ورأى تَخَلُّف الإجابة؛ فعليه أن يعلم بأن هذا التخلُّف له حكمة: إما لأنه يوجد بعض الموانع، وإما لأنه لم يقم ببعض الشروط. فعليه أن ينظر إلى حاله، ويُفتش على أحواله وعلى نفسه، ينظر: هل عنده معاصٍ؟ هل عنده بعض الواجبات تركها؟ هل وقع في شيءٍ يُغضب الله ​​​​​​​؟ فيُفتش على نفسه، فإذا لم يجد شيئًا فعليه أن يعلم بأن الله ​​​​​​​ هو الحكيم.

الاستعجال وترك الدعاء

ومن هذه الموانع في الحقيقة: الاستعجال وترك الدعاء، فإن بعض الناس إذا دعا الله ​​​​​​​ كثيرًا يرى بأنه لم يُستجب له؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: يُستجاب لأحدكم ما لم يَعْجل. قيل: وكيف يَعجل يا رسول الله؟ قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت فلم أَرَ يَستجيب لي، فحينئذٍ يترك الدعاء[14]رواه البخاري: 6340، ومسلم: 2735.. أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

يَستعجِل، طالما عَلِم هذا الإنسانُ بأن نبيَّ الله عليه الصلاة والسلام يعقوب دعا الله ​​​​​​​ سنين، يدعوه بأن يُرجع عليه يوسف سنين، وأيوب عليه الصلاة والسلام دعا الله أن يكشف عنه الضر وتأخرت الإجابة لحكمةٍ؛ فعليه ألا يستعجل، فإن الاستعجال من موانع الدعاء؛ لأنه إذا استعجل ترك الدعاء ويئس من رحمة الله ​​​​​​​.

فالمُسلِم عليه أن يسأل الله ​​​​​​​ مِن فضله، وعليه أن يقوم بالشروط ويبتعد عن الموانع، وليُبشِر بالسعادة واستجابة الدعاء.

أسأل الله ​​​​​​​ بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

^1 الداء والدواء: صـ 26.
^2 رواه الترمذي: 2516، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5302.
^3 رواه البخاري: 7419، ومسلم: 993.
^4 رواه الترمذي: 3479، والطبراني في "الدعاء": 62، والحاكم: 1817، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 245.
^5 هذا نصُّ حديث رواه البخاري: 6339، ومسلم: 2679.
^6 رواه مسلم: 2577.
^7 رواه مسلم: 1015.
^8 رواه البخاري: 3842.
^9 رواه أبو نعيم في "الحلية": 1/31.
^10 رواه أحمد: 5667، وحسنه الألباني في "إرواء الغليل": 1269.
^11 رواه الترمذي: 2169، وأحمد: 23301، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 7070.
^12 رواه ابن ماجه: 4004، وأحمد: 25255، واللفظ له، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2325.
^13 رواه أحمد: 11133، والبخاري في "الأدب المفرد": 710، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1633.
^14 رواه البخاري: 6340، ومسلم: 2735.