تخطى إلى المحتوى

صفات المتقين والمنافقين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يَهدِه الله فلا مُضلَّ، ومن يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

فضل حلقات الذكر

أما بعد:

فإني أهنئ جميع المستمعين وجميع الإخوة بهذه المنطقة بهذه الأعمال المباركة؛ فإنَّ هذه الأعمال من الأعمال التي يحبها الله تعالى ويرضاها، ويرفع بها الدرجات، ويحصل بها الإنسان المسلم على المغفرة، كما ثبت عن النبي : ما اجتمع قومٌ على ذِكر الله تعالى؛ إلا غُفر لهم قبل أن يتفرقوا[1]رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 6039 بنحوه، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 684 بنحوه، وصحَّحه الألباني في "صحيح … Continue reading.

وجاء في الحديث الثابت في "صحيح البخاري" وفي غيره: لله ملائكة سَيَّارة يلتمسون حِلَقَ الذِّكر، حتى إذا وجدوا بُغْيتَهم حَفُّوا هذه الحَلْقات إلى سماء الدنيا، فيسألهم الله تعالى وهو أعلم بهم، فيقولون: عبادُك يحمدونك ويسبحونك. فيقول: ماذا يسألون؟ فيقولون: يسألونك الجنة. قال: هل رأوا جنتي؟ قالوا: والله يا رب، ما رأوها. قال: كيف لو رأوها؟ قالوا: لو رأوها لكانوا أشدَّ لها طلبًا. قال: مما يستعيذون؟ قالوا: يستعيذون من النار، من نارك. قال: فهل رأوا ناري؟ قالوا: لا يا رب، والله ما رأوها. قال: كيف لو رأوها؟ قالوا: لو رأوها لكانوا أشدَّ منها فرارًا. فيقول الله تعالى: أُشْهِدُكم أني قد غفرتُ لهم. فيقول بعضُ الملائكة: يا رب، فيهم فلانٌ ليس منهم، وإنما جاء لحاجةٍ -جاء لجائزةٍ لعله أن يفوز ببعضها، أو جاء لأمرٍ آخرَ- فيقول الله تعالى: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم[2]رواه البخاري: 6408، ومسلم: 2689..

والله هذه -والله- نعمةٌ للعبد المؤمن إذا حضر هذه الحلقات؛ فإذا سمعتَ حلقة من الحلقات أو درسًا فلا تتأخَّر عنه؛ فقد جاء في الحديث الآخر: أنه إذا اجتمع القوم على ذِكر الله تعالى يُقال لهم: قُوموا مغفورًا لكم، قد بُدِّلت سيئاتكم حسناتٍ. وهو حديثٌ حسنٌ كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى[3]رواه أحمد: 12453، والبزار: 6467، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1504.. فهذه نعمةٌ لا يُحْرَمها إلا محرومٌ.

التقوى وأهميتها

أما موضوع هذه الكلمة وهذه المحاضرة، فهو كما اختاره الإخوة: صفات المتقين والمنافقين.

هناك صفات للمتقين، والتقوى: هي أن تعمل بطاعة الله على نورٍ من الله ترجو ثوابَ الله، وتبتعد عن معصيةِ الله على نورٍ من الله تخشى عقاب الله. تجعل بينك وبين عذاب الله وقايةً، وتجعل بينك وبين غضب الله وسخطه وانتقامه ولعنته وقايةً تقيك من عذاب الله، وتقيك من العذاب في الدنيا والآخرة. هذه التقوى والقيام بالواجبات والابتعاد عن المُحرَّمات.

قبل أن نتكلم في صفات المتقين والمنافقين، فاللهُ تعالى بيَّن أهمية التقوى في كتابه العزيز: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا [النساء:131]؛ فالله تعالى أوصى الأولين والآخرين بتقواه . وهذا من الأمور الواجبة على العباد: أن يتقوا الله تبارك وتعالى.

الأمر الثاني: أن الله تعالى أمر بها في كتابه، وأمر بها النبي ؛ قال الله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [البقرة:281]. اتقوا هذا اليوم، يوم تُعرَضون على الله وتَرْجعون إلى الله، وتجد كلُّ نفسٍ ما عملت من خيرٍ مُحضَرًا وما عملت من سوءٍ، وغير ذلك مما قدَّمت.

اتقوا الله، اجعلوا بينكم وبين عقاب الله تعالى وقايةً تقيكم من غضبه سبحانه: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ [البقرة:48].

فالتقوى أَمَر الله تعالى بها: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:231]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ[النساء:1].

قال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18]؛ لتَنْظُرْ نَفْسٌ: انظر يا عبدَالله ماذا قَدَّمْتَ لغدٍ؟ قال الله: لِغَدٍ لأنه قريبٌ، ما هي إلا وليالٍ أو ساعاتٌ ثم ينتقل إلى غدٍ، إلى غدٍ يومِ القيامة، فالغدُ كأنه قريبٌ. وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ، يعني: وصية لك يا عبدَالله: أن تنظر ما العمل الذي قدَّمته لهذا اليوم؟ يوم لا ينفع مالٌ ولا بنونَ إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ، انظر لهذا العمل حتى تنجو من عذاب الله تعالى؛ وحتى تحصل على الثواب من الله تبارك وتعالى.

ولا شكَّ أن العبد المسلم إذا سمع هذه الآيات والصفات يكون حريصًا على العمل، ويكون حريصًا على الخير؛ فالله تعالى أمر الناس أن ينظروا إلى ما قدَّموا من الصالحات، وقال: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر:19]. أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ: الذي ينسى الله بمعنى: ينسى طاعته وينسى الأعمال الصالحة؛ فالله ينساه بمعنى يُهمله ولا يوفِّقه ولا يُعينه ولا يُسدده ولا يكون مُوفَّقًا، يُهمَل.

ولهذا كان النبيُّ يدعو اللهَ تعالى ألا يَكِلَه إلى نفسِه طَرْفةَ عينٍ: ولا تَكِلْني إلى نفسي طَرْفةَ عينٍ[4]رواه النسائي في "السنن الكبرى": 10330، والبزار: 6368، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 661.، فإذا وَكَلَكَ إلى نفسك طرفةَ عينٍ هلكتَ؛ ولهذا قال : وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[الحشر:19]، ثم قال: لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر:20].

وأمر النبيُّ بذلك، فقال: اتقوا الله ربكم، وصَلُّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأَدُّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذَا أمركم؛ تدخلوا جنة ربكم[5]رواه الترمذي: 616، وأحمد: 22258، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 109.، هذه أوامر من النبي .

وأوصى  معاذًا  حينما بعثه إلى اليمن: اتَّقِ اللهَ حيثما كُنتَ، وأَتبِعِ السيئة الحسنة تَمْحُها، وخالِقِ الناسَ بخلقٍ حسن[6]رواه الترمذي: 1987، وأحمد: 21354، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 97..

اتَّقِ اللهَ حيثما كنت: في البر، في البحر، في الجبال، في القِفَار، في الظُّلمة، إذا أُغلقت الأنوار، وأُرخيت الأستار، وأُغلقت الأبواب، وحصلت الخلوة عن الناس؛ فإنه يعلم بأن الله تعالى يراه، هذه من التقوى؛ ولهذا قال الإمام أحمد كما ذُكر عنه:

إذا ما خَلَوْتَ الدَّهْرَ يومًا فلا تَقُلْ خلوتُ ولكن قُل عليَّ رقيب
ولا تحسبنَّ اللهَ غافلًا ولا أنَّ ما تُخفي عليه يغيب[7]البيتان للإمام أحمد بن حنبل. ينظر "الجامع لعلوم الإمام أحمد": 13/ 235.

ما يخفى على الله خافيةٌ، قال الشاعر:

يا مُدْمِنَ الذَّنْبِ أمَا تَسْتَحْيِي واللهُ في الخلوة ثانيكا[8]البيت لابن السماك. ينظر "تفسير الثعلبي": 29/ 14.

إذا كنت في الخلوة، فالله هو ثانيك.

غَرَّك مِن ربِّك إمهالُه وسَتْرُه طُولَ مَسَاوِيكا[9]البيت لابن السماك. ينظر "تفسير الثعلبي": 29/ 14.

اللهُ يُمهلك كثيرًا.

وإذا خَلَوْتَ برِيبَةٍ في ظُلْمة والنفسُ داعيةٌ إلى الطُّغْيانِ
فاستحي من نظرِ الإله وقُل لها: إنَّ الذي خَلَـق الظَّلامَ يراني[10]البيتان للقحطاني. ينظر "نونية القحطاني": ص29.

هذا من التقوى.

يا مَن يرى مَدَّ البَعُوض جناحها في ظلمة الليل البَهِيمِ الأَلْيَلِ
ويرى نِيَاط عُرُوقِها في نَحْرها ... ... ... ... ... ... ... ... ...[11]البيتان لأبي العلاء المعري. ينظر "التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة" للقرطبي: 1/ 464.

البعوض: هو الذي تُسمونه الناموس، هذا؛ اللهُ تعالى يراه في ظلمة الليل.

يا مَن يرى مَدَّ البَعُوض جناحها في ظلمة الليل البَهِيـم ...

ويرى عروقها في النحر، ويرى المُخَّ يجري في تلك العِظَام النحيلة. قال الشاعر:

امنُنْ عليَّ بتوبةٍ تمحو بها ما كان مني في الزمان الأولِ[12]البيت لأبي العلاء المعري. ينظر "التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة" للقرطبي: 1/ 464.

فهذا -الذي يرى هذا- لا تخفى عليه خافيةٌ.

فعليك يا عبدَالله أن تتقي الله؛ ولهذا أوصى النبي بتقوى الله تعالى: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة[13]رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676، وأحمد: 17144، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 37..

وثبت أن النبي كان يسأل اللهَ التقوى وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام: اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى[14]رواه مسلم: 2721.، يسأل الله التقوى، صلوات الله وسلامه عليه.

ولا شكَّ أن التقوى هي من أسباب دخول الجنة، حينما سُئل النبي عن أكثر ما يُدخِل الناسَ الجنةَ وأكثر ما يُدخل الناسَ النارَ، قال : أكثر ما يُدخِل الناسَ الجنةَ: تقوى الله وحُسن الخلق، وأكثر ما يُدخِل الناسَ النارَ: الأجوفان؛ الفم والفرج[15]رواه الترمذي: 2004، وابن ماجه: 4246، وأحمد: 9696، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2642.، الفم فيه اللسان، وفيه أكل الحرام، ويدخل مع الفم: أكلُ الربا، وأكل أموال الناس بالباطل والتعدي عليهم، وأكل الأموال بالباطل هذا من أكثر ما يُدخِل الناسَ النارَ، كما بيَّن النبيُّ .

وهذا العمل الصالح الذي يُقال له "التقوى" هو أهمُّ مِن اللباس الذي تلبسه، فالآن تلبس اللباس أمام الناس، هذه التقوى وهذه الطاعةُ والابتعادُ عما حرَّم الله أهمُّ من اللباس؛ لو لبس الإنسان وخلع ثوبه مُضطرًّا وخرج من بيته، حصل بركانٌ، أو حصل اهتزازٌ، أو زلازلٌ، أو هدمٌ، أو غرقٌ، وخرج عاريًا؛ هذا لا يُلام لأنه مضطرٌ إلى ذلك، لكن في التقوى لا يُعذَر.

ولهذا قال الله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26]، لباس التقوى بطاعة الله ​​​​​​​، وطاعةِ النبيِّ ، واللهُ أعظمُ وخيرٌ من هذا اللباس الذي نَلْبَسه ونغطي به العورة، لكن مَن يعقل؟ ولهذا قال بعض القائلين:

إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التُّقَى تَقَلَّب عُرْيانًا ولو كان كاسيًا[16]البيت لأبي العتاهية. ينظر "ديوان أبي العتاهية": ص482.
فخيرُ لباسِ المرءِ طاعةُ ربِّه ولا خيرَ فيمن كان لله عاصيًا[17]البيت منسوب لابن الفارض. ينظر: "موسوعة الرقائق والأدب" لياسر الحمداني: ص3908.

خير لباس المرء هو التقوى، والتقوى -كما تقدَّم-: هي أن تعمل بطاعة الله وتترك معصية الله تعالى.

والتقوى كذلك هي أعظم وأفضل من الزاد؛ من الطعام الذي يأكله الإنسان، هي أهم من الطعام؛ ولهذا قال الله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة:197]، خيرٌ من الزاد، خيرٌ من الطعام والشراب الذي تأكله، التقوى هي أن تعمل بطاعة الله تعالى وطاعة النبي .

تزوَّدْ من التَّقوى، فإنك لا تدري إذا جنَّ الليلُ هل تعيش إلى الفجر؟
فكم مِن صحيحٍ ماتَ من غير علةٍ وكم مِن عليلٍ عاش حينًا من الدهرِ
وكم مِن صغارٍ يُرتجى طولُ عُمرِهم وقد دخلت أجسادُهم ظلمةَ القبرِ
وكم مِن فتًى يُمسي ويُصبح لاهيًا وقد نُسجتْ أكفانُه وهو لا يدري

أكفانه موجودة في المغسلة، وهو يُصبح لاهيًا، ربما يتأخر عن الصلاة، يصيبه حادثٌ، وأكفانه موجودة!

وكم من فتًى يُمسي ويُصبح لاهيًا وقد نُسجتْ أكفانُه وهو لا يدري
وكم من عَرُوسٍ زيَّنوها لزوجها وقد قُبضت أرواحهم ليلة القدرِ

يعني: مكتوبٌ: أرواحهم مقبوضةٌ. هذا حاصلٌ؛ فالمسلم عليه أن يعلم بأن هذه من أعظم المهمات.

صفات المتقين

أما صفات المتقين، فقد ذكرها الله تعالى في مواضعَ من كتابه، وهذا فيه الترغيب؛ حينما يَذْكر اللهُ هذه الصفات يَحُثُّ الناسَ على أن يلتزموا بهذه الأعمال، وهذه الأعمال الصالحة.

ومِن أول هذه الصفات: قوله تعالى: الم۝ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1- 2].

هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، أما غير المتقين فلا ينتفعون به. هُدًى لِلنَّاسِ كافة: للجن والإنس، من باب البيان ومن باب التعليم ومن باب الإيضاح. هُدًى لِلنَّاسِ جميعًا، لكن المتقين هم الذين يستفيدون. هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، أي: يعملون بهذا الهُدى، ويتقربون إلى الله تعالى بما يسمعون من الأعمال الصالحة.

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ۝ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ۝ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:3- 5]، فالله تعالى بيَّن في هذه الآيات صفاتٍ للمتقين:

  • الإيمان بالغيب: يؤمنون بالغيب، يؤمنون بعذاب القبر ونعيمه، ويؤمنون بالملائكة، ويؤمنون بأن الله تعالى لا يظلم العباد شيئًا، ويؤمنون بجميع ما كتب الله، ويؤمنون بالقضاء والقدر، ويؤمنون بالرسل عليهم الصلاة والسلام، ويؤمنون بجميع ما أخبر الله به، وأخبر به النبي الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ [البقرة:3]
  • إقامة الصلاة، أي: أن يقيموها كما أمر الله تعالى، إقامةً كاملةً؛ بخشوعها، بجميع ما أوجب الله تعالى فيها، لا مجرد قول: إنهم يصلُّون.
  • الإنفاق في الواجب والمُستحَبِّ: في جميع طُرق الخير، يُنفقون في هذه الوجوه لله تعالى.
  • الإيقان: يوقنون أي الإيمان الكامل بالآخرة والعلم التام الذي ليس فيه أدنى شكٍّ.

ومَن عَمِل بهذه الصفات كان على الهُدى العظيم، وكان من المُفلحين الفائزين في الدنيا والآخرة.

ومن هذه الصفات: قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177]، ففي هذه الآيات من الصفات:

  • الإيمان بالله ، والتصديق بأن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنه بيده كلُّ شيءٍ، وأنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، وأنه المُستحق للعبادة ، وأن له الأسماء الحُسنى والصفات العُلا، وأنه بيده كل شيءٍ.
  • والإيمان باليوم الآخر، وبما أخبر الله عنه من العرض على الله تعالى، والوقوف بين يدي الله تعالى، والميزان، والحوض، والصحف، والجنة والنار، والصراط قبل ذلك، وجميع ما أخبر الله تعالى به.
  • وبالملائكة، كما تقدَّم.
  • والإيمان بالكتب التي أنزل الله على الأنبياء، وأعظم هذه الكتب القرآن الكريم، الإيمان والتصديق والعمل بهذا.
  • وكذلك الامتثال بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
  • وإعطاء المال للأقرباء واليتامى والمساكين والمسافرين والسائلين.
  • وإعتاق الرقاب كما تقدَّم.
  • وإيتاء الزكاة.
  • والوفاء بالعهد مع الله تعالى، وفي رقبتك عهدٌ مع الله بأن تقوم بالواجبات وتبتعد عن المُحرَّمات، فإذا لم تقم بذلك فقد خُنتَ العهد الذي بينك وبين الله، وبينك وبين الناس؛ أي: حقوق للناس عليك، إن قُمتَ بها فقد قُمتَ بهذا، وإن ضيَّعتَها فقد ضيَّعتَ العهد، خُنتَ اللهَ والرسول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27]. فلا شكَّ أنَّ هذه من أعظم الواجبات التي تجب على العبد.
  • ومن هذه الصفات: الصبر: في الفقر، والمرض، ووقت قتال الأعداء.
  • والصدق: في الأقوال، والأفعال، والأحوال.

فهذه الصفات عظيمةٌ، بيَّنها الله تعالى حتى يستفيد الناس من هذه الصفات، وحتى يعملوا بها.

ومن هذه الصفات قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ [آل عمران:14]، ثم قال  بعد ذلك: قُل أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:15].

إذن؛ هذه صفاتٌ من صفات المتقين:

  • التوسل إلى الله تعالى بالإيمان به، حينما قالوا: ربَّنا. ينادون الله تعالى، يتوسلون بصفته .
  • وطلب المغفرة، يطلبون المغفرة من الله تعالى.
  • وطلبهم من الله الوقاية من عذاب النار.
  • والصبر: على طاعة الله، والابتعاد عن محارم الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة.
  • والقنوت: الذي هو دوام الطاعة لله تعالى.
  • والإنفاق في سبيل الله على الفقراء والمحتاجين وغيرهم.
  • والاستغفار، خصوصًا وقت الأسحار: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [آل عمران:17]، هذه من صفات المؤمنين التي ذكرها الله تعالى حثًّا على العمل بهذه الصفات؛ حتى يستفيد الناس من هذه الصفات التي ذكرها الله .

وكذلك من هذه الصفات قوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ۝ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ۝ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:133- 135]، هذه من صفات المؤمنين التي ذكرها الله ، ثم قال: أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:136].

هذه الآيات تبيِّن بعض الصفات، تبيِّن هذا الفضل؛ وهذه الصفات:

  • الإنفاق في سبيل الله تعالى: في العسر واليسر، أي: في الفقر والغنى، والشدة والرخاء، والمَنْشَط والمَكْرَه، والصحة والمرض.
  • كظم الغيظ: كَظَمَ يعني: يكظمه ولا يُخرجه للناس، ولكنه يكظمه داخل نفسه؛ ولهذا قال النبي : مَن كَظَمَ غيظًا وهو قادرٌ على إنفاذه، دعاه الله تعالى يوم القيامة على رؤوس الأشهاد حتى يُخيِّروه من الحور العين ما شاء[18]رواه أبو داود: 4777، والترمذي: 2021، وابن ماجه: 4186، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2753.. فإذا أغضبك بعض الناس وكظمتَ الغيظ في قلبك لله تعالى ولم تُنفِّذ ما أردت من الانتقام ابتغاءَ مرضاة الله تعالى؛ فإن الله يدعوك يوم القيامة على رؤوس الأشهاد حتى يخيروك من الحور العين.
  • وأعظم من ذلك: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ، العفو. وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ، يعفو. والعفو: هو إزالة ما في النفس. الآن هو كَظَمَ الغيظ ولم يُنفِّذ شيئًا من الانتقام، لكن قال : وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ كذلك: إذا أحسن وقابل السيئة بالحسنة فهذا يكون من المحبوبين عند الله تبارك وتعالى، والعفو عن كل مساويهم من قولٍ أو فعلٍ. ذَكَر اللهُ تعالى هذه الصفات حتى يستفيد المؤمنون.
  • ومن هذه الصفات: المبادرة للتوبة والاستغفار إذا أذنب: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران:135].
  • عدم الإصرار على الذنوب والاستمرار عليها، بل يتوبون منها. هذه من الصفات المحمودة التي ذكرها الله تعالى.

ومن هذه الصفات قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ۝ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ۝ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ۝ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ۝ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات:15- 19].

ومن هذه الصفات:

  • الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله.
    الإحسان في عبادة الله: بأن تعبد اللهَ كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
    والإحسان إلى عباد الله: بأن تعطيهم حقوقهم التي أوجب الله عليك، وتُحسِن إليهم بما يحبه الله تعالى ويرضاه.
  • والصلاة في الليل، هذه من صفات المتقين: يصلُّون في الليل على وجه الإخلاص، اجتماع القلب واللسان، فيكون نومهم بالليل قليلًا؛ ولهذا بَيَّن في هذه الآية بأنهم: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [الذاريات:17]. الله أكبر! أي: ما ينامون إلا قليلًا في الليل، والبقية يتقربون لله تعالى بالصلاة والدعاء، ثم يختمون ذلك بالاستغفار، يَمُدُّون الصلاة ثم يختمون ذلك بالاستغفار في الأسحار؛ ولهذا قال: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ۝ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17- 18]. هذا يحث العبد على أنه يتخذ نصيبًا من هذا الليل، ويجعل آخر أعماله في الاستغفار.
  • وكذلك من هذه الصفات: الاستغفار بالأسحار قبل الفجر، فقد مَدُّوا صلاتهم للسحر، ثم جلسوا في خاتمة قيامهم بالليل يستغفرون الله تعالى.
  • والإنفاق على المحتاجين الذين يطلبون من الناس، والذين لا يسألون الناس، وهذه من صفات المتقين الذين أدخلهم الله الجنات المشتملة على جميع أصناف الأشجار والفواكه، وعلى العيون السارحة تشرب منها تلك البساتين، ويشرب منها عباد الله المتقون.

وهذه نماذج من صفات المتقين؛ فعلى المسلم أن يراجع ويدرس كتاب الله تعالى، ويتأمل في هذا القرآن الكريم؛ حتى يستفيد من هذا القرآن العظيم.

صفات المنافقين

أما صفات المنافقين؛ فهي تُناقض صفات المتقين، فحينما يَذكر صفات المتقين ويُثني عليهم ويُبشِّرهم بما أعدَّ لهم من السعادة في الدارين في الدنيا والآخرة، يكون ذلك ترغيبًا للمتقين وحثًّا لهم على التزامِ هذه الصفات وسلوكِ مَسلكِهم؛ ليحصلوا على ما حصلوا عليه، ذَكَر صفات المنافقين حتى يستفيدوا:

أولًا: يذكروا نعمة الله على المتقين المؤمنين بإخبارهم بهذه الصفات.

وثانيًا: تهديدًا للمؤمنين المتقين من سلوك طريق المنافقين، ويحضُّ المؤمنين على الصدق وعلى القيام بهذه الأعمال، ويحذِّرهم من صلاة المنافقين.

مفهوم النفاق وأنواعه

والنفاق -كما ذَكَر العلماء- مفهومه مُشتقٌّ من النَّفَق: وهو سَرَبٌ في الأرض يُوصل إلى مكانٍ آخرَ. ومأخوذٌ من جُحْر اليربوع، أي: نَفَقُ الربوع، له نفقٌ وله قَاصِعَاءُ، فإذا أُوتِي من ناحيةٍ خرج من ناحيةٍ أخرى، هكذا المنافق كاليربوع.

والنِّفاق على نوعين:

  • نِفاقٌ اعتقاديٌّ: يُخرِج من دين الإسلام، ولا يكون صاحبه مؤمنًا؛ بل يكون كافرًا بالله رب العالمين -والعياذ بالله تعالى-، وهو أنواعٌ:

تكذيب الله تعالى؛ يُكذِّب الله سواءٌ بلسانه أو في نفسه أو غير ذلك؛ فهذا يكون من المنافقين -والعياذ بالله تعالى- في الدرك الأسفل من النار: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ [النساء:145]، يُكذِّب الله تعالى.

أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول ، يُكذِّب ولو بعضًا، قيل له: "الحُكم كذا"، قال: "لا، هذا ما يصلح عندنا، عاداتنا كذا وأعمالنا كذا"؛ هذا كذَّب الله وكذَّب الرسول ؛ نعوذ بالله!

أو بُغْضُ الرسول ، أو بُغْضُ بعض ما جاء به الرسول ، ولو أبغض شيئًا، كأن أبغض بعض الأحكام الشرعية، لا يُحبها ويُحب الأحكام الوضعية أو الأحكام القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية، يحبها بقلبه ولو لم يذكرها، يحبها على الشريعة؛ هذا يكون منافقًا نفاقًا أكبر يُخرِجه من دين الإسلام. لكن من يعلم ذلك؟ أنا ولا أنت؟! لا يعلمه إلا الله، فالإنسان يعلم نفسه، وهو الذي يحدد كفره بنفسه. فإذا كان يحب هذه الأمور أعظمَ من محبةِ ما جاء به النبي ؛ فهو كافرٌ بالله رب العالمين، وهو الذي يحكم على نفسه ويعرف نفسه، ولا يعرفه الناس.

أو مَسَرَّةٌ بانخفاض دين الرسول ، أو كراهية انتصار المسلمين على الكافرين، هذه من العلامات التي بيَّنها النبي .

  • أما النفاق الأصغر، فهو كأن يَعِدَ ويُخلِف: آية المنافق ثلاثٌ: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان[19]رواه البخاري: 33، ومسلم: 59.، وأربعٌ مَن كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلةٌ منهن كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر[20]رواه البخاري: 34، ومسلم: 58.. هذه من علامات المنافقين، لكنه نفاقٌ أصغرُ، كبيرةٌ من كبائر الذنوب، ولا يزال من المسلمين لكنه من الفاسقين الخارجين عن الطاعة. ولكن لو استحلَّ هذا وقال: "هذا حلالٌ"؛ يكون كافرًا بالله رب العالمين؛ نسأل الله العافية!

صفات المنافقين في القرآن الكريم

والله تعالى قد بيَّن صفات المنافقين في كتابه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ۝ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ۝ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ۝ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ۝ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ۝ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ۝ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ۝ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ۝ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة:8- 16]؛ نسأل الله العافية!

يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف

اعتادوا الضلالة بدلًا من الهدى، جعلوا الهُدى ودين النبي ثمنًا للضلالة، وأخذوا الضلالة، اشتروا هذا -نسأل الله العافية-، وهذه خسارةٌ عظيمةٌ -نسأل الله العافية-، قال تعالى: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ۝ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [التوبة:67- 68].

  • الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، أي: أولياء بعضٍ.
  • يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ، أيُّ إنسانٍ يأمر بالمنكر فهو من المنافقين، إذا دعا النساء إلى التبرج فهو يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، إذا عمل عملًا يخالف الشريعة ودعا إليه ورغَّب الناس فيه فهو يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف؛ نسأل الله العفو والعافية!

لا ينفقون في سبيل الله

  • وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ، يعني: لا ينفقون في سبيل الله تعالى.
  • نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ، نسوا طاعة الله ونسوا ما يُقرِّبهم إلى الله؛ فَنَسِيَهُمْ بمعنى: أهملهم ولم ينظر إليهم ولم يوفِّقهم، ولم يُعِنْهم، ولم يُسدِّدهم، ولم يَهْدِهم هدايةَ التوفيق والإلهام والتسديد والإعانة، نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.

ثم ذكر  عقابهم: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ، أي: كافيتهم -نسأل الله العافية-، وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ: أبعدهم عن رحمته، وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [التوبة:68]، دائمٌ لا ينقطع؛ نسأل الله العافية!

يخادعون الله وهو خادعهم

هذه من صفات المنافقين، قال الله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ۝ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ [محمد:29- 30]، فالمنافقون يخادعون النبي ويخادعون المؤمنين، إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142].

يقومون إلى الصلاة كسالى

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ۝ مُذَبْذَبِينَ... -يعني: مُترددين بين المؤمنين وبين الكافرين- بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهَ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:142- 143]. أضَلَّه اللهُ بمعنى: لم يُوَفِّقْه؛ لأنه ليس أَهلًا للهداية.

فاللهُ تعالى يَهْدي مَن كان أَهْلًا للهداية، ويُضِلُّ مَن كان أَهْلًا للضلالة، فهو أَحْكَمُ الحاكمين، يعلمُ ما في قلبِ هذا الإنسان، ويعلمُ بأنه يُنافِقُ ويُعارِضُ ويُخالِفُ أَمْرَهُ مُتَعَمِّدًا؛ فاللهُ تعالى لا يَهْدِيه؛ ولهذا قال اللهُ تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5].

إذن؛ الإنسانُ هو الذي أَضَلَّ نفسَهُ؛ لأنَّهُ لم يَكُنْ أَهْلًا للهداية، ولم يَكُنْ أَهْلًا للتوفيق، ولم يَكُنْ أَهْلًا للخير، بل من أَهْلِ الشرِّ والفساد -والعياذُ باللهِ تعالى-، هذا خطرٌ عظيم.

موالاة الكافرين ومعاداة المؤمنين

كذلك من علامات المنافقين أو من صفات المنافقين: موالاةُ الكافرين ومعاداةُ المؤمنين؛ يُحِبُّ الكفار، ويُحِبُّ المنافقين، ويُحِبُّ العُصاة، ويَكْرَهُ المؤمن، لو جلسَ مع المؤمنين كأنَّهُ في قفصٍ، ما يرتاح كأنَّهُ مسجونٌ، يجدُ ضِيقًا في نفسِه؛ نسألُ اللهَ العافية!

قال اللهُ تعالى: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ... [النساء:138]، بَشِّرْ بشارةً، لكن البشارة المُطْلَقة: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة:223] هذه بُشرى مُطلَقةٌ، ما يدري بأيِّ بشارةٍ: بالجنة، بالسعادة في الدنيا والآخرة، بكلِّ خيرٍ، بكلِّ ما يتمناه؟

لكنَّ المنافقين يُقَيِّدُ بشارتهم، قال : بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ۝ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:138- 139]. بَشِّرْهُم بالعذاب، وبَشِّرْهُم بالخسارة، وبَشِّرْهُم بالهلاك، وبَشِّرْهُم بالتعاسة، وبَشِّرْهُم بالذلِّ والهوان وبكلِّ ما يحصلُ من الشرور؛ نسألُ اللهَ العفوَ والعافية!

كره الإنفاق في سبيل الله

قال : وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة:54].

وقال الله تعالى: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ [التوبة:53]. يقولُ اللهُ للمنافقين: أَنْفِقُوا سواءٌ طوعًا أو كرهًا، فاللهُ لا يتقبَّل منكم؛ نسألُ اللهَ العفوَ والعافية!

وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة:54]. انتبه! الذي يأتي الصلاة وهو كسلان، هذه من علامات المنافقين.

فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55].

فمن صفات المنافقين القبيحة: أنَّهم كفروا باللهِ وبرسوله، ولا يأتون الصلاة إلا وهم مُتثاقلون، ولا يكادون يفعلونها مِن ثقلها عليهم، ولا يُنفقون إلا وهم كارهون، من غير انشراحِ صدرٍ. وفي هذا غايةُ الذمِّ لمن فَعَلَ فِعْلَهم، وأنَّهُ ينبغي للعبد ألا يأتي الصلاة إلا وهو نشيطُ البدنِ والقلب، ولا يُنفق إلا وهو منشرحُ الصدر ثابتُ القلب، يرجو ذُخْرَها وثوابَها من الله وحده، ولا يتشبه بالمنافقين؛ نسألُ اللهَ العفوَ والعافية!

الاستهزاء بالمؤمنين والسخرية منهم

من صفات المنافقين: الاستهزاءُ بالمؤمنين، والسخريةُ منهم: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ ۝ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ۝ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:64- 66] نسألُ اللهَ العفوَ والعافية.

في غزوة تبوك، كان بعض المنافقين في طريقه مع الناس، قال: ما رأينا مثلَ قُرَّائِنا، أعظمَ بطونًا، ولا أجبنَ عند اللقاء، يقصدُ النبيَّ والصحابة، يعني: بطونهم عظيمةٌ وجُبَناء عند اللقاء؛ فكذَّبه اللهُ تعالى، وأنزل الله آياتٍ في هذا القرآن، واستدعاه وقرأ عليه هذه الآيات، وكان يعتذر ويقول: واللهِ يا رسولَ الله، إنما كنا نُقصِّر الطريق بهذا الكلام، فكان يردُّ عليه : أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ۝ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65- 66]، وكان يتعلَّق بنِسْعَةِ ناقةِ النبي ويقول: واللهِ يا رسولَ الله، ما كنا نفعل ذلك إلا نُقصِّر الطريق. أو كما قال[21]رواه الطبري في "تفسيره": 16911..

أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ۝ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65- 66]؛ فلا تستهزئ بأحدٍ من المؤمنين: لا بلحيته، ولا بثوبه، ولا بحركاته، ولا بدِينه، ولا بأخلاقه؛ فإنَّ هذا على نوعين:

  • إن كان الاستهزاءُ بشخصِ الإنسان وصورة الإنسان وثوب الإنسان وحركات الإنسان؛ فهذا جريمةٌ من الوقوع في السبِّ والظلم والعدوان، كبيرةٌ من كبائر الذنوب.
  • وإن كان يقصد أنَّه ما يعمل هذه الأعمال إلا مَن كان سفيهًا، وأنَّ الصحابة  إذا فعلوا ذلك فإنهم كانوا سفهاء لا يعلمون؛ فهذه رِدَّةٌ عن دين الإسلام -نسأل الله العافية- كفرٌ بالله ربِّ العالمين؛ نسأل الله العفو والعافية!

فلا تستهزئْ بالمؤمنين، ولا بدِين المؤمنين، ولا بأعمال المؤمنين. احذرْ يا عبدَالله! لا تستهزئْ بالله ​​​​​​​، ولا برسوله ، ولا بالدين، ولا بالمؤمنين؛ قال الله تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:79- 80].

الذين يستحقون الضلالة وليسوا من أهل الهداية، فاللهُ لا يهديهم ، فمِن علامات المنافقين: أنَّهم يلمزون المتطوعين؛ إن رأوا صدقاتٍ كثيرةً قالوا: "هذا مُرَاءٍ يُرائي"، وإن رأوا قليلًا قالوا: "غنيٌّ عن هذا وعن صَدَقتِه".

فلا ينجو المؤمنُ منهم: إن أنفق في سبيل الله أو أكرم الأضياف، يرجو ثوابَ الله ويخشى عقابه ويتقرب لله تعالى؛ قالوا:  هذا مُرَاءٍ. وإن اقتصر واقتصد قالوا: هذا بخيلٌ، هذا اللهُ غنيٌّ عنه وعن أعماله.

الإعراض عن الذكر

فاللهُ تعالى بيَّن أنَّ هذه من أعمالهم: عدم استماعهم للذكر وإعراضهم عنه وخروجهم من مجالسه، وإذا حضروا فقلوبهم ليست بحاضرةٍ.

انتبه! من الصفات -والله- الخطيرة على المسلم: لا يستمعون الذِّكر، وإن حضروا لا يفهمون؛ ولهذا قال الله تعالى: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ [التوبة:127]. هذا اللهُ تعالى يقول لهؤلاء: ألَّا تنصرف مِن ذِكر الله، ولا تخرج من الحلقات العلمية.

ولهذا دخل ثلاثةٌ على النبي : أمَّا أحدهم فجلس وأَوَى إلى الصف ودخل في الحلقة، وأمَّا الآخر فاستحيا وجلس خلف الصف، وأمَّا الثالث فخرج، فقال : أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثةِ؟ أمَّا أحدُهم فَأوَى إلى اللَّهِ فآواه الله إليه، وأمَّا الآخَرُ فاستحيا فاستحيا اللَّهُ منه، وأمَّا الآخَرُ فأَعْرَضَ فأَعْرَضَ اللَّهُ عنه[22]رواه البخاري: 66، ومسلم: 2176..

فإذا سمعتَ ذكرًا لا تُعْرِض، لا تخرج إلا لظروفٍ لا تستطيع فيها، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، لكن بدون سببٍ لا تخرج.

وقال الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد:16] نسأل الله العافية، إذا حضروا الحلقات أو حضروا العلم لا يسمعون كلامًا، لكن ما يفهمون؛ نسألُ اللهَ العفو والعافية!

هذا من علامات المنافقين: يسمعُ الكلامَ لكن ما يفهم ماذا قال الشيخُ في هذه المحاضرة؟ أو ماذا قال الشخصُ في هذه المحاضرة؟ واللهِ جزاهُ اللهُ خيرًا قال كلامًا طيبًا. وأيش قال؟ عن الصلاة؟ عن الصوم؟ الحمدُ للهِ بالخير، جزاهُ اللهُ خيرًا، ماذا قال؟ ولا يفهم كلمةً. هذا عليه خطر.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا [محمد:16]، قيل: بأنَّ بعضَ المنافقين حضر عند النبي ، أو حلقةً علمية، ثم خرج من المسجد، فسأل ابنَ مسعودٍ  عند باب المسجد، قال: ماذا قال آنفًا؟ ماذا يقول الرسول  آنفًا؟ يعني: قبل قليل.

قالَ تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ...: الذي يفهم ما يُقال ويُركِّز ويستفيد ليعمل، هذا مِن الذين أوتوا العلم، مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد:16]. نسألُ اللهَ العفوَ والعافية!

قالَ اللهُ تعالى في الصُّمِّ: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ...: على علمٍ من الله، اللهُ يعلمُ بأنَّهُ لا يستحقُّ الهداية، ما يستفيدُ من سمعِه وقلبِه، لا يفقهُ بقلبه، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً...: لا يرى الحقَّ ولا يرى آياتِ اللهِ تعالى، فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23]. نسألُ اللهَ العفوَ والعافية!

الرياء بالقول والفعل.. واللدد في الخصومة

ومن علاماتِ المنافقين ومن صفات المنافقين: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ۝ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:204- 205]. هذا من علامات المنافقين.

وقال تبارك وتعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:206]؛ بعضُ الناس يُقال له: اتَّقِ الله، فيقول: "أنتَ الذي اتَّقِ الله، أنتَ اتَّقِ الله سبحانه". يظنُّ بأنَّ هذا من الكلام القبيح، واللهُ ​​​​​​​ يقول: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:1]، اللهُ ​​​​​​​ يقول للنبي : اتَّقِ اللَّهَ.

فيقول: "اتَّقِ الله، أنتَ الذي اتَّقِ الله، أنا مُتَّقٍ لله تعالى"! هذا من علامات المنافقين.

فهذا الرجلُ حَسَنُ القول، الذي يكون له وقوعٌ في القلوب؛ لأنَّهُ من المؤمنين، توسيطُ الله وجَعْله شاهدًا على هذا القول كذبًا وزورًا وبهتانًا، ويُوثِّق هذا القول بأنَّ اللهَ تعالى يَشْهدُ عليه، والمهارةُ في الجدل، وفي الإقناع، يعني: عنده قوةٌ يُقنع بأنِّي أنا صادقٌ بعملي.

قوله : وَإِذَا تَوَلَّى [البقرة:205] له معنيان كما ذكر العلماء: إذا أدبر وأعرض عنك. ووجهٌ آخر: إذا مَلَكَ وصار واليًا عَمِل بالعدوان والظلم.

نَقْر الصلاة والعجلة فيها

قال النبيُّ : تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا[23]رواه مسلم: 622..

أنا قلتُ لكم في أول الكلام: ينبغي للمسلم أن يعرف صفات المؤمنين والمتقين فيعمل بها، ويعرف صفات المنافقين فيبتعد عنها.

تلك صلاة المنافق: يجلس يرقبُ الشمس، يعني: يترك الصلاة حتى تكون قبل الغروب، ثم يصلي أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا.

وهذا يدل على صفتين من صفات المنافقين:

  • تأخيرُ الصلاة عن وقتها.
  • والصفةُ الثانية: نقرُها، ولا يذكرُ اللهَ فيها إلا قليلًا.

قالَ : إنَّ أَثْقَلَ صلاةٍ على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لَأَتَوْهما ولو حَبْوًا... -فإذا تأخَّر الإنسان عن صلاة الفجر تأخُّرًا دائمًا فهذا من المنافقين لا شكَّ فيه؛ منافقٌ لأنَّهُ يتأخَّر. أمَّا إذا كان مريضًا، نام بعض الأوقات... أمَّا إذا كان مستمرًّا فعليه أن يحكم على نفسه بأنَّهُ من المنافقين المذمومين، الذين ذمَّهم اللهُ تعالى، وذمَّهم النبي - قالَ : ولو يعلمون ما فيهما لأتوها ولو حبوًا، ولقد هَمَمْتُ أن تُقام الصلاة ثم آمُرَ رجلًا فيُصلِّيَ بالناس، ثم أنطلق معي برجالٍ معهم حُزَمٌ مِن حَطَبٍ إلى قومٍ لا يشهدون الصلاةَ، فأُحرِّقَ عليهم بيوتَهم بالنار[24]رواه البخاري: 657، ومسلم: 651. أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

من عذاب المنافقين يوم القيامة

وفي حديث أبي سعيدٍ : أنَّ النبي بيَّن أنَّ من عذاب المنافقين يوم القيامة: أنَّ اللهَ يكشفُ عن ساقِه، له ساقٌ سبحانه، لكنها ليست كسُوقِنا، تختصُّ بالله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، فيكشفُ عن ساقِه فيسجدُ له كلُّ مؤمنٍ ومؤمنة، الناسُ في عَرَصَاتِ القيامة، فإذا كشفَ اللهُ عن ساقِه سَجَدَ المؤمنون الذين كانوا يسجدون إخلاصًا لله تعالى في الدنيا، ويبقى ظَهْرُ المنافق طَبَقًا، فيبقى كلُّ مَن كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعةً ظَهْرُه طَبَقًا واحدًا، الناس يسجدون وهو واقفٌ[25]رواه البخاري: 4919، ومسلم: 183 بنحوه.. نسألُ اللهَ العفوَ والعافية.

ويدلُّ على هذا من القرآن قولُه تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ۝ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم:42- 43].

فإذا كان يومُ القيامة، وانكشفَ فيه من القلاقل والزلازل والأهوال والبلاء والامتحان والأمور العظام ما لا يدخل تحت الوهم، وأتى الباري لفصل القضاء بين عباده ومجازاتهم، فكشفَ عن ساقِه الكريمة التي لا يُشبهها شيء: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، ورأتِ الخلائقُ من جلالِ اللهِ تعالى وعظمتِه ما لا يمكن التعبير عنه؛ فحينئذٍ يُدْعَون إلى السجود لله، فيسجدُ المؤمنون الذين كانوا يسجدون لله طوعًا واختيارًا، ويذهبُ المنافقون والفُجَّار ليسجدوا فلا يقدرون على السجود، فتكونُ ظهورهم كصَيَاصِي البقر. والصَّيَاصِي: القُرون، تكون ثابتةً فلا يستطيعون الانحناء.

وهذا الجزاءُ من جنس عملهم؛ فإنهم كانوا يُدعون في الدنيا إلى السجود لله وتوحيده وعبادته وهم سالمون لا علةَ فيهم، فيستكبرون عن ذلك ويأبون، فلا تسأل يومئذٍ عن حالهم وسوء مآلهم؛ فإنه قد سخط عليهم؛ والعياذُ بالله تعالى!

ومِن عقاب المنافقين: ما أخبرَ اللهُ به؛ فإذا كان يومُ القيامة، وكُوِّرَتِ الشمس، وخُسِفَ القمر، وصار الناس في الظلمة، ونُصِبَ الصراط على متن جهنم، وعليه كلاليبُ وحسكٌ تأخذ من شاء الله، فحينئذٍ ترى المؤمنين والمؤمنات نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، فيمشون بإيمانِهم ونورِهم في ذلك الموقف الصعب، كلٌّ على قدرِ إيمانه، ويُبَشَّرون عند ذلك بأعظم بشارةٍ، فيُقال لهم: بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الحديد:12].

فإذا رأى المنافقون المؤمنين يمشون بنورِهم وهم قد طُفِئَ نورُهم، قالوا كما قال اللهُ عنهم: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ۝ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ [الحديد:13- 14]. يقولون: انتظرونا نقتبس من نوركم، نَسْتَضِيءُ بنوركم. فيقولون: ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13]، النور في الدنيا؛ فعليكم أن تلتمسوا نورًا في الدنيا؛ فإن هذا النور الذي على الصراط يُلْتَمَس من الأعمال الصالحة في الدنيا.

من صفات المنافقين في السُّنة

قالَ النبي كما تقدَّم: آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ[26]سبق تخريجه.، وقال : أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ، غير أنه في حديث سفيان: وإن كانت فيه خَصْلةٌ منهن كانت خصلةً من النفاق[27]سبق تخريجه..

وفي الحديث: إنَّ للمنافقين علاماتٍ -انتبهوا- إنَّ للمنافقين علاماتٍ يُعرَفون بها: تحيتُهم لعنةٌ... -إذا أقبل بعضهم على بعضٍ لَعَنه، يقول: لعنك الله، ويقول الآخر: وأنت لعنك الله، أين كنت؟ ما رأيتك!- تحيتُهم لعنة، وطعامُهم نُهْبة، وغنيمتُهم غُلُول، ولا يَقْربون المساجد إلا هَجْرًا، ولا يأتون الصلاة إلا دَبْرًا... -يأتي متأخرًا قبل السلام، وإذا هو يقضي الصلاة دائمًا، دائمًا. هذه من علامات المنافقين- مستكبرين، لا يَأْلفون ولا يُؤلَفون، خُشُبٌ بالليل، صُخُبٌ بالنهار[28]رواه أحمد: 7926، والبيهقي في "شعب الإيمان": 2702.. هذا الحديث رواه أحمد في "المسند"، وهو حديثٌ حسنٌ، كما ذكر العلماء رحمه الله تعالى.

وقال عبدالله بن مسعودٍ : مَن سَرَّهُ أن يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مسلمًا فَلْيُحَافِظْ على هؤلاء الصَّلَوَاتِ حيث يُنَادَى بِهِنَّ؛ فإن اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ سُنَنَ الهدى، وإنهن مِن سُنَنِ الْهُدَى، ولو أنكم صَلَّيْتُمْ في بيوتكم كما يُصَلِّي هذا المُتَخَلِّفُ في بيته لَتَرَكْتُمْ سُنَّة نبيِّكم، ولو تركتم سُنَّة نبيِّكم لَضَلَلْتُمْ، وما مِن رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثم يَعْمِدُ إلى مَسْجِدٍ مِن هذه الْمَسَاجِدِ إلا كَتَبَ اللهُ له بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بها دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عنه بها سَيِّئَةً. قال : "ولقد رَأَيْتُنَا وما يَتَخَلَّفُ عنها إلا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ". ففي عهدِ النبي : المتخلِّف عن الصلاة معلومُ النفاق عند أصحاب النبي . قال : لقد كان الرجل يُؤتى به يُهَادَى بين الرجلين حتى يُقام في الصف[29]رواه مسلم: 654..

هذا ما تيسَّر من صفات المتقين، ومن صفات المنافقين.

أسأل الله تعالى، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا، أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأن يجعلني وإياكم من المتقين، وأن يُعيذني وإياكم من صفات المنافقين ومن أعمالهم؛ إنه على كل شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

^1 رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 6039 بنحوه، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 684 بنحوه، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 5610.
^2 رواه البخاري: 6408، ومسلم: 2689.
^3 رواه أحمد: 12453، والبزار: 6467، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1504.
^4 رواه النسائي في "السنن الكبرى": 10330، والبزار: 6368، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 661.
^5 رواه الترمذي: 616، وأحمد: 22258، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 109.
^6 رواه الترمذي: 1987، وأحمد: 21354، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 97.
^7 البيتان للإمام أحمد بن حنبل. ينظر "الجامع لعلوم الإمام أحمد": 13/ 235.
^8, ^9 البيت لابن السماك. ينظر "تفسير الثعلبي": 29/ 14.
^10 البيتان للقحطاني. ينظر "نونية القحطاني": ص29.
^11 البيتان لأبي العلاء المعري. ينظر "التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة" للقرطبي: 1/ 464.
^12 البيت لأبي العلاء المعري. ينظر "التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة" للقرطبي: 1/ 464.
^13 رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676، وأحمد: 17144، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 37.
^14 رواه مسلم: 2721.
^15 رواه الترمذي: 2004، وابن ماجه: 4246، وأحمد: 9696، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2642.
^16 البيت لأبي العتاهية. ينظر "ديوان أبي العتاهية": ص482.
^17 البيت منسوب لابن الفارض. ينظر: "موسوعة الرقائق والأدب" لياسر الحمداني: ص3908.
^18 رواه أبو داود: 4777، والترمذي: 2021، وابن ماجه: 4186، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2753.
^19 رواه البخاري: 33، ومسلم: 59.
^20 رواه البخاري: 34، ومسلم: 58.
^21 رواه الطبري في "تفسيره": 16911.
^22 رواه البخاري: 66، ومسلم: 2176.
^23 رواه مسلم: 622.
^24 رواه البخاري: 657، ومسلم: 651.
^25 رواه البخاري: 4919، ومسلم: 183 بنحوه.
^26, ^27 سبق تخريجه.
^28 رواه أحمد: 7926، والبيهقي في "شعب الإيمان": 2702.
^29 رواه مسلم: 654.