جدول المحتويات
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأشكر الله تعالى أن وفَّق للوصول إلى هذا المكان المبارك، في هذه البلاد، في خميس البحر التابعة لمنطقة أبها.
ثم أشكر الإخوان الذين أعانوني على ذلك ودلُّوني على هذا الخير: مكتب الدعوة في هذه المنطقة؛ فجزاهم الله خيرًا وضاعف مثوبتهم، وجعلني وإياكم وإياهم من الهُداة المهتدين، الذين يدعون للخير ويكونون مفاتيح للخير مغاليق للشر، ويكتب لهم ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام: مَن دلَّ على خيرٍ، فله مِثلُ أجر فاعله[1]رواه مسلم: 1893..
أهمية الذِّكر
لا شكَّ أنَّ موضوع المحاضرة -كما سمعتم- موضوعٌ مهمٌّ؛ لأن الله تعالى حثَّ عليه ورغَّب فيه، ورغَّب فيه النبيُّ صلوات الله وسلامه عليه، وعمل به صلوات الله وسلامه عليه؛ فهو موضوعٌ مهمٌّ جدًّا، يُنقذ من عذاب الله تعالى، ويرفع الله تعالى به الدرجات، ويُقيل الله تعالى به العثرات، ويُكفِّر به السيئات؛ ألا وهو ذِكر الله تعالى.
ومِن أعظم فضائله: أنَّ اللهَ تعالى يَذكُر الذاكرين، وهذا شرفٌ عظيمٌ للعبد المسلم: أن يذكره الله تعالى في الملأ الأعلى عند الملائكة، هذا مِن فضل الله تعالى، كما قال الله : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة:152]؛ فالله تعالى أمر بذكره.
وذِكر الله تعالى يكون: باللسان ويكون بالقلب ويكون بالجوارح، هذا يكون من ذكر الله تعالى، وجميع الأعمال على هذا تدخل في ذكر الله تعالى؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: الدنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها إلا ذِكْرَ الله تعالى وما والاه، وعالمًا أو متعلمًا[2]رواه الترمذي: 2322، وابن ماجه: 4112، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 1609..
ملعونة أي: مذمومةٌ مبغوضةٌ عند الله تعالى.
إلا ذكر الله تعالى وما والاه أي: من الأعمال الصالحة. والعلماء والمتعلمون يدخلون في هذا الفضل العظيم، حتى لو كانت الأعمال المباحة ويقصد بها المسلمُ وجهَ الله تعالى والدارَ الآخرة فإنه يدخل في ما والاه، كل شيءٍ يريد الإنسانُ به وجهَ الله تعالى والدار الاخرة، حتى الطعام والشراب والعمل من أجل الدنيا، أي: من أجل أن يُغني نفسَه ويُعِفَّ نفسه عن الناس، ويقوم بالنفقات التي أوجب الله تعالى عليه بنِيَّةٍ صالحةٍ؛ يكون ذلك من ذكر الله تعالى، ويكون مما والاه.
فالله تعالى يقول: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونَ [البقرة:152]، والله تعالى إذا ذَكَر العبد فهذا شرفٌ له في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن صلَّى عليَّ صلاةً، صلَّى الله عليه بها عشرًا[3]رواه مسلم: 384.، أي: ذَكَره عشر مراتٍ عند الملائكة.
والثواب في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام: أنها ذِكر الله تعالى، أو طلب الله تعالى أن يُثني على عبده، فيما إذا صلَّى على النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك إذا ذكره: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونَ [البقرة:152]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:41- 43].
فضل الذِّكر
فالله تعالى أمر بذكره كثيرًا ، وبيَّن اللهُ تعالى في آياتٍ كثيرةٍ فضلَ هذا الذكر، وبيَّنه النبيُّ صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا حثَّ النبيُّ صلوات الله وسلامه عليه على الذكر وبيَّن فضله.
والله تعالى جعل الذاكرين الله تعالى والذاكرات من أعظم الناس في الحصول على الأجور العظيمة: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35]، بعد أن ذكر أصناف المؤمنين والمؤمنات وغيرهم من أهل الطاعة، قال: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.
والنبي عليه الصلاة والسلام بيَّن فضل الذكر، ومهما بقي الإنسان يتكلم في فضل ذكر الله تعالى لا يمكن أن يُحصيَ ذلك ولا يحيط به؛ لأنَّ ما في القرآن الكريم وما في سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام كثيرٌ من هذا؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: مَثَلُ الذي يذكر ربَّه والذي لا يذكره، كمَثَلِ الحي والميت. هذا في الحديث الصحيح[4]رواه البخاري: 6407..
مثَّل النبيُّ عليه الصلاة والسلام الذاكر لله تعالى والذي لا يذكر الله تعالى كمثل الحي والميت؛ فالذي يذكر الله تعالى حيٌّ حياةً عظيمةً، والذي لا يذكر الله تعالى كالميت لا حراك فيه ولا فائدة فيه ولا عمل له، انقطعت أعماله، لا خير يُجنَى منه بعد موته.
وفي روايةٍ أخرى: مَثَلُ البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يُذكر الله فيه، مَثَلُ الحي والميت[5]رواه مسلم: 779.. فالبيت الذي يُذكر الله فيه كمثل حياةٍ: يُقرأ فيه القرآن، ويُذكر فيه الله تعالى، ويؤمر فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المنكر ويُبتعد عن المُحرَّمات، في هذا البيت، هذا مثل الحي. أما الآخر -البيت الذي لا يُذكر الله فيه- فهو كبيوت القبور، كالقبور لا فائدة في هذه القبور، قبورٌ ميتةٌ لا حياة فيها ولا حياة لأهلها.
ولهذا مثَّل النبي عليه الصلاة والسلام هذا المثال العظيم، وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: إنَّ الله تعالى يقول: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني.... الله معك إذا ذكرتَه؛ معك بتوفيقه، ومعك بعلمه، ومعك بتسديده، ومعك بإعانته، ومعك بتثبيته وتوفيقه ونصرته.
أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي...[6]رواه البخاري: 7405، ومسلم: 2675.. الله تعالى له نفسٌ، لكنها تليق به سبحانه، ليست كأمر العباد: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة:116]، نفس الله تعالى تليق به : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].
فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي...، فكَّر في عظمة الله، فكَّر بنفسه أنَّ الله على كل شيءٍ قديرٌ، فكَّر بنفسه أنه يُثيب الطائعين ويستحق العقوبةَ مَن عصاه.
درجات الذِّكر
هذا ذِكر مَن يذكر الله تعالى بالنفس بدون ذكر اللسان؛ لأن الذكر قد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، والأفضل أن يكون باللسان وبالقلب؛ لأن الذكر ثلاث درجاتٍ، كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى:
- ذِكرٌ بالقلب واللسان: يَذكر بلسانه ويوافق قلبُه لسانَه، يتواطأ القلب مع اللسان؛ فهذا أعلى درجات الذكر: يذكر اللهَ بلسانه، والقلب يتواطأ مع اللسان في التفكير في المعاني.
- وذِكرٌ بالقلب وحده: يتفكر في خلق الله، وفي عظمة الله، وفي قدرة الله، وأن الله المستحق للعبادة، وأنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، وأنه بيده ملكوت كلِّ شيءٍ، وأنه هو المُعز المُذل، المُعطي المانع، الخافض الرافع: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى:49- 50]. فَكَّر بقلبه بدون لسانه، هذا ذِكْرٌ لله تعالى، يُفكر في قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:26]، فكَّر تفكيرًا بدون لسانٍ، هذا ذِكرٌ لله تعالى؛ فالله تعالى يَذْكره في نفسه، وهذا الذكر يكون في القلب، وهو أفضل مِن ذِكر اللسان وحده.
- وذكرٌ باللسان وحده: يذكر الله بلسانه، ولكن لا يُفكر في المعاني ولا يثير ذلك على قلبه؛ فهذا الثالث ذِكرٌ لله تعالى لكنه الدرجة الثالثة.
الدرجة الأولى: ذِكر اللسان مع القلب.
والدرجة الثانية: ذكر القلب وحده.
والدرجة الثالثة: ذكر اللسان الذي لا يتواطأ معه القلب.
فالله تعالى يقول: ... فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في مَلَأٍ ذكرتُه في مَلَأٍ خيرٍ منهم.... تَذْكر اللهَ تعالى عند قومٍ من الناس، قُل بأن الله عظيمٌ، الله على كل شيءٍ قديرٌ، هو المُستحق للعبادة، سبِّحوا ربكم تبارك وتعالى، اذكروا الله تعالى؛ فأنت تذكر الله، تذكر عظمة الله عند الملائكة. هذا مِن فضل الله على عبده المؤمن الذاكر.
وإن ذَكَرَني في مَلَأٍ ذكرتُه في مَلَأٍ خيرٍ منهم، وإن تقرَّب إليَّ شبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا، وإن تقرَّب إليَّ ذراعًا.... لو تقرَّب إليه في العبادة والطاعة والخير شبرًا، تقرَّب الله إليه ذراعًا، وإن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيتُه هَرْولةً[7]رواه البخاري: 7405، ومسلم: 2675..
واللهُ تعالى على عرشِه مُستوٍ استواءً يليق بجلاله، لا يختلط بعباده، بائنٌ مِن خلقه، لكنه مع عباده المؤمنين بتوفيقه وتسديده وإعانته، فهو قريبٌ من عباده ، قريبٌ في عُلُوِّه، وهو على عرشه مُستوٍ استواءً يليق بجلاله، عليٌّ في دُنُوِّه، يعني: إذا دَنَا مِن عباده فهو عليٌّ على عرشه مُستوٍ استواءً يليق بجلاله.
ولهذا؛ فإن الله تعالى قد أحاط بكلِّ شيءٍ، وهو أمام العبد وهو يصلي، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا قام العبد في صلاته فإنه قِبَل وجه ربِّه، فلا ينصرفن فينصرف الله عنه[8]رواه ابن خزيمة: 924.. الله قِبَل وجه عبده، وهو على عرشه مستوٍ استواءً يليق بجلاله، ما دام بأن الكرسي الذي هو موضع القدمين وَسِعَ السماوات والأرض: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [البقرة:255]، فهو أعظم من ذلك الكرسي.
والكرسي: موضع القدمين، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما؛ لهذا جاء في خبر ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "ما السماوات السبع والأرضون السبع بالنسبة للكرسي إلا كدراهمَ سبعةٍ أُلقيت في تُرْسٍ..." -والتُّرس: هو ما يُتَّقى به من السلاح والنبل، تُرْسٌ- "وما الكرسي بالنسبة للعرش إلا كحَلْقةٍ في فلاة". الله أكبر! هذا يدل على عظمة الله.
شُف الأثر الآخر: "ما السماوات السبع والأَرَضُون السَّبْعُ في كفِّ الرحمن إلا كحَبَّة خَرْدَلةٍ في يدِ أحدكم". الله محيطٌ بكل شيءٍ، وأكبر من كل شيءٍ؛ فلا يَتصوَّر الإنسان أنه كالمخلوقات: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، ومَن أتاني يمشي أتيته هرولةً[9]سبق تخريجه.. هذا مِن فضل الله تعالى على عباده الذاكرين.
فضل مجالس الذِّكر
وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام فضل الذِّكر في مواضعَ كثيرةٍ، منها مجالس الذكر التي أنتم فيها الآن.
فقد ثبت في "البخاري" وكذلك في "مسلم": أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: إنَّ لله ملائكةً يلتمسون حِلَقَ الذِّكر، حتى إذا وجدوا بُغيتهم حفُّوا بهذه الحِلَق إلى السَّماء، فيسألهم الله تعالى وهو أعلم بهم... يسألهم، قالوا: وجدنا عبادك يذكرونك ويكبِّرونك ويسبِّحونك. يسألهم: ماذا يسألونني؟ قالوا: يسألونك الجنة. فيقال لهم: وهل رأوا جنتي؟ يقولون: والله يا ربِّ ما رأوها. قال: فكيف ولو رأوها؟ قالوا: لو رأوها لكانوا أشدَّ لها طلبًا. قال: ومِمَّ يستعيذون؟ قالوا: يستعيذون من النار. قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: والله يا ربِّ ما رأوها. قيل لهم: كيف لو رأوها؟ قالوا: لو رأوها لكانوا أشدَّ منها فرارًا. قال: فإني أُشهِدُكم بأني قد غفرتُ لهم. رواه البخاري وغيره ومسلم كذلك. يقول بعضُ الملائكة: يا ربِّ، منهم فلانٌ ليس منهم، وإنما جاء لحاجةٍ... -سبحان الله! الملائكة ليس من باب الاعتراض، الله يعلم ذلك- فيقول الله تعالى: وله غفرتُ، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم[10]رواه البخاري: 6408، ومسلم: 2689..
فهذا، لو لم تَحصُلوا أنتم وغيركم على فائدةٍ إلا هذه الفائدة مِن حَلْقات العلم لكان كافيًا في الفضل والثواب العظيم، لكنه يحصل غير ذلك، تحصل المغفرة؛ ولهذا ثبت في الحديث الآخر الذي حسَّنه الألباني رحمه الله تعالى: ما قعد قومٌ يذكرون الله تعالى ثم تفرَّقوا، إلا قيل لهم: قوموا مغفورًا لكم، قد بُدِّلت سيئاتكم حسنات[11]رواه أحمد: 12453، والبزار: 6467، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1504..
هذا فضلٌ آخر: أن السيئات تُبدَّل حسناتٍ، وهذا هو العلم عند الله تعالى، العلم عند الله تعالى: لم أسمع أحدًا قال بهذا، لكن يُؤخذ من هذا الحديث والعلم عند الله تعالى: أن الذي يحضر الحلقات وليس له نيةٌ في الأجر، وإنما دخل لحاجةٍ؛ عمَّته الرحمةُ. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: إنما الأعمال بالنيات[12]رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.، والعلم عند الله تعالى أن هذا مُستثنًى من النية: جاء لحاجةٍ؛ أراد بعضَ الشيء، مع أنها من شخصٍ في الحلقة، وجلس مع الناس، وصلَّى مع الناس، يريد فلانًا، فعَمَّه الله بالرحمة: وله غفرتُ، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم[13]سبق تخريجه.. هذا من فضل الله تعالى، ومن فضل حلقات العلم.
ومن فضلها: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده[14]رواه مسلم: 2699.. هذا فضلٌ عظيم.
وفي حديثٍ آخرَ يكون عامًّا حتى في البيوت، قال : ما قعد قومٌ... -هذه روايةٌ لمسلم- ما قعد قومٌ يذكرون الله... -هذا يشمل سواءً قعدوا في البيوت أو في الصحراء أو في أي مكانٍ- إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. رواه مسلم[15]رواه مسلم: 2700.. هذا من فضل الله تعالى.
والسكينة كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: هي نوعٌ من أنواع الملائكة، نوعٌ من أنواع الملائكة والرحمة أمرُها عظيم. وهذه السكينة -والله أعلم- غير السكينة الهدوء والالتزام بالآداب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا أُقيمت الصلاة فَأْتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة والوقار؛ فما أدركتم فصَلُّوا، وما فاتَكم فأتمُّوا[16]رواه البخاري: 636، ومسلم: 602.. هذه السكينة تعني: الأدب، والوقار، والهدوء، وعدم العجلة. وهذا من فضل الله تعالى على عباده في ذكر الله تعالى.
والمجالس التي لا يُذكَر الله فيها تكون حسرةً وندامةً على أهلها في الدنيا والآخرة؛ أولًا: لأنهم يتفرقون كما يتفرقون مِن على جيفة حِمارٍ، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: ما جلس قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله تعالى، ولم يصلُّوا على نبيِّهم عليه الصلاة والسلام؛ إلا تفرَّقوا كما يتفرقون من على جيفةِ حِمارٍ، وكان لهم حسرةً[17]رواه أبو داود: 4855، وأحمد: 10680، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 5508..
وفي الحديث الآخر: ما اجتمع قومٌ بمجلسٍ، ثم تفرَّقوا ولم يذكروا الله تعالى؛ إلا كان عليهم تِرَةٌ... -أي: حسرةً- يوم القيامة[18]رواه أبو داود: 4856، والترمذي: 3380، وأحمد: 9764، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 5607..
فذِكرُ الله تعالى له عظيمٌ، وينبغي للعبد المؤمن أن يُعنَى بذكر الله تعالى، وينظر إلى الفضل حتى يجتهد في هذا الخير العظيم، ويكون من الذاكرين الله تعالى والذاكرات.
أنواع الذِّكر
والذكر له مواطنُ ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام في جملة الأحاديث، كذلك القرآن الذي أنزله الله تعالى، وله أحوالٌ: مطلقةٌ ومقيَّدة.
الذِّكر المطلَق
المطلقة، أي: في أيِّ وقتٍ يذكر الله تعالى، في أي وقتٍ؛ مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس[19]رواه مسلم: 2695.. هذا فضلٌ عظيم: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس. هذا ذكرٌ مطلقٌ يقوله الإنسان في أيِّ وقت.
وفي الحديث الآخر: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله[20]رواه أحمد: 513، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 2560، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 366.. إذن، هذه الصالحات، أي: من الباقيات الصالحات: هذا الذكر؛ خمس كلماتٍ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي حديثٍ آخر: أَحبُّ الكلام إلى الله أربعٌ، لا يضرُّك بأيِّهنَّ بدأتَ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر[21]رواه مسلم: 2137.، هذا يُقال له ذِكرٌ مطلقٌ، بأيِّ وقتٍ لا بأس.
ومن الذِّكر المطلق: قول النبي عليه الصلاة والسلام: مَن قال: سبحان الله وبحمده، غُرِست له نخلةٌ في الجنة[22]رواه الترمذي: 3464، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1539.. رواه الترمذي، وحسَّنه الألباني رحمه الله تعالى. نخلة، لكنك ما تراها! ولكن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا بذلك. هذا من فضل الله على عباده، نخلةٌ في الجنة.
وقال عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه: أيعجز أحدُكم أن يكسب كلَّ يومٍ ألفَ حسنةٍ؟ قيل: يا رسول الله، كيف يكسب كل يومٍ ألفَ حسنةٍ أو يُحَطُّ عنه ألفُ خطيئةٍ؟ قال: يُسبِّح الله تعالى مئةَ تسبيحةٍ؛ فيُكتَب له ألفُ حسنةٍ، أو يُحَطُّ عنه ألفُ سيئةٍ[23]رواه مسلم: 2698..
الله أكبر! ما يستغرق ولا دقيقةً واحدةً، هذا من الذكر المطلق: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، ولا دقيقة: يُكتَب له ألف حسنةٍ، أو يُحَطُّ عنه ألفُ خطيئةٍ. هذا من فضل الله تعالى على عباده، هذا مِن الذِّكر المُطلق في أيِّ وقت.
كان أبو موسى الأشعري يمشي بجانب النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يقول في نفسه: "لا حول ولا قوة إلا بالله" في نفسه، فقال : يا أبا موسى -أو يا عبدالله بن قيسٍ- ألا أدلُّك على كنزٍ من كنوز الجنة؟ قال : قلتُ: بلى يا رسول الله. قال : لا حول ولا قوة إلا بالله[24]رواه البخاري: 4205، ومسلم: 2704.. كأن الوحي أتاه عليه الصلاة والسلام. هذا كنزٌ من كنوز الجنة.
"لا حول ولا قوة إلا بالله"، أي: لا تحوُّل من حالٍ إلى حالٍ إلا بقدرة الله تعالى، لا مِن صحةٍ إلى مرضٍ، ولا من مرضٍ إلى صحةٍ، ولا من غِنًى إلى فقرٍ، ولا من فقرٍ إلى غِنًى، ولا من عزٍّ إلى ذلٍّ، ولا من ذلٍّ إلى عزٍّ، ولا من حياةٍ إلى موتٍ، ولا من موتٍ إلى حياةٍ، إلى غير ذلك. "لا حول ولا قوة إلا بالله"، هذه كنزٌ من كنوز الجنة، يقوله النبي عليه الصلاة والسلام.
وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم[25]رواه البخاري: 6406، ومسلم: 2694..
كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، هذا فضل الله، ختم بها البخاري رحمه الله تعالى كتابه «الصحيح» في آخر الكتاب. هذا يدل على فضل الذكر، وأن الذاكر لله تعالى يحصل على الثواب العظيم والأجر الكبير الذي يسبق به مَن كان دونه، يمشي والناس نائمون، يُسرِع والناس جالسون، بالطاعات والخير، بذكر الله تبارك وتعالى.
هذا يُقال له ذكرٌ مطلقٌ، في أي وقتٍ يذكر الله تعالى، في أي وقتٍ ذكرٌ مطلقٌ من دون تقييدٍ. وغير ذلك من الأذكار التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام وبيَّن فضلها صلوات الله وسلامه عليه.
الذِّكر المقيَّد
ومن الأذكار المقيَّدة بأوقاتٍ محددةٍ أو في أماكنَ محددةٍ: قوله عليه الصلاة والسلام عند نزول الإنسان في بيتٍ أو في طريقٍ أو في مكانٍ: مَن نزل منزلًا وقال -أو ثم قال-: أعوذ بكلمات الله التامَّات من شرِّ ما خلق؛ لا يصيبه بأسٌ حتى يرحل من هذا المنزل[26]رواه مسلم: 2708.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
هذا يُقال في الأماكن، فإذا قلتَ هذا الذكر حفظك الله تعالى، مع الحصول على الأجر والثواب، فأنت تحصل على الغنيمتين: تحصل على ذكر الله، وتحصل على السلامة.
ومن الأذكار المقيَّدة: أذكار الاستيقاظ من النوم؛ فإنَّ الإنسان إذا استيقظ من نومه يذكر الله تعالى.
والأذكار كثيرةٌ، لكني أقتصر على بعضها التي بيَّن فيها النبي عليه الصلاة والسلام الفضل، كلُّ ذكرٍ تَذْكر به الله تعالى لك عليه الثواب العظيم من الله؛ لأنك اقتديت بالنبي عليه الصلاة والسلام وذكرت الله تعالى.
لكن من أذكار الاستيقاظ من النوم: قول النبي عليه الصلاة والسلام: مَن تعارَّ من الليل... -"تعارَّ" قيل: استيقظ مع صوتٍ- مَن تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.... -"العلي العظيم" زادها ابن ماجه[27]رواه ابن ماجه: 3878.، وأصل الحديث في "البخاري- فإن دعا استجاب الله دعاءه، فإن قام وصلى قُبِلَت صلاته، وإن استغفر الله غفر له[28]رواه البخاري: 1154..
هذا فضلٌ وثوابٌ كبيرٌ، فلا يفوتنَّك هذا الذكر العظيم، ينبغي للمسلم ألا يفوته عند الاستيقاظ من النوم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإن استغفرتَ الله غفر لك، وإن دعوت الله استجاب الله دعاءك، وإن قمت وتوضأت وصليت قُبِلَت صلاتك. هذا من فضل الله تعالى على عباده، هذا من أذكار الاستيقاظ من نومه.
ثم ذكر الصباح والمساء، وأذكار الصلوات، وأذكار الأذان؛ فمِن ذلكم: أذكار الأذان، قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فإذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فإذا قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: حيَّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: الله أكبر، الله أكبر، قال: الله أكبر، الله أكبر، فإذا قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه؛ دخل الجنة. رواه مسلم[29]رواه مسلم: 385..
الله أكبر! هذا من فضل الله على مَن تابَعَ الأذان، ثم قال: لا إله إلا الله من قلبه؛ دخل الجنة. هذا من فضل الله تعالى.
وثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: مَن قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا، وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا؛ غُفر له ذنبه[30]رواه مسلم: 386.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. الله أكبر!
لكن كثيرًا من الناس محرومٌ، حُرم هذا الخيرَ، كثيرٌ من الناس يُحرم هذا الخير، المُؤذِّن يؤذِّن وهو يتكلم في الدنيا وفي غيرها، ولا يتابع هذا الفضل العظيم والثواب الكبير؛ ينبغي للعبد المسلم إذا أذَّن المؤذِّن أن يتابعه؛ ولهذا قيل: يذكر ابن جُرَيج أن السلف كانوا إذا أذَّن المؤذِّن أنصتوا كما يُنصتون للقرآن. الله أكبر! لعلمهم بهذا الفضل العظيم والثواب الكبير.
وبيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام: قولوا مثل ما يقول المؤذِّن، ثم صَلُّوا عليَّ... وسَلُوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو؛ فمَن سأل لي الوسيلة حلَّت له الشفاعة يوم القيامة، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[31]رواه مسلم: 384..
فالسُّنَّة: أن يبادر بهذه الأذكار، يقول مثل ما يقول المؤذِّن، فإذا انتهى المؤذِّن يقول: "لا إله إلا الله، صلِّ على النبي عليه الصلاة والسلام"، ثم يقول: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته[32]رواه البخاري: 614.، وزاد البيهقي: إنك لا تخلف الميعاد[33]رواه البيهقي في "السنن الكبرى": 1954.، هذه زيادةٌ -كما ذكر شيخنا ابن باز رحمه الله- زيادةُ ثقةٍ مقبولةٌ على منهج الحافظ ابن حجر رحمه الله والحافظ العراقي والنووي، زيادة الثقة مقبولةٌ، ما لم يخالف مَن روايته أوثق. هذا من فضل الله تعالى.
ثم كذلك أذكار الطهارة: النبي عليه الصلاة والسلام قال... بينما عثمان توضأ ثلاثًا حتى أسبغ الوضوء، ثم قال : سمعتُ النبيَّ يقول: مَن توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلَّى ركعتين لا يُحدِّث بهما نفسه؛ إلا غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه[34]رواه البخاري: 159، ومسلم: 226.. هذا فعلٌ.
والقول: إذا توضأ وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ فُتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل مِن أيِّها شاء[35]رواه الترمذي: 55، والنسائي: 148، وابن ماجه: 469، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 144.. وزاد الترمذي: اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين[36]رواه الترمذي: 55، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 6167.. وعند النسائي: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، هذا يُطبَع عليه بطابعٍ لا يُفتح إلى يوم القيامة؛ لعِظَم هذا الأجر وهذا الثواب الكبير[37]رواه النسائي في "السنن الكبرى": 9829، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 225..
كذلك من الفضائل العظيمة: أن الإنسان إذا خرج من بيته وقال: بسم الله، توكَّلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضلَّ أو أضل، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظلم أو يُظلم عليَّ[38]رواه أبو داود: 5094، والترمذي: 3427، والنسائي: 5486، وابن ماجه: 3884، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 4709.؛ فثواب ذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أن العبد إذا خرج من بيته وقال: بسم الله، توكَّلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله...، قال شيطانٌ لشيطانٍ آخر: كيف لكم برجلٍ قد هُدي وكُفي ووُقي؟! -هُديت إلى الخير، وكُفِيت من الشر، ووُقِيتَ كذلك من الشر- كيف لكم برجلٍ قد هُدِي وكُفِي ووُقِي؟![39]رواه أبو داود: 5095، وابن ماجه: 3886، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1605..
بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله...؛ هذا كيف لكم برجلٍ قد هُدي وكُفي ووُقي؟!. كثيرٌ من الناس يَخرج من بيته ولا يذكر الله، ويموت؛ هذا لا يُقال بأنه واجبٌ، فريضةٌ فرضها الله تعالى، لكن يُقال إنه خيرٌ، أو غنيمةٌ فوَّتها الإنسان على نفسه.
في بعض الروايات: ما خرج النبي عليه الصلاة والسلام من بيته إلا رفع طَرْفه إلى السماء، وقال: بسم الله، توكَّلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإن زاد: اللهم إني أعوذ بك أن أَضلِّ أو أَزِلَّ، أو أَظلم أو أُظلم، أو أَجهل أو أُجهَل[40]رواه أبو داود: 5094.، إلا كان خيرًا على خيرٍ. فهذا فضلٌ عظيم.
كذلك عند دخول المنزل قال : إذا دخل الإنسان بيته ولم يذكر الله تعالى، قال الشيطان: أدركتم المبيت...[41]رواه مسلم: 2018.، يأتي مع الشياطين مَن خارج المنزل، فإذا جاؤوا عند المنزل ودَخَل ولم يقل: "بسم الله"، قال الشيطان: أدركتم المبيت.... الشياطين يبيتون في البيوت التي لا يُذكَر الله فيها.
فإذا أكل الطعام ولم يُسَمِّ، قال: أدركتم المَبِيتَ والعَشاء كلها، أما إذا سمَّى عند دخول بيته قال الشيطان من أول وهلةٍ: لا مَبِيتَ لكم ولا عشاء[42]رواه مسلم: 2018.. كثيرٌ من الناس تبيت معه الشياطين في بيته -نسأل الله العافية-، يَدخل ويَغضب ويَلعن ويسُبُّ ما سمع؛ لأن الشياطين دخلت معه.
كذلك إذا ذهب إلى المسجد ينبغي له أن يُعنَى بالفضل والثواب، ويحافظ على الأذكار التي تُقال، منها هذا الدعاء: إذا خرج من بيته قال: بسم الله، توكَّلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضل، أو أَزِلَّ أو أُزَل، أو أَظلم أو أُظلم، أو أجهل أو يُجهل عليَّ[43]سبق تخريجه.، وإن قال: اللهمَّ اجعلْ لي في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، ومِن فوقي نورًا، ومِن تحتي نورًا، ومِن خلفي نورًا، ومِن أمامي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، وأَعْظِمْ لي نورًا، واجعَلْ في شَعري نورًا، وفي بَشَري نورًا، وفي لحمي نورًا، وفي نفسي نورًا، واجعل لي نورًا، واجعلني نورًا... -"واجعل لي" "واجعلني" كلها- واجعل في قبري نورًا، وزدني نورًا[44]رواه البخاري: 6316، ومسلم: 763.، وزدني نورًا؛ فهذا فضلٌ عظيمٌ وثوابٌ كبير.
فإذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم، إذا قال هذا الذكر قال الشيطان له: حُفِظَ مني سائر اليوم[45]رواه أبو داود: 466، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1606.. خلاص، انتهى، ما لنا سبيلٌ عليه حينما يقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم، فيقال بأنك تُحفَظ بهذا. هذا من فضل الله تعالى.
فإذا صلَّيتَ الصلوات التي فَرض اللهُ عليك، وذَكَرْتَ الأذكار أدبار الصلوات؛ بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام فضائلها عليه الصلاة والسلام؛ فمِن سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام: أنه كان إذا سلَّم من الصلاة قال: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام ثم ينصرف إلى الناس[46]رواه مسلم: 591.، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ثلاث مراتٍ[47]رواه البخاري: 6473..
ينبغي للمسلم أن يحافظ على هذا، ثم يسبِّح الله ثلاثًا وثلاثين، ويُكبِّر الله ثلاثًا وثلاثين، ويحمد الله ثلاثًا وثلاثين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن سبَّح الله دُبُرَ كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحَمِد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثًا وثلاثين، وقال تمام المئة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ؛ حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زَبَد البحر[48]رواه مسلم: 597.، رواه مسلمٌ.
لو كانت مثل رَغْو البحر! كثيرٌ من الناس محرومون من هذا الخير، حُرِمَ هذا الخير: تُحط عنه الخطايا ولو كانت مثل زبد البحر.
وثبت من طُرقٍ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه بيَّن أن مَن قرأ آية الكُرسي دُبُرَ كلِّ صلاةٍ؛ لم يكن بينه وبين الجنة إلا أن يموت[49]رواه النسائي في "السنن الكبرى": 9848، والطبراني في "المعجم الكبير": 7532، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 2174، وصحَّحه … Continue reading. الحائل بينك وبين الجنة الموتُ إذا حافظتَ على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاةٍ. هذا من فضل الله على عباده.
ولهذا ذَكر ابن القيم رحمه الله تعالى -في بعض كتبه أنه يقول-: "ما تركها شيخنا من وقت ما بَلَغَتْه". أو كما قال رحمه الله، أي: شيخ الإسلام ابن تيميةَ يقول: "ما تركتُ قراءةَ آية الكرسيِّ دُبرَ كل صلاةٍ".
هذا من فضل الله تعالى دُبُرَ الصلاة المفروضة من فضلٍ عظيمٍ، فالإنسان لا يَحْرِم نفسه هذا الخير، والأذكار الأخرى بعد الصلوات، ينبغي له أن يحافظ عليها حتى يحصل على الثواب العظيم.
كذلك أذكار الصباح وأذكار المساء، قال النبي عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه: قُل. قال : "ما أقول؟" قال : قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ، والمعوذتين، إذا أصبحتَ وإذا أمسيتَ، ثلاثَ مراتٍ؛ تكفيك مِن كل شيءٍ[50]رواه أبو داود: 5082، والترمذي: 3575، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 649..
الله أكبر! تكفيك من كل شيءٍ؛ من الشيطان ومن المصائب ومن البلايا، إذا قرأتها ثلاث مراتٍ إذا أصبحتَ وثلاث مراتٍ إذا أمسيتَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [سورة الإخلاص:1]، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [سورة الفلق:1]، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [سورة الناس:1]، تُقرأ في الصباح ثلاثًا وفي المساء ثلاثًا، وتُقرأ بعد الصلوات مرةً مرةً.
كذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: سيد الاستغفار: أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدُك، وأنا على عهدِك ووعدِك ما استطعتُ، أعوذ بك من شر ما صنعتُ، أَبوءُ لك بنعمتِكَ عليَّ، وأَبوءُ بذنبي... -أَبوء يعني: أعترف- فاغفر لي؛ فإنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنت[51]رواه البخاري: 6306.. فإن ماتَ وقالها إذا أصبح قبل أن يُمسي كان من أهل الجنة، وإن قالها إذا أمسى وماتَ قبل أن يُصبح كان من أهل الجنة. هذا فضلٌ عظيمٌ وثوابٌ كبير.
قال : مَن قال إذا أصبح وإذا أمسى: بسم الله الذي لا يَضُر مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم؛ لا يصيبه بأسٌ حتى يُمسي، وإذا قالها إذا أمسى لا يُصيبه بأسٌ حتى يُصبح[52]رواه أبو داود: 5088، وأحمد: 528، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 6424.. هذا جمع بين الغنيمتين، بين الحُسنيين: بين الفضل والثواب الذي يحصل عليه وبين النجاة من البلايا التي تحصل له في الدنيا؛ لأن ذِكر الله تعالى يحصل الإنسانُ به على الخير العاجل والآجل. هذا من فضل الله تعالى على عباده.
إذا رأيتَ إنسانًا مُبتلًى بحادثٍ أو مصيبةٍ، خاصةً في المعاصي والسيئات والجرائم، وقلتَ: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضَّلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا[53]رواه الترمذي: 3431، وابن ماجه: 3892، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 555.؛ لا يُصيبك ذلك البأسُ دائمًا إلى الموت، ما يصيبك. لكن لا تُسْمِعْه هذا المُصابَ، ربما بعض الناس يقول: "الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به"! لا، قُله في نفسك: "الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضَّلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا". لو لَزِمْتَ هذا الخيرَ عندما ترى مُبتلًى لا يُصيبك ذلك البلاء.
أما المعاصي والجرائم، فلا بأس أن تقول ذلك إذا كان الإنسان مُصِرًّا على المعاصي مُجاهِرًا بها، ولم يَنْقَدْ لذلك ولم يَمتثِل، ولم يَنْتهِ بعد النهي؛ فلا بأس أن تقول: "الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضَّلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا"، إذا كان من أهل المعاصي والسيئات والجرائم التي يجاهر بها. أما إذا لم يجاهر بها فلا، بل تقولها في نفسك، ولا تُسْمِعه إياها.
هذا من فضائل الذكر للعبد المسلم: أن يكون في حِفظ الله تعالى، وفي كلاءته، وفي رعايته ، حتى الصلاة من الذكر؛ ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ مَن صلَّى الفجر فهو في ذِمة الله[54]رواه مسلم: 657. حتى يُمسي[55]رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 13210، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 6343.، يعني: في حِفظ الله، في رعاية الله، في كلاءة الله تعالى.
ولا شكَّ أنَّ الذكر له فضلٌ عظيمٌ وثوابٌ كبيرٌ في الدنيا والآخرة، صاحبه في المنازل العُلا عند الله تعالى إذا كان صادقًا مخلصًا في ذِكره.
وعلى الإنسان أن يسأل الله التوفيق، فالتوفيق بيد الله، انشراحُ الصدر لهذا الخير بيد الله: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56]؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في صلاة الليل -ولا بأس أن يقول هذا الإنسانُ في صلاة النهار؛ في الفرائض أو في غيرها-: اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم[56]رواه مسلم: 770..
هذا من فضل الله، فالمسلم يسأل الله الهداية، ويسأل الله التوفيق والمعونة؛ لأنَّ اللهَ تعالى هو الذي يُعين العبد ويُوَفِّقه ويشرح صدره للخير؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: يا معاذ، والله إني أُحبُّك، فلا تَدَعَنَّ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ أن تقول: اللهم أعنِّي على ذِكرك، وشُكرك، وحُسن عبادتك[57]رواه أبو داود: 1522، والنسائي: 1303، وأحمد: 22126، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1236.، تسأل الله دُبُرَ كلِّ صلاةٍ، والنبي عليه الصلاة والسلام أوصى معاذًا بهذا الفضل.
أنت تدعو الله تعالى أن يعينك على ذِكره وشُكره وحُسن عبادته، الله أكبر! هذا فضل الله تعالى على عبده؛ فلا تَدَعْ هذا الدعاء، والأفضل أن يكون قبل السلام، قبل أن تُسلِّم تقول: اللهم أَعِنِّي على ذِكرك وشُكرك وحُسن عبادتك.
قال أبو بكرٍ : "يا رسول الله، علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي" -وفي رواية مسلمٍ: "وفي بيتي"-. قال : يا أبا بكرٍ، قُل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنتَ، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني؛ إنك أنت الغفور الرحيم[58]رواه البخاري: 834، ومسلم: 2705..
فيا عبدَالله، لا تنسَ هذا الفضل العظيم والثواب الكبير، وتسأل الله التوفيق والتسديد والإعانة.
أعظم الذِّكر
وأعظم الذكر مطلقًا الذي ينبغي أن يستقر في قلب الإنسان: هو كلام الله تعالى، القرآن العظيم. وأعظم الذكر: كلام الله تعالى المُنزَّل، تكلَّم به سبحانه، وأنزله على رسوله عليه الصلاة والسلام، سمعه جبريل . هو كلام الله تعالى: حروفه ومعانيه، منه بدأ وإليه يعود، فهو أعظم الذكر؛ ولهذا قال : مَن قرأ حرفًا من كتاب الله كان له بكل حرفٍ حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول الم حرف، ولكن ألفٌ حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف[59]رواه الترمذي: 2910، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1416..
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: أيُّكم يحب أن يَغْدو إلى بُطْحانَ أو العَقِيق... -بُطْحانُ والعقيقُ: هما واديان في المدينة- فيأتي بناقتين كَوْمَاوَيْن في غير إثمٍ ولا قطيعة رَحِمٍ؟ قالوا: نحب ذلك يا رسول الله. قال : لَأَنْ يغدو أحدكم إلى المسجدِ فيَعْلَم أو يقرأ آيتَيْنِ من كتابِ اللهِ خيرٌ له من ناقتَيْنِ، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ، وأربعٌ خيرٌ له من أربعٍ، ومِن أعدادهنَّ من الإبلِ[60]رواه مسلم: 803..
الإبل الآن بعضها يصل إلى الملايين، فيقرأ آيةً واحدةً خيرٌ له من ناقةٍ، مع العلم بأن الذَّرَّة من الحسنات خيرٌ من الدنيا وما فيها، لكن هذا للتقريب -تقريب الناس-، فكم في القرآن من آيةٍ؟ فوق ستة آلاف آيةٍ؛ فإذا ختم القرآن يكون أفضل من ستة آلاف ناقةٍ. هذا من فضل الله تعالى على عباده.
هذا القرآن العظيم كلام الله تعالى، ينبغي للمسلم أن يُعنَى به، ويتدارسه، ويقرأ القرآن، يتلوه، ويسأل الله تعالى أن يشرح صدره لقراءته؛ فهو أعظم الذكر.
أسأل الله تعالى، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا، أن يجعلني وإياكم من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جديرٌ، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وأحب قبل أن أختم كلامي أن أوجِّه طلبًا للإخوان: أن يشاركوا في هذا الخير العظيم، وهذا الثواب الكبير، وهو دعم الوقف الدعوي في هذه المحافظة، الوقف التابع لمكتب الدعوة؛ فإن هذا الوقف من الأعمال الصالحة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا ماتَ ابنُ آدمَ انقطع عمله إلا من ثلاثٍ: من صدقةٍ جاريةٍ، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له، أو علمٍ ينتفع به[61]رواه مسلم: 1631..
تُقدِّم ريالًا، تُقدِّم 100، تُقدِّم أكثر، تُقدِّم أقل، لا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئًا[62]رواه مسلم: 2626.؛ تَحصُل على هذا الثواب العظيم. كلُّ ما يأتي من هذه الأوقاف يُنفَق في سبيل الله، تأتيك وأنت في قبرك، وأنت عند ربك، انقطعت الأموال ما يبقى معك إلا عملك الصالح.
كنتُ في هذا اليوم، سمعتُ قصةً عجيبةً في الإنسان الذي يجمع الأموال ولا ينتفع بها: أخبرني مَن أثق به في هذا اليوم مِن أقربائي أن رجلًا -وأنا أعرفه، أعرف هذا الرجل- لا يأتي له أولادٌ، كبيرٌ في السن، وعقيمٌ، لا زوجة، ولا ولد، ورجلٌ صالحٌ يُنفِق في سبيل الله، ولكن قبل الموت قال الوكيل على ما له مِن بعض الأموال، قال: عندنا لك 80 ألف ريال، ماذا نعمل بها؟ فوفَّقه الله لقول الحق. لو قال "الثلث" لا بأس، لكنه عاميٌّ ويحب الخير ولا يدري، قال: اجتمِعوا، فإن توافقتم فاجعلوها في المسجد، وإن اختلفتم فكُلوها وتأكلكم الدنيا بعدها. أو كما قال: خذوها.
وبعد أن مات اجتمَعوا فاختلفوا، وأرادوا أن يتقاتلوا على هذه الثمانين، بل أعظم من ذلك أن بعضهم قال: أين ذَهَبَتْ عصاه؟ كان معه عصا. قلت أسأل: العصا من ذهب؟ قال الذي يُخبرني: والله ليست من ذهبٍ، وإنما هي عصا من خشبٍ. قال: وأين العصا؟ قالوا: مع امرأةٍ ضعيفةٍ رجلها مكسورةٌ أو لها رِجْلٌ صناعيةٌ. فجاءت العجوز ورمت بالعصا، قالت: هذه العصا. يقول لي المخبر: والله ما ردُّوا عليها العصا، أخذوها، حتى العصا!
فلا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئًا، إذا مُتَّ يا ابن آدم ما ينفعك إلا عملك الصالح، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: يقول ابن آدم: مالي؟ مالي؟ وهل لك من مالك يا ابن آدم إلا ما أكلتَ فأفنَيْتَ، أو لَبِستَ فأبليتَ، أو تصدَّقتَ فأمضيتَ[63]رواه مسلم: 2958.، وفي روايةٍ: وما سوى ذلك فهو ذاهِبٌ، وتارِكُه للناس[64]رواه مسلم: 2959.، تاركه!
شُف: عصا! ما سمحوا للعجوز الضعيفة أن تتعكز عليها، قالت: خذوا عصاكم. الله أكبر!
فأنت لا ينفعك إلا عملك الصالح؛ بادِر بالمشاركة في هذا الوقف.
أسأل الله تعالى لمن شارك في الوقف أن يُوفِّقه الله، وأن يُعينه، وأن يُبدِّله خيرًا مما أنفق، ويضاعف له الأجر والثواب، وأن يُصلح ذريته وعمله وقلبه، وأن يُصلح ذريات الجميع وقلوبهم وأعمالهم؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جدير.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
| ^1 | رواه مسلم: 1893. |
|---|---|
| ^2 | رواه الترمذي: 2322، وابن ماجه: 4112، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 1609. |
| ^3, ^31 | رواه مسلم: 384. |
| ^4 | رواه البخاري: 6407. |
| ^5 | رواه مسلم: 779. |
| ^6, ^7 | رواه البخاري: 7405، ومسلم: 2675. |
| ^8 | رواه ابن خزيمة: 924. |
| ^9, ^13, ^43 | سبق تخريجه. |
| ^10 | رواه البخاري: 6408، ومسلم: 2689. |
| ^11 | رواه أحمد: 12453، والبزار: 6467، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1504. |
| ^12 | رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907. |
| ^14 | رواه مسلم: 2699. |
| ^15 | رواه مسلم: 2700. |
| ^16 | رواه البخاري: 636، ومسلم: 602. |
| ^17 | رواه أبو داود: 4855، وأحمد: 10680، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 5508. |
| ^18 | رواه أبو داود: 4856، والترمذي: 3380، وأحمد: 9764، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 5607. |
| ^19 | رواه مسلم: 2695. |
| ^20 | رواه أحمد: 513، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 2560، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 366. |
| ^21 | رواه مسلم: 2137. |
| ^22 | رواه الترمذي: 3464، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1539. |
| ^23 | رواه مسلم: 2698. |
| ^24 | رواه البخاري: 4205، ومسلم: 2704. |
| ^25 | رواه البخاري: 6406، ومسلم: 2694. |
| ^26 | رواه مسلم: 2708. |
| ^27 | رواه ابن ماجه: 3878. |
| ^28 | رواه البخاري: 1154. |
| ^29 | رواه مسلم: 385. |
| ^30 | رواه مسلم: 386. |
| ^32 | رواه البخاري: 614. |
| ^33 | رواه البيهقي في "السنن الكبرى": 1954. |
| ^34 | رواه البخاري: 159، ومسلم: 226. |
| ^35 | رواه الترمذي: 55، والنسائي: 148، وابن ماجه: 469، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 144. |
| ^36 | رواه الترمذي: 55، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 6167. |
| ^37 | رواه النسائي في "السنن الكبرى": 9829، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 225. |
| ^38 | رواه أبو داود: 5094، والترمذي: 3427، والنسائي: 5486، وابن ماجه: 3884، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 4709. |
| ^39 | رواه أبو داود: 5095، وابن ماجه: 3886، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1605. |
| ^40 | رواه أبو داود: 5094. |
| ^41, ^42 | رواه مسلم: 2018. |
| ^44 | رواه البخاري: 6316، ومسلم: 763. |
| ^45 | رواه أبو داود: 466، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1606. |
| ^46 | رواه مسلم: 591. |
| ^47 | رواه البخاري: 6473. |
| ^48 | رواه مسلم: 597. |
| ^49 | رواه النسائي في "السنن الكبرى": 9848، والطبراني في "المعجم الكبير": 7532، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 2174، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1595. |
| ^50 | رواه أبو داود: 5082، والترمذي: 3575، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 649. |
| ^51 | رواه البخاري: 6306. |
| ^52 | رواه أبو داود: 5088، وأحمد: 528، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 6424. |
| ^53 | رواه الترمذي: 3431، وابن ماجه: 3892، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 555. |
| ^54 | رواه مسلم: 657. |
| ^55 | رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 13210، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 6343. |
| ^56 | رواه مسلم: 770. |
| ^57 | رواه أبو داود: 1522، والنسائي: 1303، وأحمد: 22126، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1236. |
| ^58 | رواه البخاري: 834، ومسلم: 2705. |
| ^59 | رواه الترمذي: 2910، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1416. |
| ^60 | رواه مسلم: 803. |
| ^61 | رواه مسلم: 1631. |
| ^62 | رواه مسلم: 2626. |
| ^63 | رواه مسلم: 2958. |
| ^64 | رواه مسلم: 2959. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط