تخطى إلى المحتوى

أصول الإسلام

... مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

أيها الإخوة، أشكر الله تعالى على كرمه وجوده وإحسانه، ومن هذا الكرم والجُود: أن يَسَّر لي الوصول إلى هذا المكان، وإلى الحضور أمام إخوةٍ لي في الله تعالى، فأشكره على هذه النعمة، وأسأل الله أن يتقبَّل مني ومنكم جميعًا.

وأشكر الإخوة في جمعية "إحياء التراث الإسلامي" بفرع الجَهْراء على دعوتهم لي والثقة بي، وأسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياهم وإياكم هُدَاةً مُهتدين، غير ضالين ولا مُضِلِّين، إنه على كل شيءٍ قديرٌ.

الحكمة من خَلْق الجنِّ والإنس

أيها الإخوة، لا شكَّ أنكم تعلمون جميعًا أن الله تعالى ما خلقنا جميعًا -بل ما خلق الجنَّ والإنس- إلا لعبادته؛ حكمةً منه ، فالحكمة التي من أجلها خلقنا الله تعالى هي عبادته، كما قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۝ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ۝ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56- 58]، فلا شكَّ أن الله تعالى خلقنا لهذه الحكمة؛ لعبادته .

وبيَّن أن مَن قام بهذه العبادة لله سبحانه مُخْلِصًا يكون سعيدًا في الدنيا والآخرة: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، السعادة لمَن أطاع الله وأطاع النبي عليه الصلاة والسلام، والتوفيق والتَّمكين والعِزّ لمَن أطاع الله وأطاع النبي صلوات الله وسلامه عليه: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8]، لا شكَّ في ذلك، فالمسلم عليه أن يعلم ذلك، وأنتم تعلمون ذلك، ولله الحمد.

أصول الإسلام وأركانه الخمسة

ثم عليكم أن تعلموا أن هذه العبادة لها أصولٌ: أصول الإسلام، ومنهم مَن يقول: أركان الإسلام، وأصول الإيمان كذلك.

فإن العبد المسلم إذا قام بأصول الإسلام كما يُحبه الله تعالى ويرضاه فهو من النَّاجين في الدنيا والآخرة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن ذلك فقال: بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجِّ البيت، وصوم رمضان[1]رواه البخاري: 8، ومسلم: 16..

هذه أصولٌ بُنِيَ عليها، فالبيت بُنِيَ على هذه الأركان، كما أن هذه الخيمة أو هذا المكان بُنِيَ على أركانٍ، فله أركانٌ.

هذه الأركان الدعائم العِظَام التي يقوم عليها، ومَن هَدَمَ ركنًا من هذه الأركان فقد أسقط بعض الأركان، ولا يتم إسلامه إلا بهذا، إلا بتكميل الأركان.

الركن الأول: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله

أول هذه الأركان: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدالله ورسوله عليه الصلاة والسلام.

هذه أولها؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويُقِيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة[2]رواه البخاري: 25، ومسلم: 22.، فهذا من الأمور التي بيَّنها النبي صلوات الله وسلامه عليه.

معنى شهادة: لا إله إلا الله

الأصل الأول هو الشهادة، ومعناها: لا معبود حقٌّ إلا الله.

أما مَن قال بأنه لا معبود في الوجود إلا الله، فهذا تفسيرٌ خاطئٌ؛ لأن أصحاب القبور والذين يعبدون الأولياء أو غيرهم يجعلونهم آلهةً من دون الله تعالى، فلا بد أن يقول: لا معبود حقٌّ إلا الله: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62]، فالآلهة كثيرةٌ، لكن الذي يُعْبَد بحقٍّ هو الله ، فلا بد من هذا.

شروط تحقيق الشهادة

هذه الكلمة لا بد للإنسان المسلم أن يُحَقِّق فيها أمورًا، من هذه الأمور:

الصدق

أولًا: أن يكون صادقًا في قولها.

كُنْ صادقًا؛ لأن المنافقين يقولون: "لا إله إلا الله"، ولكنهم يكذبون، ولا يعملون، يقولونها بألسنتهم، ولا يؤمنون بها بقلوبهم؛ ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام -كما في "صحيح مسلم"- أنه قال عليه الصلاة والسلام: ‌إذا ‌قال ‌المُؤذِّن: ‌الله ‌أكبر، الله أكبر. فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. قال: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله. قال: أشهد أن محمدًا رسول الله. ثم قال: حيَّ على الصلاة. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حيَّ على الفلاح. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر، الله أكبر. قال: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله. قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة[3]رواه مسلم: 385.، من قلبه صادقًا من قلبه.

وهذا فيه فوائد:

الفائدة الأولى: أن الإنسان لا تنفعه هذه الكلمة إلا إذا كان صادقًا.

والفائدة الثانية: مغفرة الذنوب، وإن كثيرًا من الناس حُرِمَ هذا الخير العظيم، فهو يسمع النِّداء: "الله أكبر" ويتكلم أو يتحدث مع بعض الناس أو غير ذلك، أو يبيع أو يشتري.

وللأسف بعض الناس ربما يكونون من طلاب العلم -في الغالب- بعض الناس، ولا أقول: أنتم، لكن أنا أعرف بعض الناس الذين يدَّعون العلم ربما تكون عندهم اجتماعات أو بعض الأمور؛ فيتكلمون والمُؤذن يُؤذن!

أنا لا أقول: إن هذا مُحرَّمٌ ويأثمون، لكنهم خالفوا سُنة النبي عليه الصلاة والسلام، وفاتهم هذا الأجر العظيم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة، هذا يدل على الصدق من القلب.

الإخلاص

كذلك من الأمور التي يلزم أن يُعْنَى بها الإنسان: أن يكون مُخلصًا في قولها، وفي العمل بها، وإلا لا تنفع؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه -في الحديث الذي رواه البخاري- حينما سأله أبو هريرة قال: يا رسول الله، مَن أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء الحديث: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه[4]رواه البخاري: 99..

هذا الحديث الصحيح قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه، هذا أسعد الناس، فلا تنفع هذه الكلمة إلا بهذا؛ إلا بالإخلاص.

اليقين

كذلك اليقين، لا بد أن يكون مُوقِنًا بقولها، ومُوقِنًا بما دَلَّتْ عليه وإلا لا تنفعه؛ لأن الله يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15]، لم يحصل لهم شكٌّ.

وكان النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك، وحصلتْ للناس شِدَّةٌ في الأطعمة، فَشَاوروا النبيَّ عليه الصلاة والسلام في أن يذبحوا أو ينحروا بعض الإبل؛ حتى يأكلوا منها، فأشار عليه عمر قال: "يا رسول الله، إنْ فعلتَ قَلَّ الظَّهْرُ، ولكن ادْعُهُم بفضل أزوادهم، ثم ادعُ الله لهم عليها بالبركة"، فجمعوا فضول الأزواد على نِطَعٍ -أي: على ما يُماثل السُّفْرَة- ثم دعا عليه النبي عليه الصلاة والسلام، ثم أخذ كل إنسانٍ من هذا الطعام فملأ ما عنده من الأوعية، وبقي الطعام كما هو، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أني رسول الله، لا يَلْقَى اللهَ بهما عبدٌ غير شَاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة[5]رواه مسلم: 27..

الله أكبر!

هذا يدل على أن اليقين المُخالف للشَّك لا بد منه، وإلا لا تنفع هذه الكلمة.

كثيرٌ من الناس -يعني- يَشُكُّ في هذه الكلمة، فلا بد أن يكون عنده يقينٌ.

العلم

العلم لا بد أن يكون، وهذا أول الأمور التي تلزم في هذه الكلمة: أن يكون عالِمًا بمعنى هذه الكلمة، وإلا فكثيرٌ من الناس يقولون: لا إله إلا الله، لكنهم لا يعرفون معناها.

أبو جهل وأبو لهب وغيرهما يعرفون معنى: لا إله إلا الله، كما دلَّ على ذلك القرآن والأحاديث؛ ولهذا لم يقولوا: لا إله إلا الله، فحينما قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام -وإن كان الحديث فيه مقالٌ لكن معناه صحيحٌ-: قولوا: لا إله إلا الله تُفْلِحُوا[6]رواه أحمد: 16023، والطبراني في "المعجم الكبير": 4582.، فقالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5][7]رواه أحمد: 2008، والنسائي في "السنن الكبرى": 8716، والحاكم: 3657.، فامتنعوا عن أن يقولوا: لا إله إلا الله؛ لأنهم يعرفون أنهم لو قالوا: لا إله إلا الله، لَعَبَدوا الله وحده، وتركوا جميع المعبودات من دونه، فامتنعوا عن أن يقولوا: لا إله إلا الله.

وبعض الناس في بعض الأماكن وبعض الأقطار -وليس في هذا البلد إن شاء الله، والله أعلم- يقولون: لا إله إلا الله، وربما قالها بعضهم في اليوم مئة مرةٍ حتى يحصل على فضلها، ولكن بعد قولها يأتي إلى بعض الأماكن ويقول: "يا سيدي فلان، يا سيدي عبدالقادر الجيلاني، يا سيدي الحسين، يا سيدتي زينب، يا سيدي مَرْغَني، يا سيدي فلان، يا سيدي العيدروس، يا مُحيي النفوس"، وهو يقول: لا إله إلا الله!

هذا لم يعرف معنى: لا إله إلا الله، وأبو جهل وأبو لهب أعرف منه بمعنى: لا إله إلا الله؛ ولهذا قال بعض علماء أهل الإسلام: "لا خير فيمَن كان أبو جهل وأبو لهب أعرف منه بمعنى: لا إله إلا الله"، لا خير فيه، سبحان الله!

فعليك أن تعلم أن هذا الأمر يلزم المسلم أن يتعلمه، وأن يعرف معنى هذه الكلمة.

الانقياد

يُضاف إلى ذلك -من هذه الأمور-: أن يكون مُنْقَادًا لما دَلَّتْ عليه، فيقبلها بلسانه وبأعماله، وينقاد لها، ويستسلم لها ولما دَلَّتْ عليه.

القبول لعله يكون باللسان، والانقياد يكون بالجوارح والأعمال، فينقاد لهذه الكلمة ولما دَلَّتْ عليه.

المحبة

مع ذلك من الأمور: أن يُحِبَّ هذه الكلمة وما دَلَّتْ عليه، ويُحِبَّ الله تعالى، ويُحِبَّ جميع ما أمر به؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحِبَّ المرءَ لا يُحِبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقْذَفَ في النار[8]رواه البخاري: 6941، ومسلم: 43.، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام.

وقال  -كما رواه مسلمٌ-: ذاق طعم الإيمان مَن رَضِيَ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا[9]رواه مسلم: 34. .

هذا يدل على أن الإيمان له ذَوْقٌ، وله حلاوةٌ في القلوب، وله محبةٌ، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام.

الكفر بالطاغوت

كذلك من الأمور التي تلزم معرفتها: التَّكذيب لمَن ادَّعى أن هناك أحدًا يستحق العبادة من دون الله تعالى، ويُقال له: الكفر بما يُعْبَد من دون الله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة:256].

ومعنى ذلك: أن العبد المسلم إذا رأى مَن يَعْبُد غير الله، أو يستغيث بغير الله، أو يذبح لغير الله، أو ينذر لغير الله، أو يعمل عملًا من العبادات لغير الله؛ يَكْفُر بذلك.

بمعنى: أنه يعتقد اعتقادًا جازمًا أنه على الباطل، وأنه ليس على الحقِّ.

ولهذا ينبغي للمسلم أن يُتْقِن هذه الأمور في معنى هذه الشهادة.

مُقتضيات شهادة: أن محمدًا رسول الله

ثم شهادة "أن محمدًا رسول الله" هي جزءٌ من شهادة "أن لا إله إلا الله"، فلا تنفعه لو قال هذه الكلمة، وأخلص فيها، وعمل بهذه اللوازم لها، لكنه قال: محمدٌ عليه الصلاة والسلام هو رسول العرب، للعرب خاصةً.

هذا لا تُقْبَل منه هذه الكلمة، ولا يكون مسلمًا حتى يُضِيف إلى هذه الكلمة الاعتراف، بل الاعتقاد الجازم أن محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب الهاشمي القُرشي العربي عليه الصلاة والسلام هو رسول الله حقًّا إلى الجنِّ والإنس، لا نبيَّ بعده عليه الصلاة والسلام: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158].

فالرسول عليه الصلاة والسلام خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه، خاتم الأنبياء والمُرسلين صلوات الله وسلامه عليه.

فلا بد أن يعرف معناها، ولا بد أن يعمل بالمُقْتَضَى؛ فإذا كان اعتقد أن محمدًا عليه الصلاة والسلام هو رسول الله حقًّا، أرسله الله إلى الجنِّ والإنس بشيرًا ونذيرًا، ولا نبيَّ بعده؛ فلا بد أن يُبَرْهِنَ على ذلك بالمُقْتَضَى، وهو أن يُصَدِّقَه عليه الصلاة والسلام فيما يقول، وفيما ينسبه إلى ربه ، وفيما يُخْبِر عنه.

تصديقه عليه الصلاة والسلام، والعمل بشريعته عليه الصلاة والسلام؛ تصديقه فيما أخبر، والعمل بما أمر به عليه الصلاة والسلام، وليجتنب كل ما نهى عنه عليه الصلاة والسلام، ويعمل بشريعته، ولا يعبد الله إلا عن طريقه صلوات الله وسلامه عليه، اللهم صلِّ وسلم عليه.

فلا شكَّ أن العبد إذا عَمِلَ هذا فإنه يستفيد من هذه الكلمة، ويحصل على الثواب العظيم، ويستحق قول النبي عليه الصلاة والسلام: مَن مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة[10]رواه مسلم: 26.، وقال : مَن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة[11]رواه أبو داود: 3116، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 1621.، هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام.

وقال : مَن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، والجنة حقٌّ، والنار حقٌّ؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل[12]رواه البخاري: 3435 واللفظ له، ومسلم: 28.، بهذه الشروط؛ لأن هذه الكلمة لها قيودٌ، ولها شروطٌ ثقيلةٌ إلا على مَن قام بها.

فعليك يا عبدالله أن تتقي الله وتعلم أن هذه الكلمة لا بد أن تقوم بلوازمها، ويُسَمِّيها العلماء: شروطًا، فإذا لم يوجد الشرط بَطَلَ المشروط، فلا بد أن يُعْنَى بهذا.

هذا الركن الأول والأصل الأول من أصول الإسلام.

الركن الثاني: إقامة الصلاة

الأصل الثاني: الصلاة، وهي من لوازم شهادة: أن لا إله إلا الله، ومن مُقتضاها، فإنها لا تصح "لا إله إلا الله" ممن ترك الصلاة مُتعمدًا، حتى لو كان كسلًا، ولو كان انشغل عنها بأمور دنياه وتركها مُتعمدًا بغير عذرٍ، فإنَّ "لا إله إلا الله" تبطل على الصحيح؛ لقول الله تعالى في آياتٍ، منها: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5] دلَّ على أن مَن لم يَقُم بهذه الصلاة لا يُخَلَّى سبيله، فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11] دلَّ على أن مَن لم يُقِم الصلاة فليس من إخواننا في الدين.

العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمَن تركها فقد كفر[13]رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 564.، والحديث الآخر في الصحيح: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة[14]رواه مسلم: 82..

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى -كما نُقِلَ عنه في كتبه- أن "ال" التعريف إذا دخلتْ على الكفر فهو الكفر الأكبر، وذكر ما يُقارب عشرة أوجهٍ على كفر تارك الصلاة مُتعمدًا، تهاونًا، لا جُحودًا؛ لأن مَن ترك الصلاة جاحدًا لوجوبها يكون كافرًا عند جميع العلماء.

فالمُحقِّقون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ذكر ما يُقارب عشرة أوجهٍ في كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر.

والإمام ابن القيم ذكر في كتابه "الصلاة" اثنين وعشرين دليلًا على أن مَن ترك الصلاة تهاونًا وكسلًا يكون كافرًا كفرًا أكبر يُخْرِجه من الإسلام، والعياذ بالله.

فعليك يا عبدالله أن تعلم هذا، وهذا القول حقٌّ؛ للأدلة الكثيرة التي سمعتُموها، فالإنسان إذا مات وهو لا يُصلي فإنه لا يُصَلَّى عليه، ولا يُدْفَن في مقابر المسلمين، ولا يُغَسَّل، ولا يُقال: رحمه الله، ولا يَرِث إذا مات أحدٌ قبله من أهله المسلمين، ولا يُورَث، وزوجته كذلك، فلو ترك الصلاة -يعني: في حياته- وله زوجةٌ مسلمةٌ تصلي وتصوم؛ فإنها تَحْرُم عليه، وكذلك لو عقد على زوجةٍ وهو لا يصلي فالعقد باطلٌ؛ لأن الكافر لا يَحِلُّ له أن يُزَوَّج بالمسلمة.

فعليك يا عبدالله أن تعلم خطورة الأمر، فهو خطيرٌ جدًّا، وعليك أن تعلم أن المُحقِّقين من أهل العلم في هذا العصر تَبِعُوا شيخ الإسلام وابن القيم -وأنتم تعرفون ذلك فبعضكم طلاب علمٍ والحمد لله- كالشيخين العَلَّامَتَين الإمامين: ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله؛ فابن عثيمين يقول: "تارك الصلاة كسلًا كعابد الوثن"، وهذا مكتوبٌ في حكم تارك الصلاة بلا شكٍّ، يعني: مثله؛ لأنه كفر بالله ربِّ العالمين، فلو كان صادقًا في قول هذه الكلمة "لا إله إلا الله" لقام بهذه الصلاة.

فعليك يا عبدالله أن تعلم أن هذا الركن هو ثاني أركان الإسلام؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام -في الحديث الثابت عنه عليه الصلاة والسلام في الترمذي-: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة[15]رواه الترمذي: 2616، والنسائي في "السنن الكبرى": 11330، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2866..

الخيمة إذا قامتْ على عمودٍ، فإذا سقط العمود سقط ما بُنِيَ عليه: وعموده الصلاة.

فلا شكَّ أن الصلاة شأنها عظيمٌ.

أداء الصلاة مع جماعة المسلمين

ثم على المسلم الصادق الذي قام بهذه الصلاة أن يُصليها مع جماعة المسلمين -الصلاة مع الجماعة-؛ لأن الجماعة واجبةٌ، ومنهم مَن رأى أن الصلاة مع الجماعة شرطٌ لصحة الصلاة.

ابن القيم رحمه الله في كتابه "الصلاة" يرى أن الصلاة مع الجماعة شرطٌ لصحة الصلاة، فمَن صلَّى في بيته لا تصح صلاته.

هذا عند الإمام ابن القيم وغيره من أهل العلم، لكن القول الذي يُرَجِّحُه بعض المُحقِّقين -منهم شيخنا ابن باز رحمه الله- أن الصلاة تكون ناقصةً، فلو صلَّى في بيته يكون مسلمًا، لكن صلاته ناقصةٌ وغير تامَّةٍ، وهو آثمٌ، لكنه لا يزال على الإسلام، والحمد لله.

هذا خطرٌ عظيمٌ؛ كون إمامٍ من الأئمة يقول بأنها شرطٌ لصحة الصلاة، هذا خطرٌ، وله أدلةٌ، منها قوله عليه الصلاة والسلام: مَن سمع النِّداء فلم يَأْتِهِ فلا صلاة له إلا من عُذْرٍ[16]رواه ابن ماجه: 793، وابن حبان: 2064، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 426..

فعليك يا عبدالله أن تُصلي هذه الصلاة مع الجماعة -مع جماعة المسلمين- والنبي عليه الصلاة والسلام قال: لقد هَمَمْتُ أن آمُرَ بالصلاة فَتُقام، ثم آمُرَ رجلًا فيُصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجالٍ معهم حُزَمٌ من حطبٍ إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة، فَأُحَرِّقْ عليهم بيوتهم بالنار[17]رواه البخاري: 644، ومسلم: 651 واللفظ له.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

فالصلاة تكون مع جماعة المسلمين، ومن فضل الله ورحمته بعباده: أن جعل هذه الصلاة خمس صلواتٍ في اليوم والليلة، فَرَضَها أولًا خمسين صلاةً على عباده، كما في الحديث الذي ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في الإسراء والمعراج: أنه فرض الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام مباشرةً بدون واسطةٍ، بدون جبريل ، مباشرةً بين الله والنبي عليه الصلاة والسلام، فرجع بخمسين صلاةً، ورجع إلى موسى ، فسأله موسى : ما فرض ربُّك على أُمَّتك؟ فقال: خمسين صلاةً، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التَّخفيف؛ فإن أُمَّتك لا يُطيقون ذلك، فرجع، فَخَفَّفَ عنه خمسًا.

ثم رجع إلى موسى فقال: ارجع إلى ربك ...، وهكذا، فما زال بين موسى والله تعالى حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام لموسى  لما قال له موسى : ارجع إلى ربك فاسأله التَّخفيف، قال: قد رَجَعْتُ إلى ربي حتى استحييتُ منه، اللهم صلِّ وسلم عليه، فنادى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فريضتي، وخَفَّفْتُ عن عبادي[18]رواه البخاري: 3887، ومسلم: 162..

والصلاة على هذا تكون بخمسين صلاةً، فمَن حافظ على خمس صلواتٍ في اليوم والليلة كتب الله له خمسين صلاةً في اليوم والليلة، وهذا من فضل الله تعالى.

فعليك يا عبدالله أن تعلم أهمية هذا الركن، فإن كثيرًا من الناس لو نظر في بعض الدول في بعض المطارات أو بعض المُؤسسات أو بعض الفنادق لا يجد مَن يُصلي معه جماعةً إلا مَن عصم الله! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أين الإسلام؟! أين الأذان؟!

فعلى المسلم أن يتقي الله تعالى، ويُحافظ على هذا الدين.

الركن الثالث: إيتاء الزكاة

الركن الثالث من أركان الإسلام أو من أصول الإسلام هو: الزكاة، وقد أوجبها الله تعالى بشروطٍ على المسلم الحرِّ المالك للنِّصَاب المُستقر استقرارًا تامًّا، كذلك الذي يدور عليه الحول، فإن دار الحول على هذا المال وجب عليه أن يُخْرِج الزكاة كما أمره الله.

ومَن كانت عنده أموالٌ فعليه أن ينظر كم تُساوي هذه الأموال؟ وعليه أن ينظر في مقدار الأنصبة؛ حتى يتعلم، وإن لم يدفع هذه الزكاة فقد هدم ركنًا من أركان الإسلام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: بُنِيَ الإسلام على خمسٍ، ومنها قال: وإيتاء الزكاة[19]رواه البخاري: 8، ومسلم: 16.، والله تعالى بيَّن ذلك في كتابه: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، فأمر بالزكاة، وفي مواضع كثيرةٍ قرنها بالصلاة، وهذا يدل على وجوبها.

فالإنسان عليه أن يتَّقي الله، وعليه أن يتعلم أحكام هذه الزكاة ويدفعها؛ حتى يجد الفضل من الله؛ ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ما من صاحب ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي منها حقَّها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحَتْ له صفائح من نارٍ، فَأُحْمِيَ عليها في نار جهنم، فَيُكْوَى بها جَنْبُه وجَبِينُه وظَهْرُه، كلما بَرَدَتْ أُعِيدَتْ له، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ، حتى يُقْضَى بين العباد فيرى سبيله؛ إما إلى الجنة، وإما إلى النار[20]رواه مسلم: 987..

والله تعالى يقول: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ۝ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ [التوبة:34- 35].

فهذا خطرٌ عظيمٌ على مَن لم يُؤَدِّ الزكاة، وعليه أن يعلم أن هذه الزكاة بركةٌ له في ماله، تزكيةٌ لماله، وتزكيةٌ لنفسه، وبركةٌ في ماله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما نَقَصَ مالُ عبدٍ من صدقةٍ[21]رواه الترمذي: 2325، وأحمد: 18031، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 16..

هذا فضلٌ من الله تعالى عليه، فعليه أن يقوم بهذا، وقد يكون الإنسان بخيلًا.

ذكر سماحة العلامة الإمام ابن باز رحمه الله أن بعض الناس كانت عنده أموالٌ طائلةٌ -أموالٌ كثيرةٌ- لكنه يبخل بالزكاة، وما عنده قُدرةٌ على دفع الزكاة، وعنده إيمانٌ ويخشى الله، لكن هذا الإيمان ما وصل إلى الدرجة التي يُخْرِج بها الزكاة؛ لأن بعض الأموال تكون كثيرةً.

فإذا كان عند الإنسان أربعون مليونًا، فزكاة الأربعين تُقَسَّم على أربعين.

الزكاة طريقتها: أن يجمع الإنسان ما عنده من المال، ثم يقسمه على أربعين، يعني: ربع العُشْر، إذا كانت من هذه الأموال.

كم الزكاة في أربعين مليونًا؟

مليون، فكونه يُخْرِج مليونًا هذا مالٌ كثيرٌ يحتاج إلى إيمانٍ قويٍّ.

قال سماحته -الله يغفر له-: فصاح هذا الرجل داخل بيته، أصدر صياحًا عظيمًا يسمعه مَن خارج المنزل، صياحًا بأرفع صوته، فدخل الناس عليه يريدون أن يُنْقِذوه مما حصل له، فقال: يا إخوان، ادخلوا هذه الغرفة الفلانية، وأَحْصُوا مالي، وأَخْرِجوا الزكاة، فوالله ما استطعتُ أن أُخْرِجَها.

الله أكبر!

وكان هذا قبل البنوك، قبل أن يحفظ الناس الأموال في البنوك.

هكذا ذكر لنا سماحة الشيخ غفر الله له.

فبعض الناس قد يريد أن يُخْرِج المال، لكن الزكاة صعبةٌ، وبعضهم لا يُؤَدِّيها كما أمر الله، فيُعطيها أقرباءه الأغنياء، أو يُعطيها أقرباءه الذين يُنْفِق عليهم وتجب نفقتهم عليه -كأولاده أو وَالِدَيه أو غير ذلك- فلا يُنْفِقها، فينبغي أن يُخْرِجها لله، يُخْرِج الزكاة لله، ولا يُحابي فيها أحدًا من الناس، يُخْرِجها ابتغاء مرضاة الله، يرجو ثوابه، ويخشى عقابه.

الخلاصة: أن الزكاة أمرٌ عظيمٌ، فينبغي للمسلم أن يُعْنَى بهذا الركن العظيم.

الركن الرابع: صوم رمضان

الصيام يجب على: المسلم، العاقل، البالغ، المُقِيم، القادر، الخالي من الموانع.

هذه شروطٌ ستةٌ يجب على المسلم الصيام إذا تحققتْ فيه.

وهو ركنٌ من أركان الإسلام، وهو في السنة مرةً واحدةً: صيام رمضان، ما لم يُوجِب على نفسه صيامًا آخر: كصيام الكفَّارات، أو صيام النَّذْر، أو غير ذلك.

الركن الخامس: حجّ البيت لمَن استطاع إليه سبيلًا

الحج في العمر مرةً واحدةً، وهذا تخفيفٌ من الله تعالى: أنْ فَرَضَ الحجَّ في العمر مرةً واحدةً، فإذا قام بهذه الفريضة سقط عنه هذا الركن.

ولا يجب الحج إلا بشروطٍ بيَّنها العلماء: الإسلام، والعقل، والبلوغ، وكمال الحرية، وكذلك الاستطاعة، ووجود المَحْرَم للمرأة.

الحمد لله، يَسَّر الله على الناس، فبعض الناس ربما لا يَحُجُّ؛ لأنه ما عنده استطاعةٌ، وما اكتملت الشروط، والمرأة لو لم تجد مَحْرَمًا يَحُجُّ -لا من نَسَبٍ ولا من رَضَاعٍ- لا يجب عليها الحج حتى لو ماتت؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر تُسافر مسيرة يومٍ وليلةٍ إلا مع ذي مَحْرَمٍ عليها[22]رواه البخاري: 1088، ومسلم: 1339 واللفظ له..

فلا شكَّ أن هذه الأركان إذا قام بها الإنسان حصل على السعادة في الدنيا والآخرة.

الواجبات الأخرى بعد الأركان وأصول الإيمان

ثم عليه أن يعلم أن هناك واجباتٍ أخرى غير واجبات الأركان والأصول -أصول الإيمان- من الأعمال الواجبة الأخرى التي أمر الله بها، فإن الله إذا أمر بأمرٍ أو أمر به النبي عليه الصلاة والسلام صار هذا الأمر واجبًا على عباد الله: كَبِرِّ الوالدين، والإحسان إلى الفقراء، وكَفِّ الأذى عن الجيران، وغير ذلك من الأمور الواجبة على العبد أن يقوم بها ابتغاء مرضاة الله تعالى، يرجو ثوابه، ويخشى عقابه.

وكذلك يُحافظ على الأركان الأخرى: كالإيمان، والإيمان يدخل فيه كل شيءٍ، حتى أركان الإسلام تدخل في الإيمان بالله، وكذلك الإيمان بالملائكة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشَرِّه.

وهذه تحتاج إلى تفصيلٍ أكثر من هذا، لكن على الإنسان أن يُعْنَى بهذه الأصول فيكون من المسلمين، ويكون من النَّاجين في الدنيا والآخرة، ويكون من الفائزين، ويكون من السُّعداء في الدنيا والآخرة؛ لأن مَن حافظ على هذه الأركان يدخل في قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:2- 3] كافيه من كل شيءٍ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4]، وقال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق:5].

الخزائن بيد الله، المال بيد الله، الصحة بيد الله، كل خيرٍ بيد الله، كما قال الله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر:21].

الخزائن بيد الله يا عبدالله، فإذا أراد العبد هذه الخزائن فعليه أن يُرْضِي الله؛ حتى يحصل على هذا الثواب العظيم، ويحصل على هذا الخير الكبير.

ولا أُحب أن أُطيل عليكم حتى يستفيد الإنسان من هذه الأمور باختصارٍ؛ لأن الكلام قد يُنْسِي بعضه بعضًا، وإلا فقد كان في نفسي أن أُبَيِّن أركان أو أصول الإيمان، وأنتم -إن شاء الله- تعرفونها، لكن من باب التَّفصيل تحتاج إلى وقتٍ آخر.

فعلى الإنسان أن يعرف هذه الأركان أو الأصول -أصول الإسلام- ويُحافظ عليها، ويُبْشِر بالجنة، يُبْشِر بجنة النَّعيم إذا حافظ على هذه الأركان؛ لأنها تَدُلُّه وتَجُرُّه إلى أن يقوم بجميع الواجبات الأخرى التي أوجبها الله تعالى عليه، فالحسنة تَجُرُّ إلى الحسنة، والسيئة تَجُرُّ إلى السيئة، فإذا حجَّ حجًّا مبرورًا دخل الجنة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن أتى هذا البيت -وفي روايةٍ: مَن حَجَّ- فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رجع كيوم وَلَدَتْه أُمُّه[23]رواه البخاري: 1521، ومسلم: 1350..

قالوا في الحج: هو الذي لم يُخالطه إثمٌ، ولم تَعْقُبه معصيةٌ من المعاصي، هذا هو الحج.

إذن معنى ذلك: أنه يقوم بجميع الواجبات، ويبتعد عن جميع المُحرمات؛ ابتغاء رضاء ربِّ الأرض والسماوات.

فعليك يا عبدالله أن تُحافظ على هذا، وتأمر بهذه الأركان مَن تحت يدك من نساءٍ أو أولادٍ أو مَن وَلَّاك الله تعالى أمرهم؛ لأن هذا واجبٌ؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما من عبدٍ يَسْتَرْعِيه الله رعيَّةً، يموت يوم يموت وهو غَاشٌّ لرعيَّته إلا حرَّم الله عليه الجنة[24]رواه البخاري: 7151، ومسلم: 142 واللفظ له.، حديثٌ صحيحٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام، خطرٌ.

يدخل في ذلك -والعياذ بالله- مَن ترك أولاده أو ترك نساءه لا يُصلون، أو لا يقومون بأمور الإسلام، أو يُدْخِل عليهم ما يُفْسِد عقولهم، ويُفْسِد دينهم من الأمور التي حرَّم الله أو حرَّم النبي عليه الصلاة والسلام من المزامير والغناء وغير ذلك.

فعلى المسلم أن يتقي الله تعالى، ويكون راعيًا مسؤولًا عن رعيته كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يُوفقني وإياكم لطاعته، وأن يجعلني وإياكم ممن يقولون الحقَّ ويعملون به؛ ابتغاء مرضاة الله، يرجون ثوابه، ويَخْشَون عقابه، فإن هذا هو الفوز العظيم الذي يُؤدي إلى الفوز العظيم بالجنة، ويُبْعِد عن الخُسران المُبين، وهي النار، أعاذنا الله وإياكم ...

^1, ^19 رواه البخاري: 8، ومسلم: 16.
^2 رواه البخاري: 25، ومسلم: 22.
^3 رواه مسلم: 385.
^4 رواه البخاري: 99.
^5 رواه مسلم: 27.
^6 رواه أحمد: 16023، والطبراني في "المعجم الكبير": 4582.
^7 رواه أحمد: 2008، والنسائي في "السنن الكبرى": 8716، والحاكم: 3657.
^8 رواه البخاري: 6941، ومسلم: 43.
^9 رواه مسلم: 34.
^10 رواه مسلم: 26.
^11 رواه أبو داود: 3116، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 1621.
^12 رواه البخاري: 3435 واللفظ له، ومسلم: 28.
^13 رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 564.
^14 رواه مسلم: 82.
^15 رواه الترمذي: 2616، والنسائي في "السنن الكبرى": 11330، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2866.
^16 رواه ابن ماجه: 793، وابن حبان: 2064، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 426.
^17 رواه البخاري: 644، ومسلم: 651 واللفظ له.
^18 رواه البخاري: 3887، ومسلم: 162.
^20 رواه مسلم: 987.
^21 رواه الترمذي: 2325، وأحمد: 18031، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 16.
^22 رواه البخاري: 1088، ومسلم: 1339 واللفظ له.
^23 رواه البخاري: 1521، ومسلم: 1350.
^24 رواه البخاري: 7151، ومسلم: 142 واللفظ له.