جدول المحتويات
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
مَن يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، وخِيرته من خلقه، وأمينه على وحيه؛ صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد[1]خطبة يوم الجمعة، 4/ 3/ 1425 هـ، بجامع الفاروق بإسكان القوات المسلحة.:
فيا أيها الناس، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا [لقمان:33].
حرمة دماء المسلمين
عبادَ الله، إنَّ الله تعالى حرَّم دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، وحرَّم دماء المُعاهَدين والذميِّين والمُستأمَنين من الكفار، وأعراضهم وأموالهم.
وهذا التحريم جاء في كتاب الله تعالى، وفي سُنَّة رسول الله الصحيحة الصريحة.
قال الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]. فمَن كان يرجو الله ويخشاه، ويخاف عقابه ولعنته وغضبه وعذابه والخلود في ناره؛ فليبتعد عن كل سببٍ يُوصله إلى الوقوع في هذه الجريمة القبيحة؛ نسأل الله العفو والعافية.
والله تعالى قد حَكَمَ على مَن قَتَلَ نفسًا بغير حقٍّ بحكمٍ عظيمٍ تقشعرُّ منه الجلود المؤمنة، وتخشع له القلوب الموقنة، فقال : مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32].
وقَرَنَ قَتْل النفس التي حرَّم الله -إلا بالحق- بالشرك بالله تعالى، فقال : وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68- 70].
وبيَّن النبي في حديث عبدالله بن مسعودٍ أنَّ دم المسلم لا يَحِلُّ إلا بإحدى ثلاثٍ، فقال عليه الصلاة والسلام: لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ... إلا بإحدى ثلاثٍ: الثَّيِّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المُفارق للجماعة[2]رواه البخاري: 6878، ومسلم: 1676 واللفظ له.. متفقٌ على صحته.
وقد جعل النبي قَتْل الرجل المسلم أعظمَ من زوال الدنيا بأكملها؛ فعن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما، عن النبي أنه قال: لَزوال الدنيا أهونُ على الله من قتل رجلٍ مسلمٍ[3]رواه الترمذي: 1395، والنسائي: 3987، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2439.. رواه الترمذي والنسائي.
وفي لفظٍ للنسائي: والذي نفسي بيده، لَقَتْلُ مؤمنٍ أعظمُ عند الله من زوال الدنيا[4]رواه النسائي: 3986، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3721..
ورواه ابن ماجه من حديث البراء بلفظ: لَزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمنٍ بغير حقٍّ[5]رواه ابن ماجه: 2619، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2438..
ولعِظَم حرمة الدماء؛ قَرَنَ النبيُّ قَتْل المسلم بالكفر؛ ففي حديث معاويةَ أنه قال: سمعتُ رسول الله يقول: كلُّ ذنبٍ عسى اللهُ أن يغفرَه، إلا الرجل يقتلُ المؤمن مُتعمِّدًا، أو الرجلُ يموتُ كافرًا[6]رواه أبو داود: 4270، والنسائي: 3984 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3719.. رواه النسائي.
ولجُرم وقُبح وشناعة وفُحش قَتْل المسلم، ولعِظَم حُرمته؛ بيَّن النبيُّ أن أهل السماوات والأرض لو اشتركوا في قتله لعذَّبهم جميعًا في النار؛ فعن أبي سعيدٍ وأبي هريرة رضي الله عنهما، عن النبي أنه قال: لو أنَّ أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمنٍ، لأكبَّهم الله في النار[7]رواه الترمذي: 1398، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2442.. رواه الترمذي.
ومما يؤكد حُرمة الدماء المعصومة، وظُلم من تعدَّى عليها: حديث عبدالله ، عن النبي قال: لا تُقْتَلُ نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دَمِها؛ وذلك أنه أول مَن سَنَّ القتل[8]رواه البخاري: 3335، ومسلم: 1677، والنسائي: 3985 واللفظ له.. رواه النسائي.
ولشناعة حُرمة الدماء، فإنها أول ما يُقضَى فيه يوم القيامة؛ فعن عبدالله قال: قال رسول الله : أول ما يُحاسَب به العبد الصلاة، وأول ما يُقضَى بين الناس في الدماء[9]رواه الترمذي: 1396، والنسائي: 3991 واللفظ له، وابن ماجه: 2617، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2435. رواه النسائي والترمذي وابن ماجه، واللفظ للنسائي.
ولفظ الترمذي: إنَّ أول ما يُحكَم بين العباد في الدماء[10]رواه الترمذي: 1396 واللفظ له، والنسائي: 3992، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2021..
ورواه البخاري بلفظ: أول ما يُقضَى بين الناس في الدماء[11]رواه البخاري: 6864 واللفظ له، ومسلم: 1678..
والمقتول ظلمًا يجيء بقاتله يوم القيامة، ناصيتُه ورأسُه في يده، مُتعلِّقًا بالقاتل، وأوداجه تَشْخَُبُ دمًا[12]الأوداج: هي ما أحاط بالعُنُق من العروق التي يقطعها الذابح، واحدها: وَدَجٌ. وتَشْخَُبُ أي: تسيل، من الشَّخْب؛ … Continue reading، يقول: يا ربِّ، سَلْ هذا: فيمَ قتلني؟[13]رواه الترمذي: 3029، والنسائي: 3999 و4005، وابن ماجه: 2621، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3734 و3740.. رواه النسائي بألفاظٍ، وابن ماجه.
والمؤمن لا يزال في سَعَةٍ من دينه ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا، فإذا فعل ذلك ضاق عليه دينُه، ويكون في ضيقٍ بسبب ذنبه العظيم؛ فعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : لن يَزالَ المؤمنُ في فُسحةٍ من دينه، ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا[14]رواه البخاري: 6862.. رواه البخاري.
وسفكُ الدم الحرام بغير حقٍّ يُوقِع في الهلاك؛ فعن عبدالله بن عُمَرَ رضي الله عنهما أنه قال: "إنَّ مِن وَرْطَات الأمورِ التي لا مَخْرَجَ لمن أوقع نفسه فيها: سَفْكَ الدم الحرام بغير حِلِّه"[15]رواه البخاري: 6863.. رواه البخاري.
حرمة أعراض المسلمين وأموالهم
والمسلم يحرُم دمه وماله وعِرْضه وبَشَرَته؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع: إنَّ دماءكم وأموالكم حرامٌ عليكم، كحُرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا[16]رواه البخاري: 67 من حديث أبي بكرةَ ، ومسلم: 1218 من حديث جابرٍ ، واللفظ له.. رواه مسلم.
وعن أبي هريرةَ : عن النبي -في حديثٍ طويلٍ-: ... بحَسْبِ امرئٍ من الشر أن يَحْقِرَ أخاه المسلم! كل المسلم على المسلم حرامٌ؛ دمُه، ومالُه، وعِرْضُه[17]رواه مسلم: 2564.. رواه مسلم.
فيا عبادَ الله، ابتعدوا عن الوقوع في هذه الجريمة العظيمة والذنب الكبير؛ فإنها من السبع المُوبقات المُهلكات التي حذَّركم منها رسول الله فقال: اجتنبوا السَّبْع المُوبقات، قيل: "يا رسول الله، وما هُنَّ؟"، قال: الشرك بالله، والسِّحْر، وقَتْل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكلُ مال اليتيم، وأكلُ الربا، والتَّوَلِّي يوم الزَّحْف، وقذفُ المُحصَنات الغافلات المؤمنات[18]رواه البخاري: 2766، ومسلم: 89 واللفظ له.. متفقٌ عليه.
حرمة دماء المُعاهَدين والذميِّين والمُستأمَنين
واعلموا رحمكم الله أنه يدخل في تحريم سفك الدم الحرام: قَتْل النفوس المعصومة؛ من المُعاهَدين من الكفار والذميِّين والمُستأمَنين، وقد قال النبيُّ : من قَتَلَ مُعاهَدًا لم يَرَحْ رائحة الجنة، وإنَّ رِيحها تُوجَد من مسيرة أربعين عامًا[19]رواه البخاري: 3166.. رواه البخاري.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمُتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدالله ورسوله؛ صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هديُ محمدٍ ، وشر الأمور مُحدَثاتُها، وكل مُحدَثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار.
عبادَ الله، اتقوا الله تعالى، وابتعدوا عن كل وسيلةٍ تُوصل إلى سَفْك الدماء المعصومة المحترمة؛ امتثالًا لأمر الله تعالى، وانتهاءً عما نهاكم عنه؛ فإنَّ من انتهك الدماء المعصومة فقد تعرَّض لغضب الله وسخطه وعقابه ولعنته.
أسأل الله لي ولكم العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
هذا، واللهَ أسأل أن يُصلِّيَ ويُسلِّمَ على عبده ورسوله نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأن يرضى عن خلفائه الراشدين أبي بكرٍ وعُمَرَ وعثمانَ وعليٍّ، وعن سائر أصحابه أجمعين، وعنا معهم؛ برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين، وانصُر عبادك الموحِّدين.
اللهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلح وُلاة أمورنا، وارزقهم البِطانة الصالحة، وأصلح بهم العباد والبلاد.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واغفر لأمواتنا وأموات المسلمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].
عبادَ الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].
فاذكروا الله العظيم يَذْكُرْكم، واشكروه على نِعَمه يَزِدْكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].
| ^1 | خطبة يوم الجمعة، 4/ 3/ 1425 هـ، بجامع الفاروق بإسكان القوات المسلحة. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 6878، ومسلم: 1676 واللفظ له. |
| ^3 | رواه الترمذي: 1395، والنسائي: 3987، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2439. |
| ^4 | رواه النسائي: 3986، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3721. |
| ^5 | رواه ابن ماجه: 2619، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2438. |
| ^6 | رواه أبو داود: 4270، والنسائي: 3984 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3719. |
| ^7 | رواه الترمذي: 1398، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2442. |
| ^8 | رواه البخاري: 3335، ومسلم: 1677، والنسائي: 3985 واللفظ له. |
| ^9 | رواه الترمذي: 1396، والنسائي: 3991 واللفظ له، وابن ماجه: 2617، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2435. |
| ^10 | رواه الترمذي: 1396 واللفظ له، والنسائي: 3992، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2021. |
| ^11 | رواه البخاري: 6864 واللفظ له، ومسلم: 1678. |
| ^12 | الأوداج: هي ما أحاط بالعُنُق من العروق التي يقطعها الذابح، واحدها: وَدَجٌ. وتَشْخَُبُ أي: تسيل، من الشَّخْب؛ وهو السَّيَلان. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 2/ 450 و5/ 165. |
| ^13 | رواه الترمذي: 3029، والنسائي: 3999 و4005، وابن ماجه: 2621، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3734 و3740. |
| ^14 | رواه البخاري: 6862. |
| ^15 | رواه البخاري: 6863. |
| ^16 | رواه البخاري: 67 من حديث أبي بكرةَ ، ومسلم: 1218 من حديث جابرٍ ، واللفظ له. |
| ^17 | رواه مسلم: 2564. |
| ^18 | رواه البخاري: 2766، ومسلم: 89 واللفظ له. |
| ^19 | رواه البخاري: 3166. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط