جدول المحتويات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
حقيقة مرور الزمن وسرعة انقضاء الأعمار
إنَّ العاقل مَن اعتبر واتَّعَظَ بسرعة مرور الليالي والأيام وتَصَرُّم الأعمار، قال الله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88]، وقال سبحانه: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:26- 27]، وقال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [يونس:45].
قال النبي : لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السَّنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السَّعَفَة أو الخُوصَة[1]رواه أحمد: 10943، وابن حبان: 6842، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان": 6803..
وقد قيل:
| يَسُرُّ الفتى طول السلامة والبَقَا | فكيف يرى طول السلامة يفعل؟[2]البيت للنَّمْر بن تَوْلَب. ينظر: "الكامل" للمُبرد: 1/ 175. |
قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:205- 207].
قال جبريل للنبي : يا محمد، عِشْ ما شئتَ فإنك ميتٌ، واعمل ما شئتَ فإنك مَجْزِيٌّ به، وأَحْبِبْ مَن شئتَ فإنك مُفارقه، واعلم أن شَرَفَ المؤمن قيام الليل، وعِزَّه استغناؤه عن الناس[3]رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 4278، والحاكم: 8158، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 627..
قال الله تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47].
شواهد من الشعر حول سرعة ذهاب العمر
قال بعضهم:
| مضى أَمْسُكَ الماضي شهيدًا مُعَدَّلًا | وأَعْقَبَهُ يومٌ عليك جديدُ |
| فإن كنتَ بالأمسِ اقترفتَ إساءةً | فَثَنِّ بإحسانٍ وأنت حميدُ |
| فيومك إن أَغْنَيْتَه عاد نفعه | عليك، وماضي الأمس ليس يعودُ |
| ولا تُرْجِ فِعْلَ الخير يومًا إلى غدٍ | لعل غدًا يأتي وأنت فقيدُ[4]الأبيات لمحمود بن الحسن الوراق. ينظر: "الزهد" لابن أبي الدنيا: ص186. |
وقال آخر:
| نسير إلى الآجال في كل ساعةٍ | وأيامنا تُطْوَى وهُنَّ رواحلُ |
| ولم نَرَ مِثْلَ الموت حقًّا كأنَّه | إذا ما تَخَطَّتْهُ الأمانيُّ باطلُ |
| وما أَقْبَحَ التَّفريطَ في زمن الصِّبا! | فكيف به والشَّيْبُ في الرأس نازلُ |
| تَرَحَّلْ عن الدنيا بزادٍ من التُّقَى | فَعُمْرُك أيامٌ تُعَدُّ قلائلُ[5]الأبيات لعبدالله بن المُعتز. ينظر: "أدب الدنيا والدين" للماوردي: ص123. |
وقال آخر:
| وما هذه الأيام إلا مراحل | يَحُثُّ بها داعٍ إلى الموت قاصدُ |
| وأعجب من ذا لو تأمَّلْتَ أنها | منازل تُطْوَى والمسافر قاعدُ[6]لم نقف على نسبتهما إلى قائلٍ. ينظر: "مدارج السالكين" لابن القيم: 4/ 78. |
قال الله تعالى: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:112- 115]، وقال تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ [الروم:55].
قال بعضهم:
| إنَّا لَنَفْرَحُ بالأيام نَدْفَعُها | وكل يومٍ مضى نقصٌ من الأجلِ |
| فَاعْمَلْ لنفسك قبل الموت مُجتهدًا | فإنما الرِّبْحُ والخُسران في العملِ[7]البيتان للفُضَيل بن عياض. ينظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر: 48/ 451. |
وقال الآخر:
| وما أدري وإنْ أمَّلْتُ عُمرًا | لعلي حين أُصبح لستُ أُمْسِي |
| ألم تَرَ أنَّ كل صباح يومٍ | وعُمرك فيه أقصر منه أمسِ؟[8]البيتان لأبي العتاهية. ينظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب: 2/ 386. |
قال الله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا [طه:102- 104]، وقال تعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ [الأحقاف:35].
وقال بعضهم:
| فليست هذه الدنيا بشيءٍ | تَسُوؤُكَ حِقْبَةً وتَسُرُّ وَقْتَا |
| وغايتها إذا فَكَّرْتَ فيها | كَفَيْئِكَ أو كَحُلمك إن حَلَمْتَا |
| سُجِنْتَ بها وأنت لها مُحِبٌّ | فكيف تُحِبُّ ما فيه سُجِنْتَا؟ |
| وتُطْعِمُكَ الطعامَ وعن قريبٍ | سَتَطْعَمُ منك ما منها طَعِمْتَا |
| وتُشْفِقُ للمُصِرِّ على المعاصي | وتَرْحَمُه ونفسك ما رَحِمْتَا[9]الأبيات لأبي إسحاق الإلبيري. ينظر: "ديوان أبي إسحاق الإلبيري": ص28، 31. |
قال الله تعالى: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:52]، وقال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [العنكبوت:14].
وقال النبي : ما مَثَلُ الدنيا في الآخرة إلا مَثَلُ ما يجعل أحدكم إصبعه في اليَمِّ، فَلْيَنْظُر بِمَ يرجع[10]رواه مسلم: 2858، وابن ماجه: 4108 واللفظ له..
مثالٌ لسرعة زوال الدنيا
ضرب الله تعالى الأمثال لسرعة زوال الدنيا في القرآن الكريم، ومما ذكر سبحانه وتعالى قوله: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس:24- 25].
وهذا مَثَلٌ من أحسن الأمثلة، وهو مُطابقٌ لحالة الدنيا؛ فإن لذَّاتها وشهواتها وحاجاتها ونحو ذلك تَزْهُو لصاحبها -إن زَهَتْ- وقتًا قصيرًا، فإذا استَكْمَلَتْ وتَمَّتْ اضْمَحَلَّتْ وزالتْ عن صاحبها، أو زال صاحبها عنها، فأصبح صِفْرَ اليدين منها، مُمتلئ القلب من همِّها وحُزنها وحسرتها.
فَاغْتَنِم يا عبدالله هذه الأوقات والساعات القصيرة في طاعة الله تعالى قبل الفوات والنَّدم على ما فات.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:45- 46].
بارك الله لي ولكم في القرآن والسُّنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
***
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
بيان حقيقة الدنيا
يا عباد الله، اتَّقوا الله تعالى، واغتنموا هذه الأيام القليلة فيما يعود عليكم بالسعادة الطويلة، فإنما هي أيامٌ وساعاتٌ ثم ينتقل الإنسان إلى ما قدَّم، قال الله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:20- 21].
فَتَزَوَّدْ يا عبدالله بالتقوى، وأَبْشِرْ بالسعادة الأبدية.
هذا، وصلُّوا على خير خلق الله نبينا محمد بن عبدالله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين، وانصر عبادك المُوحدين، واخذل مَن خذل الدين.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واغفر لأمواتنا وأموات المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نِعَمِه يَزِدْكم: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].
| ^1 | رواه أحمد: 10943، وابن حبان: 6842، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان": 6803. |
|---|---|
| ^2 | البيت للنَّمْر بن تَوْلَب. ينظر: "الكامل" للمُبرد: 1/ 175. |
| ^3 | رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 4278، والحاكم: 8158، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 627. |
| ^4 | الأبيات لمحمود بن الحسن الوراق. ينظر: "الزهد" لابن أبي الدنيا: ص186. |
| ^5 | الأبيات لعبدالله بن المُعتز. ينظر: "أدب الدنيا والدين" للماوردي: ص123. |
| ^6 | لم نقف على نسبتهما إلى قائلٍ. ينظر: "مدارج السالكين" لابن القيم: 4/ 78. |
| ^7 | البيتان للفُضَيل بن عياض. ينظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر: 48/ 451. |
| ^8 | البيتان لأبي العتاهية. ينظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب: 2/ 386. |
| ^9 | الأبيات لأبي إسحاق الإلبيري. ينظر: "ديوان أبي إسحاق الإلبيري": ص28، 31. |
| ^10 | رواه مسلم: 2858، وابن ماجه: 4108 واللفظ له. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط