تخطى إلى المحتوى

وجوب محبة النبي  ونُصرته، وحُكم مَن سَبَّه

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي ينصر رُسُلَه والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، كما وعد في كتابه، وهو الصادق الذي لا يُخلف الميعاد.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أفضل المُرسلين، وأكرم العباد، أرسله بالهدى ودين الحقِّ لِيُظْهِره على الدين كله ولو كره أهل الشرك والعِنَاد، ورفع له ذِكْرَه، فلا يُذْكَر إلا ذُكِرَ معه؛ كما في الأذان والتَّشهد والخُطَب والمجامع والأعياد، وكَبَتَ مُحَادَّه، وأهلك مُشَاقَّه، وكَفَاهُ المُستهزئين به ذوي الأحقاد، وبَتَرَ شانئه، ولَعَنَ مُؤْذِيَه في الدنيا والآخرة، وجعل هوانه بالمرصاد.

أما بعد:

محبة الله لا تتحقق إلا باتباع النبي

يا عباد الله، اتَّقوا الله تعالى حقَّ التقوى، واعلموا أن الله تعالى هَدَانا بِنَبِيِّه محمدٍ ، وأخرجنا به من الظُّلمات إلى النور، وآتانا ببركة رسالته خير الدنيا والآخرة، وأوجب الله علينا حُبَّه وتعزيره ونَصْرَه بكل طريقٍ، وإيثارَه بالنفس والمال في كل موطنٍ، وحِفْظَه وحمايتَه من كل مُؤْذٍ، وإن كان الله قد أغنى رسوله عن نصر الخلق: وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4]، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ [الحديد:25].

عباد الله، إن محبة الله لا تحصل للعبد إلا باتِّباع النبي ، قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]، وقال النبي الكريم : ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: مَن كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحِبَّ المرء لا يُحِبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقْذَفَ في النار[1]رواه البخاري: 21، ومسلم: 43 واللفظ له.، وقال : لا يُؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من وَلَدِه ووالده والناس أجمعين[2]رواه البخاري: 15، ومسلم: 44 واللفظ له.، وفي لفظٍ: من أهله وماله والناس أجمعين[3]رواه مسلم: 44..

وعن العباس بن عبدالمطلب أنه سمع رسول الله يقول: ذاق طعم الإيمان مَن رَضِيَ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا[4]رواه مسلم: 34..

وجوب تقديم محبة الله ورسوله  على كل محبوبٍ

محبة الله ورسوله فرضٌ، بل أفرض الفروض، وكذلك تقديمها على محبة كل شيءٍ، قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24].

وهذا يدل على وجوب محبة الله ورسوله  وتقديمها على محبة كل شيءٍ، ويدل على الوعيد الشديد والمَقْت الأكيد على مَن كان شيءٌ من هذه المذكورات أحبَّ إليه من الله ورسوله  وجهادٍ في سبيله.

وعلامة ذلك أنه إذا عُرِضَ عليه أمران: أحدهما يُحِبُّه الله ورسوله ، وليس لنفسه فيه هوًى، والآخر تُحِبُّه نفسُه وتشتهيه، ولكنه يُفَوِّت عليه محبوبًا لله ورسوله  أو ينقصه؛ فإنه إن قدَّم ما تهواه نفسُه على ما يُحِبُّه اللهُ ورسوله دلَّ ذلك على أنه ظالمٌ، تاركٌ لِمَا يجب عليه[5]ينظر: "تفسير السعدي": ص332..

شرط المحبة الصَّادقة

ما أحسن ما قال القائل:

تعصي الإله وأنت تُظْهِرُ حُبَّه هذا مُحَالٌ في القياس بديعُ
لو كان حُبُّكَ صادقًا لأطعتَه إنَّ المُحبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ[6]البيتان للشافعي. ينظر: "ديوانه": ص96.

وقال الإمام ابن القيم في نونيَّته:

شرط المحبة أن تُوافِقَ مَن تُحِبُّ على مَحَبَّتِه بلا عصيانِ
فإذا ادَّعيتَ له المحبة مع خِلا فِكَ ما يُحِبُّ فأنت ذو بُهتانِ
أَتُحِبُّ أعداء الحبيب وتدَّعي حُبًّا له؟! ما ذاك في إمكانِ
وكذا تُعادي جاهدًا أحبابه أين المحبَّة يا أخا الشيطان؟![7]ينظر: "الكافية الشافية" لابن القيم: ص189.

ولمَّا قال عمر : "يا رسول الله، لأنت أحبُّ إليَّ من كل شيءٍ إلا من نفسي"، قال النبي : لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك، فقال له عمر : "فإنه الآن -والله- لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي"، فقال النبي : الآن يا عمر[8]رواه البخاري: 6632.، أي: الآن عرفتَ فَنَطَقْتَ بما يجب[9]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 11/ 528..

وهذا الحبُّ لا يكون بالدَّعوى، بل بالصدق، والمحبة تُثْمِر طاعة الله ورسوله ، والبُعْد عما نهى عنه الله ورسوله .

ولا شكَّ أن العبد إذا أحبَّ الله ورسوله فإنه يُحِبُّ ما يُحِبُّه الله ورسوله ؛ لأن مَن أحبَّ أحدًا أحبَّ مَن يُحِبُّه؛ ولهذا قال النبي : مَن أحبَّ لله، وأَبْغَضَ لله، وأعطى لله، ومَنَعَ لله؛ فقد استكمل الإيمان[10]رواه أبو داود: 4681، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3029..

ثواب محبة النبي

ثبت في الأحاديث الصحيحة أن من ثواب محبته : الاجتماع معه في الجنة؛ فقد سأله رجلٌ عن الساعة، فقال : ما أعددتَ لها؟ قال: "يا رسول الله، ما أعددتُ لها كبير صلاةٍ، ولا صيامٍ، ولا صدقةٍ، ولكني أُحِبُّ الله ورسوله"، قال : فأنت مع مَن أحببتَ، قال أنسٌ : "فما فَرِحْنَا بعد الإسلام فَرَحًا أشدَّ من قول النبي : فإنك مع مَن أحببتَ، فأنا أُحِبُّ الله ورسوله وأبا بكرٍ وعمر، فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بأعمالهم"[11]رواه البخاري: 3688، 7153، ومسلم: 2639 واللفظ له..

وعن عبدالله بن مسعودٍ قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله فقال: "يا رسول الله، كيف تقول في رجلٍ أحبَّ قومًا ولم يلحق بهم؟" فقال رسول الله : المرء مع مَن أحبَّ[12]رواه البخاري: 6169 واللفظ له، ومسلم: 2640..

ومعنى "ولم يلحق بهم" أي: في الأعمال.

والآية في سورة آل عمران: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31] يُقال لها: آية المِحْنَة؛ امتَحَنَ الله بها العباد.

فعلامة المحبة لله تعالى: اتِّباع الرسول ، والابتعاد عما نهى عنه.

وفي الآية والأحاديث السابقة الدلالة على أن المرء مع مَن أحبَّ، فمَن أحبَّ النبي والمؤمنين فهو معهم، ومَن أحبَّ الكفار فهو معهم.

نُصْرَة النبي وتعزيره وتوقيره

من صِدْق المحبة له : نُصرته وتعزيره وتوقيره، قال الله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح:8- 9]، وقال تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:157].

ومعنى وَتُعَزِّرُوهُ ذكر ابن كثيرٍ عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "تُعَظِّموه".

وقال البغوي: وَتُعَزِّرُوهُ أي: تُعِينوه وتنصروه.

وَتُوَقِّرُوهُ من التَّوقير، وهو الاحترام[13]ينظر: "تفسير ابن كثير": 6/ 669، و"تفسير البغوي": 7/ 299..

حكم مَن آذى النبيَّ أو استهزأ به

لَعَنَ الله تعالى مَن آذاه وآذى رسوله فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب:57]، وقال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [النساء:52].

ولا شكَّ أن مَن استهزأ بالنبي يستحق لعنة الله تعالى، وقد لَعَنَه: وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا، فإذا كان مسلمًا قبل سَبِّهِ ارتدَّ، ولا تُقْبَل توبته عندنا ولو تاب؛ لقول الله تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ۝ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65- 66]، ويجب قتله بلا استتابةٍ على القول الصحيح.

أما إذا كان السَّابُّ ذِمِّيًّا أو مُعَاهَدًا فإنه ينتقض عهده ويُقْتَل، ولا يجوز المَنُّ عليه ولا مُفَاداتُه، بل يُقْتَل على كل حالٍ.

وإذا تاب السَّابُّ فالصواب أنه يُقْتَل، ولو كان أصله مسلمًا، فلا تُقْبَل توبته عندنا، أما عند الله فهذا إليه سبحانه.

وقد ضَمَّن ذلك شيخ الإسلام كتابَه: "الصارم المسلول على شاتم الرسول "، قال رحمه الله: "وقد رَتَّبْتُه على أربع مسائل:

المسألة الأولى: في أن السَّابَّ يُقْتَل، سواءٌ كان مسلمًا أو كافرًا.

المسألة الثانية: في أنه يتعيَّن قتلُه، وإن كان ذِمِّيًّا، فلا يجوز المَنُّ عليه ولا مُفَاداتُه.

المسألة الثالثة: في حكمه إذا تاب، وكذا لو أسلم الكافرُ بعد السَّبِّ.

المسألة الرابعة: في بيان السَّبِّ وما ليس بِسَبٍّ، والفرق بينه وبين الكفر".

وقد أجاد وأفاد رحمه الله تعالى.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:156- 158].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

***

الخطبة الثانية

الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الحق المُبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الأمين.

أما بعد:

مكانة النبي وخصائص رسالته الخالدة

عباد الله، لقد أرسل الله هذا النبي الكريم رحمةً للعالمين، كما قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، وجعله خاتم الأنبياء والمُرسلين: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]، فلا نبيَّ بعده عليه الصلاة والسلام.

وهو الدَّاعي لكل خيرٍ، المُحَذِّر من كل شرٍّ، لجميع الجنِّ والإنس: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ۝ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا ۝ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب:45- 48]، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ۝ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة:15- 16].

وهو عليه الصلاة والسلام مِنَّةٌ من الله تعالى على المؤمنين خاصةً: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164].

وقد عَصَمَه الله تعالى وتَكَفَّل بحمايته فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [المائدة:67]، وكفاه الله تعالى المُستهزئين فقال: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ۝ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ۝ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ۝ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ۝ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ۝ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:94- 99].

واجب المؤمن تجاه النبي وخطورة أذيته ومُعاداة دعوته

يا عبدالله المؤمن، كُنْ من الطائعين المُتَّبِعين لهذا النبي الكريم ، ولا تُعِنِ الكافرين، بل أَبْغِضْهم لله ربِّ العالمين، ولا تتشبَّه بهم؛ فإنَّ مَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم[14]رواه أبو داود: 4031، وأحمد: 5114، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6149.، وانصر نبيك محمدًا باتِّباعه ومحبته ومُقاطعة المشركين، والله تعالى ناصرٌ نبيَّه، ومُعْلٍ كَلِمَتَه ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون، ولو كره المنافقون: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85].

وقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفس محمدٍ بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأُمة -يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ- ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرْسِلتُ به إلا كان من أصحاب النار[15]رواه مسلم: 153.، فدعوته عامَّةٌ للإنس والجنِّ إلى قيام الساعة.

ومَن آذاه وسَبَّه فقد تولَّى الله عقابه في الدنيا والآخرة: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب:57]، وقال: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [النساء:52]، فمَن شتم رسول الله أو نال منه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

وقد أحسن حسان بن ثابتٍ حين قال لِمَن سَبَّ النبيَّ :

هَجَوْتَ محمدًا فأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاءُ
فإنَّ أبي ووالده وعِرْضِي لِعِرْضِ محمدٍ منكم وِقَاءُ[16]ينظر: "صحيح مسلم": 2490.

فيا عبدالله، أَطِعْ نبيَّك واتَّبِعْه، ولا تُطِعِ الكافرين والمنافقين.

اللهم صَلِّ وسلِّم على نبيك وحبيبك وخليلك وخِيرتك من خلقك نبينا وقُدوتنا محمد بن عبدالله، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين.

اللهم أَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين والمُستهزئين، وأَنْزِلْ عليهم بَأْسَك الذي لا يُرَدُّ عن القوم المُجرمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واغفر لأمواتنا وأموات المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، فاذكروا الله تعالى يَذْكُرْكم، واشكروه على نِعَمِه يَزِدْكم: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45][17]أُلْقِيَتْ في 27/ 11/ 1426هـ عندما نال بعض الدانماركيين من الحبيب ..

^1 رواه البخاري: 21، ومسلم: 43 واللفظ له.
^2 رواه البخاري: 15، ومسلم: 44 واللفظ له.
^3 رواه مسلم: 44.
^4 رواه مسلم: 34.
^5 ينظر: "تفسير السعدي": ص332.
^6 البيتان للشافعي. ينظر: "ديوانه": ص96.
^7 ينظر: "الكافية الشافية" لابن القيم: ص189.
^8 رواه البخاري: 6632.
^9 ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 11/ 528.
^10 رواه أبو داود: 4681، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3029.
^11 رواه البخاري: 3688، 7153، ومسلم: 2639 واللفظ له.
^12 رواه البخاري: 6169 واللفظ له، ومسلم: 2640.
^13 ينظر: "تفسير ابن كثير": 6/ 669، و"تفسير البغوي": 7/ 299.
^14 رواه أبو داود: 4031، وأحمد: 5114، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6149.
^15 رواه مسلم: 153.
^16 ينظر: "صحيح مسلم": 2490.
^17 أُلْقِيَتْ في 27/ 11/ 1426هـ عندما نال بعض الدانماركيين من الحبيب .