تخطى إلى المحتوى

التوبة.. حكمها وفضلها وشروطها

الوصية بالتقوى ولزوم السُّنَّة

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على دربه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتقوا الله يا عباد الله؛ فقد أمَركم بذلك فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

واعلموا أنَّ أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمدٍ ، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكلَّ مُحدَثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

وجوب التوبة على جميع المؤمنين

عبادَ الله، إن التوبة قد أوجبها الله تعالى على جميع المؤمنين من كل ذنبٍ، فقال سبحانه: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].

فلا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة والرجوع مما يكرهه الله -ظاهرًا وباطنًا- إلى ما يحبه -ظاهرًا وباطنًا-، ودلَّت هذه الآية على أنَّ كل مؤمنٍ محتاجٌ إلى توبةٍ؛ لأن الله خاطبَ المؤمنين جميعًا، وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8]. والمراد بها: التوبة العامة الشاملة للذنوب كلها التي عقدها العبد لله، لا يريد بتوبته إلا وجه الله والتقرُّب منه، ويستمرُّ على توبته في جميع أحواله.

الرجاء في رحمة الله والتحذير من الغفلة

ورحمة الله واسعةٌ بعباده المسرفين في الذنوب والمتجاوزين لحدوده؛ فقد رغَّبهم في التوبة فقال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۝ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ۝ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ۝ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ۝أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ۝ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ۝ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الزمر:53- 59].

وقد عاتبَ الله المؤمنين على عدم المسارعة إلى الخشوع له والإنابة، ورغَّبهم وحثَّهم على خشوع القلوب لله تعالى، وحذَّرهم من صفات أهل الكتاب وأهل القسوة والغفلة، فقال تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].

أمر النبي  بالتوبة وكثرة استغفاره

وقد أمَر رسولُ الله بالتوبة، فقال: يا أيُّها الناس تُوبوا إلى الله؛ فإني أتوب في اليوم إليه مئةَ مرةٍ[1]رواه مسلم: 2702.، وفي روايةٍ: إنه لَيُغانُ على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئةَ مرةٍ[2]رواه مسلم: 2702.. والمراد: ما يتغشَّى القلب من الغَفَلات والفَتَرات عن الذِّكر الذي كان شأنُه الدوامَ عليه، فإذا فَتَرَ عنه أو غَفَلَ عدَّ ذلك ذنبًا واستغفر منه[3]يُنظَر: "المنهاج" للنووي: 17/ 23، و"فتح الباري" لابن حجر: 11/ 101.. ولفظ الإمام أحمد: يا أيُّها الناس تُوبوا إلى الله واستغفروه؛ فإني أتوب إلى الله وأستغفره في كل يومٍ مئةَ مرةٍ[4]رواه أحمد في "المسند": 18293، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 1452.. وقال عليه الصلاة والسلام: واللهِ إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثرَ من سبعين مرةً[5]رواه البخاري: 6307.. و"ظاهره أنه يطلب المغفرة، ويعزم على التوبة"[6]يُنظَر: "فتح الباري" لابن حجر: 11/ 101..

وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: "إن كنا لَنَعُدُّ لرسول الله في المجلس الواحد مئة مرةٍ: ربِّ اغفر لي وتُبْ عليَّ؛ إنك أنت التواب الرحيم[7]رواه أبو داود: 1516، وابن ماجه: 3814، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1357.، وفي روايةٍ: رب اغفر لي وتُبْ عليَّ؛ إنك أنت التواب الغفور[8]رواه الترمذي: 3434، والنسائي في "السنن الكبرى": 10219، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 556..

رحمة الله الواسعة وفرحه بتوبة عباده

ومن رحمة الله تعالى بعباده وإحسانه وجُوده وكرمه: أنه يفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه، فَرَحًا يليق بجلاله وعظمته؛ فعن أنسٍ  عن النبي قال: لَلَّهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرضِ فَلَاةٍ، فانفلتَتْ منه وعليها طعامُه وشرابُه، فأَيِسَ منها، فأتى شجرةً فاضطجع في ظِلِّها قد أَيِسَ من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمةً عنده، فأخذ بِخِطامها، ثم قال -مِن شدَّة الفرح-: "اللهم أنت عبدي وأنا ربُّك"؛ أخطأَ مِن شدَّة الفرح[9]رواه البخاري: 6309 مختصرًا، ومسلم: 2747 واللفظ له..

ومن كرمه على عباده: أنه يَبسُطُ يَدَهُ بالليل لِيتوبَ مُسِيءُ النهار، ويَبْسُطُ يَدَهُ بالنهار لِيتوبَ مُسِيءُ الليل، حتى تَطْلُعَ الشمسُ من مغربها[10]رواه مسلم: 2759..

ومن رحمته سبحانه بعباده: أنه لما خَلَقَ الخلقَ كَتَبَ في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إنَّ رحمتي تَغلِبُ غضبي[11]رواه البخاري: 7404، ومسلم: 2751 واللفظ له.، وخلق الله تعالى مئةَ رحمةٍ، فأمسك عنده تسعةً وتسعين ليوم القيامة، وأنزل في الأرض رحمةً واحدةً، فبها تتراحم الخلائق، حتى ترفعَ الدابَّةُ حافِرَها عن ولدها خشيةَ أن تُصِيبَه[12]رواه البخاري: 6000، ومسلم: 2752 واللفظ له..

وعن عُمَرَ بن الخطَّاب أنه قال: قُدِمَ على رسول الله بِسَبْيٍ، فإذا امرأةٌ من السَّبْيِ تبتغي[13]أي: تطلب وتسعى. يُنظَر: "صحيح مسلم" ت: عبدالباقي: 4/ 2109. إذا وجدَتْ صبيًّا في السَّبْيِ أخذَتْه، فألصقَتْه ببطنها وأرضعَتْه، فقال لنا رسول الله : أتَرَون هذه المرأةَ طارحةً ولدها في النار؟، قلنا: "لا والله، وهي تقدر على ألَّا تَطْرَحَه"، فقال رسول الله : لَلَّهُ أرحمُ بعباده من هذه بولدِها[14]رواه البخاري: 5999، ومسلم: 2754.، ولكن لو يَعلمُ المؤمنُ ما عند الله من العقوبة ما طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أحدٌ، ولو يَعلمُ الكافرُ ما عند الله من الرحمة ما قَنَِطَ من جَنَّتِهِ أحدٌ[15]رواه مسلم: 2755..

مغفرة الله للتائبين مهما عظمت الذنوب

والله تعالى يغفر الذنوب -وإن عَظُمَتْ- بالتوبة الصادقة التي اشتملت على: الندم على ما فعل المُذنب، والعزيمة على ألا يعودَ إليها، والإقلاع عنها، وردِّ الحقوق إلى أهلها.

قال الله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ۝ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ۝إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68- 70].

عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أنَّ ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قَتَلوا وأكثروا، وزَنَوا وأكثروا، فأتوا محمدًا  فقالوا: "إنَّ الذي تقول وتدعو إليه لَحَسَنٌ، لو تُخبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْنا كفَّارةً، فَنَزَلَ: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ [الفرقان:68]، وَنَزَلَ: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53][16]رواه البخاري: 4810 واللفظ له، ومسلم: 122..

وقال سبحانه: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]، وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى:25]، وقال: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة:104]، وقال سبحانه: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:110]، وقال جلَّ وعلا: أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:74]، وقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135- 136].

وقد جاءت امرأةٌ حُبْلَى من الزنا إلى النبي فقالت: "يا رسول الله، أصبتُ حدًّا، فَأَقِمْهُ عليَّ"، فدعا النبي وَلِيَّها فقال: أَحْسِنْ إليها، فإذا وضعَتْ فَأْتِني بها. فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بها نبيُّ الله فشُكَّتْ عليها ثيابُها، ثم أَمَرَ بها فرُجِمَت، ثم صلَّى عليها، فقال له عُمَرُ : "تُصَلِّي عليها يا نبيَّ الله وقد زَنَتْ؟!"، فقال : لقد تابت توبةً لو قُسِمَتْ بين سبعين من أهل المدينة لَوَسِعَتْهُم، وهل وجدتَ توبةً أفضلَ من أن جادت بنفسها لله تعالى؟[17]رواه مسلم: 1696.، وقَتَل رجلٌ مئةَ نَفْسٍ ثم تاب، فتاب الله تعالى عليه[18]رواه البخاري: 3470، ومسلم: 2766..

إغلاق باب التوبة

ولكن عند الغرغرة أو عند طلوع الشمس من مغربها لا تُقبَل التوبة؛ لقول الله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:17- 18].

وثَبَتَ عن النبي أنه قال: إنَّ اللهَ يَقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ[19]رواه الترمذي: 3537 واللفظ له، وابن ماجه: 4253، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3143. وما لم … Continue reading.

وقال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [الأنعام:158]، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : مَن تابَ قبل أن تَطْلُعَ الشمسُ من مَغْرِبِها تابَ اللهُ عليه[20]رواه مسلم: 2703..

ذُكر أنَّ رجلًا أطاع الله عشرين سنةً، ثم عصى الله عشرين سنةً، وفي وقتٍ من الأوقات نظر في المرآة فرأى الشيب قد اشتعل في رأسه، فَحَزِنَ على تفريطه، فسمع مناديًا يُنادي: "يا هذا، أطعتَنا فقرَّبناك، وعصيتَنا فأمهلناك، وإن رَجَعْتَ إلينا قَبِلناك"[21]سمعتُه من عبدالله بن حميد رحمه الله، وعزاه إلى "فتح الباري" لابن حجر..

مُكفِّرات الذنوب

ولا شكَّ أنَّ المُكفِّرات للذنوب كثيرةٌ، وهي: التوبة الصادقة، والاستغفار، والمصائب، والحسنات، وعذاب القبر -نعوذ بالله من عذاب القبر-، واستغفار المؤمنين للإنسان المسلم في حياته وبعد مماته، وما يُهدَى إليه بعد الموت، وأهوال يوم القيامة، وتهذيب المؤمنين على القنطرة بعد مُجاوَزة الصراط، وشفاعة الشافعين، وعفوُ أرحم الراحمين من غير شفاعةٍ.

عبادَ الله، توبوا إلى الله واستغفروه قبل أن يهجم عليكم هاذِمُ اللذَّات، وقبل أن يقول المجرم: رَبِّ ارْجِعُونِ ۝لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99- 100]، قبل ألا ينفع الندم، قبل أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ۝أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ۝ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:56- 58].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور التواب الرحيم.

***

الخطبة الثانية

الحمد لله ربِّ العالمين، الإله الحق المبين، والعاقبة للمتقين التائبين، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله التواب الغفور الرحيم، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر:3]، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه وخِيرته مِن خلقِه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

سعة المغفرة الإلهية وشروطها

فيا عبادَ الله، اتقوا الله وتوبوا إليه؛ فقد قال تعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۝وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر:49- 50]، وقال النبي : قال الله تبارك وتعالى: يا ابنَ آدمَ، إنك ما دعوتَني ورجوتَني غفرتُ لك على ما كان فيك ولا أُبالي. يا ابنَ آدمَ، لو بَلَغَتْ ذنوبُك عَنَانَ السماء ثم استغفرتَني غفرتُ لك ولا أُبالي. يا ابنَ آدمَ، إنك لو أتيتَني بِقُراب الأرض خطايا، ثم لقيتَني لا تُشرِكُ بي شيئًا؛ لأتيتُك بِقُرابها مغفرةً[22]رواه الترمذي: 3540، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1616..

والتوبة تهدم ما كان قبلها من الذنوب إذا كملت شروطها؛ من الندم، والإقلاع عن الذنب، والعزيمة على عدم العودة، وردِّ المظالم إلى أهلها، وكانت التوبة قبل طلوع الشمس من مَغْرِبها، وقبل الغرغرة، وفي الحديث: التائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ له[23]رواه ابن ماجه: 4250، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3145..

هذا، وصلُّوا على خير خلق الله نبيِّنا محمد بن عبدالله ، ورضيَ الله عن أصحابه أبي بكرٍ وعُمَرَ وعثمانَ وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيِّنا أجمعين.

اللهم أَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين، وانصر عبادك الموحِّدين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واغفر لأمواتنا وأموات المؤمنين؛ برحمتك يا أرحم الراحمين.

ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار.

عبادَ الله، اذكروا الله يَذْكُرْكم، واشكروه على نِعَمِه يَزِدْكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].

^1, ^2 رواه مسلم: 2702.
^3 يُنظَر: "المنهاج" للنووي: 17/ 23، و"فتح الباري" لابن حجر: 11/ 101.
^4 رواه أحمد في "المسند": 18293، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 1452.
^5 رواه البخاري: 6307.
^6 يُنظَر: "فتح الباري" لابن حجر: 11/ 101.
^7 رواه أبو داود: 1516، وابن ماجه: 3814، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1357.
^8 رواه الترمذي: 3434، والنسائي في "السنن الكبرى": 10219، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 556.
^9 رواه البخاري: 6309 مختصرًا، ومسلم: 2747 واللفظ له.
^10 رواه مسلم: 2759.
^11 رواه البخاري: 7404، ومسلم: 2751 واللفظ له.
^12 رواه البخاري: 6000، ومسلم: 2752 واللفظ له.
^13 أي: تطلب وتسعى. يُنظَر: "صحيح مسلم" ت: عبدالباقي: 4/ 2109.
^14 رواه البخاري: 5999، ومسلم: 2754.
^15 رواه مسلم: 2755.
^16 رواه البخاري: 4810 واللفظ له، ومسلم: 122.
^17 رواه مسلم: 1696.
^18 رواه البخاري: 3470، ومسلم: 2766.
^19 رواه الترمذي: 3537 واللفظ له، وابن ماجه: 4253، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3143. وما لم يُغَرْغِرْ أي: ما لم تَبْلُغْ رُوحُه حُلْقُومَه. يُنظَر: "النهاية" لابن الأثير: 3/ 360.
^20 رواه مسلم: 2703.
^21 سمعتُه من عبدالله بن حميد رحمه الله، وعزاه إلى "فتح الباري" لابن حجر.
^22 رواه الترمذي: 3540، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1616.
^23 رواه ابن ماجه: 4250، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3145.