تخطى إلى المحتوى

توديع شهر الصيام والقيام، وذِكْر زكاة الفطر وآداب العيد

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

يا عباد الله، اتَّقوا الله تعالى، كما أمركم بذلك فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

التَّذكير بِقُرْب انتهاء شهر رمضان

أيها المسلمون، إنَّ شهركم الكريم قد عزم على الرحيل، ولم يَبْقَ منه إلا الزمن القليل، وهو شاهدٌ لكم بما عملتُم فيه من الأعمال، فاجتهدوا في الباقي من هذا الشهر العظيم، فلعله لا شهر لكم غيره.

ومَن كان منكم مُحْسِنًا فَلْيَحْمَد الله على ذلك، وليسأله القبول، ومَن كان منكم مُهْمِلًا فَلْيَتُبْ إلى الله، وليعتذر من تقصيره؛ فإنَّ العذر قبل الموت مقبولٌ.

واختموا شهر رمضان بالتوبة إلى الله من معاصيه، والإنابة إليه بفعل ما يُرضيه.

واختموا شهركم بالاجتهاد في بقية هذه الليالي؛ فإنَّ الأعمال بخواتيمها.

الحَثُّ على اغتنام العشر الأواخر

اعلموا -رحمكم الله- أن أفضل الليالي هذه العشر البواقي؛ فإن القرآن نزل فيها؛ في ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، التي مَن حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ الخير كلَّه، ولا يُحْرَم خيرها إلا محرومٌ[1]رواه ابن ماجه: 1644، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1000.؛ ولهذا كان النبي إذا دخل العشر أَحْيَا الليل، وأَيْقَظَ أهله، وَجَدَّ وشَدَّ المِئْزَر[2]رواه البخاري: 2024، ومسلم: 1174 واللفظ له..

وكان رسول الله يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره[3]رواه مسلم: 1175.، وقال : تَحَرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان[4]رواه البخاري: 2020، ومسلم: 1169..

وهي في الأوتار أقرب، وهي مُتنقِّلةٌ في كل سنةٍ؛ فقد تكون في سنةٍ ليلة إحدى وعشرين، وفي أخرى ليلة ثلاثٍ وعشرين، وفي أخرى ليلة خمسٍ وعشرين، وفي أخرى ليلة سبعٍ وعشرين، وفي أخرى ليلة تسعٍ وعشرين.

وقد تكون في الأشفاع؛ فإنه قد جاء عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قوله: "التمسوا في أربعٍ وعشرين"[5]رواه البخاري: 2022..

ولهذا كان النبي يجتهد في العشر الأواخر كلها طلبًا لليلة القدر، وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله، واعتكف أزواجه من بعده[6]رواه البخاري: 2026، ومسلم: 1172..

فاجتهد يا عبدالله في هذا الخير العظيم؛ فإنَّ مَن حَرَصَ على شيءٍ جَدَّ في طلبه، ولعلك يا عبدالله لا تُدْرك هذه الليالي مرةً أخرى؛ لانتقالك إلى دار البرزخ، إلى أول منزلٍ من منازل الآخرة؛ إلى القبر، فاغتنم زمن الإمهال قبل فوات الأوان.

الأعمال المشروعة في ختام رمضان

اعلموا -رحمكم الله- أن الله تعالى قد شَرَعَ لكم في ختام شهركم هذا أعمالًا تزيدكم من الله قُرْبًا، وتزيد في إيمانكم قوةً، وفي سِجِلِّ أعمالكم حسناتٍ:

  • فمن هذه الأعمال: التوبة إلى الله تعالى، والنَّدم على التَّقصير، والإقلاع عن جميع الذنوب، والعزيمة على عدم العودة إليها، وردُّ الحقوق إلى أهلها إن وُجِدَتْ، وهذا واجبٌ في كل وقتٍ.
  • ومن هذه الأعمال: زكاة الفطر، فقد فَرَضَ رسول الله زكاة الفطر من رمضان على كل نَفْسٍ من المسلمين: حُرٍّ أو عبدٍ، رجلٍ أو امرأةٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ[7]رواه البخاري: 1503، ومسلم: 984..
    وهي طُعْمَةٌ للمساكين، وطُهْرَةٌ للصائم من اللَّغو والرَّفَث؛ فعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: "
    فرض رسول الله زكاة الفطر طُهْرَةً للصائم من اللَّغو والرَّفَث، وطُعْمَةً للمساكين، فمَن أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومَن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقةٌ من الصدقات"[8]رواه أبو داود: 1609، وابن ماجه: 1827، وحسنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1427..
    وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله فَرَضَ زكاة الفطر من رمضان على كل نفسٍ من المسلمين: حُرٍّ أو عبدٍ، رجلٍ أو امرأةٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ، صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ[9]رواه البخاري: 1503، ومسلم: 984..
    وفي لفظٍ للبخاري:
    وأمر بها أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة[10]رواه البخاري: 1503..
    وفي لفظٍ:
    وكانوا يُعْطُون قبل الفطر بيومٍ أو يومين[11]رواه البخاري: 1511..
    وكان عثمان يُعطيها عن الحمل[12]رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 11047..
    فظهر من هذه الأحاديث أن زكاة الفطر فريضةٌ على كل مسلمٍ، وأنه لا يجوز إخراج القيمة عنها، وأنه يجوز إخراجها قبل العيد بيومٍ أو يومين، ولكن الأفضل أن تُخْرَج يوم العيد قبل صلاة العيد، وأنه لا يجوز تأخيرها بعد صلاة العيد، وأنه يُستحبُّ إخراجها عن الحمل، وأنها تخرج من قُوت الناس في البلد: صاعًا من طعامٍ؛ من تمرٍ، أو زبيبٍ، أو
    بُرٍّ، أو شعيرٍ، أو أَقِطٍ، أو غير ذلك.
    وتُدْفَع الزكاة إلى الفقراء والمساكين، ويجوز أن يُعْطَى المسكين زكاة الجماعة، وكذلك يجوز إعطاء الجماعة من المساكين زكاة الواحد.
  • ومن الأعمال المُباركة التي يُخْتَم بها الصيام: التَّكبير من غروب شمس ليلة العيد إلى صلاة العيد؛ قال الله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185].
    وصفتُه: أن يقول المسلم: "الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد".
    ويُسَنُّ جهر الرجال به في المساجد والأسواق والبيوت؛ إظهارًا لعبادة الله تعالى.
  • ومن الأعمال: صلاة العيد، وهي من تمام ذكر الله تعالى، وقد أمر بها رسول الله أُمَّته رجالًا ونساءً[13]رواه البخاري: 971، ومسلم: 890..
    ومن السُّنة: أن يأكل قبل الخروج إلى صلاة عيد الفطر تَمَرَاتٍ وترًا، والأفضل أن يلبس أحسن ثيابه، ويتطيَّب، ويخرج ماشيًا إن تيسَّر، والأفضل أن يذهب إلى صلاة العيد من طريقٍ، ويرجع من طريقٍ آخر، ويُبَكِّر المأموم إلى مُصلَّى العيد بعد صلاة الصبح؛ لفعل الصحابة ، ويُكَبِّر في طريقه إلى المُصلَّى رافعًا صوته، ولا يُصَلِّي قبل صلاة العيد ولا بعدها.

عباد الله، اختموا شهركم بالاجتهاد في باقيه، وبالتوبة والاستغفار، واعلموا أن خير الأعمال خواتيمها.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

***

الخطبة الثانية

الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإنَّ أحسن الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهَدْي هَدْي محمدٍ ، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكل مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار.

عباد الله، اختموا شهركم بالاجتهاد في باقيه؛ فإن الأعمال بالخواتيم، واستقيموا بعده على طاعة الله، واحذروا من معاصيه.

التَّحذير من المُنكرات في يوم العيد

اعلموا أن كثيرًا من الناس يقعون في مُنكراتٍ يوم العيد:

  • منها: أن بعضهم يدعو الأموات، ويطوف بالقبور تعظيمًا لها، وهذا من الشرك الذي حرَّمه الله تعالى.
  • ومنها: الكِبْر واحتقار الناس.
  • ومنها: الإسبال في الثياب والمشالح والسَّراويل تحت الكعبين، فإنَّ ما أسفل من الكعبين في النار[14]روى البخاري: 5787 عن أبي هريرة ، عن النبي قال: ما ‌أسفل ‌من ‌الكعبين من الإزار ففي النار..
    والله تعالى لا ينظر إلى مُسْبِل إزاره، ولا يُكَلِّمه، ولا يُزَكِّيه يوم القيامة، وله عذابٌ أليمٌ[15]روى مسلم: 106 عن أبي ذَرٍّ ، عن النبي  قال: ثلاثةٌ لا يُكَلِّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا … Continue reading، والله لا يُحِبُّ المُسْبِلِين[16]روى أحمد: 18151 عن المغيرة بن شعبة  قال: رأيتُ النبي  أخذ بِحُجْزة سفيان بن أبي سهلٍ وهو يقول: يا سفيان بن أبي … Continue reading.
  • ومن المُنكرات: ضرب المزامير والمعازف الغنائية، وهذا يُنْبِت النِّفاق في القلوب كما يُنْبِت الماءُ الزَّرْعَ.
  • ومن المُنكرات: حَلْق اللِّحَى وتقصيرها، ومعصية النبي بذلك.
  • ومنها: مُصافحة النساء من غير المحارم.
  • ومن المُنكرات: التَّشبُّه بالكفار والمشركين في الملابس والأعياد وغير ذلك.
  • ومنها: تشبُّه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، وقد لَعَنَ رسول الله مَن فَعَلَ ذلك[17]روى البخاري: 5885 عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله  المُتَشَبِّهِين من الرجال بالنساء، … Continue reading.
  • ومن المُنكرات في الأعياد: الخَلْوة بالمرأة الأجنبية، وتَبَرُّج النساء وخروجهنَّ من البيوت إلى الأسواق.
  • ومن المُنكرات: التَّبذير والإسراف، والله تعالى لا يُحِبُّ المُسْرِفين.
  • ومن المُنكرات: قطيعة الأرحام، وعدم الاعتناء بالفقراء والمساكين.

فاتَّقوا الله يا عباد الله، واتَّقوا غضبه وسخطه وعقابه، والتزموا بطاعته تعالى.

هذا، وصلُّوا على خير خلق الله نبينا محمد بن عبدالله ورَضِيَ عن أصحابه: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبينا أجمعين، وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين، وَانْصُرْ عبادك المؤمنين.

اللهم اجعلنا ممن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وقامه إيمانًا واحتسابًا، وقام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ فَغَفَرْتَ له ما تقدَّم من ذنبه برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم تقبَّل منا، واغفر لنا، وارحمنا، وَاعْفُ عنا، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم الجليل يَذْكُرْكم، واشكروه على نِعَمِه يَزِدْكم: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].

^1 رواه ابن ماجه: 1644، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1000.
^2 رواه البخاري: 2024، ومسلم: 1174 واللفظ له.
^3 رواه مسلم: 1175.
^4 رواه البخاري: 2020، ومسلم: 1169.
^5 رواه البخاري: 2022.
^6 رواه البخاري: 2026، ومسلم: 1172.
^7, ^9 رواه البخاري: 1503، ومسلم: 984.
^8 رواه أبو داود: 1609، وابن ماجه: 1827، وحسنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1427.
^10 رواه البخاري: 1503.
^11 رواه البخاري: 1511.
^12 رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 11047.
^13 رواه البخاري: 971، ومسلم: 890.
^14 روى البخاري: 5787 عن أبي هريرة ، عن النبي قال: ما ‌أسفل ‌من ‌الكعبين من الإزار ففي النار.
^15 روى مسلم: 106 عن أبي ذَرٍّ ، عن النبي قال: ثلاثةٌ لا يُكَلِّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يُزَكِّيهم، ‌ولهم ‌عذابٌ ‌أليمٌ، قال: فقرأها رسول الله ثلاث مرارٍ. قال أبو ذَرٍّ : خابوا وخسروا، مَن هم يا رسول الله؟ قال: المُسْبِل، والمَنَّان، والمُنَفِّق سلعته بالحلف الكاذب.
^16 روى أحمد: 18151 عن المغيرة بن شعبة  قال: رأيتُ النبي أخذ بِحُجْزة سفيان بن أبي سهلٍ وهو يقول: يا سفيان بن أبي سهلٍ، لا تُسْبِلْ إزارك، فإن الله لا يُحِبُّ المُسْبِلِين، وسمعتُ الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله يقول: إسناده جيدٌ.
^17 روى البخاري: 5885 عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله المُتَشَبِّهِين من الرجال بالنساء، والمُتَشَبِّهات من النساء بالرجال".