تخطى إلى المحتوى

فضل العشر الأول من ذي الحجة والعمل فيهن

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

بيان الحكمة من الخلق

عباد الله، اتَّقوا الله تعالى، واعلموا أن الله تعالى خلقكم لحكمةٍ عظيمةٍ، وهي عبادته وحده لا شريك له؛ قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۝ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ۝ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56- 58].

فالله تعالى خلق هذا الإنسان وأمره بعبادته، وتكفَّل برزقه، وما دام الأجل باقيًا فالرزق آتٍ؛ ولهذا جعل الله للجنين في بطن أُمه طريقًا واحدًا لرزقه، وهو السُّرَّة، فإذا خرج جعل له طريقين، وهما الثَّدْيَان، فإذا فُطِمَ جعل له أربعة طرقٍ: طعامان وشرابان؛ فالطعامان: لحوم بهيمة الأنعام وما أحلَّ الله تعالى من صيد البَرِّ والبحر، والخارج من الأرض من الحبوب والثِّمار، والشَّرابان: لبن بهيمة الأنعام، والماء، فإذا مات وكان مُؤمنًا جعل الله له ثمانية طرقٍ، وهي أبواب الجنة الثمانية، وقبل تلك الأبواب يُبَشَّر بالنعيم المُقِيم[1]معنى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى. ينظر: "الفوائد" لابن القيم: ص79..

فضل عشر ذي الحجة

من مواسم هذه العبادة: أيام عشر ذي الحجة، وفضلها عظيمٌ بيَّنه الله تعالى في كتابه، وبيَّنه رسوله محمدٌ في سُنَّته:

  • فهي الأيام التي أقسم الله تعالى بها في كتابه بقوله: وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1- 2]، وهي عشر ذي الحجة كما قاله ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وابن الزبير ، ومجاهد، وابن كثيرٍ، وابن القيم، وغير واحدٍ من السَّلَف والخَلَف[2]ينظر: "تفسير ابن كثير": 7/ 554، و"زاد المعاد" لابن القيم: 1/ 56..
  • وهي الأيام التي يكون العمل فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله تعالى؛ لحديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى الله من هذه الأيام العشر، فقالوا: "يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟" فقال رسول الله : ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيءٍ. رواه البخاري والترمذي واللفظ له[3]رواه البخاري: 969، وأبو داود: 2438، والترمذي: 757..
  • وهي أيامٌ عظيمةٌ عند الله، والأعمال فيها أحبُّ إليه؛ لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي  قال: ما من أيامٍ أعظم عند الله ولا أحبُّ إليه من العمل فيهنَّ من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهنَّ من التَّهليل والتَّكبير والتَّحميد. رواه أحمد[4]رواه أحمد: 5446، والبيهقي في "شعب الإيمان": 3475، وصححه مُحققو "المسند"..
  • وهي أيامٌ أفضل من أيام عشر رمضان الأخيرة؛ فإنَّ الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى قال: "ليالي العشر الأخير من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان، وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويدل عليه أن ليالي العشر من رمضان إنما فُضِّلَتْ باعتبار ليلة القدر، وهي من الليالي، وعشر ذي الحجة إنما فُضِّلَ باعتبار أيامه؛ إذ فيه: يوم النحر، ويوم عرفة، ويوم التروية"[5]ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 1/ 57..
  • وهي الأيام التي فيها يومان هما أفضل أيام العام: يوم النحر ويوم عرفة؛ لحديث عبدالله بن قُرْطٍ الثُّمَالي ، عن النبي  قال: إنَّ أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر، ثم يوم القَرِّ. رواه أبو داود وأحمد بسندٍ صحيحٍ[6]رواه أبو داود: 1765، وأحمد: 19075، والنسائي في "السنن الكبرى": 4083، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1549..

ويوم القَرِّ هو حادي عشر ذي الحجة؛ لأن الناس يَقِرُّون فيه بِمِنًى؛ لأنهم قد فرغوا -في الغالب- من طواف الإفاضة والنَّحر، فاستراحوا وقَرُّوا.

وأما يوم عرفة فلحديث عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله قال: ما من يومٍ أكثر من أن يُعْتِقَ الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه لَيَدْنُو، ثم يُبَاهِي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ رواه مسلم[7]رواه مسلم: 1348.، وقال : خير الدعاء دعاء يوم عرفة. رواه الترمذي[8]رواه الترمذي: 3585، وحسنه الألباني في "هداية الرواة": 2531.، وقال : صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكَفِّرَ السَّنة التي قبله، والسَّنة التي بعده. رواه مسلم[9]رواه مسلم: 1162..

وهذا لغير الحاجِّ، أما الحاجُّ فالسُّنَّة في حقِّه الإفطار؛ ليتقوَّى على الدعاء والذِّكر؛ اقتداءً برسول الله ، فإنه كان مُفْطِرًا يوم عرفة.

وأما قول النبي في يوم الجمعة: خير يومٍ طَلَعَتْ عليه الشمس يوم الجمعة، رواه مسلم[10]رواه مسلم: 854.، فقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "والصواب أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة ويوم النَّحر أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر وليلة الجمعة"[11]ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 1/ 60.، أي: ليلة القدر أفضل ليالي السنة، وليلة الجمعة أفضل ليالي الأسبوع.

وصَوَّب ابن القيم رحمه الله تعالى أن يوم الحجِّ الأكبر هو يوم النَّحر؛ لأن الحديث الدالَّ على ذلك لا يُعارضه شيءٌ يُقاومه، قال الله تعالى: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التوبة:3]، وثبت في الصحيحين: أن أبا بكرٍ وعليًّا رضي الله عنهما أذَّنا بذلك يوم النحر، لا يوم عرفة[12]رواه البخاري: 369، ومسلم: 1347.، وثبت عن النبي أنه قال عن يوم النَّحر: هذا يوم الحجِّ الأكبر[13]رواه البخاري: 1742.، قال ابن القيم: "بأصح إسنادٍ"[14]ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 1/ 55..

قال رحمه الله: "ويوم عرفة مُقَدِّمَةٌ ليوم النَّحر بين يديه؛ فإنَّ فيه يكون الوقوف والتَّضرُّع والتوبة والابتهال والاستقالة، ثم يوم النحر تكون الوِفَادة والزيارة؛ ولهذا سُمِّي طوافُه طوافَ الزيارة؛ لأنهم قد طَهُرُوا من ذنوبهم يوم عرفة، ثم أَذِنَ لهم ربُّهم يوم النَّحر في زيارته والدخول عليه إلى بيته"[15]ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 1/ 56..

الأعمال الصالحة في عشر ذي الحجة

الأعمال في عشر ذي الحجة أنواعٌ:

أداء الحجِّ والعمرة

  • أداء الحجِّ والعمرة في هذه الأيام من أفضل الأعمال؛ لقول النبي : مَن حجَّ هذا البيت فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رَجَعَ كيوم وَلَدَتْه أمُّه[16]رواه البخاري: 1820.، وفي لفظ مسلمٍ: مَن أتى هذا البيت فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رَجَعَ كما وَلَدَتْه أمُّه[17]رواه مسلم: 1350.، وهذا لفظٌ يشمل الحجَّ والعمرة، ولله الحمد.
    وقال عليه الصلاة والسلام: العمرة إلى العمرة كفَّارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة[18]رواه البخاري: 1773، ومسلم: 1349.، والمبرور: هو الذي لا رياء فيه ولا سُمْعَة، ولم يُخالطه إثمٌ، ولم تَعْقُبْه معصيةٌ، وهو المقبول، ومن علامات القبول: أن يرجع العبد خيرًا مما كان، ولا يُعاود المعاصي.

التكبير والذكر

  • التَّكبير والذكر في هذه الأيام؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما السابق، وفيه: فأكثروا فيهنَّ من التَّهليل والتَّكبير والتَّحميد[19]رواه أحمد: 5446، والبيهقي في "شعب الإيمان": 3475، وصححه مُحققو "المسند"..
    وقال الإمام البخاري رحمه الله: "وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يُكَبِّران، ويُكَبِّر الناس بتكبيرهما، وكَبَّر محمد بن عليٍّ خَلْفَ النَّافلة"[20]"صحيح البخاري": 2/ 20..
    وقال رحمه الله: "وكان عمر يُكَبِّر في قُبَّتِه بِمِنًى، فيسمعه أهل المسجد فَيُكَبِّرون، ويُكَبِّر أهل الأسواق حتى تَرْتَجَّ مِنًى تكبيرًا"[21]"صحيح البخاري": 2/ 20..
    وصفة التَّكبير: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد[22]رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 5768 بلفظ: عن إبراهيم قال: كانوا يُكَبِّرون يوم عرفة وأحدهم مُستقبل القبلة في … Continue reading.

أنواع التكبير

التكبير نوعان:

النوع الأول: التكبير المُطْلَق، وهو الذي لا يُقَيَّد بأدبار الصلوات، بل يُشْرَع في كل وقتٍ، وهو في عيد الفطر من غروب شمس آخر يومٍ من رمضان إلى أن يَفْرُغَ الإمام من الخُطبة.

أما التكبير المُطْلَق في العشر فهو من أول عشر ذي الحجة إلى آخر يومٍ من أيام التَّشريق في جميع الأوقات: في الليل والنهار، في الطُّرُق والأسواق والمساجد والمنازل، وفي كل موضعٍ يجوز فيه ذِكْرُ الله تعالى؛ لقوله تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ [الحج:28]، وقال تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203].

قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: "فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ أيام العشر، والأيام المعدودات: أيام التَّشريق"[23]رواه البخاري: 2/ 20 مُعَلَّقًا..

النوع الثاني: التكبير المُقَيَّد: وهو الذي يُقَيَّد بأدبار الصلوات في عيد الأضحى، وهو يبتدئ عقب صلاة الفجر يوم عرفة، وينتهي عقب صلاة العصر في اليوم الثالث من أيام التَّشريق؛ لِمَا ثبت عن عليٍّ -الخليفة الراشد- وابن عبَّاسٍ وعبدالله بن مسعودٍ : أنهم كانوا يُكَبِّرون من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التَّشريق[24]رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 5750، 5751، 5764، والحاكم: 1123، 1124، 1125، وثَبَتَ عن عمر  إلا أنه إلى صلاة الظهر من آخر … Continue reading.

وهذا في حقِّ غير الحاجِّ، أما الحاجُّ فيبدأ بالتَّكبير من رمي أول حصاةٍ يوم النحر، ويبدأ بالتَّكبير أدبار الصلوات من صلاة الظهر في هذا اليوم؛ لأنه كان مشغولًا بالتلبية.

وبهذا يُعْلَم أن التكبير المُطْلَق ثلاثة عشر يومًا، والمُقَيَّد يجتمع مع المُطْلَق في خمسة أيامٍ، وهي من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التَّشريق.

صيام الأيام التسعة أو ما تيسَّر منها

  • صيام الأيام التسعة أو ما تيسَّر منها؛ لقول النبي : ما من أيامٍ العمل الصالح فيهنَّ أحبُّ إلى الله من هذه الأيام العشر[25]رواه الترمذي: 757 بهذا اللفظ، ورواه البخاري: 969 بلفظ: ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه.، والصيام من أعظم الأعمال الصالحة، وقد حثَّ النبي عليه ورغَّب فيه، ومن ذلك قوله : ما من عبدٍ يصوم يومًا في سبيل الله إلا بَاعَدَ الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا[26]رواه البخاري: 2840، ومسلم: 1153 واللفظ له.، وروى النسائي مرفوعًا: "كان يصوم تسعًا من ذي الحجة"[27]رواه النسائي: 2417، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2274.، وصوم يوم عرفة لغير الحاجِّ يُكَفِّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده[28]رواه مسلم: 1162.، رواه مسلم.
  • التوبة والإقلاع عن جميع المعاصي؛ لأن التوبة من أعظم الأعمال الصالحة.
  • إذا دخل عشر ذي الحجة أمسك مَن أراد أن يُضَحِّي عن شعره وبَشَرته؛ لحديث أم سلمة رضي الله عنها، عن النبي أنه قال: إذا رأيتُم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يُضَحِّي فَلْيُمْسِك عن شعره وأظفاره[29]رواه مسلم: 1977.، وفي لفظٍ: فلا يأخذنَّ من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يُضَحِّي[30]رواه مسلم: 1977..
  • كثرة الأعمال الصالحة من نوافل العبادات: كالصلاة، والصدقة، وقراءة القرآن الكريم، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، والإحسان إلى الجيران، وصِلَة الأرحام، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.
  • الحرص على أداء صلاة العيد، والتَّبكير إليها، واستماع الخطبة؛ فإنها من أعظم شعائر الإسلام، ولِعِظَم شأنها أُمِرَ بها النساء، حتى الأبكار؛ فعن أم عطية رضي الله عنها قالت: "كنا نُؤْمَرُ أن نَخْرُجَ يوم العيد، حتى نُخْرِجَ البِكْرَ من خِدْرِها، حتى نُخْرِجَ الحُيَّضَ، فَيَكُنَّ خلف الناس، فَيُكَبِّرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطُهْرَتَه"[31]رواه البخاري: 971 واللفظ له، ومسلم: 890.، وفي لفظٍ: "وأَمَرَ الحُيَّضَ أن يعتزلنَ مُصَلَّى المسلمين"[32]رواه مسلم: 890..
  • وتُشْرَع الأُضحية في يوم النحر وأيام التَّشريق، وهي سُنَّة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين فَدَى اللهُ ولدَه بِذِبْحٍ عظيمٍ: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:107]، وقد ثبت أن النبي ضَحَّى بكبشين أَمْلَحَين أَقْرَنَين، ذَبَحَهما بيده، وسَمَّى وكَبَّر، ووَضَعَ رِجْلَه على صِفَاحِهِما[33]رواه البخاري: 5565، ومسلم: 1966.، وقد قال الله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2].

عباد الله، اغتنموا هذه الأيام العظيمة قبل فوات الأوان، فإنَّ من الناس مَن يُحْرَم الخير فيها، وليس له أيامٌ غيرها؛ لهجوم هاذِم اللذات، فتتتابَعُ عليه الحسرات، نعوذ بالله تعالى من الخِذْلان.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ۝ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ۝ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ۝ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر:1- 5].

بارك الله لي ولكم في القرآن والسُّنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

***

الخطبة الثانية

الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخِيرته من خلقه، وأمينه على وَحْيِه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

فإنَّ أحسن الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهَدْي هَدْيُ محمدٍ ، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتها، وكل مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار.

الحَثُّ على اغتنام العشر

عباد الله، إن الأعمال في هذه العشر المُباركة أفضل وأعظم وأَجَلُّ من الجهاد في سبيل الله تعالى إلا مَن خرج بجميع ما يملك في الدنيا وبنفسه التي بين جَنْبَيْهِ، فَقُتِلَ ولم يرجع من ذلك بشيءٍ.

فاغتنم يا عبدالله هذا الخير العظيم، وأَكْثِرْ من التَّكبير والتَّهليل والتَّحميد، ومن الصيام والصدقة والإحسان والذكر والدعاء وقراءة القرآن بتدبُّرٍ، وبادِرْ بالحجِّ إن لم تَحُجَّ قبل أن يُحَالَ بينك وبين هذه الخيرات.

وصَلُّوا على خير خلق الله نبينا محمد بن عبدالله ، وعلى آله وأصحابه، ورضي الله عن خلفائه الراشدين: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين، ودَمِّر أعداءك أعداء الدين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأَصْلِحْ وُلَاةَ أمورنا، وارزقهم البِطَانة الصالحة.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واغفر لأمواتنا وأموات المسلمين برحمتك وكرمك يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين.

عباد الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم يَذْكُرْكم، واشكروه على نِعَمِه يَزِدْكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].

^1 معنى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى. ينظر: "الفوائد" لابن القيم: ص79.
^2 ينظر: "تفسير ابن كثير": 7/ 554، و"زاد المعاد" لابن القيم: 1/ 56.
^3 رواه البخاري: 969، وأبو داود: 2438، والترمذي: 757.
^4, ^19 رواه أحمد: 5446، والبيهقي في "شعب الإيمان": 3475، وصححه مُحققو "المسند".
^5 ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 1/ 57.
^6 رواه أبو داود: 1765، وأحمد: 19075، والنسائي في "السنن الكبرى": 4083، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1549.
^7 رواه مسلم: 1348.
^8 رواه الترمذي: 3585، وحسنه الألباني في "هداية الرواة": 2531.
^9, ^28 رواه مسلم: 1162.
^10 رواه مسلم: 854.
^11 ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 1/ 60.
^12 رواه البخاري: 369، ومسلم: 1347.
^13 رواه البخاري: 1742.
^14 ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 1/ 55.
^15 ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 1/ 56.
^16 رواه البخاري: 1820.
^17 رواه مسلم: 1350.
^18 رواه البخاري: 1773، ومسلم: 1349.
^20, ^21 "صحيح البخاري": 2/ 20.
^22 رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 5768 بلفظ: عن إبراهيم قال: كانوا يُكَبِّرون يوم عرفة وأحدهم مُستقبل القبلة في دُبُر الصلاة: ‌"الله ‌أكبر، ‌الله ‌أكبر، ‌لا ‌إله ‌إلا ‌الله، ‌والله ‌أكبر، ‌الله ‌أكبر، ‌ولله ‌الحمد".
^23 رواه البخاري: 2/ 20 مُعَلَّقًا.
^24 رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 5750، 5751، 5764، والحاكم: 1123، 1124، 1125، وثَبَتَ عن عمر إلا أنه إلى صلاة الظهر من آخر أيام التَّشريق. رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 5753، والحاكم: 1122.
^25 رواه الترمذي: 757 بهذا اللفظ، ورواه البخاري: 969 بلفظ: ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه.
^26 رواه البخاري: 2840، ومسلم: 1153 واللفظ له.
^27 رواه النسائي: 2417، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2274.
^29, ^30 رواه مسلم: 1977.
^31 رواه البخاري: 971 واللفظ له، ومسلم: 890.
^32 رواه مسلم: 890.
^33 رواه البخاري: 5565، ومسلم: 1966.