تخطى إلى المحتوى

عموم رسالة النبي  للجن والإنس

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هاديَ له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

وجوب الإيمان بعموم رسالة النبي

عباد الله، اتَّقوا الله، واعلموا أنَّ أصل الأصول هو تحقيق الإيمان بما جاء به محمدٌ ، وأنه رسول الله إلى جميع الخلق: إنسهم وجنِّهم، عَرَبِهم وعَجَمِهم، كتابيِّهم ومجوسيِّهم، رئيسِهم ومرؤوسِهم، وأنه لا طريق إلى الله لأحدٍ من الخلق إلا بمتابعته باطنًا وظاهرًا، حتى لو أدركه موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لوجب عليهم اتِّبَاعُه، كما قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ۝فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران:81- 82].

قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: "ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بُعِثَ محمدٌ وهو حيٌّ لَيُؤْمنَنَّ به وَلَيَنْصُرَنَّه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق: لئن بُعِثَ محمدٌ وهم أحياءٌ لَيُؤْمِنُنَّ به وَلَيَنْصُرُنَّه"[1]ينظر: "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" لابن تيمية: 77 و191- 200، و"مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 19/ 9- 65، … Continue reading.

ولهذا جاء في الحديث: لو كان موسى حيًّا بين أظهُركم ما حلَّ له إلا أن يَتَّبِعَني[2]رواه أحمد في: 14631، وأبو يعلى: 2135، وحسَّنه الألباني في "مشكاة المصابيح": 177..

أصناف المخالفين لعموم رسالته

ومَن خالف عموم رسالة النبي لا يخلو من أحد أمرين:

  • إما أن يكون المخالِفُ مؤمنًا بأنه مُرْسَلٌ من عند الله، ولكنه يقول: رسالته خاصةٌ للعرب.
  • وإما أن يكون المخالف مُنْكِرًا للرسالة جملةً وتفصيلًا.

الصنف الأول: مَن يعترف برسالته ويخصُّ بها العرب

فأما المعترف له بالرسالة ولكنه يجعلها خاصةً للعرب: فإنه يلزمه أن يُصَدِّقَه في كل ما جاء به عن الله تعالى، ومن ذلك: عموم رسالته، ونَسْخُها للشرائع قبلها؛ فقد بيَّن أنه رسول الله إلى الناس أجمعين، وأرسل رُسُلَه وبَعَثَ كُتُبَه في أقطار الأرض؛ إلى كِسْرَى وقَيْصَر والنَّجَاشي وسائر ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، ثم قاتل مَن لم يدخل في الإسلام من المشركين، وقاتل أهل الكتاب، وسبى ذراريهم، وضرب الجزية عليهم، وذلك كله بعد امتناعهم عن الدخول في الإسلام.

أما كونه يؤمن برسولٍ ولا يُصَدِّقه في جميع ما جاء به، فهذا تناقضٌ ومُكابَرَةٌ.

الصنف الثاني: مَن يُنكِر رسالته جملةً وتفصيلًا

وأما المُنْكِر لرسالة نبيِّنا محمدٍ مطلقًا، فقد قام البرهان القاطع على صدق صاحب الرسالة ، ولا تزال معجزات القرآن تتحدَّى الإنس والجن؛ فإما أن يأتيَ بما يُناقض المُعجزة القائمة، وإلا لَزِمَه الاعتراف بمدلولها.

فإن اعترف بالرسالة لَزِمَه التصديق بكل ما أخبر به الرسول ، وإن ذهب يُكابِر ويُعانِد ليأتيَ بقرآنٍ مثل الذي جاء به محمدٌ ، وَقَعَ في العجز وفَضَحَ نفسه لا محالة؛ لأن أصحاب الفصاحة والبلاغة قد عَجَزُوا عن ذلك، ولا شكَّ أن غيرهم أعجز عن هذا؛ لأن القرآن مُعجزةٌ قائمةٌ مستمرَّةٌ خالدةٌ[3]ينظر: "الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح" لابن تيمية: 1/ 144 و166، و"مناهج الجدل في القرآن الكريم" للألمعي: 303، … Continue reading، وحينئذٍ يلزم جميع الخلق العملُ بما فيه، والتحاكُم إليه.

الأدلة من القرآن والسُّنَّة على عموم رسالته

الأدلة من القرآن الكريم

وقد صرَّح القرآن الكريم بأن محمدًا رسولٌ إلى جميع الناس، وخاتم النبيِّين، فقال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158]، وقال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1]، وقال تعالى -يأمر نبيَّه بالإنذار والتبليغ-: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19].

وهذا تصريحٌ بعموم رسالته لكل مَن بَلَغَه القرآن.

وصرَّح تعالى بشمول رسالة النبي لأهل الكتاب، فقال: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:20]، وقال تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]، وقال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، وقال : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [سبأ:28].

الأدلة من السُّنَّة النبوية

وَبَلَّغَ الناس جميعًا أنه خاتم الأنبياء، وأن رسالته عامةٌ، فقال : أُعْطِيتُ خمسًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي...، وذكر منها: وكان النبي يُبْعَثُ إلى قومه خاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى الناس كافَّةً...[4]رواه البخاري: 438 واللفظ له، ومسلم: 521.، الحديث.

وقال : إنَّ مَثَلِي ومَثَلَ الأنبياء من قبلي كمَثَلِ رجلٍ بنى بيتًا فأحسنه وأجمله، إلا موضعَ لَبِنَةٍ من زاويةٍ، فجعل الناسُ يطوفون به ويَعْجَبُون له ويقولون: هلَّا وُضِعَتْ هذه اللَّبِنَة؟ قال : فأنا اللَّبِنَةُ، وأنا خاتم النبيِّين[5]رواه البخاري: 3535 واللفظ له، ومسلم: 2286..

مقتضيات الإيمان بعموم رسالته

وعموم رسالته لجميع الإنس والجن في كل زمانٍ ومكانٍ مِن بَعْثَتِه إلى يوم القيامة، وكونها خاتمة الرسالات، يقضي ويدلُّ دلالةً قاطعةً على أن النبوة قد انقطعت بانقطاع الوحي بعده، وأنه لا مصدر للتشريع والتعبُّد إلا كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله ؛ وهذا يقتضي وجوب الإيمان بعموم رسالته، واتِّباع ما جاء به؛ فقد قال : والذي نفسُ محمدٍ بيده لا يَسْمَعُ بي أحدٌ من هذه الأمة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسِلْتُ به إلا كان من أصحاب النار[6]رواه مسلم: 153..

وبعون الله تعالى قد قامت الحُجَّة، وَثَبَتَتْ رسالة النبي وعمومها وشمولها لجميع الثَّقَلين -الإنس والجن- في كل زمانٍ ومكانٍ إلى قيام الساعة: قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [الأنعام:104]، وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ... [الكهف:29] الآية.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى للنبي : قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158].

بارك الله لي ولكم في القرآن والسُّنَّة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنبٍ؛ إنه هو الغفور الرحيم.

***

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له؛ تعظيمًا لشأنه، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

تأكيد وجوب اتِّباع النبي

عباد الله، اتَّقوا الله تعالى، واعلموا أن الله تعالى أرسل محمدًا إلى الجن والإنس كافَّةً، ولا نبيَّ بعده إلى قيام الساعة؛ فيجب على الإنس والجن -عَرَبِهم وعَجَمِهم، ذَكَرِهم وأُنْثَاهم- اتِّبَاعُ النبي ، والاعتقاد الجازم أنه رسول الله حقًّا لا نبيَّ بعده .

هذا، وصلُّوا على خير خلق الله نبيِّنا محمد بن عبدالله ، كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقال النبي : مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا[7]رواه مسلم: 384..

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه أبي بكرٍ وعُمَرَ وعثمانَ وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيِّك أجمعين، وعنا معهم، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وجميع وُلاة أمر المسلمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأَعِذْهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنَى، اللهم اهدِنا وسَدِّدْنا.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

عباد الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

فاذكروا الله العظيم يَذْكُرْكم، واشكروه على نِعَمه يَزِدْكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].

^1 ينظر: "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" لابن تيمية: 77 و191- 200، و"مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 19/ 9- 65، و"الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح" لابن تيمية: 1/ 31- 176، و"تفسير ابن كثير": 1/ 378، و"أضواء البيان" للشنقيطي: 2/ 334، و"معالم الدعوة" للدَّيْلمي: 1/ 454- 456، و"مناظرة بين الإسلام والنصرانية": ص303- 309.
^2 رواه أحمد في: 14631، وأبو يعلى: 2135، وحسَّنه الألباني في "مشكاة المصابيح": 177.
^3 ينظر: "الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح" لابن تيمية: 1/ 144 و166، و"مناهج الجدل في القرآن الكريم" للألمعي: 303، و"الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد" لصالح الفوزان: 2/ 182.
^4 رواه البخاري: 438 واللفظ له، ومسلم: 521.
^5 رواه البخاري: 3535 واللفظ له، ومسلم: 2286.
^6 رواه مسلم: 153.
^7 رواه مسلم: 384.