جدول المحتويات
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هاديَ له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حرَّم كل ما ألهى وشَغَلَ عن طاعته وكان سببًا إلى ارتكاب ما نهى عنه، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
عباد الله، اتَّقوا الله تعالى وراقبوه، واجعلوا بينكم وبين ما يُغضبه وقايةً بطاعته سبحانه.
قال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].
حكم الغناء وآلات اللهو المُحرَّمة
أيها المسلمون، إنَّ الله حرَّم الغناء بالآلات المُحرَّمة؛ وذلك لأنه من مكائد عدو الله الشيطان التي كاد بها وصاد مَن قلَّ نَصِيبُه من العلم والعمل والعقل والدين.
فمِن الناس من يسمع الغناء المُحرَّم والمزامير والموسيقى، وهذا لا يليق بعاقلٍ مؤمنٍ، وإنما هو من أعمال الفُسَّاق الفُجَّار.
والغناء المُحرَّم مُحرَّمٌ بالكتاب والسُّنة وإجماع أئمة الهدى.
أدلة تحريم الغناء من القرآن الكريم
قال الله للشيطان: قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [الإسراء:63- 64].
قال مجاهدٌ في تفسير الصوت هنا: "باللهو والغناء؛ أي: استخِفَّهم بذلك"[1]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 50.، وهذا من مكائد الشيطان.
وقال الله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان:6- 7].
قال عبدالله بن مسعودٍ : "الغناء، والله الذي لا إله إلا هو"، ثلاث مراتٍ. وتَبِعَ ابنَ مسعودٍ ابنُ عبَّاسٍ وجابرٌ ومجاهدٌ [2]ينظر: "جامع البيان" للطبري: 20/ 127، و"تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 5/ 93..
قال الإمام ابن جَرِيرٍ رحمه الله: "عَنَى به كلَّ ما كان من الحديث مُلْهِيًا عن سبيل الله، مما نهى الله عن استماعه أو رسوله؛ لأنَّ الله تعالى عمَّ بقوله: لَهْوَ الْحَدِيثِ [لقمان:6] ولم يُخَصِّصْ بعضًا دون بعضٍ؛ فذلك على عمومه حتى يأتيَ ما يدلُّ على خصوصه، والغناء والشرك من ذلك"[3]ينظر: "جامع البيان" للطبري: 20/ 130..
وقال : أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ [النجم:59- 61].
قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في السُّمُود: "الغناء"، وكذا قال عكرمة، ويُقال: "اسْمُدِي لنا"، أي: غَنِّي لنا، وهي لغةٌ يمانيةٌ[4]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 7/ 468.، والسُّمُود أيضًا: الغفلة واللهو عن كل شيءٍ، فيدخل في ذلك الغناء.
وقال الله : وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال:35].
والمُكَاء: هو الصَّفِير، والتَّصْدِيَة: هي التصفيق[5]ينظر: "جامع البيان" للطبري: 13/ 521..
أدلة تحريم الغناء من السُّنة النبوية
وعن عبدالرحمن بن غَنْمٍ قال: حدَّثني أبو عامرٍ أو أبو مالكٍ الأشعري -والله ما كَذَبَني- أنه سَمِعَ النبيَّ يقول: لَيَكُونَنَّ من أُمَّتي أقوامٌ يستحلُّون الحِرَ[6]الحِرَ -بتخفيف الرَّاء-: الفَرْج، والمعنى: يستحلُّون الزنا. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 10/ 55. والحرير والخمر والمعازف[7]رواه البخاري: 5590..
وعن شَبِيب بن بِشْرٍ البَجَليِّ قال: سمعتُ أنس بن مالكٍ يقول: قال رسول الله : صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مِزْمَارٌ عند نعمةٍ، وَرَنَّةٌ عند مُصيبةٍ[8]رواه البزار: 7513، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3527..
وعن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : إنَّ الله حرَّم على أُمَّتي الخَمْرَ، والمَيْسِرَ[9]المَيْسِر: القِمَار. ينظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد: 3/ 468.، والمِزْرَ[10]المِزْر: نَبِيذٌ يُتَّخَذُ من الذُّرَة، وقيل: من الشَّعِير أو الحِنْطة. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 4/ 324.، والكُوبة، والغُبَيْرَاء[11]الغُبَيْرَاء: ضَرْبٌ من الشراب يتخذه الحَبَش من الذُّرَة، وهي تُسْكِر، وتسمى السُّكُرْكَة. ينظر: "النهاية" … Continue reading، وزادني صلاة الوِتْر[12]رواه أبو داود: 3685، وأحمد: 6547، والطبراني في "المعجم الكبير": 127 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1747.. والكُوبة: الطبل الصغير المُخَصَّر[13]ينظر: "الصحاح" للجوهري: 1/ 215. وقال ابن الأثير: هي النَّرْد، وقيل: الطبل، وقيل: البَرْبَط (وهي مَلْهاةٌ تُشبه … Continue reading.
وعن أبي مالكٍ الأشعري ، عن رسول الله قال: لَيْشَرَبَنَّ ناسٌ من أُمَّتي الخمر، يُسَمُّونها بغير اسمها، يُعْزَف على رؤوسهم بالمعازف والمُغَنِّيَات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القِرَدَة والخنازير[14]رواه أبو داود: 3688 مختصرًا، وابن ماجه: 4020 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 5454..
أقوال السلف في التحذير من الغناء
وقد حذَّر من الغناء الصحابة والتابعون والأئمة والعلماء المُحقِّقون.
قال ابن مسعودٍ : "الغناء يُنْبِت النفاق في القلب، كما يُنْبِت الماءُ البَقْلَ"، وفي روايةٍ: "الزَّرْع"[15]رواه أبو داود: 4927، والبيهقي في "السنن الكبير": 21048 و21049..
وقال الإمام مالكٌ: "إنما يفعله عندنا الفُسَّاق"[16]ينظر: "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" لابن القيم: 1/ 347..
وقال الإمام أحمد: "الغناء يُنْبِت النفاق في القلب، لا يُعجبني"[17]ينظر: "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" لابن القيم: 1/ 451..
وقال عمر بن عبدالعزيز في الملاهي: "بَدْؤُها من الشيطان، وعاقِبَتُها سخط الرحمن"[18]ينظر: "ذم الملاهي" لابن أبي الدنيا: ص50، و"تلبيس إبليس" لابن الجوزي: ص235، و"تحريم آلات الطرب" للألباني: ص120..
فيا عباد الله، اتَّقوا الله، وابتعدوا عن الغناء المُحرَّم وآلات اللهو المُحرمة؛ تفوزوا بطاعة ربكم، وتَصْلُح لكم الدنيا والآخرة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2- 3].
بارك الله لي ولكم في القرآن والسُّنَّة، ونفعني وإياكم بما فيهما من العلم والحكمة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنبٍ؛ إنه هو الغفور الرحيم.
***
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
التحذير من انتشار الملاهي في هذا الزمان
عباد الله، اتَّقوا الله، واعلموا أنَّ كثيرًا من الناس في هذه الأزمان عاشوا على الأغاني، والملاهي المُحرَّمة، والمسلسلات الهابطة، والموسيقى المُبْعِدة عن تعلُّق القلب بالله تعالى وبالقرآن الكريم، سواءٌ أكانت هذه المُحرَّمات عن طريق الوسائل الإعلامية المقروءة أو المسموعة أو المرئية، أم كانت عن طريق المُسجِّلات أو الآلات الأخرى، أم عن طريق الإنترنت، فَقَضَّوا أوقاتهم على هذه الملاهي، وضيَّعوا أبناءهم وبناتهم ونساءهم وأفسدوهم بهذه الأغاني والملاهي؛ نعوذ بالله من الخِذْلان، ونسأله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
عباد الله، صلُّوا على خير خلق الله نبيِّنا محمد بن عبدالله ، كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقال النبي : مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا[19]رواه مسلم: 384..
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه أبي بكرٍ وعُمَرَ وعثمانَ وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعنا معهم، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا ووُلاة أمرنا وجميع وُلاة أمر المسلمين.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأَعِذْهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنَى، اللهم اهْدِنا وسَدِّدْنا.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].
عباد الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].
فاذكروا الله العظيم الجليل يَذْكُرْكم، واشكروه على نِعَمِه يَزِدْكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].
| ^1 | ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 50. |
|---|---|
| ^2 | ينظر: "جامع البيان" للطبري: 20/ 127، و"تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 5/ 93. |
| ^3 | ينظر: "جامع البيان" للطبري: 20/ 130. |
| ^4 | ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 7/ 468. |
| ^5 | ينظر: "جامع البيان" للطبري: 13/ 521. |
| ^6 | الحِرَ -بتخفيف الرَّاء-: الفَرْج، والمعنى: يستحلُّون الزنا. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 10/ 55. |
| ^7 | رواه البخاري: 5590. |
| ^8 | رواه البزار: 7513، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3527. |
| ^9 | المَيْسِر: القِمَار. ينظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد: 3/ 468. |
| ^10 | المِزْر: نَبِيذٌ يُتَّخَذُ من الذُّرَة، وقيل: من الشَّعِير أو الحِنْطة. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 4/ 324. |
| ^11 | الغُبَيْرَاء: ضَرْبٌ من الشراب يتخذه الحَبَش من الذُّرَة، وهي تُسْكِر، وتسمى السُّكُرْكَة. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 3/ 338. |
| ^12 | رواه أبو داود: 3685، وأحمد: 6547، والطبراني في "المعجم الكبير": 127 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1747. |
| ^13 | ينظر: "الصحاح" للجوهري: 1/ 215. وقال ابن الأثير: هي النَّرْد، وقيل: الطبل، وقيل: البَرْبَط (وهي مَلْهاةٌ تُشبه العود). ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 1/ 112 و4/ 207. |
| ^14 | رواه أبو داود: 3688 مختصرًا، وابن ماجه: 4020 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 5454. |
| ^15 | رواه أبو داود: 4927، والبيهقي في "السنن الكبير": 21048 و21049. |
| ^16 | ينظر: "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" لابن القيم: 1/ 347. |
| ^17 | ينظر: "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" لابن القيم: 1/ 451. |
| ^18 | ينظر: "ذم الملاهي" لابن أبي الدنيا: ص50، و"تلبيس إبليس" لابن الجوزي: ص235، و"تحريم آلات الطرب" للألباني: ص120. |
| ^19 | رواه مسلم: 384. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط