تخطى إلى المحتوى
toc كتاب حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة 9

اللهم لك الحمد، أنت كَسَوتَنِيهِ، أسألك من خيره وخير ما صُنِعَ له، وأعوذ بك من شرِّه وشرِّ ما صُنِعَ له[1].

 

^1 رواه أبو داود: 4020، والترمذي: 1767، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 4664.

شرح مفردات الحديث:

قوله: اللهُم: «بِمَعْنَى: يَا أَلله، وَالْمِيمُ الْمُشَدَّدَةُ عِوَضٌ مِنْ يَا؛ لأَنهم لَمْ يَجِدُوا يَا مَعَ هَذِهِ الْمِيمِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَوَجَدُوا اسْمَ اللَّهِ مُسْتَعْمَلًا بِيَا...»[1]، وقال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: «لا خلاف أن لفظة: (اللهمّ) معناها يا اللَّه؛ ولهذا لا تستعمل إلا في الطلب»[2].

قوله: لك الحمد: الحمد: الثناء على صفات اللَّه، وعطائه، قال ابن الأثير: في أسماء اللّه تعالى: الحميد، أي: المحمود على كل حال، والحمد والشكر مُتَقاربان، والحمد أعَمُّها، لأنَّك تحمَد الإنسان على صِفاته الذَّاتيَّة، وعلى عطائه، ولا تَشْكُره على صِفاته، والشُّكر فيه إظهار النّعْمة، والإشادة بها؛ ولأنه أعم منه، فهو شُكْر وزيادة[3].

قوله: أنت كسوتنيه: أي أنت يا ربي كسوتني هذا الملبوس الجديد، فلك كل حمدي وشكري، «كما كسوتنيه: مرفوع المحل مبتدأ، وخبره: أسألك من خيره، وهو المشبه، أي: مثل ما كسوتنيه»[4]، أي: كما أنعمت علي بلبسه وارتدائه، والكاف في كما للتشبيه، كما هو الظاهر، يعني اختصاص الحمد كاختصاص الكسوة بك، أو لك الحمد منا كالكسوة لنا، بمعنى كما أن كسوتنا لا لغرض، ولا لعوض؛ بل لاستحقاقنا إليك بفقرنا، وحاجتنا لك نحمدك، ولا نستغني عنك[5].

قوله: أسألك من خيره وخير ما صنع له أي: باستعماله في طاعة رازقه ومعطيه وهو اللَّه ، قال المباركفوري: «خَيْرُ الثَّوْبِ بَقَاؤُهُ، وَنَقَاؤُهُ، وَكَوْنُهُ مَلْبُوسًا لِلضَّرُورَةِ، وَالْحَاجَةِ، وَخَيْرُ مَا صُنِعَ لَهُ: هُوَ الضَّرُورَاتُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا يصنع اللباس: من الحر، والبرد، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالْمُرَادُ سُؤَالُ الْخَيْرِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ، وَأَنْ يَكُون مُبَلِّغًا إِلَى الْمَطْلُوبِ الَّذِي صُنِعَ لِأَجْلِهِ الثَّوْبُ: مِنَ الْعَوْنِ عَلَى الْعِبَادَةِ، والطاعة لموليه»[6].

قوله: وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له أي: باستخدامه في معصية اللَّه، ومخالفة أمره، والتخصيص للتمثيل، قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «وأعوذ بك من شره، وشر ما صنع له: فربما يكون هذا سبب شر عليك، ربما تأكل النار طرفه، ثم تتقد حتى تشمل هذا اللباس، وتقضي عليك أنت أيضاً، وربما تكون فيه أشياء سامة، ما تعلم عنها شيئاً، فالمهم أنك تقول: اللهم إني أعوذ بك من شره، وشر ما صُنع له؛ لأنه قد يصنع ويكون سبباً للشر، كأن يحمل صاحبه على الكبر، والترفع على الناس، أو قد يكون سبباً للفتنة، وهي من أعظم الشر والفساد، كتلك الألبسة التي تتفنن النساء في صنعها؛ مضاهاة لغيرهن من نساء الغرب الكافرات»[7].

قوله: «استجد ثوباً» أي: لبس ثوبًا جديدًا، «جَدَّ الشيء، يَجِدّ، بالكسر جِدَّةً، فهو جَدِيدٌ، وهو خلاف القديم، وجَدَّدَ فلان الأمر، وأَجَدَّهُ، واسْتَجَدَّهُ، إذا أحدثه فَتَجَدَّدَ»[8].

قوله: «سماه باسمه» أي: الثوب والمراد به الجنس، فيستحب أن يذكر اسم ما يلبس، قال العلامة بن عثيمين رحمه الله: «فإذا من اللَّه عليك بلباس جديد: قميص، أو سروال، أو غترة، أو مشلح، أو نحوها، ولبستها، فقل: اللهم لك الحمد، أنت كسوتنيه، وتسميه باسمه: اللهم لك الحمد أنت كسوتني هذا القميص، أنت كسوتني هذا السروال، أنت كسوتني هذه الغترة، أنت كسوتني هذه الطاقية، أنت كسوتني هذا المشلح، أي شيء تلبسه وهو جديد»[9].

قوله: «عمامة»: قال ابن منظور: «والعِمامةُ: مِنْ لِبَاسِ الرأْس، مَعْرُوفَةٌ، وَرُبَّمَا كُنِيَ بِهَا عَنِ البَيْضة، أَو المِغْفَر، وَالْجَمْعُ عَمائِمُ، وعِمامٌ؛... قَالَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ لَمّا وَضَعوا عِمامَهم عَرَفْناهم»[10].

قوله: «قميص»: نوع من الألبسة، وهو دون الثوب في الطول، قال ابن منظور: «الْقَمِيصُ الَّذِي يُلْبَسُ، مَعْرُوفٌ مُذَكَّرٌ، وَقَدْ يُعْنى بِهِ الدِّرْعُ»[11]، وقال الزبيدي: «القَمِيصَ: ثَوْبٌ مَخيطٌ بكُمَّيْنِ، غَيْرُ مُفرجٍ، يُلْبَسُ تَحْتَ الثِّيَاب، أَوْ لاَ يَكُونُ إِلاَّ من قُطْن، أَو كَتّانٍ... وأَمَّا منَ الصُّوفَ فَلا»[12].

قوله: «أو رداء»: الرداء ما يلبس فوق الثياب، قال ابن الأثير: «الرِّداء: وهو الثَّوب، أو البُرْد الذي يَضَعُه الإنسان على عاتِقَيْه، وبين كَتِفَيْه فوق ثيابه»[13].

قوله: تُبلِي، ويخلف اللَّه تعالى: قال العظيم أبادي رحمه الله: «تُبلِي: من الإبلاء، بمعنى الإخلاق، وهذا دعاءٌ للابس بأن يعمَّر، ويلبس ذلك الثوب حتى يبلى، ويصير خَلَقَاً، ويخلف اللَّه تعالى عطف على تبلي، من أخلف اللَّه عليه، أي: أبدلهما: ذهب عنه، وعوّضه عنه، والمقصود الدعاء بطول الحياة»[14].

ما يستفاد من الحديث:

  • استحباب حمد اللَّه عند لبس الثوب الجديد ونحوه وقد امتن اللَّه على خلقه بهذه النعمة بقوله : يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف: 26].
  • من عظيم شر اللباس أن يلبسه صاحبه على وجه الكبر والتعالي على خلق اللَّه، قال النبي : ثلاثة لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم قالها ثلاثًا قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول اللَّه؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، وفي رواية: والمسبل إزاره[15] وقوله : من جر ثوبه خيلاء لم ينظر اللَّه إليه يوم القيامة[16].
  • خير الثوب بقاؤه ونقاؤه وكونه ملبوسًا للضرورة والحاجة، وخير ما صنع له هو الضرورات التي من أجلها يصنع اللباس من الحر والبرد وستر العورة، والمراد سؤال الخير في هذه الأمور، وأن يكون مبلغًا إلى المطلوب الذي صنع لأجله الثوب من العون على العبادة والطاعة لمولاه وفي الشر عكس هذه المذكورات[17].

^1 لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله).
^2 جلاء الأفهام، ص 143، وتقدم شرح المفردة مستوفى في المفردة رقم 6 من الحديث رقم 1 من أحاديث المتن.
^3 انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 1/ 435، مادة (حمد).
^4 فيض القدير شرح الجامع الصغير، 5/ 124.
^5 انظر: دستور العلماء، للقاضي النكري، 3/ 104.
^6 تحفة الأحوذي في شرح الترمذي، 5/ 376.
^7, ^9 شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 813.
^8 المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 1/ 92، مادة (جدّ).
^10 لسان العرب، 12/ 424، مادة (عمم).
^11 تاج العروس، 18/ 127، مادة (قمص).
^12 لسان العرب، 7/ 82، مادة (قمص).
^13 النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 216، مادة (ردا).
^14 عون المعبود، 11/ 44.
^15 مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، والمن بالعطية، وتنفيق السلعة بالحلف، وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، برقم 106، و107.
^16 البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي : لو كنت متخذاً خليلاً، برقم 3665.
^17 عون المعبود، 6/ 125.