تخطى إلى المحتوى

19- علاج أمراض القلوب

القلوب ثلاثةٌ:

  1. قلبٌ سليمٌ: وهو الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، قال الله تعالى: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88- 89].
    والقلب السليم هو الذي قد سَلِمَ من كل شهوةٍ تُخالف أمر الله ونَهْيَه، ومن كل شُبهةٍ تُعارض خَبَرَه، فسَلِمَ من عبودية ما سواه، وسَلِمَ من تحكيم غير رسوله . وبالجملة: فالقلب السليم الصحيح هو الذي سَلِمَ من أن يكون لغير الله فيه شركٌ بوجهٍ ما؛ بل قد خلصت عبوديته لله: إرادةً، ومحبةً، وتوكُّلًا، وإنابةً، وإخباتًا، وخشيةً، ورجاءً، وخلص عَمَلُه لله؛ فإنْ أحبَّ أحبَّ لله، وإنْ أبغضَ أبغضَ في الله، وإنْ أعطى أعطى لله، وإنْ مَنَعَ مَنَعَ لله؛ فهمُّه كله لله، وحبُّه كله لله، وقصدُه له، وبدنه له، وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديثٍ، وأفكاره تحوم على مراضيه ومَحَابِّه[1]ينظر: "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" لابن القيم: 1/ 10- 11 و121.، نسأل الله تعالى هذا القلب.
  2. القلب الميت: وهو ضدُّ الأول، وهو الذي لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره وما يُحِبُّه ويرضاه، بل هو واقفٌ مع شهواته ولذَّاته، ولو كان فيها سخط ربه وغضبه؛ فهو متعبدٌ لغير الله: حبًّا، وخوفًا، ورجاءً، ورضًا، وسخطًا، وتعظيمًا، وذلًّا؛ إنْ أبغضَ أبغضَ لهواه، وإنْ أحبَّ أحبَّ لهواه، وإنْ أعطى أعطى لهواه، وإنْ مَنَعَ مَنَعَ لهواه؛ فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه[2]ينظر: "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" لابن القيم: 1/ 12- 13.. نعوذ بالله من هذا القلب.
  3. القلب المريض: هو قلبٌ له حياةٌ، وبه عِلَّةٌ، فله مادتان، تُمِدُّه هذه مرةً، وهذه أخرى، وهو لما غَلَبَ عليه منهما؛ ففيه من محبة الله تعالى، والإيمان به، والإخلاص له، والتوكل عليه: ما هو مادة حياته. وفيه من محبة الشهوات، والحرص على تحصيلها، والحسد، والكبر، والعُجب، وحب العلو والفساد في الأرض بالرياسة، والنفاق، والرياء، والشح، والبخل: ما هو مادة هلاكه وعَطَبِه[3]ينظر: "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" لابن القيم: 1/ 13.، نعوذ بالله من هذا القلب.

وعلاج القلب من جميع أمراضه قد تضمَّنه القرآن الكريم:

قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس:57]، وقال : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء:82].

وأمراض القلوب نوعان:

  • نوعٌ لا يتألَّم به صاحبه في الحال؛ وهو مرض الجهل والشبهات والشكوك، وهذا هو أعظم النوعين ألمًا، ولكن لفساد القلب لا يُحِسُّ به.
  • ونوعٌ: مرضٌ مؤلمٌ في الحال؛ كالهم، والغم، والحزن، والغيظ، وهذا المرض قد يزول بأدويةٍ طبيعيةٍ بإزالة أسبابه وغير ذلك[4]ينظر: "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" لابن القيم: 1/ 26..

وعلاج القلب يكون بأمورٍ أربعةٍ:

  • الأمر الأول: بالقرآن الكريم؛ فإنه شفاءٌ لما في الصدور من الشك، ويُزيل ما فيها من الشرك، ودَنَس الكفر، وأمراض الشبهات والشهوات، وهو هدًى لمن عَلِمَ بالحق وعَمِلَ به، ورحمةٌ لما يحصل به للمؤمنين من الثواب العاجل والآجل. قال الله  : أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:122].
  • الأمر الثاني: القلب يحتاج إلى ثلاثة أمورٍ:
    • ما يحفظ عليه قوته؛ وذلك يكون بالإيمان، والعمل الصالح، وعمل أوراد الطاعات.
    • الحِمْية عن المضار؛ وذلك باجتناب جميع المعاصي وأنواع المخالفات.
    • الاستفراغ من كل مادةٍ مؤذيةٍ؛ وذلك بالتوبة والاستغفار.
  • الأمر الثالث: علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه:
    له علاجان: محاسبتها، ومخالفتها.
    والمحاسبة نوعان:

    • النوع الأول: قبل العمل، وله أربعة مقاماتٍ:
      • هل هذا العمل مقدورٌ له؟
      • هل هذا العمل فعلُه خيرٌ له من تركِه؟
      • هل هذا العمل يُقصَد به وجه الله؟
      • هل هذا العمل معانٌ عليه، وله أعوانٌ يساعدونه وينصرونه، إذا كان العمل يحتاج إلى أعوانٍ؟
        فإذا كان الجواب موجودًا أقدم، وإلا لا يُقْدِم عليه أبدًا.
    • النوع الثاني: بعد العمل، وهو ثلاثة أنواعٍ:
      • محاسبة نفسه على طاعةٍ قصَّرت فيها من حق الله تعالى، فلم تُوقعها على الوجه المطلوب.
        ومن حقوق الله تعالى: الإخلاص، والنصيحة، والمتابعة، وشهود مشهد الإحسان، وشهود منة الله عليه فيه، وشهود التقصير بعد ذلك كله.
      • محاسبة نفسه على كل عملٍ كان تركُه خيرًا له من فعله.
      • محاسبة نفسه على أمرٍ مباحٍ أو مُعتادٍ لم يفعله، وهل أراد به الله والدار الآخرة فيكون رابحًا؟ أو أراد به الدنيا فيكون خاسرًا؟
        وجماع ذلك: أن يُحاسب نفسه أولًا على الفرائض، ثم يُكملها إن كانت ناقصةً، ثم يحاسبها على المناهي، فإنْ عرف أنه ارتكب شيئًا منها تداركه بالتوبة والاستغفار، ثم على ما عملت به جوارحه، ثم على الغفلة[5]ينظر: "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" لابن القيم: 1/ 139..
  • الأمر الرابع: علاج مرض القلب من استيلاء الشيطان عليه: الشيطان عدو الإنسان، والفكاك منه هو بما شرع الله من الاستعاذة، وقد جمع النبيُّ بين الاستعاذة من شر النفس وشر الشيطان.
    قال لأبي بكرٍ : قل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ربَّ كل شيءٍ ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشِرْكه، وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أَجُرَّه إلى مسلمٍ. قُله إذا أصبحت، وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك[6]رواه بنحوه: أبو داود: 5067، والترمذي: 3529 و3392، ، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 4402 و7813..
    والاستعاذة والتوكل والإخلاص يمنع سلطان الشيطان[7]ينظر: "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" لابن القيم: 1/ 155- 174..

وصلى الله وسلَّم على عبده ورسوله محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

^1 ينظر: "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" لابن القيم: 1/ 10- 11 و121.
^2 ينظر: "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" لابن القيم: 1/ 12- 13.
^3 ينظر: "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" لابن القيم: 1/ 13.
^4 ينظر: "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" لابن القيم: 1/ 26.
^5 ينظر: "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" لابن القيم: 1/ 139.
^6 رواه بنحوه: أبو داود: 5067، والترمذي: 3529 و3392، ، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 4402 و7813.
^7 ينظر: "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" لابن القيم: 1/ 155- 174.