محاذاة النص
حجم الخط
جدول المحتويات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، بَلَّغَ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وجاهد في الله حقَّ جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
أهمية الصلاة
أيها الإخوة في الله، إنَّ بعض الناس في هذه الأزمان -بل في هذه الأحداث- شَغَلُوا أنفسهم بالمفضول عن الفاضل، والمعنى: أنهم ربَّما اشتغلوا بشيءٍ، وتركوا ما هو أفضل منه، أو اهتمُّوا بشيءٍ، وتركوا الركن الأعظم أو الأمر الأهمَّ، ألا وإنَّ هذا الأمر الأهمَّ هو ركنٌ عظيمٌ من أركان الإسلام، ربما بعض الناس يتعب ويَسْهَر ويحضر المحاضرات، أو يستمع للأخبار، ويستمع للأحداث، ولكنَّه يُقَصِّر فيما هو أهم من ذلك؛ يُقَصِّر في شيءٍ ارتكز عليه الدين الإسلامي، يُقَصِّر في شيءٍ هو عمود الإسلام كما بَيَّنَه النبي عليه الصلاة والسلام[1]، وهذا الأمر مفهومٌ من هذه الإشارة، وهو الذي بَيَّنَه النبي عليه الصلاة والسلام.
وفُرِضَ الإسلام كله في الأرض عن طريق جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنَّ هذا الأمر لم يَفْرِضْه ربُّنا تبارك وتعالى على النبي محمدٍ إلا مباشرةً، خاطبه تبارك وتعالى بهذا الأمر، وأمره به، ووعده عليه إن هو قام به واتَّبَعَتْهُ عليه أُمَّتُه أن لهم السعادة في الدنيا والآخرة، وهذا معلومٌ أنه لا يكون إلا في الصلاة.
الأدلة على أهمية الصلاة
الصلاة شأنها عظيمٌ؛ ولذلك بَيَّنَ الله تبارك وتعالى أنَّ أهل النار حينما يسألهم المؤمنون: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:42- 43]، فَبَيَّنُوا أنَّ من أعمالهم ترك الصلاة.
ويقول الله عن الكفار: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11]، وقال: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5]، هؤلاء هم الكفَّار والمشركون.
لكن الغريب والأمر الفظيع: أنَّ من المسلمين مَن يدَّعي الإسلام، وربما تَجَنَّدَ في صفوف المُتطوِّعين؛ لِيُظْهِرَ اسمه، ليس لله، وإنما هو للشيطان وللسُّمْعَة والرياء!
هذا شيءٌ واضحٌ إذا كان يترك الصلاة ويدَّعي الجهاد ويقول: أنا سأُجاهد وأحمي وطني وبلادي وديني!
هذا كذبٌ وبُهتانٌ وظلمٌ، وإنَّما هو يُجاهد لنفسه وللشيطان.
فربُّنا تبارك وتعالى بَيَّنَ أنَّ الصلاة من أعظم أمور الإسلام؛ ولذلك بَيَّنَ النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح؛ يقول صلوات الله وسلامه عليه: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذُرْوَة سنامه الجهاد[2].
وأفضل الأعمال عند الله ربما يقول إنسانٌ: الجهاد في سبيل الله. وربما يقول بعضهم: بِرُّ الوالدين. وربما يقول بعضهم: كذا وكذا. وربما يقول بعضهم ... هذا بعد التوحيد، بعد الإخلاص لله .
سُئِلَ النبي صلوات الله وسلامه عليه: أيُّ العمل أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الصلاة على وقتها، قال: قلتُ: ثم أي؟ فقال صلوات الله وسلامه عليه: بِرُّ الوالدين، قال: قلتُ: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله[3].
فأعظم الأعمال وأحبُّ الأعمال إلى الله بعد التوحيد وإخلاص العبادة لله بالقلب والقول والعمل، أعظم الأعمال في ذلك إطلاقًا بعد التوحيد هو الصلاة على وقتها كما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، وهي عمود الإسلام.
شَبَّهَ النبي عليه الصلاة والسلام هذه الصلاة بفسطاطٍ أو بخيمةٍ أو ببيتٍ من أي شيءٍ، يُبْنَى في الصحراء، ويقوم على عمودٍ، وله أطنابٌ من حديدٍ، ولو كانت أطنابه من الجبال وسقط العمود الأوسط فإنه يسقط.
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: وعموده الصلاة، عمود الإسلام الصلاة، فمَن ترك الصلاة فلا إسلام له، ومَن ترك الصلاة فلا خَلَاق ولا سعادة ولا فوز له في الدنيا، ولا في الآخرة.
ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام في آخر لحظةٍ من حياته صلوات الله وسلامه عليه، وأوصى صلوات الله وسلامه عليه بالتوحيد حينما قال: لعنةُ اللهِ على اليهود والنصارى؛ اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد[4].
وقال صلوات الله وسلامه عليه مع الوصية بالتوحيد والإخلاص لله في هذا، قال عليه الصلاة والسلام: الصلاةَ أي: الْزَمُوا الصلاة، الصلاةَ، الصلاةَ، وما ملكتْ أيمانكم حتى قالت الراوية عنه رضي الله عنها: "حتى جعل نبي الله يُلَجْلِجُها في صدره، وما يُفِيصُ بها[5] لسانه"[6]، أي: في سكرات الموت؛ لأن الموت قد اقترب، وقد اقتربت الروح أن تخرج من جسده صلوات الله وسلامه عليه، وهو يقول: الصلاة.
فيا مَن يترك الصلاة، ويا مَن يبتعد عن الصلاة، اعلم أنَّه ليس لمَن يتركها في الإسلام حظٌّ، ولا نصيبٌ، ولو صلى يوم الجمعة، ولو حضر بعض الصلوات وترك بعضًا، فليعلم أنَّه لا حظَّ له في الإسلام.
عظمة الصلاة عند عمر بن الخطاب
هذا عمر بن الخطاب حينما طُعِنَ وأفاق من الطَّعْنَة؛ لأنَّه طُعِنَ وهو يُصلِّي بالناس الفجر، فتغيَّر صوت الإمام على المُصلِّين، وكان عمر هو الذي كبَّر تكبيرة الإحرام، وهو الذي قرأ الفاتحة وشيئًا من القرآن، وحينئذٍ تغيَّر الصوت؛ لأنَّه تقدَّم رجلٌ من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يَدْرُوا ماذا حدث، فحينئذٍ انتبهوا، وإذا بعمر قد طُعِنَ، طعنَه الفاجرُ المجوسي المعروف عند الجميع.
وحينما ذهبوا به إلى بيته وهو مُغْمًى عليه وأفاق، هل تدرون ماذا قال؟
ما قال: مَن قتلني؟ لم يَقُلْ ذلك أولًا، وإنما حينما أفاق كانت الصلاة قد تَعَلَّقَتْ بقلبه، وقد دخلتْ في جسده واختلطتْ بِعَظْمِه ولحمه ودمه، فقال: "أصلَّى الناس؟".
سبحان الله العظيم!
قالوا: "نعم"، قال: "أَمَا إنه لا حظَّ في الإسلام لأحدٍ ترك الصلاة"[7].
ثم بعد ذلك قال : مَن قتلني؟ الأمر الثاني.
أتدري لو أُعْطِيَ إنسانٌ كفًّا وهو يُصلِّي من الأولاد ربَّما يُقدِّم ذلك على دينه ويترك الصلاة -وهذا شيءٌ واضحٌ- ولكنَّ هذا الصحابي الجليل قد تَعَلَّقَت الصلاة بقلبه، إذن هو من أهل الله .
خطر تَرْك الصلاة أو التَّكاسل عنها
الصلاة مَن حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومَن لم يُحافظ عليها لم يكن له نورٌ، ولا برهانٌ، ولا نجاةٌ، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأُبيِّ بن خلفٍ[8].
يُحْشَر يوم القيامة مع فرعون، ولو قال: أنا مسلمٌ -والحمد لله- أنا من البلاد الإسلامية، من البلاد التي فيها الحرمان الشريفان -الحمد لله- نحن مسلمون، ونؤمن بالله .
كذب، والله ثم والله، ليس عند تارك الصلاة إيمانٌ، ولا مثقال ذَرَّةٍ في الأرض، ولا في السماء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: بين الرجل وبين الشرك والكفر تَرْك الصلاة[9]، وقال عليه الصلاة والسلام: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمَن تركها فقد كفر[10].
إذن الحدُّ الفاصل والواضح بين المسلم والكافر هو تَرْك الصلاة، فإذا تَرَك الصلاة يكون أكفر من اليهود والنصارى، لماذا؟
لأنه إذا ترك الصلاة أصبح بذلك مُنافقًا، ولا يستطيع أن يقف أمام الناس ويقول: أنا أترك الصلاة، ولكنِّي مسلمٌ. وسيكذب لو ذُهِبَ به إلى المحكمة الشرعية، وهذا هو الذي يقوله بعض الناس: ما رأينا أحدًا يُقتل في تَرْك الصلاة!
نعم، لو أن السلطات أخذتْ هذا الرجل الذي لا يُصلِّي إلى المحكمة الشرعية يقول: أنا أُصلِّي -والحمد لله- لكنَّ التقصير حاصلٌ، نُصلِّي، ونسأل الله أن يعفو عنا، وأنا أتوب وأستغفر الله من الآن.
هذا هو المنافق؛ فالمنافق يُظْهِر التوبة، وهو كاذبٌ، ويُظْهِر أنَّه يُصلِّي وهو كاذبٌ؛ ولذلك يقول الله : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145]، في الدرك الأسفل من النار يوم القيامة، يعني: أسفل من الكفَّار، وأسفل من اليهود والنصارى.
يعني: هم في الطبقات السُّفْلَى من جهنَّم؛ لأنَّهم منافقون؛ لأنَّ خطرهم أشدُّ على المسلمين من خطر أعدائهم، فخطر اليهود والنصارى وغيرهم قد بَانَ وظهر للمسلمين، أمَّا المنافق فهو يُدَبِّر من داخل المجتمع الإسلامي، ولا يُدْرَى عنه.
ولذلك من علامات هذا المنافق: أنه ربما يُصلي بدون وضوءٍ، فلو وجد أخًا له خارج البيت أو خارج المسجد ودخل معه المسجد، ما شاء الله على وضوئه! خاصةً الذين يشتغلون في بعض الأمكنة الحكومية؛ كالمستشفيات أو المُستوصفات.
ربما يُلاحظ الإنسان العاقل أن بعض الناس لو صلَّى معهم أحيانًا يرى أن الواحد منهم بمجرد إقامة الصلاة يذهب إلى الصلاة مباشرةً، وفي اليوم الثاني كذلك، واليوم الثالث، واليوم الرابع، وربما تبقى معه شهرًا وهو على وضوئه من صلاة الفجر!
ما شاء الله! هذا على وضوءٍ! هذا كذبٌ، فربما يُحْدِث، وربما يكون الإنسان على وضوءٍ -والحمد لله- لكن كونه دائمًا يكون معصومًا من الحَدَثِ! دائمًا يُصلي بغير وضوءٍ! هذه علامةٌ من علامات المنافقين، نعوذ بالله من النفاق.
بعض الآثار المُترتبة على تَرْك الصلاة
المسلم عليه أن يتَّقي الله ويُحافظ على هذه الصلاة؛ حتى يكون بذلك مسلمًا، وإذا ترك الصلاة وادَّعى الإسلام فإنَّه حينئذٍ يكون من عداد الكفَّار، ومن أعدادهم، ولو كان بين المسلمين، وهذا يكون لو أراد أن يقول: إنَّ عندي من الإسلام شيئًا. فليس عنده شيءٌ.
إذا كانت عنده أحكامٌ من الشريعة الإسلامية فإنَّها حينئذٍ تبطل، فإذا كان مُتزوجًا بامرأةٍ مسلمةٍ فإنَّ العقد يَفْسُد، أو لا تكون هذه المرأة في عصمته؛ لأنَّ الله نهى أن يتزوج الكفَّار بالمؤمنات: لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10].
وإذا عقد العقد وهو لا يُصلي فالعقد باطلٌ، والزواج في الظاهر زواجٌ، لكنَّه في الباطن زنًا، والأولاد غير شرعيين، لكنَّهم أولاد شُبهةٍ.
إذن هذا يتمتَّع، فإن تاب وأراد أن يُصلي فعليه أن يُجدِّد العقد من جديدٍ؛ لأنَّه كافرٌ تزوَّج مسلمةً.
فينبغي للمسلم أن يعلم هذا، وينبغي لوالد البنت أن يعلم، ولا يُزوِّج إلا إنسانًا قد اختبره سنوات، فلا يكفي شهرٌ، ولا شهران، ولا ثلاثةٌ، اختبره سنوات، فإذا علمتَ أنَّه يُصلي فحينئذٍ زَوِّجْهُ بنتك، فعليك أن تتَّقي الله .
الصلاة هي أعظم أركان الإسلام؛ ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله هذا الركن الأول، وإقام الصلاة[11].
أسأل الله أن يُوفِّق جميع المسلمين للاعتناء بالصلاة، فإنَّ مَن اعتنى بها حفظه الله تعالى في الدنيا والآخرة، وكان لما سواها أحفظ؛ كان لما سواها من الزكاة وغير ذلك من أوامر الإسلام أحفظ، وإذا تركها وضَيَّعَها كان لما سواها من الزكاة وبِرِّ الوالدين وغير ذلك من أوامر الإسلام أَضْيَع وأَبْعَد عن دين الإسلام.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يُوفِّق الجميع لما يُحبُّه ويرضاه، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يُعِيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنَّه هو الغفور الرحيم.
***
الحمد لله ربِّ العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين المُعتدين، ومن أَظْلَمِ الظالمين، ومن أَعْدَى المُعتدين تارك الصلاة الذي ليس له عند الله وزنٌ، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهَدْي هَدْي محمدٍ ، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتها، وكل مُحْدَثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار.
وصيةٌ بالعناية بالصلاة
أيها الإخوة في الله، إنِّي أنصح نفسي وأُوصي نفسي بتقوى الله، وأُوصيكم وأُوصي سائر مَن يسمعني من المسلمين أن يتَّقوا الله في صلاتهم، وأن يُحافظوا عليها؛ فإنَّها من أسباب نصرهم في الدنيا قبل الآخرة، ومن أسباب سعادتهم.
وأُوصي المسؤولين الذين جعل الله في أعناقهم رعاية المسلمين أن يُبْعِدُوا الذين لا يُصلُّون، فلا يشتركوا في معركةٍ، ولا في دائرةٍ، ولا في أمكنةٍ، ولا في أيِّ مهمَّةٍ من المُهمَّات؛ لأنَّ هذا من أسباب خُذلان المسلمين.
تصوَّر: إنسانًا لا يُصلِّي يُجاهد أعداء الإسلام والمسلمين!
هذا إن جاهد فإنما يُجاهد للشيطان، وإنما يُدافع عن نفسه وعن الشيطان، لا يُدافع عن مُقدَّساته، ولا عن الدين، ولا عن العِرْض، ولا عن غير ذلك، إنما يكون كالبهيمة، أو يكون كالحيوان الذي يُسَاقُ من خلفه بالرصاص أو بالحديد والنار، لا عقيدة له، ولا هِمَّةَ له، ولا نيَّةً صالحةً له؛ فلا ينتصر المسلمون بسببه.
فأُوصي إخواني المسلمين، وأُوصي المسؤولين خاصةً، ومَن ولَّاه الله مسؤوليةً من مسؤوليات المسلمين: ألا يكون هذا الجندي، ولا يكون هذا المُجاهد في الظاهر، لا يكون في صفوف المسلمين، فإن كان مسؤولًا يُفْصَل ويُبْعَد، وإن كان جنديًّا يُطْرَد، إلى غير ذلك، المهم ألا يكون بين صفوف المسلمين، فلا يكون قائدًا، ولا يكون جنديًّا، ولا يكون عَريفًا، ولا يكون أمينًا، ولا أي شيءٍ، يُبْعَد؛ لأنَّه من الكفَّار، فلا يُجاهد في صفوف المسلمين -هذا تاركٌ للصلاة- حتى يكون ذلك من أسباب نصر المسلمين؛ لأنَّ القوة بالله ، لا بغيره.
وإن أراد وليُّ الأمر أن يجعله في مكانٍ آخر -يعني- لكنَّه مُرْتَدٌّ، وليس كافرًا في أصله، وحكم المُرْتَد القتل، فيُقتل، يعني: تُقْطَع رأسه رِدَّةً على القول الصحيح، بحيث إذا مات يكون خالدًا مُخَلَّدًا في جهنم، هذا تارك الصلاة.
حكم صلاة الجماعة وفضلها ومكانتها
أمرٌ آخر هو: أنَّ هذه الصلاة إن قام بها الإنسان، أين تُؤَدَّى؟ هل تُؤَدَّى في البيت؟ هل تُؤَدَّى في العمل؟ هل كل إنسانٍ يُصلِّي في غرفته؟ أو جعل الله لها مكانًا يُصلِّي الناس فيه؟
الله حينما أمر بالصلاة قال: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، ولم يَقُل: اركعوا في البيوت، ولا مع النساء، ولا مع المنافقين: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ.
والله تبارك وتعالى أمر المُجاهدين إذا كانوا يُجاهدون في سبيل الله أن يصلُّوا جماعةً، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام وفَصَّلَ ووَضَّحَ صلاة الخوف، فلو كان أمر الجماعة هَيِّنًا أو سهلًا لم تكن الجماعة في صفوف المجاهدين الذين يجاهدون أعداء الله .
هذا أمرٌ؛ ولذلك بيَّن الله أن المنافقين يوم القيامة ..... فَيَخِرُّ له كل مسلمٍ كان يسجد لله إخلاصًا، ويبقى المنافقون قد تَعَمَّدَتْ ظهورهم؛ لأنَّهم كانوا يصلُّون بغير نيةٍ صالحةٍ، بل نفاقًا: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142].
إذن الصلاة تُصلَّى في المساجد؛ ولذلك مدح اللهُ المُصلِّين في المساجد والذَّاكرين الله كثيرًا في المساجد، مدحهم وحكم لهم بأحكامٍ؛ حكم لهم تبارك وتعالى بأنَّهم من أهل الإيمان، وحكم لهم بأنَّهم كذلك من أهل خشية الله ، وحكم لهم بأنَّهم كذلك ممن يُؤدِّي الزكاة.
فإذا صلَّى المسلم وحافظ على الصلوات مع الجماعة فقد حكم الله له بالإيمان الباطن، حكم الله بأنَّه مؤمنٌ -ولو كان في الظاهر- إذا حافظ على الصلوات إخلاصًا لله ، فقال الله : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ [التوبة:18].
هذه خمس صفاتٍ حكم الله بها لمَن يَعْمُرُ مساجد الله عمارةً معنويةً بالصلاة وغير ذلك من الأذكار.
حينئذٍ إذا حافظ على الصلاة فمن باب أولى أن يكون مؤمنًا، ومن باب أولى أن يكون مؤمنًا باليوم الآخر، ومن باب أولى أن يُزَكِّي أمواله، كذلك حكم الله فقال: فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18]، و"عسى" في حقِّ الله واجبةٌ، أي: مُحَقَّقةٌ، أي: هؤلاء من المُهتدين: فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ.
أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.
ويقول الله : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ أي: في الصباح والمساء رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور:37- 38].
الله يرزق مَن يشاء بغير حسابٍ، فحكم لهم ..... نور الإيمان، وهذا النور لا يحصل في البيوت إلا لمَن كانت هذه الصفات فيه: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ، وبيَّن صفاتهم تبارك وتعالى: لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، هذه من صفات المُصلِّين.
فإذا وجدنا إنسانًا يقول: أنا أُصلِّي في البيت. لا نستطيع أن نحكم عليه بأنَّه من المسلمين، هذا فيه شكٌّ، وفيه ريبةٌ، فقد يكون من المسلمين يُصلِّي في بيته، ويكون من المجرمين المُعتدين الذين عصوا الله ، وصلاتهم ناقصةٌ وغير مقبولةٍ، أو غير تامَّةٍ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن سمع المُنادي فلم يمنعه من اتِّباعه عذرٌ فلا صلاة له، قيل: وما العُذْر؟ قال: خوفٌ أو مرضٌ[12]، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
وقد همَّ النبي عليه الصلاة والسلام أن يحرق على المُتخلِّفين بيوتهم بالنار، فقال صلوات الله وسلامه عليه: لقد هَمَمْتُ أن آمُرَ بالصلاة فَتُقَام، ثم آمُرَ رجلًا فيُصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجالٍ معهم حُزَمٌ من حطبٍ إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة فَأُحَرِّق عليهم بيوتهم بالنار[13].
النبي عليه الصلاة والسلام لا يَهِمُّ بهذا الهَمِّ العظيم إلا لِعِظَمِ الجُرْم، فما قال عليه الصلاة والسلام: سيحرق على الزُّناة بيوتهم بالنار، أو شاربي الخمر، أو غيرهم، أو قاتل النفس.
إذن تَرْك الصلاة والتَّخلف عنها من أعظم الجرائم بعد الشرك بالله .
ويقول صلوات الله وسلامه عليه لرجلٍ أتى إليه وعنده أعذارٌ كثيرةٌ: رجلٌ أعمى، شاسع الدار -أي: بعيد الدار- والمدينة كثيرة الهَوَامِّ، وهناك طرقاتٌ، وليس له قائدٌ يُلائمه، فاستأذن النبيَّ عليه الصلاة والسلام أن يأذن له في أن يُصلِّي في بيته، فقال: يا رسول الله، إنِّي رجلٌ ضرير البصر، شاسع الدار، والمدينة كثيرة الهَوَامِّ، ولي قائدٌ لا يُلائمني، فهل لي رخصةٌ أن أُصلِّي في بيتي؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هل تسمع النداء؟ قال: نعم. فقال عليه الصلاة والسلام: لا أجد لك رخصةً[14].
أعمى، كبيرٌ في السنِّ، شاسع الدار، والمدينة كثيرة الهَوَامِّ، وليس له قائدٌ يُلائمه، ولم يأذن له النبي عليه الصلاة والسلام.
فما بالك برجلٍ يأتي من عمله آخر الليل -كما شاهدتُ ذلك، نسأل الله العافية- بِزِيِّه العسكري الرسمي، وكان يريد أن يُجاهد في سبيل الله، ويَحْرُس في سبيل الله -يعني: يقصد به في الظاهر أنه كان يُرابط ويَحْرُس في سبيل الله- والنبي عليه الصلاة والسلام قال: عينان لا تَمَسُّهما النار: عينٌ بَكَتْ من خشية الله، وعينٌ باتتْ تَحْرُس في سبيل الله[15]، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
يأتي في الفجر وقد لَبِسَ رسميًّا، وفي وقت الإقامة يدخل بيته ولا يُصلِّي!
أين الإسلام؟!
أين الحراسة في سبيل الله؟!
سبحان الله!
من أجل الدُّرَيهمات، من أجل مئة ريالٍ أو غير ذلك تُحْسَم عليه يَسْرِي ويُتْعِب نفسه ساعتين في الخِفَارة أو أربعًا وعشرين ساعةً في الاستلام أو غير ذلك، ولكنَّ الصلاة لا يحسب لها حسابًا، فهذا لا يُساوي عند الله جناح بعوضةٍ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: يأتي الرجل العظيم السَّمِين يوم القيامة لا يَزِنُ عند الله جناح بعوضةٍ[16]، رواه الإمام البخاري.
لا يَزِنُ الرجل السَّمِين -السَّمِين: الكبير- المُجرم الذي لا يخاف الله ولا يُراقبه، هذا الجسم لا يَزِنُ عند الله يوم القيامة مثقال ذرَّةٍ، ولا جناح بعوضةٍ كما بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام.
المهم أن صلاة الجماعة من أهمِّ المُهمَّات؛ ولذلك بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام حينما أمر بذلك أصحابه .
كان عبدالله بن مسعودٍ يقول: "مَن سَرَّهُ أن يلقى الله غدًا مسلمًا".
سبحان الله العظيم!
يعني: غدًا حينما يموت، وحينما ينتقل من هذه الدنيا إلى الآخرة عند الغَرْغَرة: "مَن سَرَّهُ أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليُحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهنَّ"، أي: في المكان الذي يُنادى بهنَّ، أي: في المسجد، "فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهنَّ من سنن الهدى".
ثم قال : "ولو أنَّكم صلَّيتم في بيوتكم كما يُصلي هذا المُتخلِّفُ في بيته لَتَرَكْتُم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لَضَلَلْتُم"، وفي بعض الروايات: "لَكَفَرْتُم".
ثم قال : "وما من رجلٍ يتطهر فَيُحْسِن الطُّهور، ثم يعمد إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوةٍ يخطوها حسنةً، ويرفعه بها درجةً، ويحطُّ عنه بها سيئةً"[17]، رواه الإمام مسلمٌ في "صحيحه".
تخطو خطوةً تُكْتَب لك عند الله درجةٌ، أو تُرْفَع لك عند الله درجةٌ، وتُكْتَب لك حسنةٌ، وكذلك يُحَطُّ عنك بها سيئةٌ كما بيَّن عبدالله ، وهذا لا يأخذه من عند نفسه، وإنَّما هو مأخوذٌ أو مفهومٌ من النبي عليه الصلاة والسلام.
وأعظم جُرْمٍ في ترك الصلوات هي صلاة الفجر؛ فصلاة الفجر أعظم من غيرها، ومَن حافظ على صلاة الفجر مع الجماعة، فمن باب أولى أن يُحافظ على غيرها مع الجماعة؛ ولذلك حثَّ النبي عليه الصلاة والسلام على الصلاة مع الجماعة -صلاة الفجر وغيرها- لكنَّه أكَّد على صلاة الفجر فقال عليه الصلاة والسلام: أَثْقَل صلاةٍ على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لَأَتَوهما ولو حَبْوًا[18].
أمر النبي عليه الصلاة والسلام بصلاة الفجر، وبيَّن أن مَن صلَّى الفجر فهو في ذمَّة الله حتى يُمْسِي، في حفظ الله.
هل تريد أن تخرج من بيتك وأنت في حفظ الله حتى ترجع إلى بيتك مرةً أخرى، وتكون محفوظًا في كَنَفِ الله؟
يقول عليه الصلاة والسلام: مَن صلَّى الصبح فهو في ذمَّة الله حتى يُمْسِي[19]، حتى يُمْسِي في ذمَّة الله، في حفظ الله من الشياطين، ومن غيرهم، في حفظ الله من المكائد وغير ذلك، في حفظ الله، في ذمَّة الله حتى يُمسي.
ثم بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام وحذَّر من الانفلات من ذمَّة الله .
إذن مَن أراد أن يكون في ذمَّة الله -في حفظ الله- فعليه أن يُحافظ على صلاة الفجر مع الجماعة.
كذلك بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ من أسباب دخول الجنة: المُحافظة على صلاة الفجر مع الجماعة، وصلاة العصر كذلك؛ يقول عليه الصلاة والسلام: مَن صلَّى البَرْدَين دخل الجنة[20]، والبَرْدَان هما: صلاة الفجر وصلاة العصر.
بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ مَن حافظ على هاتين الصلاتين دخل الجنة، لماذا؟
لأنه من باب أولى أن يُحافظ على غيرهما.
كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن ترك صلاة العصر فقد حَبِطَ عمله[21]، يعني: يترك صلاة العصر فيكون بذلك كافرًا، عمله أصبح هَبَاءً مَنْثُورًا، هذا بالنسبة للذي يترك صلاة العصر.
أما الذي يُصلِّي في بيته ويترك صلاة الجماعة فقال عليه الصلاة والسلام: مَن فاتته العصر فكأنَّما وُتِرَ أهلُه ومالُه، وفي بعض الروايات بفتح اللام: أهلَه ومالَه[22].
معنى ذلك: أنه إذا ترك صلاة العصر مع الإمام أو مع الجماعة، وبقي يأكل الطعام، ويعتذر بحديث النبي عليه الصلاة والسلام: أنَّ الإنسان لا يُصلِّي وهو ينتظر الطعام، أو إذا قُدِّمَ الطعام فابدؤوا بالطعام[23].
هذا كذبٌ وبُهتانٌ؛ إذا قُدِّمَ بغتةً أو قُدِّمَ في حين غفلتك فحينئذٍ عليك أن تأكل ولو كانت الصلاة تُقام.
أما أن تقول: أعطونا الطعام. وهو لم يُقَدَّم، فهذه جريمةٌ بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام، وهي تُعادل ما قاله: فكأنَّما وُتِرَ أهله وماله، أي: كأن الإنسان إذا أتى من عمله وقد أصابه شيءٌ من التعب، وأراد أن يدخل بيته، وربما يكون بِزِيِّه الرسمي، فنظر إلى عمارته -ملكه- وإذا بها قد خُسِفَ بها، أو قد التَقَمَتْها الأرض، وهذه العمارة فيها زوجته، وفيها أولاده، وفيها صناديقه من الدينارات وغير ذلك من الملايين التي قد جمعها في هذه العمارة لسببٍ من الأسباب.
وحينما رجع من عمله، أو رجع من طريقه وجد أنَّ أمواله وزوجته وأبناءه وبناته وجميع أملاكه داخل هذه العمارة وشهادته قد التَقَمَتْها الأرض، فماذا يفعل؟
ربما يُصاب بالجنون إن لم يكن مؤمنًا بالله ويصبر على قضاء الله وقدره.
فإذا أُصيب بالجنون من أجل هذه الدنيا، فلماذا لم يُجَنّ إذا فاتته صلاة العصر مع الجماعة؟
هذا دليلٌ على ضعف عقله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم.
فعلى المسلم أن يُحافظ على الصلاتين؛ ولذلك بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ينال شيئًا أعظم من الجنة، مَن حافظ على الصلاتين -صلاة العصر وصلاة الفجر- مع الجماعة يحصل على شيءٍ أعظم من الجنة، فما هو هذا الشيء؟
يعني: ما الشيء الذي يكون أعظم من الجنة؟
ربما يستغرب بعض الناس ذلك.
نعم، هو النظر إلى وجه الله الكريم؛ لأنَّه أعلى الدرجات؛ لأنَّه هو الزيادة: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، أي: لهم الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم، وهو أعظم نعيم أهل الجنة.
أسأل الله لنا ولكم ولجميع المسلمين أن يرزقنا النظر إلى وجهه الكريم يوم القيامة وفي الجنة، إنَّه وَلِيُّ ذلك والقادر عليه.
يقول النبي عليه الصلاة والسلام: أَمَا إنَّكم سَتَرَوْنَ ربَّكم كما تَرَون هذا القمر، لا تَضَامُّون -وفي روايةٍ: لا تُضَامُون[24]- في رؤيته، فإن استطعتم ألا تُغْلَبُوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا[25]، عليه الصلاة والسلام.
قال أهل العلم: وذلك بأنَّ الرجل إذا حافظ على صلاة الفجر وصلاة العصر مع الجماعة فهو موعودٌ -بإذن الله - بالنظر إلى وجه الله الكريم، ولا ينظر إلى وجه الله الكريم إلا وهو قد تمتع بالجنة -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها- فإنها هي الأمر العظيم الذي يُقْصَد بعد مرضاة الله ؛ لأن الإنسان إذا مات ترك أهله وأولاده وما يملك، وانتقل إلى أعماله، فحينئذٍ هو بحاجةٍ إلى رضوان الله والجنة، فإذا أراد أن ينظر إلى وجه الله الكريم فعليه أن يُحافظ على صلاة الفجر وصلاة العصر مع الصلوات الأخرى مع الجماعة؛ حتى يكون سعيدًا في الدنيا والآخرة.
ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم -وهو أعلم بهم-: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يُصلُّون، وأتيناهم وهم يُصلُّون[26].
فإذا صعد أهل الليل سألهم الله فيقولون: أتيناهم وهم يُصلُّون أي: في صلاة العصر الماضية، وتركناهم وهم يُصلُّون أي: في صلاة الفجر، وهكذا الطائفة الأخرى.
هذه الملائكة يتعاقبون فينا في صلاة العصر وصلاة الفجر كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.
قُلْ لي -بالله- كيف ينام إنسانٌ وقد أَتَتِ الملائكةُ؟ أو ربما يُقال: هو نائمٌ! هذا ليس من المُصلِّين، ليس ممن تُشْرِف عليهم الملائكة في المسجد، وإنما هو من المجرمين المُعْتَدين.
مسؤولية المسلم تجاه أهل بيته
هناك أمرٌ آخر ينبغي أن يُعْلَم هو: الاعتناء بِمَن وَلَّاك الله رعايتهم، أو مَن وَلَّاك اللهُ المسؤولية عليهم: أهل بيتك من الأولاد والبنات والزوجات، وغير ذلك من أهل البيت، والأقارب من أهل البيت: كالإخوة والأخوات وغير ذلك، أنت مسؤولٌ عنهم أمام الله ، فلا تَأْتِ إلى المسجد وتترك ولدك في البيت، لا تَأْتِ إلى المسجد وتترك أهلك لا تُوقظهم للصلاة.
إن بعض الناس أخبرني بخبرٍ يدل على أنَّه بعيدٌ من الله ؛ أخبرني أو أُخْبِرْتُ بخبرٍ: أن بعض الناس ماتت زوجته في فراشها وهي نائمةٌ، ولم يَدْرِ بذلك إلا من العمل؛ لأنه كانت هناك إجازةٌ -ما كانت هناك دراسةٌ عند الناس- وحينما كان في العمل اتصلت ابنته به بالهاتف وقالت: الوالدة لم تَصْحُ، نائمةٌ، لم تستيقظ. فقال: أيقظيها مرةً أخرى. فَأَتَتْ إليها مراتٍ، ولكنَّها لم تستيقظ، فأتى إليها وإذا هي ميتةٌ! وربما تكون قد ماتتْ من الليل.
وقد أُثِرَ أنَّ هذه المرأة أَتَتْ إلى هذا الرجل وهو نائمٌ في فراشه وقالت: إنِّي أجد وحشةً. فقال لها: اخرجي، اخرجي.
فذهبتْ إلى غرفتها، ورجعتْ إلى هذا المُجرم العاصي لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه لو لم يكن عاصيًا لصلَّى مع جماعة المسلمين، ولأَيْقَظَ أهله إلى الصلاة.
فحينئذٍ أَتَتْ إليه مرةً أخرى وقالت: يا فلان، إنِّي أجد في نفسي وحشةً، وأجد خوفًا.
مسكينةٌ، ضعيفةٌ، تجد شيئًا جعله الله في قلبها.
أجد خوفًا ووحشةً. فقال لها: اذهبي، انْقَلِعي، اذهبي. فذهبت المسكينة ونامتْ، وكانت هذه نومتها الأخيرة وماتت.
وبعد أن استيقظ ربما لم يُصَلِّ، أو صلَّى صلاةً لا يرضاها الله ؛ لأنه لم يُوقِظْ أهله لصلاة الفجر، فحينئذٍ أتى إليها وإذا هي على سريرها، وولدها يرضع من ثديها وهي ميتةٌ!
ولدٌ صغيرٌ!
سبحان الله!
أين الخوف من الله؟!
أين إيقاظ الأهل للصلاة؟!
أين مُراقبة الله في السر والعلن؟!
هذا لا يستحقُّ أن يكون زوجًا، ولا يستحقُّ أن يكون رحيمًا بإنسانٍ.
لذلك فعلى المسلم أن يختار لبنته ويختار لِمُوليته رجلًا صالحًا يؤمن بالله .
إذن على الإنسان أن يأمر أولاده بالصلاة.
ومما يُؤْسَفُ له في هذا السكن خاصةً وفي غيره: أنَّ الإنسان حينما ينظر إلى المدارس الثانوية والمتوسطة والابتدائية التي فيها أطفالٌ، بل فيها شبابٌ كثيرٌ لا نراهم في صلاة الفجر، ولا نراهم في الصلوات الأخرى.
أين ذهبوا؟!
في البيوت.
أين الوالد؟!
الوالد إمَّا ضائعٌ في الطريق، أو في العمل، وإمَّا أنه يُصلِّي ويُسبِّح تسبيحًا ظاهريًّا، وهذا التَّسبيح لم يكن نابعًا من قلبه، ولم تكن عنده غيرةٌ لله ، فإن من علامات الإيمان: الغيرة لله، فلا تَرْضَ ولا تسمح لأحدٍ من خلق الله أن يعصي الله أمام عينيك، لا ولدًا، ولا جارًا، ولا غير ذلك.
إذن تُصِيبك الغيرة لله، لكن في حدود الحكمة.
إذن أين هؤلاء الأولاد؟!
نائمون، هم نائمون في البيوت.
وربما صلَّى مع الجماعة، ويُسبِّح -ما شاء الله- ويرجع إلى البيت، وقبل العمل أو قبل الدراسة بنصف ساعةٍ يُوقِظُ الولد ويقول: "قُمْ يا ولدي صَلِّ؛ حتى يُيَسِّر أمرك ربُّنا ، فالله هو الذي يُنَجِّح إن شاء، فَصَلِّ حتى تُوفَّق".
فهل يُصلِّي؟ أين يُصلِّي؟
هذا الإنسان إذا بلغ خمسة عشر عامًا حينئذٍ تجني من عملك هذا النَّدامة.
تقول: "صلِّ"، فيقول لك: "أنت مُطَوِّعٌ! أنت جُهَيْمَان!" كما يقول بعض المُجرمين لوالده، يقول الوالد: "صَلِّ"، فيقول: "أنت مُجرمٌ، أنت عندك طواعةٌ، مُتأخِّرٌ، مُتَزَمِّتٌ"، بعد أن بلغ العشرين، لماذا؟!
لأن هذا الوالد هو المجرم نفسه، فهو الذي عصى الله حينما لم يلتزم بقول النبي عليه الصلاة والسلام: مُرُوا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين[27]، فهو فَرَّطَ في أمر النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يأخذ بهذا الأمر؛ فعاقبه الله في الدنيا قبل الآخرة، وسيُعاقبه في الآخرة إن شاء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما من عبدٍ يَسْتَرْعِيهِ الله رعيةً، يموت يوم يموت وهو غَاشٌّ لرعيته إلا حَرَّمَ الله عليه الجنة[28]، رواه الإمام البخاري ومسلمٌ، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
فإذا كان عندك ولدٌ لا يُصلِّي فاعلم أنَّك مُعَاقَبٌ من الله ، وفي انتظار العقوبة: إمَّا في بدنك، وإمَّا في أهلك، وإمَّا في مالك، وإمَّا في الآخرة، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
فعلى المسلم أن يأتي بأولاده.
ما المانع يا أخي حينما تستيقظ ... وهذا من أسباب توفيق الله لولدك، ومن أسباب إعانته كذلك على طاعتك، ما المانع حينما تستيقظ أو تسمع النداء مبكرًا أن تأخذ ولدك معك إلى المسجد؟
هذا -والله- من أسباب سعادتك في الدنيا والآخرة.
كذلك أولادك وجيرانك، فعلى الجار ألا يسكت عن جاره، يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر.
أكثر الجيران -هداهم الله- لا يحضرون الصلوات مع الجماعة!
وبعض الناس يأتون إليَّ، ويأتون إلى بعض الناس ويقولون: فلانٌ لا يُصلِّي.
حينئذٍ إذا بَلَّغْتَ عنه مرةً لا يكفيك، وإذا بَلَّغْتَ عنه مئة مرةٍ لا يكفيك، فلا بد أن تُبَلِّغ، ولا بد أن تأمر، كما تأتي إلى الطعام حينما تُدْعَى إلى الوليمة فتأكل حتى تُشبع بطنك وتملأ بطنك ثم تخرج -أكرمكم الله- أو غير ذلك، ولا تَقُلْ له: صَلِّ!
إذن هذا دليلٌ واضحٌ على أن بطنك أحبُّ إليك من الله!
قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن أول ما يُنْتِنُ من الإنسان بطنه[29].
إذن هذا البطن الذي هو أول ما يُنْتِن في القبر -كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام- صار أغلى وأفضل عند الإنسان من الله! فهو يَغَارُ لبطنه، ولا يَغَارُ لربِّه!
أسأل الله الذي لا إله إلا هو بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، إنَّه وَلِيُّ ذلك والقادر عليه.
وصلُّوا وسلِّموا على خير خلق الله نبينا محمدٍ ، فقد أمر الله تبارك وتعالى بالصلاة عليه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبيك محمدٍ ، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين.
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم آمِنَّا في دورنا، وأَصْلِحْ ولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمَن خافك واتَّقَاك واتَّبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أَبْرِمْ لهذه الأُمَّة أمر رشدٍ يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُذَلُّ فيه أهل معصيتك، ويُؤْمَر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جديرٌ.
ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نِعَمه يزدكم: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].
| ^1 | يشير الشيخ إلى حديث معاذ بن جبل الطويل، والذي جاء فيه أن النبي قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، رواه الترمذي: 2616، والنسائي في "السنن الكبرى": 11330، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2866. |
|---|---|
| ^2 | رواه الترمذي: 2616، والنسائي في "السنن الكبرى": 11330، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2866. |
| ^3 | رواه البخاري: 2782، ومسلم: 85 واللفظ له. |
| ^4 | رواه البخاري: 435، ومسلم: 531. |
| ^5 | أي: ما يقدر على الإفصاح بها. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 3/ 484. |
| ^6 | رواه أحمد: 26483، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 7/ 238. |
| ^7 | رواه عبدالرزاق في "مصنفه": 601. |
| ^8 | رواه أحمد: 6576، وابن حبان: 1467، وحسَّن إسناده محققو "المسند". |
| ^9 | رواه مسلم: 82. |
| ^10 | رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 449. |
| ^11 | رواه البخاري: 8، ومسلم: 16. |
| ^12 | رواه أبو داود: 551، والحاكم: 813 واللفظ له. |
| ^13 | رواه البخاري: 644، ومسلم: 651 واللفظ له. |
| ^14 | رواه أبو داود: 552، 553، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 561. |
| ^15 | رواه الترمذي: 1639، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1229. |
| ^16 | رواه البخاري: 4729، ومسلم: 2785. |
| ^17 | رواه مسلم: 654. |
| ^18 | رواه البخاري: 657، ومسلم: 651. |
| ^19 | رواه مسلم: 657 دون قوله: حتى يُمسي، ورواه الطبراني في "المعجم الكبير": 13210، و"الأوسط": 3464 بلفظ: مَن صلى الغداة فهو في ذمَّة الله حتى يُمْسِي، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6343. |
| ^20 | رواه البخاري: 574، ومسلم: 635. |
| ^21 | رواه البخاري: 553. |
| ^22 | رواه البخاري: 552، ومسلم: 626. |
| ^23 | روى البخاري: 671، ومسلم: 558 من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي قال: إذا وُضِعَ العشاء وأُقِيمت الصلاة فَابْدَؤُوا بالعشاء. |
| ^24 | يُرْوَى بالتَّشديد والتَّخفيف، فالتَّشديد معناه: لا ينضم بعضكم إلى بعضٍ وتَزْدَحمون وقت النظر إليه. ومعنى التَّخفيف: لا ينالكم ظلمٌ في رؤيته؛ فَيَرَاه بعضكم دون بعضٍ. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 3/ 101. |
| ^25 | رواه البخاري: 554، ومسلم: 633. |
| ^26 | رواه البخاري: 555، ومسلم: 632. |
| ^27 | رواه أبو داود: 495، وأحمد: 6756 واللفظ له، وحسنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 509. |
| ^28 | رواه البخاري: 7151، ومسلم: 142 واللفظ له. |
| ^29 | رواه البخاري: 7152. |