تخطى إلى المحتوى

الخشوع في الصلاة

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر عباده تبارك وتعالى بطاعته، وحذَّرهم من معصيته، وعاتب عباده المتقين الذين قَصَّروا في طاعته، أو قَصَّروا في خشوعهم الكامل لله تبارك وتعالى، فقال الله في هذا: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].

وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، فهو سيد المُتقين الخاشعين لله ربِّ العالمين، فصلوات الله وسلامه عليه ما تتابع الليل والنهار.

معنى الإخبات وثمرته في الدنيا والآخرة

عباد الله، إن الله تبارك وتعالى مدح أهل الخشوع وأهل الطاعة وأهل الإخبات في كتابه العزيز، وفي سُنة النبي ، مدحهم تبارك وتعالى وأثنى عليهم، وبيَّن أنهم من المتقين، وبيَّن أنهم من الفائزين، وبيَّن أنهم من الذين أنعم الله تبارك وتعالى عليهم في الدنيا والآخرة، فقال الله : فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [الحج:34]، المُخْبِتون هم المُتواضعون، السَّاكنون، الخاشعون لله ربِّ العالمين، لا يَتَعَالُون عليه، ولا يَأْتَلُون عليه، ولا يتكبَّرون عليه، قال: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [الحج:34- 35].

مدحهم الله وأثنى عليهم، وبيَّن كذلك أنهم من أصحاب الجنة، كما قال الله في الآية الأخرى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [هود:23]، "أخبتوا" أي: خضعوا وتَذَلَّلوا لله في عباداتهم لله تبارك وتعالى.

والخَبْت هو الأرض المُتَّسعة، أو الأرض المُنْبَسطة التي لا علوَّ فيها، ولا جبال، ولا أَكَمَات، وإنما هي مُنْبَسِطةٌ، مُستويةٌ، يُقال لها: الخَبْت.

فالله أثنى عليهم وقال: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ، والمُبَشَّر به عامٌّ، المُبَشَّر به يشمل خيرات الدنيا والآخرة.

فالمسلم عليه أن يكون من المُخْبِتين، ويكون من المُتواضعين: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90]، ذكرهم الله وأثنى عليهم في كتابه.

الخشوع في الصلاة طريق الفلاح والسعادة

ثم إن الله تبارك وتعالى قد شرع لعباده عبادات، وبيَّن أن هناك من العبادات ... بل ظاهر العبادات الظاهرة يبين الخشوع فيها، فالخشوع يكون ظاهرًا، وإن كان في القلب، لكنه يظهر على الجوارح، وأمر الله تبارك وتعالى به.

والخشوع هو لين القلب ورِقَّته، ويظهر ذلك في الجوارح، خاصةً في عبادة الله ؛ فلا يخضع الإنسان ولا يركع ولا يذل إلا لله تبارك وتعالى.

من هذه العبادات: الصلاة، أمر الله بإقامتها -كما سمعتُم في الخطبة الماضية- وحذَّر من تركها، وتوعد مَن تركها بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وتوعده النبي عليه الصلاة والسلام كذلك، وأنه من الكافرين إن تركها في الدنيا.

كذلك بيَّن الله وأمر بالخشوع فيها؛ فلذلك بيَّن أن الفلاح والفوز والسعادة لمَن خشع بقلبه في صلاته وجوارحه؛ فقال الله : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1- 2]، أفلحوا في الدنيا، وأفلحوا في الآخرة، وفازوا وسعدوا ونجحوا في الدنيا والآخرة إذا خشعوا في صلاتهم، ثم ذكر صفاتهم تبارك وتعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ.

وجوب الخشوع في الصلاة

بيَّن الله أن الصلاة ثقيلةٌ على المنافقين والكفار والمُجرمين، ولكنها ليست في حقِّ المؤمنين بثقيلةٍ، كما قال الله : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ۝ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:45- 46]، جعلنا الله وإياكم منهم.

بيَّن الله أن الخشوع من صفاتهم، وذمَّ الله الذين لا يخشعون في صلاتهم، فحينما قال: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ذمَّ غير الخاشعين، والذم هنا يقتضي التحريم، والمدح يقتضي الوجوب، فحينما أمر الله وبيَّن أن الصلاة ثقيلةٌ على غير الخاشعين، إذن هذا يدل على وجوب الخشوع في الصلاة كما بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام كما تسمعون.

فالخشوع في الصلاة -في الحقيقة- هو واجبٌ من الواجبات، وحَرِيٌّ بالإنسان المسلم أن يخشع في صلاته لله ربِّ العالمين.

أدلةٌ من السُّنة على وجوب الخشوع

كذلك مما يُبين أن الخشوع واجبٌ في الصلاة قوله عليه الصلاة والسلام: لَيَنْتَهِيَنَّ أقوامٌ يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم[1]رواه مسلم: 428.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث رواه البخاري ومسلمٌ.

كذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام في الخشوع؛ يقول صلوات الله وسلامه عليه: إن الرجل إذا قام يُصلي أقبل الله ‌عليه ‌بوجهه حتى ينقلب أو يُحْدِث حدث سُوءٍ[2]رواه ابن ماجه: 1023، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 1596.، والحديث ثبت عنه عليه الصلاة والسلام.

والانصراف يكون بالقلب، ويكون بالجوارح، يكون بالرأس، ويكون بالقلب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها حينما سألته عن الالتفات في الصلاة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هو اختلاسٌ يَخْتَلِسه الشيطان من صلاة العبد[3]رواه البخاري: 751.، فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الالتفات في الصلاة اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد، سواءٌ كان الالتفات بالرأس، أو بالقلب، أو بغير ذلك من البدن، فهو اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الإنسان يُناجي ربَّه، كما قال عليه الصلاة والسلام: إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يُناجي ربَّه، فلا يَبْزُقَنَّ بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن شماله تحت قدمه[4]رواه البخاري: 413، ومسلم: 551 واللفظ له.، أو كما قال .

فهو يُناجي ربه، فإذا انصرف عن ربه تبارك وتعالى بقلبه انصرف الله عنه، وهذا من أقبح ومن أشدِّ التَّعزير للإنسان، أو من أشدِّ العقوبة أن الله ينصرف عن عبده وهو واقفٌ يُصلي بين يديه، لماذا؟

لأن العبد هو الذي قَصَّر، وهو الذي انصرف بقلبه وقالبه، أو انصرف بجسمه من أمام ربه تبارك وتعالى.

وكذلك من وجوب الخشوع في الصلاة قوله عليه الصلاة والسلام: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيلٍ شُمْسٍ؟! اسكنوا في الصلاة[5]رواه مسلم: 430.، رواه الإمام مسلمٌ.

إذن اسكنوا أمرٌ منه عليه الصلاة والسلام بالخشوع في الصلاة، واستحضار عظمة الله تبارك وتعالى في الصلاة، فإذا استحضر الإنسان عظمة الله في صلاته خشع قلبه، وبذلك تخشع الجوارح؛ لأن القلب كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام هو أمير الأعضاء، فإذا خضع الأمير، أو أصلح الله الأمير؛ فحينئذٍ تصلح الجنود، ويصلح أتباعه من الأعضاء من اليدين والقدمين وغير ذلك من الجوارح، فقال صلوات الله وسلامه عليه: ألا وإن في الجسد مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صلح الجسد كله، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسد كله[6]رواه البخاري: 52، ومسلم: 1599.، فإذا فسد القلب حينئذٍ تفسد جميع الجوارح، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو دليلٌ على بُعْد الإنسان من الله، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.

إذا علم الرجل من صلاته أنه يقف بين يدي الله وقلبه خارجٌ من صلاته؛ فاعلم أنه حقيرٌ على الله -ولا حول ولا قوة إلا بالله-؛ لأنه لو كان عظيمًا عند الله لَعَظَّم اللهَ وخشع بين يديه في صلاته، أمَّا هو حينما أعرض عن الله فالله يُعْرِض عنه، وهو غنيٌّ عنه وعن عبادته كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه في الأحاديث التي سمعتُموها.

مراتب الناس في الصلاة

ينبغي للإنسان المسلم أن يَلْحَظ مراتب الناس في الصلاة، ومراتب الناس في الصلاة -كما بيَّن أهل العلم-خمس مراتب.

كلٌّ منا ينتبه لهذه المراتب ويُطبقها على نفسه، وينظر في أي مرتبةٍ هو من هذه المراتب: المرتبة الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة.

إِلْحَظْ نفسك، واختبر نفسك من أي أهل المراتب هذه:

  • المرتبة الأولى: هي مرتبة الظالم لنفسه في الصلاة، وهو الذي ينتقص من أركانها وحدودها وواجباتها وشروطها، وهذا مُجرمٌ، ظالمٌ، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
  • المرتبة الثانية من أهل الصلاة: هو الذي كمَّل أركانها وواجباتها وشروطها ومُتطلباتها، ولكنه وسوس فيها، فإذا وسوس فيها فهذه مصيبةٌ عظيمةٌ، ولو كمَّل أركانها وشروطها وواجباتها، هذه مرتبةٌ ثانيةٌ.
  • المرتبة الثالثة: مَن كمَّل شروطها وأركانها وواجباتها وجميع مُتطلباتها، ثم هو يُجاهد نفسه في الوسوسة، فهذا في صلاةٍ، وفي جهادٍ.
  • المرتبة الرابعة: مَن كمَّل ما تقدم من الأركان والشروط وغير ذلك، ويحاول أن يُكمِّلها، ويحاول أن يُتِمَّها لله ربِّ العالمين، فهو كذلك مُحْسِنٌ.
  • المرتبة الخامسة: مرتبة المُقَرَّبين -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم- وهم الذين يخشعون في صلاتهم، فقد كمَّلوا أركانها وواجباتها وشروطها وخشوعها، ومع ذلك فهم يرتاحون ويتلذَّذون بقراءة القرآن، ويتلذَّذون بخشوعهم وصلاتهم أمام ربِّ العالمين.
    وهذه مرتبة النبي وأتباعه من المؤمنين، وقال النبي عليه الصلاة والسلام في هذه المرتبة: حُبِّبَ إليَّ النساء والطِّيب أي:
    زوجاته صلوات الله وسلامه عليه، وجُعِلَتْ قُرَّة عيني في الصلاة[7]رواه النسائي: 3940، وأحمد: 12293، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3681.، وقال : يا بلال، أَقِمِ الصلاة، أَرِحْنَا بها[8]رواه أبو داود: 4985، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7892..
    إذن هذه المرتبة الخامسة،
    فمَن كان من أهل هذه المرتبة فهو من المُقَرَّبين عند الله .

فصاحب المرتبة الأولى -وهو الظالم نفسه- مُعاقَبٌ في الدنيا والآخرة إذا شاء الله .

وصاحب المرتبة الثانية مُحاسَبٌ، ومَن حُوسِبَ هلك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[9]روى البخاري: 103، ومسلم: 2876 -واللفظ له- عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي قال: ليس أحدٌ يُحَاسَب إلا هلك..

وصاحب المرتبة الثالثة مُكَفَّرٌ عنه، وهو الذي يُجاهد نفسه في صلاته، ويحاول ألا يُوسوس فيها، فهذا مُكَفَّرٌ عنه، بإذن الله .

وصاحب المرتبة الرابعة مُثَابٌ عند الله .

وصاحب المرتبة الخامسة -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها- مُقَرَّبٌ من الله ، ومن المُقَرَّبين الذين مدحهم الله تبارك وتعالى في كتابه، ومدحهم النبي عليه الصلاة والسلام.

الخشوع في الصلاة بين الصدق والتَّصنُّع

مثل مَن يخشع في صلاته، ومَن لا يخشع فيها كمثل إنسانٍ وقف أمام السلطان، وهذا الإنسان يلتفت يَمْنَةً ويَسْرَةً، وينصرف بقلبه، ولا يفهم ما يُقال من السلطان، فما الذي يفعله به السلطان؟

أقل الأحوال أن يحتقره، وأن يَزْدَرِيه، وأن يغضب عليه، وذلك إن لم يضربه أو يقتله أو يسجنه، فأقل الأحوال أن يحتقره، ويقول: هذا إنسانٌ سافلٌ.

سبحان الله العظيم!

هذا بالنسبة للبشر، فما بالك بربِّ العالمين تبارك وتعالى؟!

وله المثل الأعلى في السماوات، وهو العزيز الحكيم.

ترى الرجل يخشع خشوع النفاق -نعوذ بالله من النفاق- كما قال بعض السلف: استعيذوا بالله من خشوع النفاق. قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الرجل خاشعًا بجسده، والقلب ليس بخاشعٍ.

خشوع القلب في قصة عروة بن الزبير

لو نظر الإنسان إلى حياة السلف الصالح وخشوعهم في صلاتهم لرأى العَجَب العُجَاب بين صلاتنا وصلاتهم رضي الله عنهم ورحمهم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام قُدوتهم صلوات الله وسلامه عليه، وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين.

ومن أتباعه: عروة بن الزبير بن العوام، الذي أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، وخالته عائشة رضي الله عنها، وهو رجلٌ أعزَّ الله به الدين بعد الصحابة ؛ فهو من السبعة الفقهاء في المدينة المنورة، ومن أتباعه مئةٌ من التابعين رضي الله عنهم ورحمهم.

هذا رجلٌ نَوَّر الله قلبه ووَفَّقه وسَدَّده؛ فكان رحمه الله تعالى له بستان حينما يُثْمِر، أو حينما تكون أوقات الرُّطَب يَثْقُب الحائط للناس حتى يأكلوا من هذا الرُّطَب، وبعد أن ينتهي الرُّطَب يَسُدُّ الحائط ويُصلحه، فهذا من أعماله الطيبة.

ومن أعماله الطيبة رحمه الله: أنه سافر من المدينة إلى دمشق؛ لكي يجتمع بالوليد بن عبدالملك، وفي طريقه أُصيب في قدمه بأكلةٍ -يعني: سرطان، نسأل الله العافية- فلم يصل إلى دمشق إلا بعد أن وصل إلى نصف الساق، وحينما وصل إلى نصف الساق اجتمع الوليد بالأطباء وأهل الخبرة؛ ليتشاوروا في هذا المرض الخطير، فأجمعوا جميعًا على أنه ليس لها إلا أن تُقْطَع من أعلاها.

حينئذٍ عرضوا عليه الأمر رحمه الله، فوافق، فقالوا: إذن نُسْقِيك شرابًا؛ لكي يذهب عقلك. فقال: ما كنتُ أظن أنَّ أحدًا يشرب شيئًا أو يأكل شيئًا يُذْهِب عقله؛ فينسى ربَّه، ولكن إذا كان ولا بد فإني أقترح عليكم أن تتركوني أُصلي، فإذا صليتُ اقطعوا رجلي؛ فإني حينئذٍ لا أحسُّ بها، ولا أشعر بها، لماذا؟

لأنه يقف أمام الله .

لو وقف إنسانٌ منا في صلاته، ثم أتاه ذبابٌ ووقف على أنفه أو عينه لتحرك، ولرأيته يتحرك في الصفِّ، وهو ذبابٌ!

وهذا الرجل اقترح عليهم أن يقطعوا رجله وهو يُصلي أمام ربه؛ لأنه ينسى نفسه، ويكون أمام الله خاشعًا لله، وهذه درجة المُقَرَّبين، وهي درجةٌ عاليةٌ لم يُعْطَها إلا مَن وفَّقه الله .

فصلَّى في صلاته، ثم أخذوا المنشار، ثم قطعوا من اللحم الحيِّ احتياطًا حتى يسلم من هذه الأكلة، فقطعوها، وحينما قطعوها وانتهى من صلاته أحسَّ بها؛ لأنه كان واقفًا أمام الله .

وحينئذٍ رجع إلى المدينة، فَعَزَّاه بعض الناس في قدمه، وسمع بعضهم يقول: هذا ما أصابته هذه المصيبة إلا بسبب ذنبٍ.

الله يقول: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى:30]، وليس هناك إنسانٌ معصومٌ.

قالوا: ما أصابته هذه المصيبة إلا بسبب ذنبٍ.

فقال حينما سمع هذا:

لَعَمْرُكَ ما أَهْوَيْتُ كَفِّي لريبةٍ ولا حملتني نحو فاحشةٍ رِجْلِي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها ولا دَلَّني رأيي عليها ولا عقلي[10]البيتان لمعن بن أوس. ينظر: "الأمالي" لأبي علي القالي: 2/ 234.

رحمه الله، صدق.

يقول: ما قادتني وما أَهْوَيْتُ بِكَفِّي ولا بِرِجْلِي إلى فاحشةٍ، ولا دَلَّني عليها عقلي، ولا قادني إليها سمعي، ولا بصري؛ اعتذارًا لمَن اغتابه وبَهَتَه بهذا البُهتان العظيم.

فعلينا أن نتَّقي الله ونخشع في صلاتنا أمام ربنا؛ لأن الإنسان إذا كان في صلاته فليعلم أنه يُناجي ربَّه، كما قاله النبي عليه الصلاة والسلام.

أسأل الله أن يُوفِّق الجميع لما يُحبه ويرضاه، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

***

الخطبة الثانية

الحمد لله ربِّ العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبة للمتقين الخاشعين لله ربِّ العالمين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهَدْي هَدْي محمدٍ ، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتها، وكل مُحْدَثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار.

أيها الإخوة في الله، ربنا تبارك وتعالى مدح الخاشعين في كتابه، ومدحهم النبي عليه الصلاة والسلام، وخاصةً في الصلاة كما سمعتُم، وبيَّن الله أن هذا القرآن حينما يُتْلَى يخشع المؤمنون، وتَقْشَعر منه جلودهم وقلوبهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، هذا من صفات المؤمنين الخاشعين، جعلنا الله وإياكم من الخاشعين لله وحده لا شريك له.

أسبابٌ تُعِين على الخشوع في الصلاة

عباد الله، إن مما يُعِين الإنسان على الخشوع في صلاته: أن يعمل أمورًا، من هذه الأمور:

المعرفة بالله ​​​​​​​ والعلم النافع

أولًا: معرفته بالله  والعلم النافع.

العلم النافع ومعرفة الله بأسمائه وصفاته تبارك وتعالى، فإنه تبارك وتعالى لا مُعْطِيَ لما منع، ولا خافض لما رفع، ولا مُعِزَّ لمَن أذلَّ، ولا مُذِلَّ لمَن أعزَّ، بيده كل شيءٍ تبارك وتعالى، وهو ذو الصفات الحميدة العليا الكاملة، والأسماء الحسنى تبارك وتعالى.

هذا هو العلم الذي يجعل الإنسان يخشع في صلاته لله ربِّ العالمين إذا علم ذلك.

وقد بيَّن الله وذمَّ أهل الجهل، وإن كانوا علماء في غير الدين، ولكن هذا العلم لا يُقَرِّبهم إلى الله ، ذمَّهم، وقال الله : وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:6- 7]، ذمَّهم الله تبارك وتعالى، وبيَّن أنهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، ولكنهم عن الآخرة هم غافلون.

وذمَّ النبي عليه الصلاة والسلام الذين لا علم عندهم بالله ، ولا بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولا بدينهم، ولا بالفقه في أوامر دينهم، ولا بالعلم بما أوجب الله عليهم، ولا بما حرَّم الله عليهم، وإنما يهتمون بأمور الدنيا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله يُبْغِض كل جَعْظَرِيٍّ[11]الجَعْظَرِي: الفَظّ الغليظ المُتكبر. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 1/ 276.، جَوَّاظٍ[12]الجَوَّاظ: الضخم المُخْتَال في مشيته. ينظر: "الصحاح" للجوهري: 3/ 1171.، سَخَّابٍ بالأسواق[13]السَّخب: الصياح واختلاط الأصوات. ينظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض: 2/ 209.، جيفةٍ بالليل، حمارٍ بالنهار، عالمٍ بأمر الدنيا، جاهلٍ بأمر الآخرة[14]رواه ابن حبان: 72، والبيهقي في "السنن الكبرى": 20841، وذكره الألباني في "السلسلة الصحيحة": 195..

يعلم أمور الدنيا، ولكنه لا يعلم أمور الآخرة، جاهلٌ في دينه، جاهلٌ في صلاته، جاهلٌ في زكاته، جاهلٌ في تربية أولاده، عالمٌ بأمور الدنيا التي تشغله عن طاعة الله، والدنيا إن استُخْدِمَتْ في طاعة الله كانت خيرًا وبركةً وسعادةً، وإن استُخْدِمَتْ في معصية الله كانت ذُلًّا وهوانًا وخسارةً في الدنيا والآخرة.

هذا أمر العلم بالله، والعلم بما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام.

استحضار الموت في الصلاة

الأمر الثاني: أن يتذكر الإنسان الموت في صلاته، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام لرجلٍ أتاه وقال: يا رسول الله، عِظْنِي وأَوْجِز. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا قُمْتَ في صلاتك فَصَلِّ صلاة مُودِّعٍ، ولا تكلم بكلامٍ تعتذر منه، وأَجْمِع اليأس مما في أيدي الناس[15]رواه ابن ماجه: 4171 واللفظ له، وأحمد: 23498، وذكره الألباني في "السلسلة الصحيحة": 401..

صلاة المُودِّع هي: أن يُكبر الإنسان في صلاته، ويدور في ذهنه أن هذه الصلاة ربما تكون آخر صلاةٍ يُصليها على وجه الدنيا.

تصور لو فكَّر كلٌّ منا في هذا الأمر: حينما يُكبر تكبيرة الإحرام يدور في ذهنه أن هذه الصلاة ربما تكون آخر صلاةٍ يُصليها؛ وعندئذٍ سيُحْسِن الإنسان صلاته، وسيُقْبِل بقلبه على ربه، وإذا أقبل بقلبه على ربِّه أقبل الله عليه وغفر له حتى لو كان يُصلي نفلًا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلَّى ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه[16]رواه البخاري: 164، ومسلم: 226.، متفقٌ عليه من حديث عثمان .

غفر الله له ما تقدم من ذنبه؛ لأنه لا يُحَدِّث نفسه.

ويقول النبي عليه الصلاة والسلام -فيما رواه مسلمٌ-: ما من مسلمٍ يتوضأ فَيُحْسِن وضوءه، ثم يقوم فَيُصلِّي ركعتين، مُقْبِلٌ عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبتْ له الجنة، فقال عقبة بن عامر : ما أجودَ هذه! فقال عمر : التي قبلها أجود، قال: ما منكم من أحدٍ يتوضأ فَيُسْبِغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبدالله ورسوله إلا فُتِحَتْ له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أَيِّها شاء[17]رواه مسلم: 234.، أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه.

إذن الخشوع في الصلاة والإقبال عليها بالقلب من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة.

هذا أمرٌ؛ الأمر أن يتذكر الموت.

تجنب الروائح المُؤذية للمُصلين

أمرٌ آخر هو: أن يلتزم الآداب التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام، ومن هذه الآداب، أو من هذه المُستحبَّات، أو من هذه الواجبات: عدم أخذ شيءٍ مما يُؤذي المسلمين في صلاتهم؛ من ذلك: أكل البصل والثوم والكُرَّاث، ثم الصلاة به مع جماعة المسلمين، فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام -فيما رواه مسلمٌ- أنه قال: مَن أكل البصل والثُّوم والكُرَّاث فلا يَقْرَبَنَّ مسجدنا[18]رواه مسلم: 564.، وقال عليه الصلاة والسلام -فيما رواه البخاري-: مَن أكل ثُومًا أو بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْ مسجدنا، وَلْيَقْعُدْ في بيته[19]رواه البخاري: 855.، أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه.

فمن أسباب الخشوع في الصلاة: ألا تُؤذي المسلمين بالرائحة الكريهة من البصل أو الثُّوم أو الكُرَّاث، بل إذا أكلتَه فعليك أن تُصلي في بيتك؛ جزاءً لهذا الإنسان؛ لأنه لا يُراقب الله ، فلو راقب الله لأكله بعد الطبخ، أو لأكله في وقتٍ لا صلاة فيه؛ حتى يزول هذا البصل أو هذه الرائحة؛ حتى لا يُؤذي المسلمين.

لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يُدافع الأَخْبَثَين

ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يُدافعه الأَخْبَثَان[20]رواه مسلم: 560..

إذا كان الإنسان بحضرة الطعام، وقُدِّم الطعام، وأُقِيمت الصلاة؛ فليبدأ بالطعام، ولا يجعل ذلك عادةً بحيث لو أتى من العمل قال: قَدِّموا لي الغداء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا صلاة بحضرة الطعام.

هذا عاصٍ لله .

أما إذا أتاه بغتةً، أتاه وهو لا يدري، وأُقِيمت الصلاة؛ فحينئذٍ يبدأ يأكل، ثم يُصلي.

ولا هو يُدافعه الأَخْبَثَان أي: البول والغائط، فلا يُصلي وهو حَقِبٌ، بل عليه أن يقضي حاجته؛ حتى يُقبل على صلاته وهو مُطمئنٌّ فيها.

كَظْم التَّثاؤب في الصلاة

كذلك مما يُعِين على الخشوع: عدم التَّثاؤب في الصلاة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا تَثَاءَب أحدكم في الصلاة فَلْيَكْظِمْ ما استطاع؛ فإن الشيطان يدخل[21]رواه مسلم: 2995.، وفي روايةٍ: فَلْيَضَعْ يده على فيه[22]رواه أحمد: 11323.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

فالمشروع له ثلاثة أشياء:

  • أولها: أن يَكْظِم ما استطاع.
  • الأمر الثاني: يجعل يده على فيه.
  • الأمر الثالث: لا يقل: "هاء"؛ فإن الشيطان يدخل.

بعض الناس إذا كان يُصلي يقول: "هاء" ويتثاءب في الصلاة، وهذا دليلٌ على عدم مُراقبته لله تبارك وتعالى.

الالتزام بآداب الذهاب إلى الصلاة

مما يُعِين على الخشوع: التزام الآداب التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام في الذهاب إلى الصلاة، وأولها: إذا كان مُستيقظًا من النوم أن يقول: الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني، وإليه النُّشور[23]رواه أحمد: 23286، وصححه محققو "المسند".، ثم يتوضأ كما أمره النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يخرج من بيته ويقول: بسم الله، توكلتُ على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: يُقال حينئذٍ: هُدِيتَ وكُفِيتَ ووُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى له الشياطين، فيقول له شيطانٌ آخر: كيف لك برجلٍ قد هُدِيَ وكُفِيَ ووُقِيَ؟![24]رواه أبو داود: 5095، والترمذي: 3426، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1605..

إذن أنت تذهب إلى المسجد، والشيطان لا يذهب معك كما بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام، قال : فيقول له شيطانٌ آخر: كيف لك برجلٍ قد هُدِيَ وكُفِيَ ووُقِيَ؟!.

ثم يذهب في طريقه ويُكمل الدعاء المشروع المعروف عند مَن أراد الخير[25]يريد الشيخ حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: ما خرج النبي  من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: اللهم إني … Continue reading، ثم يأتي إلى المسجد ولا يُسْرِع، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا أُقِيمَت الصلاة فلا تأتوها تَسْعَون، وَأْتُوها تَمْشُون عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فَأَتِمُّوا[26]رواه البخاري: 908، ومسلم: 602..

دعاء دخول المسجد

ثم يدخل المسجد، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، يقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، فحينئذٍ إذا قال هذا الدعاء قال الشيطان: حُفِظَ مني سائر اليوم. كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام[27]رواه أبو داود: 466، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1606.، بمجرد أن يقول هذا الكلام حينما يدخل من باب المسجد يقول الشيطان هذا الكلام.

أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك[28]قال رسول الله : إذا دخل أحدكم المسجد فَلْيَقُلْ: اللهم ‌افتح ‌لي ‌أبواب ‌رحمتك، رواه مسلم: 713..

الحرص على الصفِّ الأول ومَيَامِن الصفوف

ثم يُصلي ما كُتِبَ له، ثم ينتظر الإمام؛ فإذا أُقِيمَت الصلاة صفَّ في الصفِّ الأول؛ لأنه قد بادر، ويحاول أن يكون في الصفِّ الأيمن، وذلك أفضل؛ لأن الملائكة تُصلي على الصفِّ الأيمن، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله وملائكته يُصلون على مَيَامِن الصفوف[29]رواه أبو داود: 676، وابن ماجه: 1005.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

الاستعاذة ودعاء الاستفتاح

إذا كبَّر الإمام قرأ دعاء الاستفتاح، ثم قال: "أعوذ بالله السَّميع العليم من الشيطان الرجيم؛ من هَمْزِه ونَفْخِه ونَفْثِه"، هذا مما يُعِين على أن يبتعد عنه الشيطان الرجيم ...

وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر:21]، وقال الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24]، فربما يُعْرِض هذا الإنسان عن الله ، وعن كتابه؛ فَيَحُول الله بينه وبين قلبه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يُقَلِّبها كيف يشاء[30]رواه الترمذي: 2140، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 102.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: يا مُقلب القلوب، ثَبِّتْ قلبي على دينك[31]رواه الترمذي: 2140، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 102..

تدبر القراءة ومُناجاة الله في الصلاة

إذا قرأ الإمام يتدبر ما يقول، وليعلم أنه يُناجي ربه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربِّه تبارك وتعالى: إذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، قال الله: حَمِدَني عبدي. وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، قال الله: أثنى عليَّ عبدي. وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، قال: مَجَّدَني عبدي. فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6- 7]، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل[32]رواه مسلم: 395.، والحديث رواه الإمام مسلمٌ في "صحيحه".

إذن هذا ثوابٌ عظيمٌ، فأنت تُخاطب الله، والله يردُّ عليك في صلاتك، فهذا ثوابٌ عظيمٌ.

فينبغي لك أن تلتزم هذه الآداب، وأن تسأل الله أن يقبل صلاتك، وأن تخشى من الله أن يَرُدَّك مَطْرُودًا مَحْرُومًا، نعوذ بالله من غضبه، ونعوذ بالله من عقوبته.

ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المُخْبِتين الخاشعين لله ربِّ العالمين وحده لا شريك له، فلا نَذِلَّ ولا نخضع ولا نركع ولا نسجد إلا له وحده تبارك وتعالى، إنه وَلِيُّ ذلك، وخير الرازقين، وخير المُنْعِمين تبارك وتعالى.

أسأله تبارك وتعالى أن يُوفِّقنا لما يُحبه ويرضاه، وأن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يُعِيذنا من شرور أنفسنا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم إني أعوذ بك من قلبٍ لا يخشع[33]رواه مسلم: 2722..

نعوذ بالله من قلوبٍ لا تخشع، ونعوذ بالله من علمٍ لا ينفع، ونعوذ بالله من دعوةٍ لا يُستجاب لها.

^1 رواه مسلم: 428.
^2 رواه ابن ماجه: 1023، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 1596.
^3 رواه البخاري: 751.
^4 رواه البخاري: 413، ومسلم: 551 واللفظ له.
^5 رواه مسلم: 430.
^6 رواه البخاري: 52، ومسلم: 1599.
^7 رواه النسائي: 3940، وأحمد: 12293، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3681.
^8 رواه أبو داود: 4985، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7892.
^9 روى البخاري: 103، ومسلم: 2876 -واللفظ له- عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي قال: ليس أحدٌ يُحَاسَب إلا هلك.
^10 البيتان لمعن بن أوس. ينظر: "الأمالي" لأبي علي القالي: 2/ 234.
^11 الجَعْظَرِي: الفَظّ الغليظ المُتكبر. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 1/ 276.
^12 الجَوَّاظ: الضخم المُخْتَال في مشيته. ينظر: "الصحاح" للجوهري: 3/ 1171.
^13 السَّخب: الصياح واختلاط الأصوات. ينظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض: 2/ 209.
^14 رواه ابن حبان: 72، والبيهقي في "السنن الكبرى": 20841، وذكره الألباني في "السلسلة الصحيحة": 195.
^15 رواه ابن ماجه: 4171 واللفظ له، وأحمد: 23498، وذكره الألباني في "السلسلة الصحيحة": 401.
^16 رواه البخاري: 164، ومسلم: 226.
^17 رواه مسلم: 234.
^18 رواه مسلم: 564.
^19 رواه البخاري: 855.
^20 رواه مسلم: 560.
^21 رواه مسلم: 2995.
^22 رواه أحمد: 11323.
^23 رواه أحمد: 23286، وصححه محققو "المسند".
^24 رواه أبو داود: 5095، والترمذي: 3426، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1605.
^25 يريد الشيخ حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: ما خرج النبي من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: اللهم إني أعوذ بك أن ‌أَضِلَّ ‌أو ‌أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظْلِمَ أو أُظْلَم، أو أَجْهَل أو يُجْهَل عليَّ رواه أبو داود: 5094 واللفظ له، والترمذي: 3427، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 2442.
^26 رواه البخاري: 908، ومسلم: 602.
^27 رواه أبو داود: 466، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1606.
^28 قال رسول الله : إذا دخل أحدكم المسجد فَلْيَقُلْ: اللهم ‌افتح ‌لي ‌أبواب ‌رحمتك، رواه مسلم: 713.
^29 رواه أبو داود: 676، وابن ماجه: 1005.
^30, ^31 رواه الترمذي: 2140، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 102.
^32 رواه مسلم: 395.
^33 رواه مسلم: 2722.