محاذاة النص
حجم الخط
جدول المحتويات
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِل فلا هاديَ له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا مانع لما أعطى، ولا مُعطي لما منع، ولا رافع لما خفض، ولا خافض لما رفع، ولا مُعزَّ لمن أذلَّ، ولا مُذلَّ لمن أَعزَّ. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
كل ما يُصيب العبد من الله
عباد الله، ينبغي للمسلم أن يعلم أن ما يُصيبه في هذه الحياة الدنيا من خوفٍ وأمنٍ، ومن شدةٍ ورخاءٍ، من غنًى وفقرٍ، ومن غير ذلك من المصائب، ومن النعم؛ فإنها من الله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة. هو الذي يقول في كتابه العزيز: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر:21].
كل الأشياء بخزائن الله تبارك وتعالى، يُنزلها كيف يشاء، يجعل من يشاء غنيًّا، ويجعل الآخر فقيرًا، والثاني سقيمًا، والثالث صحيحًا، وقومًا أعزةً، وقومًا أذلةً.
كل الأشياء بيد الله تبارك وتعالى، وهو تبارك وتعالى لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون. كما قال تبارك وتعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، يعفو ربنا تبارك وتعالى عن كثيرٍ، ويقول : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41].
أنواع المصائب
والمصائب أنواعٌ:
- مصائبُ تكون رِفعةً في الدرجات والمنازل العالية، وهذه للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والصالحين؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حينما سُئل عن أشد الناس بلاءً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل[1]، فهؤلاء ما يُصيبهم من مصائبَ فهي رِفعةٌ في درجاتهم ومقامهم عند الله في الدنيا والآخرة.
- ومصائبُ أخرى من النوع الثاني: تُصيب الناس تكفيرًا لسيئاتهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ما يُصيب المسلم؛ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزْنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتى الشوكة يُشاكها؛ إلا كفَّر الله بها من خطاياه[2]، أو كما قال .
- والنوع الثالث من المصائب: تُصيب الكفار، وتُصيب عُصاة المؤمنين بأسباب معاصيهم، وبأسباب بُعدهم عن الله ، وبأسباب الوقوع فيما حرَّم الله ، وبأسباب الابتعاد عن كتاب الله، وعن أوامر رسوله ؛ فيعاقبهم ربنا تبارك وتعالى في الدنيا، وربما عاقبهم في الآخرة إن لم يتوبوا إلى الله تبارك وتعالى، وهذا ينطبق عليه ما سمعتم: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30].
والله تبارك وتعالى لا يظلم الناس شيئًا: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [النحل:61]، وقال في الآية الأخرى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر:45]، فهو الحليم تبارك وتعالى، يعفو ويغفر الذنب تبارك وتعالى، ويُمهِل ولا يُهمِل.
آثار الذنوب والمعاصي على الفرد
فعلى الإنسان أن يتقيَ الله تبارك وتعالى قبل أن يُصيبه ما أصاب غيره، وعليه أن يرجع إلى الله تبارك وتعالى، ويعلم بأن الذنوب والمعاصي لها آثارٌ عظيمةٌ على الأفراد والمجتمعات وغير ذلك من البشر.
آثارها على الأفراد:
- منها أنها تُعمي القلوب -نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة-، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: تُعرَض الفتن على القلوب عَرْضَ الحصير عُودًا عُودًا، فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ سوداءُ، وأيُّ قلبٍ أنكرها نُكِتَتْ فيه نكتةٌ بيضاء؛ حتى يصير القلبُ أبيضَ مثل الصفا لا تَضُرُّه فتنةٌ ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسودَ مُرْبَدًّا كالكوز مُجَخِيًّا... -أي: منكوسًا- لا يَعرِف معروفًا، ولا يُنكِر مُنكَرًا، إلا ما أُشرِب من مراه[3].
حتى يصير القلبُ أبيضَ مثل الصفا لا تَضُرُّه فتنةٌ ما دامت السموات والأرض؛ لأنه أطاع الله، ولأنه ابتعد عمَّا حرَّم الله تبارك وتعالى. - ومنها كذلك حرمان العلم؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282].
- ومنها كذلك الظُّلمة في القلب وفي الوجه
- والنقص في الأرزاق.
- وكذلك حرمان التوفيق.
- وكذلك ضيق الصدر، فيقول الله : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125].
ويقول ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "إنَّ للحسنة لنورًا في القلب، وضياءً في الوجه، وقوةً في البدن، وكثرةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الخلق. وإن للسيئة لظُلمةً في القلب، وسوادًا في الوجه، ونقصًا في الرزق، ووهنًا في البدن، وبغضةً في قلوب الخلق". وهذا من أسباب السيئات: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]. فالمسلم عليه أن يتقيَ الله قبل أن يصاب بالمصاب في قلبه وفي جسده.
هذا من آثار المعاصي على الأفراد.
آثار الذنوب والمعاصي على المجتمع
أما آثار المعاصي على الأُمة وعلى الجماعات، بل على الأُمم من وقت نوحٍ عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة، إذا عصوا الله تبارك وتعالى، فحينئذٍ لها أضرارٌ عظيمةٌ وأضرارٌ وخيمةٌ بيَّنها الله في كتابه، وأهلك من عصاه تبارك وتعالى، وربما تاب بعضهم فتاب الله عليه، كقوم يونس عليه الصلاة والسلام؛ فقد عصوا يونس صلوات الله وسلامه عليه.
ومن سُنة الله في عباده: أن الناس إذا عصوا نبيَّهم وكذَّبوه ولم يطيعوه، عاقبهم تبارك وتعالى فيما أعلم إلا في قوم يونس صلوات الله وسلامه عليه، فإنهم عصوه فذهب مُغاضبًا، ذهب مُغاضبًا وركب البحر -والقصة معروفةٌ- وحينما كان في ظُلمات البحر وظُلمات بطن الحوت وظُلمات الليل، نادى في الظُّلمات: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]؛ فقال الله : فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:88].
ويقول الله في آية أخرى: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات:143- 144].
فقوم يونس حينما ذهب نبيُّهم خرجوا إلى الصعدات، وقالوا: إنه لا يغضب نبيٌّ على قومٍ إلا أهلكهم الله تبارك وتعالى، فأخذوا أبقارهم وأغنامهم وأولادهم ونساءهم، وخرجوا في الصحراء يصيحون ويسألون الله التوبة، ويسألونه تبارك وتعالى أن يعفو عنهم، فعفا الله عنهم وأرجع إليهم نبيَّهم .
أما الأقوام الأخرى فأهلكهم الله تبارك وتعالى؛ لأنهم أصرُّوا على ذلك، ولم يكن في ذهنهم أن يرجعوا ويتوبوا إلى الله .
فما الذي أهلك قوم نوحٍ عليه الصلاة والسلام، ففتح السماء أبوابًا، وفجَّر الأرض عيونًا حتى علا الماء رؤوس الجبال، علا وجه المعمورة، ولم ينجُ أحدٌ إلا من ركب في السفينة؛ إلا المعاصي والشرك بالله تبارك وتعالى؟!
وما الذي أهلك قوم عادٍ، قوم هودٍ، ما الذي أهلكهم؟ أهلكهم المعاصي والشرك بالله ، فقد أرسل الله تبارك وتعالى الريح العقيم عليهم، فأصبحوا كأعجاز نخلٍ مُنقعرٍ، فأصبحوا كذلك، كنخلٍ خاويةٍ، فهل ترى لها من باقيةٍ؟! لأنهم عصوا الله تبارك وتعالى.
وما الذي أهلك قوم صالحٍ حينما أرسل الله عليهم صيحة جبريل؟ صاح صيحةً قطعت قلوبهم في أجوافهم، فماتوا عن بكرة أبيهم.
وما الذي أهلك قوم شعيبٍ حينما خرجوا فأصابهم شمسٌ عظيمةٌ وحرٌّ عظيمٌ؟ فحينئذٍ أظلهم الله بظل يوم الظُّلة، فرأوا سحابًا ولكنه ليس سحابًا، إنما عذابٌ من الله ، فأمطرت عليهم نارًا تلظَّى، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
وما الذي أغرق فرعون وقومه حينما أطبق الله عليهم البحر وأهلكهم جميعًا؟
وما الذي خسف بقارون وداره وأهله وأولاده وأمواله الأرض إلا المعاصي والشرك بالله تبارك وتعالى؟!
وما الذي أهلك القرون الأولى؟
المسلم عليه أن يعلم بأن هذا من المعاصي، وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين، هم الذين ظلموا أنفسهم.
فالمسلم عليه أن يتقيَ الله ، وعليه بأن يعلم بأن للمعاصي آثارًا على المجتمعات؛ منها: أنهم ربما يُحرمون الإيمان أو ينقص الإيمان، كما قال الله : كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14]. وهذا ينقص الإيمان، وربما استمرت المعاصي حتى يفقد الإنسان الإيمان؛ ولذلكم يقول المؤمنون يوم القيامة حينما يدخلون الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43]، هداهم الله للإيمان وابتعدوا عن المعاصي.
كذلك من آثار الذنوب على المجتمعات: فقدان الرزق وحرمان الرزق والخيرات، كما قال الله : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:96- 99].
لا يأمن الإنسان مكر الله وهو يقيم على معصية الله، ويقيم على المُحرَّمات، وهو يبتعد عن الواجبات: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:99]، ويقول الله : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام:44]؛ لأنهم لم يشكروا الله على ما أعطاهم.
فعلى المسلم أن يبتعد عن المعاصي، ما ظهر منها وما بطن، قبل أن يُحرَم الرزق. فرعون وقومه كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ، كما قال الله : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ [الدخان:25- 28]. ما السبب؟
السبب عصيان الله ، حرمهم هذه النعمة، حرمهم هذه الخيرات، فرعون وقومه؛ فكذلك ما هي من الظالمين ببعيدٍ. فعلينا أن نتقيَ الله فيما نأتي ونذر.
كذلك يقول الله تبارك وتعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112] بما كانوا يصنعون، وبما كانوا يعملون. ابتعدوا عن طاعة الله، وهم قومُ محمدٍ عليه الصلاة والسلام، أهل الشرك في مكة ومن شابههم من الأُمم إلى يوم القيامة، هذه بأسباب المعاصي.
فعلى الإنسان ألَّا ينسب المصائب التي تحل به ولا بغيره من الناس، لا ينسبها إلى غيره، ولا ينسبها إلا إلى نفسه، وأنه المُقصِّر، وأن العلاج موجودٌ عنده، وأن الله قد بيَّنه تبارك وتعالى في كتابه الكريم، وبيَّنه النبي .
كذلك من حرمان النعم: حرمان الأمن، فالأمن ربما يكون الإنسان آمنًا في بلاده، ولكن بالمعاصي يأتيه الخوف ويأتيه الهلع وتأتيه المصائب؛ لأنه ترك أمر الله ، وترك أمر النبي .
كذلك ربما تأتي الأمراض في المجتمعات، بل مُحقَّقٌ أن تأتي الأمراض في المجتمعات والأوبئة بأسباب المعاصي؛ ولذلكم ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: لم تظهر الفاحشة في قومٍ قَطُّ، حتى يُعلِنوا بها؛ إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا...[4].
وهذا ثابتٌ، فقد بيَّن الله ذلك بالصورة العملية للناس، أن الناس إذا فعلوا الفاحشة حتى يُعلَن بها في الأسواق وفي المحلات التجارية؛ فإن الله يصيبهم بأمراضٍ لم تكن في أسلافهم، ومن ذلك -من باب المثال-: مرض الإيدز الذي أصاب المجتمعات والدول التي أباحت الفاحشة، ولم تجعل لذلك حدًّا يردعه.
إذن؛ أصابهم الله بمرضٍ لم يكن في أسلافهم من عهد النبي عليه الصلاة والسلام إلا في هذه الأزمان. فعلى المسلم أن يتقيَ الله تبارك وتعالى.
كذلك ربما يُصاب الناس بالحروب والمصائب، ولكن المؤمنين تكفَّل الله بحمايتهم، فقال الله : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:51- 52].
تكفَّل الله بحماية المؤمنين ونصرهم، كما قال الله : وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47]، كان حقًّا على الله، هو الذي أحقَّه على نفسه تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38]. فعلينا جميعًا أن نرجع إلى الله ، وأن نتوب من المعاصي؛ حتى نفوز بالسعادة في الدنيا والآخرة.
كذلك من المعاصي ما يُسبِّب الخسف والزلازل، وما يُسبِّب الخسران في الدنيا والآخرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[الحشر:18- 19].
أسأل الله أن يوفقني وإياكم وجميع المسلمين إلى ما فيه الخير والصلاح، وأن يحفظ أعراضنا وأعراضكم، ويحفظ لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
***
... ولا عدوان إلا على الظالمين المُجرِمين المُعتدِين، والعاقبة للمُتقين المُخلصين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
علاج المصائب
عباد الله، إن المصائب والكروب تأتي المجتمعات بأسباب ذنوبهم، ولكن الله تبارك وتعالى قد بيَّن العلاج. إذا دهمت الناس المصائب، ودهمهم الانتهاب أو غير ذلك من المصائب، فإنما هي بسبب ذنوبهم، ولكن الله تبارك وتعالى قد بيَّن العلاج وهو في النقاط الآتية:
الأمر الأول: أن يتوبوا إلى الله تبارك وتعالى؛ فقد أمر الله تبارك وتعالى بالتوبة، ووعد من تاب بأنه غفارٌ للذنوب: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8]، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].
فالتوبة تَجُبُّ ما قبلها، وتُسبِّب الخيرات، ولها شروطٌ خمسةٌ:
- منها العزيمة على ألا يعود إلى هذا الذنب.
- وقبل ذلك الندم.
- وبعد ذلك، وهو الثالث: الإقلاع.
- والرابع: إذا كانت المعصية بين العبد وبين الله فالاستغفار والتوبة، وإن كانت مظالم بينه وبين الناس فرَدُّ المظالم مع التوبة والاستغفار.
- والخامس: أن هذه التوبة لا يقبلها الله عند الغرغرة، ولا حينما تطلع الشمس من المغرب، وإنما تُقبل قبل ذلك. فإذا تاب الإنسان تاب الله عليه. هذا الأمر الأول.
والأمر الثاني: وهو تقوى الله ، يعمل بجميع ما أمر الله به تبارك وتعالى. وتقوى الله: هي أن تجعل بينك وبين عقاب الله وقايةً، هي أن تجعل بينك وبين المصائب والابتلاء وقايةً، هي أن تجعل بينك وبين الطامَّات العظيمة وقايةً، وهي طاعة الله .
التقوى: هي أن تعمل بطاعة الله، على نورٍ من الله، ترجو ثواب الله؛ وأن تترك معصية الله، على نورٍ من الله، تخشى عقاب الله تبارك وتعالى.
وكذلك وصفها بعض الناس بقوله: هي أن تعمل بطاعة الله تبارك وتعالى، وتكون كالذي يمشي على الأرض التي فيها شوكٌ يَحْذَر ما يرى. ثم قال: وابتعد عن صغائر الذنوب؛ فإن الجبال من الحصى. فالذنوب والمعاصي إذا تكوَّنت صغيرةً على صغيرةٍ أصبحت كالجبال؛ لأن الجبال تتكون من حصاةٍ صغيرةٍ وأخرى صغيرةٍ حتى تُصبح جبلًا عظيمًا. فالمسلم عليه أن يبتعد عن الذنوب.
أمرٌ ثالثٌ: وهو أن يقوم الإنسان بالواجبات، وإن دخل هذا في تقوى الله لكن هذا من باب التوضيح، وهو أن يقوم بجميع ما فرض الله عليه، ويبتعد عن جميع ما حرَّم الله عليه، ويتبع ذلك بالنوافل.
أمر رابع: وهو القدوة الحسنة، يقتدي بالنبي في أقواله وأفعاله وتصرفاته وفي أموره كلها، يجعل النبي قدوةً له في كل أموره، لا يعمل إلا ما يرضيه ، ولا يعمل إلا ما يكون على هديه، ويبتعد عمَّا حرَّمه النبي عليه الصلاة والسلام. قال الله : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، فهو قدوته وحبيبه ، فلا يعمل عملًا إلا فيما شرعه النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا هو من المُنقذات من الفتن، هذا هو علاج المصائب.
علاجٌ آخرُ: وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر. فإذا حلَّ بالناس مصائبُ فعليهم أن يعلموا بأن هذا من التقصير؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول -وهو الصادق المصدوق-: والذي نفسي بيده؛ لتَأمُرُنَّ بالمعروف، ولتَنْهَوُنَّ عن المُنكَر، أو ليُوشِكَنَّ اللهُ أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتَدْعُنَّه فلا يستجيب لكم[5]، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث ثابتٌ في مُسند الإمام أحمد والترمذي بإسنادٍ جيدٍ.
فهذا الحديث بيَّن أن الناس إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المُنكَر؛ فحينئذٍ يتوقَّع أن يصيبهم الله بعقابٍ منه عاجلٍ غير آجلٍ.
ولذلكم كان أبو بكر يقول: "يا أيها الناس، إنكم تقرؤون قول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، وإنكم تضعونها في غير موضعها، وإني سمعتُ النبي يقول: إن الناس إذا رأوا المُنكَر فلم يُغيِّروه، أوشك أن يَعُمَّهم الله بعقابه[6]، أو كما قال .
ومثَّل النبيُّ عليه الصلاة والسلام المجتمعاتِ والدولَ وغير ذلك من البشر، بسفينةٍ تَعبُر البحر، ومثَّل النبي عليه الصلاة والسلام كذلك العُصاةَ بأُناسٍ يريدون أن يأخذوا ويخرقوا من هذه السفينة ليشربوا، ومثَّل العلماءَ والصالحين كذلك بأُناسٍ في أعلى السفينة والماء عندهم يشربون منه؛ فمثَّلهم النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ عظيمٍ، قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَثَلُ القائم على حدود الله والواقع فيها، كمَثَلِ قومٍ استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرُّوا على مَن فوقهم فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقنا؛ فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوْا، ونَجَوْا جميعًا[7].
فربما الصالح أو المستقيم على طاعة الله إذا سكت على المُنكَرات والقبائح التي لا يُحبها الله ، وهي قد ظهرت في المجتمع؛ ربما يَعُمُّه العقاب معهم؛ لأن هذا الحديث عامٌّ بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنهم إذا لم يأخذوا على أيديهم، فإن المصيبة تُصيب الصالح مع الطالح، ثم يبعث الله الناس يوم القيامة على نيَّاتهم، كما ورد في الحديث الآخر.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر أمرٌ واجبٌ، ينبغي للإنسان المسلم ألَّا يُهمله، فحينئذٍ ترجع عليه الخسارة في دينه، أو في دنياه، أو في أهله، أو في ماله، أو في الدنيا قبل الآخرة، نسأل الله العافية.
الأمر السادس من علاج المصائب التي حلَّت بالناس: هو تغيير الشيء أو تغيير ما يقوم عليه الناس: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11]، فإن أصاب الناسَ نعمةٌ وسرَّاءُ، فحينئذٍ هذه السرَّاء تكفَّل الله بها، وتكفَّل الله بهذه النِّعَم أنها ستدوم ما لم يُغيِّروا ما بأنفسهم، ما لم يأتوا بالمعاصي، ما لم يرتكبوا المُحرَّمات.
ولا يُغيِّر الله ما بقومٍ ولا يُغيِّر الله أحوال القوم إذا وقعوا في المهالك، لا يُغيِّرها الله إلى الأمن والأمان وإلى الصحة وغير ذلك من الطمأنينة؛ لا يغير ذلك إلا بالتوبة، وبتغييرهم أنفسهم من هذه الحالة إلى الحالة الأحسن؛ فحينئذٍ يُغيِّر الله ما بأنفسهم.
والدعاء هو أمرٌ عظيمٌ، يدعو الإنسان ربه تبارك وتعالى، وقد ثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا يَرُدُّ القضاءَ إلا الدعاءُ، ولا يزيد في العُمْرِ إلا البِرُّ[8]، رواه الإمام الترمذي بإسنادٍ حسنٍ. فحينئذٍ هذا لا يَرُدُّ القضاءَ إلا الدعاءُ، والدعاء والقضاء يتعالجان بين السماء والأرض، فأيهما غَلَبَ صاحبَه فحينئذٍ الكبرياء له أو الغلبة له.
فإذا كثر الدعاء رُدَّ البلاء بإذن الله تبارك وتعالى، والله يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186]، ويقول تبارك وتعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[غافر:60]. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله حييٌّ كريمٌ؛ يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يَرُدَّهما صِفرًا خائبتين[9].
قد ثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يَدْعُ بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قَطُّ إلا استجاب الله له[10]، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام
والمسلم يَخُصُّ بالدعاء نفسَه وإخوانه المسلمين في كل مكانٍ.
| ^1 | رواه الترمذي: 2398، والنسائي في "السنن الكبرى": 7439، وابن ماجه: 4023، وأحمد في "المسند": 1494، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3402. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 5642، ومسلم: 2573. |
| ^3 | رواه مسلم: 144. |
| ^4 | رواه ابن ماجه: 4019، والطبراني في "المعجم الأوسط": 4671، والحاكم في "المستدرك": 8878، والبيهقي في "الشُّعب": 10066، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1761. |
| ^5 | رواه الترمذي: 2169، وأحمد في "المسند": 23301 واللفظ له، والبيهقي في "السُّنن": 20224 بنحوه، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 7070. |
| ^6 | رواه ابن ماجه: 4005 بلفظٍ قريبٍ، وأحمد في "المسند": 1، وأبو يعلى في "مسنده": 128، وابن حبَّان في "صحيحه": 412. |
| ^7 | رواه البخاري: 2493. |
| ^8 | رواه الترمذي: 2139، والبزار في "مسنده": 2540، والطبراني في "المعجم الكبير": 6128، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1639. |
| ^9 | رواه أبو داود: 1488 بنحوه، والترمذي: 3556 واللفظ له، وابن ماجه: 3865 بنحوه، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1635. |
| ^10 | رواه الترمذي: 3505، والنسائي في "السنن الكبرى": 10417، والحاكم في "المستدرك": 1880، وصححه الألباني في "صحيح الترهيب والترغيب": 1644. |