محاذاة النص
حجم الخط
جدول المحتويات
..... ومَن يُضْلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
التِّجارة الرَّابحة مع الله
عباد الله، إنَّ الله تبارك وتعالى خلق الإنسان، واشترى منه نفسه، تفضَّل عليه تبارك وتعالى بأن أوجده في هذه الحياة الدنيا، ثم هو يدفع الثمن تبارك وتعالى بشراء نفسه التي وهبها له بقوله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:111].
بيَّن الله أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم، فهو فضلٌ منه تبارك وتعالى أن أعطاهم هذه الأنفس، ثم هو يشتريها تبارك وتعالى بهذه الجنة العظيمة.
وقد أثبت الله تبارك وتعالى ذلك الوعد وذلك الشراء في التوراة والإنجيل والقرآن: وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ.
ويقول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الصف:10- 12].
فهو فضلٌ منه تبارك وتعالى أن أوجب القتال على الإنسان، وذلك بأنَّ القتال أو الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى له هدفٌ، وله أهدافٌ عظيمةٌ، وهي أن يكون الدين كله لله: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة:193]، فحينئذٍ إذا كان الدين لله فالقتال يتوقف.
أحكام الجهاد وحالات فرضيته
لذلك بيَّن أهل العلم أحكام الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى.
تعريف الجهاد وحكمه العام
الجهاد هو بذل الوسع والطاقة، وهو جهاد الكفَّار والمنافقين والظالمين والمُعتدين والبُغَاة، يُجَاهَدُون باليد واللسان، وبالقلب والأموال، وغير ذلك.
فحكمه أنه فرض كفايةٍ، إذا قام به بعض الناس، أو قام به مَن يكفي؛ سقط الإثم عن الباقين، ولكنَّه يتأكَّد ويكون فرض عينٍ على كل إنسانٍ مسلمٍ يشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله في ثلاث حالاتٍ:
حالات يكون فيها الجهاد فرض عينٍ
- الحالة الأولى: هي إذا دَهَمَ العدو بلاد المسلمين، فحينئذٍ ليس لأحدٍ أن يتخلَّف عن الجهاد في سبيل الله، ولا يستأذن من والديه اللذين كان يستأذنهما حينما يكون الجهاد فرض كفايةٍ، أما حينما يَدْهَم العدو البلاد، أو يكون على أطرافها، فحينئذٍ يكون فرض عينٍ على كل إنسانٍ مسلمٍ قادرٍ على القتال في سبيل الله .
- الأمر الثاني: هو إذا استنفر الإمام المسلمين.
فإذا استنفر الحاكم المسلم العباد المسلمين بأن يَنْفِروا خِفَافًا وثِقَالًا في سبيل الله، ويُقاتلوا بأموالهم وأنفسهم، فحينئذٍ وجب على كل إنسانٍ قادرٍ أن يُنَفِّذ أمر ولي أمر المسلمين المسلم الذي يدعو إلى ذلك. - الأمر الثالث في كونه فرض عينٍ على كل إنسانٍ مسلمٍ: إذا الْتَحَمَ الصَّفَّان، وتقابل الزَّحفان، وكان هذا الإنسان في الجبهة، أو كان في القتال، فإنه حينئذٍ لا يجوز له أن ينصرف، بل عليه أن يثبت ويُقاتل في سبيل الله .
مراتب الجهاد باعتبار الوسيلة
الجهاد فرض عينٍ على كل إنسانٍ مسلمٍ على حسب حاله في هذه المراتب:
- المرتبة الأولى: الجهاد باليد.
- والجهاد باللسان.
- والجهاد بالمال.
- والجهاد بالقلب.
هذا فرض عينٍ على كل إنسانٍ مسلمٍ أن يقوم بمرتبةٍ من هذه المراتب، ولا يُعْذَر أحدٌ في ترك شيءٍ من هذه الأربع: يُجاهد بيده، أو بلسانه، أو بقلبه، أو بماله، على حسب حاجة المسلمين إليه، سواء كان بالمال أو باليد أو بالقلب أو بغير ذلك.
مراتب الجهاد الأربع الكبرى
الجهاد هو أربع مراتب، كما ذكر ذلك أهل العلم -خاصةً المُحققين منهم- ذكروا أنه أربع مراتب، ولا يمكن للإنسان أن يحصل على قتال الكفار إلا بإكمال المراتب التي قبل قتالهم.
جهاد النفس
المرتبة الأولى: هي جهاد النفس.
يُجاهد نفسه، فإن انتصر عليها فحينئذٍ ينتصر على العدو الثاني والثالث.
وجهاد النفس يكون بأربعة أمورٍ:
- يُجاهد نفسه على تعلم الدين، وعلى الاقتداء بالنبي في أقواله وأفعاله وتصرفاته.
- ثم يُجاهدها على العمل بما علم.
- ثم يُجاهدها ثالثًا على الدعوة إلى ما علم.
- ثم يُجاهدها رابعًا على الصبر على الأذى وما يُصيبها في هذه الحياة الدنيا.
هذه مراتب جهاد النفس، فإن تغلب على نفسه ينتقل إلى المرتبة الثانية وهي جهاد الكفار.
جهاد الشيطان
المرتبة الثانية: جهاد الكفار، لكنه لا يستطيع أن ينتقل إلى جهاد الكفار والمنافقين والظالمين إلا بعد أن يُخْمِد ويُهْلِك العدو الثاني، أو العدو الذي يُثَبِّط العدو الأول والثاني.
فإذا انتصر الإنسان على نفسه، وأراد أن يُجاهد الكفار والمنافقين وجد له عدوًّا آخر: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر:6]، فيُجاهد الشيطان بمرتبتين:
- جهاده في دفع الشُّبهات والشكوك وما يحصل في قلبه من الكفر بالله أو النِّفاق أو غير ذلك مما يُورد الشيطان على القلب.
- والمرتبة الثانية: يُجاهده على ترك الشهوات: الزنا، والخمر، والمُحرَّمات، وغير ذلك مما حرَّم الله .
جهاد الكفار والمنافقين
إذا انتصر على العدو الثاني تغلب وصارتْ عنده قوةٌ عظيمةٌ لجهاد العدو الثالث، وهم الكفار والمنافقون، وهؤلاء جهادهم بأربعة أشياء -كما سمعتُم-: بالقلب، واللسان، واليد، والمال.
وجهاد الكفار أخصُّ باليد، وجهاد المنافقين أخصُّ باللسان.
جهاد الظالمين والمُعتدين والمُبتدعة
ثم ينتقل إلى عدوٍّ خامسٍ، وهم الظالمون والمُعتدون والمُبتدعة وغير ذلك، فيُجاهدهم بثلاث مراتب: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.
وهذه ثلاث عشرة مرتبةً، مَن حصل عليها فقد حصل على أنواع الجهاد، وأكمل الناس في هذه المراتب هو محمدٌ ؛ فقد جاهد، وقد فاز، وقد انتصر بهذه المراتب على عدوه: على نفسه صلوات الله وسلامه عليه، وعلى الشيطان، وعلى الظالمين والمنافقين والمُعتدين، وحينئذٍ نصره الله ، وأعزَّ به المسلمين، وكان ذِكْره خالدًا إلى قيام الساعة في كل يومٍ وليلةٍ صلوات الله وسلامه عليه.
فضائل الجهاد في سبيل الله
..... ربنا ، وربُّنا تبارك وتعالى حثَّ الناس على الجهاد في سبيل الله .
فضل الرِّباط والحرس في سبيل الله
الجهاد في سبيل الله يكون لإعلاء كلمة الله، أما الجهاد الذي يكون للوطنية أو للحَمِيَّة أو للقَبَلِيَّة فهذا ليس بجهادٍ، ولكن الجهاد هو الذي يكون لإعلاء كلمة الله تبارك وتعالى، والحفاظ على دينه، والحفاظ على ما يُحبه تبارك وتعالى، ودفع ما يُبْغِضه تبارك وتعالى.
فالجهاد في ذلك رغَّب الله فيه، وأول الترغيب في ذلك: أن الله تبارك وتعالى رغَّب في الرِّباط في سبيل الله .
والرِّباط: هو أن يكون المجاهدون في سبيل الله على ثُغُور البلاد أو ثُغُور الإسلام، أي: في الجبهات.
ولذلك بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام فضل الرِّباط في سبيل الله، فقال عليه الصلاة والسلام: رباط يومٍ وليلةٍ خيرٌ من صيام شهرٍ وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجْرِيَ عليه رزقه، وأَمِنَ الفَتَّان[1]، أي: فتنة القبر، رواه مسلمٌ.
ويقول صلوات الله وسلامه عليه في حديثٍ آخر: رباط يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والرَّوحَة يَرُوحها العبد في سبيل الله أو الغَدْوَة خيرٌ من الدنيا وما عليها[2]، رواه البخاري.
هذا فضلٌ عظيمٌ.
وكذلك بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام فضل الحَرَس والمُراقبين للأعداء، يقول عليه الصلاة والسلام: عينان لا تَمَسُّهما النار: عينٌ بَكَتْ من خشية الله، وعينٌ بَاتَتْ تَحْرُس في سبيل الله[3]، أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه.
درجات المجاهدين والشهداء في الجنة
بيَّن الله على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام فضل الجهاد في سبيل الله، بيَّنه تبارك وتعالى في أحاديث كثيرةٍ، منها قوله : إنَّ في الجنة مئة درجةٍ أعدَّها الله للمُجاهدين في سبيل الله، ما بين الدَّرجتين كما بين السماء والأرض[4].
خصص الله هذه المرتبة العظيمة، وخصص الله هذه الدرجات للمُجاهدين في سبيل الله الذين يَرْجُون وجه الله، ويَرْجُون ما عنده تبارك وتعالى.
ثم بيَّن تبارك وتعالى ترغيبًا في الجهاد في سبيل الله فضل الشهادة في سبيل الله، فقال عليه الصلاة والسلام: للشهيد عند الله سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَر له في أول دُفْعَةٍ من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويُجَار من عذاب القبر، ويُزَوَّج من الحور العين، ويَأْمَن من الفزع الأكبر، ويُشَفَّع في سبعين إنسانًا من أقاربه[5]، رواه الترمذي وأحمد بإسنادٍ صحيحٍ.
فضلٌ عظيمٌ، لو لم يحصل إلا على مرتبةٍ من هذه لكان فوزًا عظيمًا في الدنيا والآخرة؛ ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام -فيما رواه مسلمٌ في "صحيحه"-: أرواحهم أي: الشهداء في جوف طيرٍ خُضْرٍ، لها قناديل مُعلَّقةٌ بالعرش، تَسْرَح من الجنة حيث شاءتْ، ثم تأوي إلى تلك القناديل[6].
هذا فضلٌ عظيمٌ للمجاهد في سبيل الله، وفضلٌ عظيمٌ لمَن استُشْهِدَ في سبيل الله لا يرجو إلا وجه الله .
أجر مَن سأل الشهادة بصدقٍ
ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في الإنسان الذي لا يستطيع أن يُجاهد، أو حِيلَ بينه وبين الجهاد، يقول صلوات الله وسلامه عليه -فيما رواه الإمام مسلمٌ في "صحيحه"-: مَن سأل الله الشهادة بصدقٍ بَلَّغَه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه[7].
هذا فضلٌ منه تبارك وتعالى: أن الصادق بقلبه ولسانه وأعماله لو وُجِدَ قتالٌ أو حضر قتالًا يُقاتل في سبيل الله؛ رغبةً فيما عند الله، وحينئذٍ يسأل الله الشهادة، فإذا لم يكتب الله له الشهادة أعطاه منازل الشهداء وإن مات على فراشه، وهذا فضلٌ من الله الذي لا إله إلا هو على عباده المؤمنين.
فالمسلم عليه أن يرغب فيما عند الله تبارك وتعالى، وفي الشهادة في سبيله، وفي هذا الثواب العظيم، فإنه ثوابٌ عظيمٌ.
الأهداف الشرعية للقتال
ينبغي أن يُعْلَم أن القتال له أهدافٌ ثلاثةٌ:
الهدف الأول: الدعوة إلى الله تعالى
الهدف الأول: هو الدعوة إلى الله ، وتطهير الأرض من الذين يَصُدُّون عن دعوة الله تبارك وتعالى، وحينئذٍ يُدْعَون إلى ثلاث خِصَالٍ، إن كانوا من الكفار أو أهل الكتاب أو المجوس يُدْعَون إلى ثلاث خِصَالٍ قبل القتال:
- يُدْعَون إلى الإسلام.
- فإن أَبَوا يُدْعَون إلى الجزية، فيبذلون الجزية للمسلمين وهم صاغرون.
ويُدْعَون إلى الهجرة في هذه المرتبة، فإن هاجروا وإلا فهم كأعراب المسلمين. - ثم يُدْعَون إلى المرتبة الثالثة؛ فإن أَبَوا الإسلام، وأَبَوا الجزية؛ فحينئذٍ يُقَاتَلون.
وهذا هو هدي النبي .
هذا الأمر الأول.
الهدف الثاني: قتال البُغَاة
الأمر الثاني: قتال البُغاة الذين يعتدون على المسلمين، كما قال الله : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات:9]، أي: إذا اعتدى أحدٌ على بعض المسلمين، أو بعض الجماعات الإسلامية، أو غير ذلك من المسلمين؛ فحينئذٍ على المسلمين أن يدعونهم إلى الصلح، ويدعونهم كذلك إلى الأحكام الشرعية، فإن أطاعوا ذلك ووافقوا على ذلك وإلا فربنا قال: فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، وقتالهم يكون في سبيل الله؛ لأنَّ الله تبارك وتعالى أمر به.
الهدف الثالث: الدفاع عن النفس والدين والعِرْض والمال
النوع الثالث: هو الدفاع عن النفس والمال والعِرْض والدين والأهل.
يقول النبي عليه الصلاة والسلام لرجلٍ جاء يسأله قال: يا رسول الله، أرأيتَ إن جاء رجلٌ يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تُعْطِهِ مالك، قال: أرأيتَ إن قاتلني؟ قال: قَاتِلْهُ، قال: أرأيتَ إن قتلني؟ قال: فأنت شهيدٌ، قال: أرأيتَ إن قتلتُه؟ قال: هو في النار[8]، رواه الإمام مسلمٌ.
ويقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما ثبت عنه: مَن قُتِلَ دون ماله فهو شهيدٌ، ومَن قُتِلَ دون دينه فهو شهيدٌ، ومَن قُتِلَ دون دمه فهو شهيدٌ، ومَن قُتِلَ دون أهله فهو شهيدٌ[9].
فهذه أهداف القتال في سبيل الله تبارك وتعالى.
فالمسلم عليه أن يتَّقي الله تبارك وتعالى، ويرجو ما عند الله؛ حتى يفوز بالسعادة في الدنيا والآخرة.
أسأل الله بأسمائه الحُسنى وصفاته العُليا أن يحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يُوفِّقنا وجميع المسلمين لما يُحبه ويرضاه، وأن يَرُدَّ كيد الكائدين في نُحورهم، إنَّه وَلِيُّ ذلك والقادر عليه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنَّه هو الغفور الرحيم.
***
الحمد لله ربِّ العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين المُعتدين، والعاقبة للمتَّقين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهَدْي هَدْي محمدٍ ، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتها، وكل مُحْدَثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار.
أسباب النصر على الأعداء
أيها المسلمون، إن النصر من الله تبارك وتعالى، وفي الجهاد في سبيل الله لا يفوز المسلمون ولا ينتصرون على أعدائهم إلا إذا قاموا بأسباب النصر وعوامل النصر التي بيَّنها الله في كتابه، وبيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام، فلا نصر، ولا فلاح، ولا فوز، ولا نجاح للمسلمين الذين يُقاتلون ويقولون أنهم يُقاتلون في سبيل الله إلا بأسباب النصر التي بيَّنها الله في كتابه، وبيَّنها النبي صلوات الله وسلامه عليه.
الإيمان بالله
أول هذه الأسباب هو الإيمان بالله تبارك وتعالى؛ ولذلك بيَّن الله أن النصر للمؤمنين، النصر والدفاع عن المؤمنين، يقول الله : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:51- 52]، ويقول الله : وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47]، كان حقًّا على الله أن ينصر المؤمنين.
نُصْرَة دين الله بالقيام بالأوامر واجتناب النَّواهي
العنصر الثاني أو السبب الثاني هو نُصْرَة دين الله ؛ أن ينصر الإنسان دين الله تبارك وتعالى بامتثال الأوامر، والابتعاد عن المُحرمات، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، والقيام بالصلاة والزكاة، وغير ذلك مما أوجب الله تبارك وتعالى؛ ولذلك بيَّن الله أنه ينصر مَن ينصره، يقول الله تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40]، فحينئذٍ ينصر الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7].
فإذا نصروا الله بالقيام بالأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، والمُحافظة على الواجبات، والابتعاد عن المُحرمات، وغير ذلك مما أوجبه الله ، والحُكْم بما أنزل الله في عباد الله ؛ نصرهم الله، أي: نصر العباد المؤمنين؛ لأنهم نصروا الله تبارك وتعالى.
كذلك يقول الله في هذا الأمر كما سمعتُم: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38]، وهذا يرجع إلى الدفاع عن المؤمنين، ونُصْرَة المؤمنين.
التَّوكل على الله
الأمر الثالث: هو التَّوكل على الله ، فيتوكل على الله: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23]، وأعظم الناس تَوَكُّلًا هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والتَّوكل يقوم على ركنين عظيمين، وإذا سقط ركنٌ لا يكون تَوَكُّلًا على الله:
- الركن الأول: هو الاعتماد على الله، والرغبة فيما عنده تبارك وتعالى من الخير العظيم، والثقة بوعده ونصره، هذا أمرٌ أول.
- الأمر الثاني الذي يُساند هذا هو: أن يُعِدَّ القوة، ويأخذ بالأسباب، كما قال الله : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60].
- الأمر الثالث: التَّوكل؛ ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام أعظم الناس تَوَكُّلًا، فحينما دُعِيَ صلوات الله وسلامه عليه بعد معركة أُحُدٍ إلى القتال، وأرسل له أبو سفيان ليلتقي به في حَمْرَاء الأسد -أرسل له أنَّ الناس قد جمعوا لكم- فحينئذٍ أمر النبي عليه الصلاة والسلام مَن خرج ومَن جُرِحَ في المعركة أن يخرجوا وحدهم، وأمر ألا يخرج أحدٌ ممن لم يحضر معركة أُحُدٍ؛ ولذلك حينما بلغه هذا قال: حَسْبُنَا الله ونِعْمَ الوكيل.
ولذلك قال الله : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [آل عمران:173- 174]، فحينئذٍ قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "حَسْبُنَا الله ونِعْمَ الوكيل، قالها إبراهيم حين أُلْقِيَ في النار، وقالها محمدٌ حين قالوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ"[10].
فالتوكُّل على الله لا بد أن يكون بالثقة بالله وبذل الأسباب.
الشورى بين المسلمين
الأمر الرابع: هو الشُّورى بين المسلمين -خاصةً القادة المُصلحين- فعليهم أن يتشاوروا؛ لأنَّ قدوتهم في ذلك محمدٌ كان يستشير الناس قبل القتال صلوات الله وسلامه عليه؛ ولذلك أمره ربه تبارك وتعالى بذلك: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران:159]، فإذا عزمتَ فتوكل على الله.
فحينئذٍ يُشاور المسلمون بعضهم بعضًا، ولا يستبد كل إنسانٍ برأيه، فإن النبي عليه الصلاة والسلام هو قدوتنا، وهو إمامنا صلوات الله وسلامه عليه.
ستة أسبابٍ للنصر في سورة الأنفال
هذا سببٌ خامسٌ، أسبابٌ ستةٌ أخرى جمعها الله في آيةٍ واحدةٍ أو آيتين، يقول الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:45- 46]، هذه أسبابٌ خمسةٌ.
سببٌ سادسٌ، وقال تبارك وتعالى في هذا السبب السادس في الآية الأخرى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ [الأنفال:47].
الثَّبات عند القتال
السبب الأول أو السبب السادس في هذه الأسباب -وهو الأول في هذه الآية- هو الثبات عند القتال في سبيل الله، كما ثبت محمدٌ وأصحابه، فقد كان عليه الصلاة والسلام يثبت، وكان أشجع خلق الله صلوات الله وسلامه عليه؛ ولذلك ثبت في معاركه كلها، وقاتل في المعارك التي قاتل فيها، وكان أعظم الناس شجاعةً صلوات الله وسلامه عليه.
يقول علي بن أبي طالبٍ : "كنَّا إذا حَمِيَ الوَطِيس يتَّقي الرجل الشجاع منَّا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه"، فكان يَثْبُت في سبيل الله .
وكذلك في معركة حُنين ثبت صلوات الله وسلامه عليه، وانهزم الناس، وبقي هو وحده، وكان يُنادي العباس : يا عباس، نَادِ أصحاب السَّمُرَة[11]، أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه، وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبدالمطلب[12]، ثم نزل من على بغلته، وأخذ كفًّا من ترابٍ، ثم رمى به القوم، وقال: شَاهَتِ الوجوه، فقال الراوي: "فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة"[13]، أو كما قال .
فعل ذلك في بدرٍ، وفعل ذلك في حُنين.
وكان عليه الصلاة والسلام في حُنين يُقاتل على بغلةٍ، قال بعض أهل العلم: هذا دليلٌ على الشجاعة: أنه يُقاتل على بغلةٍ؛ حتى لا تَفِرَّ، حتى تثبت؛ لأن الذي يُقاتل على الخيل ربما يَكِرُّ ويَفِرُّ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فاختار البغلة حتى يثبت؛ لأنه واثقٌ بوعد الله .
ذكر الله كثيرًا
قال: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا [الأنفال:45] هذا سببٌ سابعٌ: أنهم يذكرون الله ، فقلوبهم مُعلقةٌ بالله، يدعون الله أن ينصرهم، وقلوبهم تَلْهَجُ دائمًا بذكر الله ، وألسنتهم كذلك.
ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الله في معاركه، كان يقول صلوات الله وسلامه عليه: اللهم مُنْزِل الكتاب، ومُجْرِي السَّحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم[14].
وكان صلوات الله وسلامه عليه يقول: اللهم أنت عَضُدِي ونصيري، بك أَحُول أي: ما يتحول ولا يحتال في القتال إلا لأجل الله بك أَحُول، وبك أَصُول، وبك أُقَاتِل[15]، يستعين بالله .
وكان صلوات الله وسلامه عليه يقول إذا خاف قومًا: اللهم إنَّا نجعلك في نُحُورهم، ونعوذ بك من شرورهم[16].
فكان صلوات الله وسلامه عليه يدعو الله، قلبه مُعلَّقٌ بالله، ليس مُعلَّقًا بالقوة وإن أَعَدَّها صلوات الله وسلامه عليه، ففي يوم بدرٍ استقبل القبلة صلوات الله وسلامه عليه، وأخذ يدعو الله ، ويستغيث بالله حتى سقط رِدَاؤه من على مَنْكِبَيه، وكان أبو بكرٍ يقول: "يا نبي الله، كَفَاكَ مُناشدتك ربَّك، فإنه سيُنْجِز لك ما وعدك" يُطَمْئِن النبيَّ عليه الصلاة والسلام، ثم انطلق النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: سيُهْزَم الجمع ويُولُّون الدُّبُر[17]، ثم قاتل صلوات الله وسلامه عليه.
فالدعاء مطلوبٌ، والإنسان الذي أعرض عن طاعة الله، أو يَصْطَحِب ما حرَّم الله، أو يتلبَّس بما حرَّمه الله ، ويترك بعض الواجبات، أو يتركها كلها، فهذا إنسانٌ قد تَخَلَّى عن أسباب النصر، وحينئذٍ تكون الغلبة لمَن كان سلاحه أقوى، أما المؤمن فتكون الغلبة له بإذن الله .
ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يُقاتل في بدرٍ بثلاثمئة وسبعة عشر، أو أقلّ، أو أكثر بقليلٍ، كان يُقاتل ألف فارسٍ من الشُّجعان الأبطال الذين كانوا على الشرك بالله ، ولكن انتصر النبي عليه الصلاة والسلام بقوة الله وبالاستغاثة بالله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ [الأنفال:9]، فَأَمَدَّه الله بالملائكة.
وكان الصحابة يقول بعضهم: "إني أرى رأس الرجل في معركة بدرٍ يسقط قبل أن يقع سيفي برأسه"، فأخبر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ هذا من الملائكة.
وكان جبريل يُقاتل، وسُمِعَ صوتُه يقول: "أَقْدِمْ حَيْزُوم"[18]، نصرٌ من الله يتنزَّل على المؤمنين، وعلى مَن قام على طاعة الله حتى قيام الساعة.
فالمسلم عليه أن يدعو الله ، ويستعين بالله، ويسأل الله أن ينصر المسلمين، هذا أمرٌ.
طاعة الله ورسوله
أمرٌ ثامنٌ هو: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأنفال:45- 46]، يتفقَّد الجيش، ويتفقَّد المُقاتلون والمُجاهدون أنفسَهم وأعمالَهم، هل هي مُخالفةٌ لِهَدْي النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل عندهم مُخالفةٌ؟
ولذلك يُروى أنَّ بعض الصحابة أرسل لجيشه حينما لم يستطيعوا أن يغلبوا أعداءهم، فحينئذٍ أرسل إليهم قال: "انظروا إلى أنفسكم"، وحينئذٍ نظروا إلى أنفسهم فوجدوا أنَّهم قد أطاعوا الله، وأطاعوا النبي عليه الصلاة والسلام، فقال بعضهم: قد تركتم سُنَّةً من سُنن النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: وما هي؟ قال: السِّواك. تركتم السِّواك، وهو سُنَّةٌ من سُنن النبي عليه الصلاة والسلام.
ولعلَّ هذا في عهد عمر بن الخطاب ، فحينئذٍ انطلقوا إلى الأشجار، وكل إنسانٍ أخذ مِسْوَاكًا -عَصًا يَسْتَاكُ بها- فرأى الأعداء ذلك، فقالوا: المسلمون جُنُّوا! هم يأكلون الأشجار، وسيأكلوننا الآن! فحينئذٍ أنزل الله الرُّعْبَ في قلوبهم بإقامة سُنَّة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
اجتناب التنازع والفشل
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ثم قال: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا [الأنفال:46]، النزاع والخلاف ينبغي ألَّا يكون بين المسلمين، فإنهم إذا تنازعوا ولم يجتمعوا، ولم يجتمع رأيهم يفشلوا وينهزموا؛ ولذلك قال: وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46]، وحينئذٍ تذهب قوتُكم، إذا تنازعوا وتخالفوا.
الصبر
قال في الأمر العاشر: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46] يصبر الإنسان المسلم في قتاله، يرجو ثواب الله، ويَرْغَبُ فيما عند الله تبارك وتعالى، وحينئذٍ بيَّن الله أنَّه مع الصابرين.
الرغبة فيما عند الله واجتناب البَطَر والرِّياء
الأمر الحادي عشر: هو الرغبة فيما عند الله .
يرغب الإنسان فيما عند الله، ولا يرغب في الأهل، ولا في المال، بل عليه أن يَحْمَد الله ، ولا يضعف، بل عليه أن يُقاتل، ولا يُمَكِّن نفسه من الأعداء، بل عليه أن يُقاتل لله، ابتغاء ما عند الله تبارك وتعالى.
وكان أنس بن النَّضْر تخلَّف عن غزوة بدرٍ مع النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: "يا رسول الله، غِبْتُ عن أول قتالٍ قاتلتَ المشركين، لَئِنِ اللهُ أشهدني قتال المشركين لَيَرَيَنَّ الله ما أصنع".
صَدَقَ الله فَصَدَقَه، فَحَضَرَ في معركة أُحُدٍ، وهو يُقاتل في سبيل الله، وقال: "يا سعد بن مُعاذٍ، الجنة وربِّ النَّضْر، إنِّي أجد ريحها من دون أُحُدٍ"، فانطلق وقاتل في سبيل الله حتى قُتِلَ، وكان بين المشركين، يقتل هذا، ويَطْعَنُ هذا حتى قُتِلَ.
قال أنس بن مالكٍ : فوجدنا به بِضْعًا وثمانين: ضربةً بالسيف أو طعنةً بِرُمْحٍ أو رَمْيَةً بسهمٍ، ووجدناه قد قُتِلَ، وقد مَثَّلَ به المشركون، فما عرفه أحدٌ إلا أخته بِبَنَانِه[19].
كان هذا أنس بن النَّضر، كان يُقاتل في سبيل الله ، ثم قُتِلَ في هذه الغزوة: غزوة أُحُدٍ.
أما في بدرٍ فكان عُمَير بن الحُمَام مع النبي عليه الصلاة والسلام، فسمعه صلوات الله وسلامه عليه يقول: قوموا إلى جنةٍ عَرْضُها السماوات والأرض، فقال : يا رسول الله، جنةٌ عَرْضُها السماوات والأرض؟ قال: نعم، فقال: بَخٍ، بَخٍ. فسأله النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ما يحملك على قولك: بَخٍ، بَخٍ؟ فقال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها. فقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: فإنك من أهلها، فأخرج تمراتٍ من قَرَنِه فجعل يأكل منهنَّ، ثم قال: لَئِنْ أنا حَيِيتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لَحَيَاةٌ طويلةٌ. فَرَمَى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتِلَ[20].
فالرغبة فيما عند الله هي من أسباب النصر على الأعداء؛ لأنَّ الإنسان حينما يرغب فيما عند الله يبيع نفسه، ولا يَجْبُن، ولا يتراجع عن القتال، بل يُقاتل؛ لأنَّه يعلم أنَّ الموت مهما حصل لا يأتيه إلا في الوقت الذي حدَّده الله له؛ ولذلك كم من الناس طلب الشهادة في سبيل الله، ولم يحصل عليها.
خالد بن الوليد قاتل في عدَّة معارك، ولكنَّه لم يُرْزَق الشهادة في القتال، ولكن نسأل الله أن يجعله من الشهداء، فإنَّه قد نوى ذلك، وقد سأل الله تبارك وتعالى ذلك.
فالمسلم عليه أن يَثِقَ فيما عند الله ، يرجو ثواب الله، ويطمع فيما عنده تبارك وتعالى؛ حتى يفوز ويسعد في الدنيا والآخرة.
أسأل الله بأسمائه الحُسنى وصفاته العُليا أن يُوفِّقنا وإياكم لما يُحِبُّه ويرضاه.
نسأله تبارك وتعالى أن يرزقنا الشهادة في سبيله بعد عمرٍ طويلٍ معمورٍ بطاعة الله، ومعمورٍ بطاعة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وصلُّوا وسلِّموا على خير خلق الله نبينا محمدٍ صلوات الله وسلامه عليه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].
اللهم صَلِّ وسَلِّم وبارك على نبيك محمدٍ ، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين.
اللهم أَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين، ودَمِّر أعداءك أعداء الدين.
اللهم آمِنَّا في دُورنا، وأَصْلِحْ ولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمَن خافك واتَّقاك واتَّبع رضاك، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنَّا نسألك بأسمائك الحُسنى وصفاتك العُليا أن تَرُدَّ كيد الكائدين في نُحُورهم.
اللهم مَن أرادنا أو أراد المسلمين والإسلام بِسُوءٍ فاجعل سُوءَه في نَحْرِه، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، وسَلِّطْ عليه جنوده، إنك على كل شيءٍ قديرٌ.
اللهم سلِّط عليه جنوده الظالمين، سلِّط الظالمين على الظالمين، واجعلنا يا الله من السَّالمين، إنك على كل شيءٍ قديرٌ.
نسأل الله الذي لا إله إلا هو الذي يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] أن يَرُدَّ كيدهم في نُحُورهم، وأن يُهْلِكَهم، وأن يُزَلْزِلَ الأرض من تحت أقدامهم، وأن يأخذ أسماعهم وأبصارهم، ويُخْرِس ألسنتهم، ويجعلهم عِبْرَةً للمُعتبرين، إنه على كل شيءٍ قديرٌ، فإنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن؛ فيكون، وهو القادر على كل شيءٍ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نِعَمِه يَزِدْكُم: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].
| ^1 | رواه مسلم: 1913. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 2892. |
| ^3 | رواه الترمذي: 1639، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1229. |
| ^4 | رواه البخاري: 2790. |
| ^5 | رواه الترمذي: 1663، وابن ماجه: 2799، وأحمد: 17182، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1375. |
| ^6 | رواه مسلم: 1887. |
| ^7 | رواه مسلم: 1909. |
| ^8 | رواه مسلم: 140. |
| ^9 | رواه الترمذي: 1421، والنسائي: 4095، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3817. |
| ^10 | رواه البخاري: 4563. |
| ^11 | رواه النسائي في "السنن الكبرى": 8593، وأحمد: 1775. |
| ^12 | رواه البخاري: 2864، ومسلم: 1776. |
| ^13 | رواه مسلم: 1777. |
| ^14 | رواه البخاري: 2966، ومسلم: 1742. |
| ^15 | رواه أبو داود: 2632، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2366. |
| ^16 | رواه أبو داود: 1537، والنسائي في "السنن الكبرى": 8577، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1375. |
| ^17 | رواه البخاري: 4875، ومسلم: 1763. |
| ^18 | رواه مسلم: 1763. |
| ^19 | رواه البخاري: 2805 واللفظ له، ومسلم: 1903. |
| ^20 | رواه مسلم: 1901. |