تخطى إلى المحتوى

بيان شروط لا إله إلا الله

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الأحبة، يسرنا أن نقدم لكم هذه المادة بعنوان: شروط لا إله إلا الله، لفضيلة الشيخ سعيد بن علي بن وهف القحطاني.

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

مكانة كلمة التوحيد وعظم شأنها

أما بعد: 

أيها الإخوة، لا شك أن هذه الكلمة التي سمعتموها، وهي كلمة التوحيد، من أجلها خلق الله السماوات والأرض، بل من أجلها خُلقت الجنة والنار، بل من أجلها رُفعت رايات الجهاد، ومن أجلها نُصبت الموازين، ومن أجلها خَلق الله تبارك وتعالى الجنة والنار، ومن أجلها خلق الله الدنيا والآخرة. كلمةٌ من أجلها خُلقت المخلوقات، ومن أجلها أمر الله الثَّقَلين -الجن والإنس- بتطبيقهما والعمل بمقتضى هاتين الشهادتين.

لا شك أن ذلكم يدل على عظم هذه الكلمة، ولا شك أنه يجب على المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا عبده ورسوله عليه الصلاة والسلام: أن يعرف هذه الكلمة؛ لابد أن يعرف معناها، ولابد أن يعرف أركانها، ولابد أن يعرف شروطها، ويعرف مقتضاها، ويعرف نواقضها، ويعرف نواقصها، إذا عرف ذلك: عرف هذه الكلمة كما ينبغي أن يتعلمه ويعرفه.

ولا شك أن هذه الكلمة لها مفهوم؛ وهو: لا معبود حقٌّ إلا الله.

كل إنسانٍ يعرف أو يقول: أنا أعلم لا إله إلا الله، وأعرف معناها! فمن قال: لا خالق إلا الله، فلم يعرف معنى (لا إله إلا الله)، ومن قال: لا معبود في الوجود إلا الله، لم يعرف معنى (لا إله إلا الله)، لكن عليه أن يعلم أن معناها: لا معبود بحقٍّ -أو: لا معبود حقٌّ، قل- إلا الله تبارك وتعالى.

معنى شهادة لا إله إلا الله

ومن الغريب أن المشركين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام يعرفون معناها؛ يعرف أبو جهلٍ وأبو لهبٍ معنى (لا إله إلا الله) أكثر من معرفة بعض من يدعي الإسلام في هذه الأعصار، وفي غيرها من الأعصار الماضية في الغالب.

ولهذا؛ حينما دعاهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذه الكلمة، وقيل لهم: قولوا (لا إله الله) تُفلحوا ، قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]، فدل ذلك على أنهم يعرفون معناها، يعرفون بأنهم إذا قاموا بهذه الكلمة فإنهم سيتركون عبادة آلهتهم، عبادة الآلهة الأخرى يتركونها؛ لأنهم سيلتزمون بهذه الكلمة.

ولكن، هناك من المسلمين من يقول (لا إله إلا الله) وربما قالها في اليوم مراتٍ ولكنه لا يعرف معناها! يقول (لا إله إلا الله) ويدعو الأولياء من دون الله! يقول (لا إله إلا الله) ويطوف بالقبور! وإن لم يكن هذا موجودًا في هذه البلاد ولله الحمد في هذا الوقت. لكن، الناس الآن: أصبحت الدنيا كلها الآن كالقرية الواحدة؛ لوجود الاتصالات ووسائل الإعلام وغير ذلك.

فينبغي للمسلم أن يعتني بهذه الكلمة، ويكرر معناها، ويبينها للناس، سواءٌ في هذه البلاد أو في غيرها.

هؤلاء بعض من يدعي الإسلام: إذا قيل له قل (لا إله إلا الله) يقولها ويتشرف أن يقولها، ولكن لو نظرت إلى أعماله وجدته يدعو مِن دون الله سواه سبحانه وتعالى، أو وجدتَه يطوف بالقبور، أو يتبرك بالأولياء أو غيرهم.

ولهذا؛ قال الشيخ الإمام المُجدِّد محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، يقول: فلا خير فيمن كُفَّار المشركين أعرف منه -أو أعلم منه- بمعنى لا إله إلا الله، لا خير فيه. هؤلاء يقولون (لا إله إلا الله) ولكنهم لا يعرفون معناها؛ فلابد من معرفة معنى هذه الكلمة.

فضائل كلمة التوحيد

كذلك ينبغي للمسلم أن يعرف فضل هذه الكلمة؛ حتى يعتني بها، ويعتني بدراستها؛ فإن كثيرًا من الناس حينما يسمع هذه الكلمة -سواءٌ كان في الدروس أو في بعض المحاضرات أو في بعض الكلمات- يقول: نحن نعرف (لا إله إلا الله)، نعرف (لا إله إلا الله) من وقت الصغر. يعني: خلقنا على هذه الكلمة، ولا يعتنون بمعناها.

أما لو سمعوا كلامًا آخر، أو قصصًا أو غير ذلك، فإنهم يأتون ليستمعوا، لكنهم لا يفقهون في الحقيقة؛ لأن هذه الكلمة لها شأنٌ عظيمٌ، ولها معنًى عظيمٌ؛ ولهذا مِن فضلها كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمَّدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، والجنة حقٌّ، والنار حقٌّ؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل[1]رواه البخاري: 3435، ومسلم: 28..

فمعنى ذلك أن هذه الكلمة مَن قالها حينئذٍ صادقًا في قوله مُطبِّقًا لشروطها؛ وجبت له الجنة كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام، وربما يقولها الإنسان للذكر، من باب الذكر، من باب ذكر الله ؛ فيحصل له الثواب المضاعف.

عِظَمُ أجر الإكثار من قول كلمة التوحيد وثوابها المضاعف

قال موسى عليه الصلاة والسلام: يا ربِّ، علِّمني كلامًا أدعوك به وأذكرك به. قال: يا موسى، قل: لا إله إلا الله، قال: كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى، قل: لا إله إلا الله، قال: يا ربِّ، أريد كلمةً تخصني بها، قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامِرَهن غيري، والأرَضِينَ السَّبْعَ، في كِفَّةٍ، ولا إله إلا الله في كفَّةٍ؛ مالت بهن لا إله إلا الله. أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[2]رواه النسائي في "السنن الكبرى": 10602، وأبو يعلى في "مسنده": 1393، والطبراني في "الدعاء": 1480، والحاكم في "المستدرك": 1953 … Continue reading.

هذا يدل على أن الإكثار من هذه الكلمة مع معرفة معناها، الإكثار منها يحصل صاحبه على الثواب العظيم المضاعف الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ. في يومٍ مئة مرةٍ؛ كانت له عَدْلَ عشر رقابٍ، وكُتبت له مئة حسنةٍ، ومحيت عنه مئة سيئةٍ، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به، إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك. أو كما قال عليه الصلاة والسلام[3]رواه البخاري: 3293، ومسلم: 2691..

هذا الفضل العظيم والثواب الكبير لمن قال هذه الكلمة، فإذا حافظ عليها الإنسان في كل يومٍ، حتى ولو لم يقلها إلا بعض الأيام، حتى لو قالها مُتفرِّقةً في اليوم؛ يحصل على هذا الثواب العظيم، إلا أنه لا يحصل على الحِرْز من الشيطان إلا بعد تمام المئة كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

كلمة التوحيد سبب حسن الخاتمة ودخول الجنة

وهي الكلمة التي إذا كانت آخر كلام العبد في الدنيا فإنه يدخل الجنة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن كان آخِرُ كلامِه (لا إله إلا الله) دخل الجنة[4]رواه أبو داود: 3116، وأحمد: 22127، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2729..

كثيرٌ من الناس إلا من عصم الله -والله يقول: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13]- لا يستطيع أن يقول (لا إله إلا الله) عند الموت، إن لم يأتِ الموتُ بغتةً، فإذا أتى الموت بغتةً هذا أمرٌ آخر، لكنها من علامات السعادة لمن يقولها عند الموت ويَلفِظ بها؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لقِّنوا موتاكم: لا إله إلا الله[5]رواه مسلم: 916..

والتلقين يكون عند الاحتضار؛ فحينئذٍ يقال له: يا فلان، قل (لا إله إلا الله)، أو تقال عنده لعله أن يقول (لا إله إلا الله)؛ فبعض الناس إذا قيل له: قل (لا إله إلا الله) عند الموت، ربما لا يستطيع أن يقول هذا.

قد أخبرني بعض الثقات الأثبات: أنه في قريةٍ من القرى، وكان عندهم رجلٌ كبير السن، فقيل له: يا فلان، قل (لا إله إلا الله)، عند الاحتضار، وهو من المصلين، ومن القائمين بالأوامر والمبتعدين عن النواهي في الظاهر، لكن قد يقال: بأن عند الإنسان دسيسةً لا يعلمها الناس، ولكن الله يعرفها ويعلمها سبحانه وتعالى، فكُرِّرت عليه هذه الكلمة ولكنه لم يستطع أن يقولها، فقال له: يا فلان، والله لَهِيَ عليَّ أثقل من هذا الجبل. ولم يستطع ومات قبل أن يقولها، فخرج هذا الرجل يبكي، فعلم بأن هذا الرجل قد كُتب له الشقاوة -نسأل الله لنا ولكم العافية-.

فقد يكون ظاهر الإنسان الصلاح، قد يكون ظاهره الصلاح ولكن البواطن لا يعلمها إلا الله ، قد يأتي الإنسان بناقضٍ من نواقض الإسلام، أو يأتي بأمرٍ عظيمٍ لا يعلمه إلا الله؛ فيوجب له سوء الخاتمة -نسأل الله العافية-.

فلا شك أن الإنسان إذا أراد هذه الكلمة فعليه أن يعتني بها، ويعرف شروطها، ويعرف أركانها، ويعرف معناها، ويعمل بمقتضاها.

وكذلك بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن من قال (لا إله إلا الله) فقد حرَّمه الله على النار؛ ولهذا قال: فإنَّ اللهَ حرَّم على النار مَن قال (لا إله إلا الله) يبتغي بذلك وجه الله تعالى[6]رواه البخاري: 5401، ومسلم: 657.، حرَّمه على النار، إذا قال هذه الكلمة فإنه يحرم على النار؛ لقول النبي صلوات الله وسلامه عليه[7]سبق تخريجه.، وتجب له الجنة بشهادة النبي صلوات الله وسلامه عليه.

عصمة الدماء بسماع كلمة التوحيد

ومن فضائلها: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن يغزو قومًا أو يُغير على قومٍ انتظر حتى يُصبح، فإن سمع أذانًا لم يُغِر عليهم -عليه الصلاة والسلام-، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم، ففي يومٍ من الأيام في غزوةٍ من الغزوات كان ينتظر عليه الصلاة والسلام قبل الفجر، فسمع مناديًا ينادي، يقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، فقال عليه الصلاة والسلام: على الفطرة. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: خرجت من النار. أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حتى أنهى الأذان. قال الراوي: فنظرنا فإذا هو صاحب مِعْزًى كان يرعى غنمًا في الجبال يُؤذِّن بأعلى صوته بهذه الكلمة[8]رواه البخاري: 610، ومسلم: 382 واللفظ له..

هذا يدل على فضل هذه الكلمة، فضل من قالها حتى في الأذان، يُكتب له الثواب في الأذان؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أن المؤذنين يوم القيامة أطول أعناقًا، أطول أعناقًا يوم القيامة[9]رواه مسلم: 387.، هذا فضلٌ عظيمٌ بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولا شك أن النبي عليه الصلاة قد بيَّن فضائلها، فضائل كثيرة لا تعد في هذه الكلمة، ولكن هذه نماذج من فضلها.

أركان كلمة التوحيد

وبالنسبة لأركان هذه الكلمة التي ينبغي أن تُعلَم: النفي والإثبات. أركانها: النفي والإثبات؛ (لا إله) أي: نَفْي الألوهية عما سوى الله تعالى، (إلا الله) إثبات الألوهية لله تعالى. فلها ركنان:

  • الركن الأول: النفي.
  • والركن الثاني: الإثبات.

ولهذا؛ ينبغي للمسلم أن يعتني بذلك؛ ولهذا قال الله وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ [الزخرف:26] هذا الركن الأول، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف:27] هذا الركن الثاني. نفيٌ وإثباتٌ: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف:27]؛ فحينئذٍ هذا يدل على أن الله تبارك وتعالى اعتنى بهذين الركنين في كتابه تبارك وتعالى.

شروط (لا إله إلا الله)

ولا شك أن هذه الكلمة لها شروطٌ، قد ذكر بعض السلف أن هذه الكلمة كالمفتاح، والمفتاح لابد له من أسنانٍ، فإن كان له أسنانٌ في الغالب فَتَح، وإن لم يكن له أسنانٌ لم يفتح.

فهذه الأسنان هي شروط (لا إله إلا الله)، من قام بهذه الشروط فحينئذٍ تنفعه هذه الكلمة في حياته وعند موته، وفي قبره، وفي يوم القيامة حتى يدخل بها الجنة.

ومن لم يعمل بشيءٍ من هذه الشروط فلا تنفعه (لا إله إلا الله) وإن صلى وصام وزَعَم أنه مسلمٌ وجاهَد وقُتل في سبيل الله وهو قد نَقَض شرطًا من هذه الشروط؛ فلابد للمسلم أن يعلم هذه الشروط. 

الشرط الأول: العلم

الأول من هذه الشروط: معرفة معناها. 

تقدم -كما سمعتم- أن معناها: لا معبود حقٌّ إلا الله، والله يقول: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19]، وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة[10]رواه مسلم: 26.، هذا يدل على فضلها، وفضل العلم بها، والعلم بمعناها.

الشرط الثاني: الإخلاص

والشرط الثاني من هذه الشروط التي ينبغي للمسلم أن يعتني بها: الإخلاص.

وقد جاء ذلك في آياتٍ كثيرةٍ: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، وقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح في الإخلاص، بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنها لا تنفع قائلها إلا إذا أخلص؛ فقال النبي عليه الصلاة والسلام حينما سأله أبو هريرة: مَن أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لقد علمتُ أنه لا يسألني أحدٌ قبلك هذا السؤال، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصًا مِن قلبه أو نفسه[11]رواه البخاري: 6570..

أسعد الناس بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام من قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه أو نفسه، وهذا يدل على فضيلة هذه الكلمة، وعلى أن هذا من الشروط التي ينبغي للمسلم أن يعتني بها، كما بيَّنه النبي صلوات وسلامه عليه.

الشرط الثالث: اليقين

ومن هذه الأمور: اليقين المنافي للشك؛ فلابد من اليقين.

اليقين هو العلم الذي لا يخالطه شكٌّ، وقد جاء في القرآن الكريم ألفاظٌ تدل على حق اليقين، علم اليقين؛ فلا بد أن يكون عند الإنسان علم اليقين بهذه الكلمة:

علم اليقين: لو دخل أو أتى إلينا مئةٌ من الناس من هذا الباب يشهدون بأنه قد حصل حادثٌ خارج هذا المسجد؛ فهذا يقال له "علم اليقين"، لا شك فيه إذا كانوا أثباتًا ثقاتٍ معروفين عندنا؛ عرفوا بالصدق والأمانة والعدالة، فحينئذٍ يكون هذا علم اليقين.

فإن خرجنا ورأينا هذا الحادث؛ هذا عين اليقين، فإن خالطنا هذا الحادث، قمنا بالإسعاف؛ هذا حق اليقين.

كذلك الأمور الغيبية التي أخبر الله بها وأخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام؛ يجب على المسلم أن يكون عنده علم اليقين.

أما عين اليقين فهو يوم القيامة حينما يراها، حينما يرى الجنة فهذا عين اليقين، يرى النار عين اليقين، يرى نعيم القبر عين اليقين، يرى عذاب القبر عين اليقين، يرى ما أخبر الله به ويقف بين يدي الله ويرى الموازين وتطاير الصحف عين اليقين.

حق اليقين إذا ذاق نعيم القبر، ذاق النعيم حق اليقين، إذا ذاق العذاب -إذا كان من المجرمين- حق اليقين، إذا وُزنت الأعمال حق اليقين، إذا دخل الجنة وأنجاه الله من النار...، وهكذا.

إذن، فلا بد في هذه الكلمة من علم اليقين حتى يحصلوا على النعيم حق اليقين كما أخبر الله به، وأخبر به النبي عليه الصلاة والسلام.

ولا شك أن الله قد بين ذلك: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15]، ما يخالطه الشك.

وهناك فرقٌ بين الشك وبين الوساوس، فإذا كان عند الإنسان بعض الوساوس لا يقال: بأنه ليس عنده يقينٌ، قد تأتي الوساوس، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما ذكر الرجل من الصحابة أنه يحب أن يسقط من السماء ولا يتكلم بما يدور في ذهنه أحيانًا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ذلك صريح الإيمان[12]رواه مسلم: 132.. صريح الإيمان: هو محبة أن يسقط من السماء ولا يتكلم بالذي يدور في نفسه من الوساوس أو الخواطر؛ هذا لا يقال له في الحقيقة: إنه ليس عنده يقينٌ، وإنما هذه وساوس تُصرف باليقين، وتُصرف بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.

ولا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام قد بيَّن في الحديث الصحيح حينما كان في غزوة تبوك وقَلَّ الظَّهْرُ أو قل الطعام والشراب عند الصحابة في هذه الغزوة، فأشار بعض الصحابة أو استأذنوا منه أن ينحروا بعض الإبل، فجاء عمر وقال: يا رسول الله، إنك إن فعلت قل الظهر، ولكن مُرْهم فليأتوا بفُضُول أزوادهم وما عندهم من الأطعمة، وتدعو فيها يا رسول الله. فجاء الصحابة كلُّ إنسانٍ بما عنده، هذا يأتي بتمرةٍ، وهذا يأتي بقطعة خبزٍ، وهذا يأتي بكذا، حتى اجتمعت على نِطَعٍ أمام النبي عليه الصلاة والسلام، فدعا فيها النبي عليه الصلاة والسلام، ثم أمر كل إنسانٍ أن يأخذ من هذا الطعام في الوعاء الذي معه، فكل إنسانٍ أخذ في وعائه حتى ملأه وبقي الطعام كما هو[13]رواه البخاري: 2484.!

بركةٌ أنزلها الله على النبي عليه الصلاة والسلام؛ استجابةً لدعوته عليه الصلاة والسلام.

فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أني رسول الله. لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غيرَ شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة. أو كما قال النبي عليه والسلام، والحديث رواه مسلم[14]رواه مسلم: 27..

فالشاهد أنه قال: غير شاكٍّ بهما؛ يعني: بلغت اليقين عنده في المعنى وفي القيام بما أوجب الله في هذه الكلمة ولهذه الكلمة.

الشرط الرابع: الصدق

كذلك من هذه الأمور: الصدق.

لا بد أن يكون الإنسان صادقًا غير كاذبٍ، وإلا فالمنافقون يشهدون أن لا إله إلا الله، ويصلون مع النبي عليه الصلاة والسلام، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1].

إذن، فلا بد من الصدق؛ ولهذا قال الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، مع الصادقين في أقوالكم، مع الصادقين في هذه الكلمة وفي معناها، مع الصادقين في أعمالكم.

وقال النبي عليه الصلاة والسلام في الصدق في المؤذن: إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فإذا قال: أشهد أن محمَّدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمَّدًا رسول الله، فإذا قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، من قلبه؛ دخل الجنة. رواه مسلم[15]رواه مسلم: 385..

هذا حديثٌ عظيمٌ؛ الإنسان الذي يقول مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم يقول حينما ينتهي المؤذن يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن يقول: لا إله إلا الله من قلبه؛ فإنه يدخل الجنة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. قال: من قلبه؛ دخل الجنة.

وكثيرٌ من الناس محرومٌ من هذا الخير، قد حُرِم هذا الخير وهذا الفضل، فتسمعه يسمع الأذان لكنه لا يستطيع أن يرد عليه، لا يستطيع أن يتابع المؤذن! تسمعه يسمع الأذان وهو يجلس ويتكلم مع الناس، وربما باع واشترى، وربما تكلم مع غيره، يُحرم هذا الخير الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام، من قال: لا إله إلا الله بعد أن ينتهي المؤذن من قلبه دخل الجنة. وهذا يدل على مكانة هذه الكلمة، وعلى فضلها الذي بينه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

الشرط الخامس: الانقياد والقبول

من هذه الأمور: الانقياد والقبول لهذه الكلمة، وإلا لا تنفع قائلها.

من قال: لا إله إلا الله، ولم يَنْقَدْ لها ولم يَقُم بما أوجب الله من الأمور التي أمر بها تبارك وتعالى؛ فإنه لا يستطيع أن -أو لا يحصل- على هذا الأمر؛ ولهذا يقول الله وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب:36]؛ هذا يدل على أنه ما انقاد لهذه الكلمة، لم ينقد لهذه الكلمة، ولم يقبل هذه الكلمة ولهذا أعرض.

ولهذا؛ قال النبي بل قال الله تبارك وتعالى فيهفَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59]؛ يدل على الانقياد، فإذا قام بهذا العمل دل على انقياده لهذه الكلمة، ولمحبته لهذه الكلمة.

الشرط السادس: المحبة

وهذه المحبة لها معانٍ، لابد من المحبة لهذه الكلمة، وهي من الشروط، هذه الكلمة لابد أن يحبها وإلا لا تنفعه، لا بد من المحبة لها، والعمل بها؛ ولهذا قال الله وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165]، فالمؤمن يحب الله، ويحب النبي عليه الصلاة والسلام؛ قال الله قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].

وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن المؤمن أو العبد لا يبلغ الدرجات العلى من الإيمان حتى يُحِبَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام أكثرَ من أهله وولده ووالده والناس أجمعين، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين[16]رواه البخاري: 15، ومسلم: 44.؛ فلا بد أن يحب هذه الكلمة، ويحب النبي عليه الصلاة والسلام، يحب الله .

والثمرة من هذا: أنه إذا أحب الله وأحب النبي عليه الصلاة والسلام؛ لا يمكن أن يُقدِّم على أمرِ اللهِ رغبةَ أيِّ إنسانٍ في الدنيا، ولا يمكن أن يُقدِّم على أمر النبي عليه الصلاة والسلام أمرَ أحدٍ من الناس؛ لأنه في الحقيقة كمل الإيمان: لا من الأولاد ولا من الوالدين ولا من النفس ولا من الناس أجمعين.

ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ذاق طعم الإيمان: ذاق طعم الإيمان: مَن رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا[17]رواه مسلم: 34.، ذاق: وجد الإيمانَ له حلاوةٌ، له حلاوةٌ في القلب وهي التلذذ بعبادة الله، وبطاعة الله، وطاعة النبي عليه الصلاة والسلام.

ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: ثلاثٌ مَن كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يُحِبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار. أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[18]رواه البخاري: 16، ومسلم: 43..

ثبت في الحديث في "سنن أبي داود": أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان[19]رواه أبو داود: 4681، والترمذي: 2521، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 5965.، من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان، فتكون أمور الإنسان مبنيةً على محبة الله، ومحبة النبي صلوات الله وسلامه عليه.

الشرط السابع: الكفر بما يُعبد من دون الله

ومن هذه الأمور: الكفر بما يعبد من دون الله من الأوثان، ومن يدعو غير الله، وغير ذلك ممن يدعون علم الغيب؛ لابد للإنسان أن يكفر بذلك ولا يؤمن به، بل يكفر به ويعلم بأنه من الباطل الذي يجب أن يبتعد عنه.

معنى ومقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله

أما معنى شهادة أن محمدًا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فمعناها: حقيقة الاعتقاد الجازم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشمٍ عليه الصلاة والسلام أرسله الله بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا، وأنه عليه الصلاة والسلام رسول الله حقًّا، أرسله الله للجن والإنس، وهو نبي الساعة لا نبي بعده عليه الصلاة والسلام. هذا هو معنى شهادة أن محمدًا رسول الله عليه الصلاة والسلام.

أما مقتضاها: فالمقتضى الذي لا بد منه: إذا كان صادقًا في طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، عليه الصلاة والسلام، وألا يَعبد الله إلا بما شَرع؛ فلا بد من هذا، لابد من هذه الأمور.

معجزات النبي  الحسية والمعنوية

ولا شك أن النبي عليه الصلاة حينما بعثه الله أخبر بأنه أرسله عليه الصلاة والسلام، وأعطاهم معجزاتٍ تدل الكفار، معجزاتٍ حسيةً يراها الكفار، ومعجزاتٍ معنويةً كذلك.

أما المؤمن الصادق العاقل فهو بمجرد الإخبار بأنه رسول الله يتبعه عليه الصلاة والسلام وينقاد، لكن المعاند قد لا ينقاد إلا بعد أن يرى ما يدل على صدق النبي عليه الصلاة والسلام من المعجزات الحسية؛ فأعطاه الله المعجزات الحسية الكثيرة، وأعطاه المعجزات المعنوية.

المعجزة العظمى: القرآن الكريم

المعجزات المعنوية: أعظم معجزة أعطاه هذا القرآن العظيم: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]، هذا معجزةٌ عظيمةٌ تحدى الله الناس أن يأتوا بمثله، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سورٍ، ثم تحداهم بأن يأتوا بآيةٍ واحدةٍ، ولكنهم لم يستطيعوا ذلك، ما استطاعوا، ولو حاول الإنسان أن يأتي بآيةٍ أو يدعي آيةً فإنه يكون من المبطلين، ويضحك عليه حتى الأطفال في الطرقات.

مسيلمة الكذاب حينما قيل له، يعني قيل: بأنه ينزل عليه القرآن، قال: الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذَنَبٌ طويل. وقال: والعاجنات عجنًا، فالطاحنات طحنًا، فاللاقمات لقمًا. فحينئذٍ أصبح الأطفال يضحكون عليه في الطرقات. ويقول لبعض أتباعه: ما ترى بهذا القرآن؟ قال: والله، إنك تعلم أني أعلم أنك من الكاذبين، ولكني على دينك.

إذن الخلاصة: هذا يدل دلالةً واضحةً أن هذا القرآن هو المعجزة العظمى للنبي عليه الصلاة والسلام.

نماذج من المعجزات الحسية للنبي

وأعطاه المعجزات الحسية التي يراها الناس: المؤمن وغير المؤمن، من هذه المعجزات: القمر؛ حينما جاء المشركون للنبي عليه الصلاة والسلام فطلبوا قالوا: تشق القمر نصفين ونراه ونسلم، فسأل الله  فشق القمر نصفين، فقالوا هذا سحرٌ، لا بد أن ننتظر حتى يأتي أهل الشام وأهل اليمن -أهل رحلة الشتاء أو الصيف- فنسألهم، فإن كانوا قد رأوه في هذه الليلة أسلمنا. وحينما قدم أهل الشام وأهل اليمن، قالوا: نعم، في الليلة الفلانية رأينا القمر انشق نصفين، فقال المشركون: سحرٌ مستمرٌّ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ۝ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر:1-2][20]رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده": 293، وأصله في الصحيحين؛ رواه البخاري: 4864، ومسلم: 2800..

من المعجزات التي جعلها الله على يد النبي عليه الصلاة والسلام الحسية: أنه في يومٍ من الأيام -كما في "البخاري"- صَعِد، كان يخطب على جِذْع نخل، جذع جماد في المسجد، فخطب عليه ثم صُنع له منبرٌ عليه الصلاة والسلام، في أول يومٍ صَعِد على المنبر كان للجذع حنينٌ كحنين العِشَار -أي: الناقة العُشَراء- في المسجد، والنبي عليه الصلاة والسلام على المنبر، فنزل النبي عليه الصلاة والسلام من المنبر، وصار يهدئ هذا الجذع، يُسكِّنه كما يسكن الطفل حتى سكت[21]رواه البخاري: 3585.

ورد في بعض الروايات: أنه لو لم يفعل ذلك لبقي إلى يوم القيامة يَحِنُّ على فراق النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى فراق الذِّكر عليه[22]رواه ابن ماجه: 1415، والدارمي: 39، وأحمد: 2400، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 5300..

ومِن هذا: أنه كان في طريقه في يومٍ من الأيام كما في "الدارمي"، وهو حديثٌ ثابتٌ، جاء إليه أعرابيٌّ من الأعراب -في الغالبِ: الأعرابُ لا يَعتبرون أهلَ الحَضَرِ أو مَن كان في الحاضرة لا يرونهم من أهل الثقة، وإنما يرون بأنهم هم يعني رؤوس الناس- فدعاه النبي عليه الصلاة والسلام إلى الشهادة أو الشهادتين في ظاهر الحديث، فقال: من يشهد لك على هذا؟ يعني لو كان الرجل -يعني- يَعتبر هؤلاء لقال: هل يشهد لك هؤلاء؟

قال: من يشهد لك على هذا؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: تشهد لي هذه السَّلَمةُ شجرةٌ من شجر البوادي، فناداها النبي عليه الصلاة والسلام، فأتت تَشُقُّ الأرض، تَخُدُّ الأرض خَدًّا حتى وقفت أمام النبي عليه الصلاة والسلام وشهدت بأنه رسول الله حقًّا[23]رواه الدارمي: 16، وصححه الالباني في "التعليقات الحسان": 6471..

وغير ذلك من الأمور، منها: ما جاء في الحديث الآخر الثابت: أنه كان ينظر إلى عِذْقٍ -بكسر العين: للتمر، والعَذْق بفتح العين: هذا نخلة- كان ينظر إلى عِذْقٍ مُعلَّقٍ في شجرةٍ في النخلة، فناداه فنزل العِذق من الشجرة حتى الأرض، ثم أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ثم شهد له بالرسالة، ثم رجع، ثم صَعِد إلى مكانه، والناس ينظرون على عهد النبي عليه الصلاة والسلام[24]رواه الترمذي: 3628، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5926..

هذه معجزاتٌ حسيةٌ يستفيد منها الكافر، ويزداد المؤمن إيمانًا، وهي كثيرةٌ، ذكرها أهل العلم تحت -يعني- دلائل النبوة، وتحت كذلك آيات النبوة، وبعضهم قال: المعجزات التي تدل على صدق النبي عليه الصلاة والسلام. اللهم صل وسلم عليه.

نواقض كلمة التوحيد

إذا عرف الإنسان هذه الكلمة ومعناها؛ فإن عليه أن يعرف ما يناقض هذه الكلمة حتى لا يَخْرم هذه الكلمة:

الشرك بالله

فإن أعظم النواقض لهذه الكلمة الشرك بالله ، ينقض الشركُ مطلقًا -وَقَدِمْنَا إِلَى مَا- ينقض الإسلام والتوحيد: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]؛ ولهذا ينبغي أن يعرف ما هو الشرك؟

الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر

الشرك هو صرف شيءٍ من أنواع العبادة أو إفرادها لغير الله تعالى.

كثيرٌ من الناس ما يعرف الشرك الأكبر ولا الأصغر، فيعرف الأصغر بتعريف الأكبر، أو يعرف الأكبر بتعريف الأصغر. لا، لابد أن يفرق؛ لأن الشرك الأصغر -يعني- له ضوابط والشرك الأكبر له ضوابط، بل الشرك الأكبر يدخل تحته أنواعٌ كثيرةٌ لا تُعد ولا تُحصى من الشركيات المخرجة عن الإسلام، والشرك الأصغر يدخل تحته أنواعٌ كثيرةٌ لا تُعد ولا تحصى، وهو لا يُخرج عن دين الإسلام إلا أن يأتي ويصل إلى الشرك الأكبر.

فالشرك الأكبر: هو أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك. والتعريف الجامع المانع: هو صرف نوعٍ أو صرف شيءٍ من أنواع العبادة التي أمَر اللهُ بها لغير الله تعالى؛ كالذبح، والنذر، والدعاء، والاستغاثة، وغير ذلك من الأمور. إذن، هذا يدخل تحت الناقض أو تحت الشرك الأكبر.

ولا شك أن الشرك الأكبر له -يعني- فوارق بينه وبين الأصغر:

  • فالشرك الأكبر يُبطل -يُحبط- جميع الأعمال، كلها، ولو عمل الإنسان مئةَ سنةٍ بطاعة الله وطاعة النبي عليه الصلاة والسلام، ثم أتى بشيءٍ من الشرك الأكبر؛ حَبِط عمله كله من أوله لآخره: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا[الفرقان:23]. فلو بقي مئة سنةٍ يُوحد الله ويعبد الله ثم دعا غير الله قال: "يا سيدي فلان، انصرنا على أعدائنا"، كما يقول بعض الناس: "يا سيدي البدوي، المدد المدد، انصرنا على أعدائنا، يا سيدي الحسين، يا سيدي العيدروس، يا سيدي مرغمي، مدد مدد"؛ هذا يكون كافرًا مرتدًّا عن دين الإسلام ولو صلى ولو صام ولو زكَّى، ولو عَمِلَ أيَّ عملٍ ما دام قد عمل هذا الشرك إذا كان في بلاد المسلمين.
    أما إذا كان في الغابات ولم تبلغه الرسالة؛ هذا شيءٌ آخر. لكن إذا كان بين المسلمين، ويحضر الخطب، ويسمع الإذاعة كما قال الله لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ[الأنعام:19]، فإذا بلغه القرآن فعرف معناه؛ حينئذٍ قامت عليه الحجة. إذن، هذا من الفوارق: أنه يُبطل الأعمال كلها.
  • الأمر الثاني: يُخرج من دين الإسلام، يكون كافرًا.
  • الأمر الثالث: من هذه الفوارق: أنه يكون حلال الدم والمال؛ فيجب على ولي الأمر أن يعاقبه ويقاتله إذا لم يوحد.
  • الأمر الرابع: أنه يخلد في النار إذا مات، ولا يخرج منها أبد الآباد: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن:23]. 
  • الأمر الخامس: وجوب العداوة من المؤمنين له، أو تجب عداوة المؤمن له؛ لأنه عدوٌّ لله .

الشرك الأصغر وأنواعه

أما الشرك الأصغر فليس كذلك، لكن الشرك الأصغر يكون في أمورٍ:

أولًا: الشرك الأكبر قد بيَّنه الله وحذَّر منه، فقال: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ[المائدة:72]، وقال : وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106]، وقال : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام:17] إلى غير ذلك من الآيات، وهذا معروفٌ عند الناس.

لكن الخطر الذي هو أخطر من الشرك الأكبر على المسلم هو الشرك الأصغر! أخطر من الشرك الأكبر. صحيحٌ الشِّركُ الأكبر يُحبط جميعَ الأعمال، لكن المقصود على المسلم، على المؤمن: أن يكون الشرك الأصغر أخطر عليه من المسيح الدجال كما ستسمعون، فالشرك الأصغر تعريفه: هو كل وسيلةٍ تُوصِّل إلى الشرك الأكبر. وسيلة، وسائل، سواءٌ كانت هذه الوسيلة قولًا أو فعلًا، أو من النيات والإرادات.

شرك النيات والإرادات

أما النوع الأول: وهو النيات والإرادات -نسأل الله العافية- فالرياء يدخل في النيات والإرادات.

الرياء من أخطر الأمور على العبد المسلم؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قيل: وما هو؟ قال: الرياء، يقوم الرجل يصلي فيُحسن صلاته -أو يزين صلاته- لما يرى مِن نَظَرِ الرجل إليه[25]رواه ابن ماجه: 4204، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 2607.، وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا هو أخطر علينا: أخوف ما أخاف عليكم من المسيح الدجال. أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[26]رواه ابن ماجه: 4204، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 2607..

فإذا خافه النبي عليه الصلاة والسلام على الصحابة؛ فنحن مِن بابٍ أولى نخافه، قال: أخوف ما أخاف عليكم، ما قال: أخوف ما أخاف على أمتي -اللهم صل وسلم عليه- خاف هو على الصحابة الذين اختارهم الله لنصرة نبيه عليه الصلاة والسلام، الذين هم أفضل الناس وأفضل البشر بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال: أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر[27]رواه أحمد: 23630، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 1555.. هذا يدل على أن الشرك الأصغر الرياء -أعاذنا الله وإياكم من الرياء- يعني خطره عظيم.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: من سمَّع سمَّع اللَّهُ به، ومن يرائي يرائي اللَّهُ به[28]رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2986.، أي يفضحه على رؤوس الخلائق يوم القيامة؛ من سمع بأقواله أو سمع بقراءته أو سمع بأعماله.

والتسميع بالأعمال أو التسميع يكون على نوعين:

  • نوع يُسمِّع أمام الناس، يقرأ من أجل أن يُمدَح، يُسبِّح من أجل أن يمدح، ومن أجل -يعني- إرضاء الناس.
  • النوع الثاني الإخبار؛ يعمل عملًا لا يطَّلِع عليه إلا هو نفسه في الخفية، ثم يأتي يُخبر الناس: البارحة صليت لله تعالى إحدى عشرة ركعة، قرأت فيها جزءين، يُخبر الناس وغير ذلك: تصدقت بكذا وكذا، أو يُعلن ذلك في الجرائد وغير ذلك: بأني قد تصدقت بكذا وكذا إلا أن يكون لله تعالى.

قد يقال بأن الإنسان إذا عمل العمل ابتغاء مرضاة الله ليُقتدى به هذا عملٌ طيبٌ هذه سنةٌ حسنةٌ، لكن لا يطلع على ما في قلبه إلا الله؛ ولهذا حينما جاء الرجل بالصدقة كادت تعجز عنها يده، بل عجزت، وضعها في يد النبي عليه الصلاة والسلام فتتابع الناس، اقتدَوْا بهذا الرجل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: من سن سنةً في الإسلام حسنةً؛ فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده. أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[29]رواه مسلم: 1017..

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: قال الله ​​​​​​: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه[30]رواه مسلم: 2985.، فالله غنيٌّ عن عبادة الإنسان.

ولكن، على الإنسان أن يسأل الله التوفيق، ويسأل الله السداد، ويسأل الله العفو والعافية ويجتهد؛ يُعينه على الإخلاص في العبادة أمورٌ منها:

أولًا: أن يعلم بأن الله يراه وأنه مطلعٌ عليه، وأنه لا تخفى عليه خافيةٌ، وأنه الذي يعطي، ويمنع، ويرفع، ويستحق العبادة، وأن الناس لا ينفعون ولا يضرون، لا خير عندهم ولا شر، لا يملكون شيئًا وإنما ذلكم كله بيد الله: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر:21].

يعلم بأن الناس لا يضرُّون ولا ينفعون، ليس عندهم شيءٌ، لا؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا سلَّم من الصلاة يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام[31]رواه مسلم: 591.، وبعد أن ينصرف للناس يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ. اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ[32]رواه البخاري: 844، ومسلم: 593.، لا ينفع...، لا معطي لما منع. فإذا كان هو سبحانه الذي يعطي، وإذا أعطى لا يَمنع أحدًا، وإذا منع لا يعطي أحدًا غيرُه سبحانه وتعالى، لا يعطي أحدًا غيرُه.

إذن، على الإنسان أن يعلم هذا، هذا يزيد في قوة الإخلاص، يزيد في قوته.

الأمر الثاني: أن يكثر من النوافل السِّريَّة في البيت، من الصيام كذلك في السرِّ فيما بينه وبين الله، يُخفي أعماله، يحاول، يجاهد نفسه.

الأمر الثالث: أن يسأل الله أن يُعيذه من هذا الشر؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام حينما بلَّغ للناس وحذَّرهم، يقال ويُذكَر ويروى عن أبي بكر : أنه أخبره بدعاءٍ يُزيل الرياء ويزيل هذا الشر أن يقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[33]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 716، وأبو يعلى: 58، وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 716..

والإنسان يسأل الله ، يسأل ربه أن يُثبِّت قلبه: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك[34]رواه الترمذي: 3522، وابن ماجه: 3834، وأحمد: 26133، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 7987.، اللهم مُصرِّفَ القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك[35]رواه مسلم: 2654..

إذن، هذا من الشرك الأصغر، لكن الشرك الأصغر يُحبط العمل الذي قارنه: صلى لله وحسَّن صلاته لِيُشكَر؛ فحينئذٍ تكون صلاته باطلةً، لا صلاة له -نسأل الله العافية- ولا ثواب له فيها، ويُعاقَب، يستحق العقوبة على ذلك -نسأل الله العافية-، أما أعماله السابقة فلا تَبطل، ولكن عليه أن يسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ويُخلص.

والخواطر لا تَضُرُّ؛ إذا خطر خاطرٌ للإنسان في بداية العبادة ثم صرفه واستعاذ بالله من الشيطان ولم يستمر معه؛ فحينئذٍ لا يضرُّه، وإنما عليه أن يجاهد نفسه، وهذا يدخل في المجاهدين: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

من هذه الأمور التي تدخل في الشرك الأصغر: إرادة الإنسان بعمله الدنيا، أي: العمل الصالح؛ كأن يتعلم القرآن من أجل أن يكون إمامًا، أو يتعين من أجل المال في وظيفةٍ دينيَّةٍ، أو يَدْرس في الجامعة أو في غيرها من أجل أن يحصل على الشهادة حتى يكون له مكانةٌ أو تكون له مكانة في المجتمع؛ هذا يدخل في قول النبي عليه الصلاة والسلام: من تعلم علمًا مما يُبتغَى به وجهُ الله تعالى، لا يتعلمه إلا ليصيب به عَرَضًا من الدنيا؛ لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة؛ يعني رائحة الجنة. أو كما قال عليه الصلاة والسلام[36]رواه أبو داود: 3664، وابن ماجه: 252، وأحمد: 8457، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 105..

لكن الشيطان قد يأتي للإنسان، يقول: ما دام الرياء خطيرًا على الإنسان فلا تُصَلِّ مع الجماعة، صل في بيتك، وما دام هذا الرياء خطيرًا فلا تتعلم العلم؛ فإنك تصبح من المرائين.

لا، هذا من مداخل الشيطان على الإنسان، لا، تعلَّمِ العلم وسل الله العافية، وسل اللهَ الإخلاصَ، وسل الله التوفيق والسداد، وسل الله العون، وصَلِّ مع الجماعة، قم بالواجبات وابتعد عن المحرمات، وعليك أن تقوم بما أوجب الله تبارك وتعالى عليك.

شرك الألفاظ والحلف بغير الله

النوع الثاني من أنواع الشرك الأصغر: شرك الألفاظ، وهذا طبعًا من النواقص التي تنقص (لا إله إلا الله)، تنقصها ويَذهب الفضل العظيم.

شرك الألفاظ كأن يقول الإنسان: ما شاء الله وشئت، أو لولا الله وفلان، أو أنا بالله وبك، أو هذا من الله ومنك، أو غير ذلك من الألفاظ، أو يحلف بغير الله، يحلف بالنبي، كثيرٌ من الناس خاصةً البادية تَكثر هذه الكلمات عندهم؛ يقول: "لولا الله ثم أنت" -"لولا الله وأنت" لا- "لولا الله ثم أنت"، وهي على ثلاث درجات:

  • الدرجة الأولى: وهي أفضلها مطلقًا أن يقول: لولا الله وحده، ما شاء الله وحده، هذا من الله وحده، أنا بالله وحده؛ هكذا يقول.
  • الدرجة الثانية: جائزةٌ ويقول: لولا الله ثم أنت، أو هذا من الله ثم منك، أو أنا بالله ثم بك، أو غير ذلك، أو ما شاء الله ثم شئت؛ هذه لا بأس بها.
  • الدرجة المحرمة التي سمعتموها وهو يقول: لولا الله وأنت، هذا من الله ومنك، أنا بالله وبك، ما شاء الله وشئت.

هذه الألفاظ ألفاظٌ شركيَّةٌ، والحلف بغير الله تعالى كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك[37]رواه أبو داود: 3251، والترمذي: 1535، وأحمد: 5593، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2952.، هذا من الشرك الأصغر.

كذلك من أنواع الشرك الأصغر التي تدخل في التعريف: كل وسيلةٍ توصل إلى الشرك الأكبر من الأقوال والأفعال والإرادات.

شرك الأفعال

كذلك الأفعال كلبس الحلقة والخيط، أو التمائم الشركية، أو غير ذلك من الأمور التي تكثر عند الناس، وما على الإنسان إلا أن يسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة أن يصلح قلبه وعمله، وأن يعيذه من شر نفسه ومن شر الشيطان.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأسأله تبارك وتعالى أن يمن عليَّ وعليكم بالفقه في دينه، وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمَّدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

شكر الله لفضيلة الشيخ الدكتور سعيد بن علي بن وهف القحطاني، حفظه الله وجزاه خيرًا على ما أفادنا به في هذه المحاضرة التي كانت بعنوان:" بيان شروط لا إله إلا الله".

الأسئلة

المقدم: هنا سؤالٌ، يقول فيه أحد السائلين: فضيلة الشيخ إني أحبك في الله، يا شيخ، ما هو علاج الفتور؟ وأرجو أن تدعو لي؛ فإني أحس بأن قلبي منقبض.

الشيخ: أولًا: أحبك الله الذي أحببتنا له؛ إن هذا من أوثق عرى الإيمان كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.

والأمر الثاني: الفتور هذا يحصل لكثيرٍ من الناس، بل لكلنا، لكن علاج الفتور هو أولًا: أن يذكر الموت قبل كل شيءٍ، يتذكر بأن الموت يهجم عليه في أي يومٍ، أو في أي وقتٍ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: اذكروا هاذم اللذات[38]رواه الترمذي: 2307، والنسائي: 1824، وأحمد: 7925، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3333..

هاذم أي: قاطع؛ ولهذا حينما سئل عليه الصلاة والسلام وقيل له.. جاء إليه رجلٌ قال: يا رسول الله، عِظني وأوجز؛ أعطني موعظةً وجيزةً. فقال النبي عليه الصلاة والسلام.. أعطاه ثلاث كلماتٍ، لكن إذا عمل بها كانت من السعادة في الدنيا والآخرة، قال: إذا قمت في صلاتك فصلِّ صلاة مودِّعٍ، وأجمع اليأس عما في أيدي الناس، ولا تكلَّم بكلام تعتذر منه غدًا[39]رواه ابن ماجه: 4171، وأحمد: 23498، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 742..

فالشاهد من هذا قوله عليه الصلاة والسلام: صل صلاة مودِّعٍ، إذا صلى الإنسان صلاة مودِّعٍ هل يحصل عنده فتور؟ وصلاة المودع: هو أن يصلي الصلاة ويتوقع أنها تكون آخر صلاةٍ يصليها في الدنيا، إذا صلى العشاء يدور في ذهنه أن هذه الصلاة ربما تكون هي آخر صلاةٍ يصليها على وجه الدنيا. تصور كيف صلاته؟! تصور كيف يعني إقباله على الله؟ تصور رغبته في قيام الليل وفي قراءة القرآن! يغتنم.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام حينما سئل عن أفضل الناس، قيل له: من أفضل الناس؟ قال عليه الصلاة والسلام: أفضل الناس أحسنهم خلقًا. قيل: فمن أكيس الناس؟

أكيس: أعقل، انظر إلى هذا الكلام، أعقل الناس، لو سئل الناس أو كان عندك بعض الأسئلة الاختبارية لبعض الطلاب أو بعض الشباب: مَن هو أعقل الناس؟ سيخوضون، كل إنسانٍ يخوض، لكن عليه أن ينظر إلى جواب النبي عليه الصلاة والسلام، قال: من أكيس الناس؟ قال عليه الصلاة والسلام: أكيس الناس أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا[40]رواه ابن ماجه: 4259، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3335.. هذا والله أكيس الناس، وأعقل الناس دائمًا يذكر الموت، ويكون مستعدًّا لما بعد الموت، قال عليه الصلاة والسلام في هذا: وأكثرهم لما بعده استعدادًا.

فالنبي عليه الصلاة والسلام بيَّن بأن هذا يُعين الإنسانَ على طاعة الله:

  • ذكر الموت.
  • وزيارة المقابر، يزور المقابر: زوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة[41]رواه مسلم: 976، بنحوه.، هذا يُعينه على ذلك.
  • مراقبة الله في السر والعلن.
  • استحضار عظمة الله ونعمته عليه؛ فإنه أنعم عليه بنعمٍ لا تعد ولا تحصى.

والأمر الثاني: قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك[42]سبق تخريجه.، يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك[43]سبق تخريجه.نعم؟

المقدم: فضيلة الشيخ، ما علاقة حديث الرسول بما معناه: إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى إذا لم يبقَ بينه وبينها إلا شبرٌ أو قريبٌ من ذلك، ختم له بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة[44]رواه البخاري: 7454، ومسلم: 2643، ولفظه: إن أحدكم ‌ليعمل ‌بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع، فيسبق … Continue reading؟

الشيخ: هذا حديثٌ واضحٌ، والحمد لله، النبي عليه الصلاة والسلام ما قال: "والذي نفسي بيده، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيدخلها"، وإنما قال: فيعمل بعمل أهل النار؛ فالمقصود: العمل، فمعنى هذا الحديث: أن بعض الناس يكون على طاعة الله وعلى طاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وقبل الموت أو في آخر حياته أو في آخر وقته بعد الطاعة يرتد عن دين الله، أو ينصرف عن طريق الخير إلى طريق الشر، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: فيعمل؛ فإذا أردت النجاة فلا تعمل بعمل أهل النار، هذا يدلك، ولا يدل على الكسل، وإنما يدل على النشاط والقوة في طاعة الله، وعلى طاعة الله.

فإذا أراد الإنسان أن ينصرف عن طاعة الله فيتذكر، ربما يكون هذا العمل إذا عمله من عمل النار يموت عليه؛ فتكون خاتمة تسوء.

فالنبي عليه الصلاة والسلام ما قال: "منكم من يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيدخلها"، لا، تعالى الله عن ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، وإنما يعمل بعمل أهل النار، فهذا حجةٌ على القدرية؛ بعض الناس يقول: أنت مخلوقٌ للجنة أو للنار؛ كيف تعمل؟

الصحابة جاؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام حينما قالوا وأخبرهم بأن الأمر مَقْضيٌّ، وأنه -أي أهل الجنة- لا يُزاد فيهم ولا ينقص، وأهل النار لا يزاد فيهم ولا ينقص، لكن بالعمل، الأعمال هي أسبابٌ، وإنما الجنة تُنال برحمة الله .

فالخلاصة: أن الله لا يظلم أحدًا من خلقه ، أمر بطاعته ونهى عن معصيته، فمن قام بطاعته وابتعد عن معصيته دخل الجنة إذا مات على ذلك، ومن وقع في الشركيات ومات على الكفر والشرك دخل النار؛ كما بيَّن الله وبين النبي عليه الصلاة والسلام.

والخلاصة: أن الإنسان عليه أن يعمل بالأسباب، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: اعملوا، فكلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلق له[45]رواه البخاري: 7551، ومسلم: 2649..

هذه الأحاديث تدل على الحرص، وعلى الاستعداد، وعلى الرغبة فيما عند الله، والخوف من عقاب الله. لا تدل على الكسل والخمول. نعم؟

المقدم: جزى الله شيخنا فضيلة الشيخ الدكتور سعيد بن علي بن وهف القحطاني، وجعل الله ما قدم في ميزان حسناته، وجعلنا جميعًا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

^1 رواه البخاري: 3435، ومسلم: 28.
^2 رواه النسائي في "السنن الكبرى": 10602، وأبو يعلى في "مسنده": 1393، والطبراني في "الدعاء": 1480، والحاكم في "المستدرك": 1953 وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
^3 رواه البخاري: 3293، ومسلم: 2691.
^4 رواه أبو داود: 3116، وأحمد: 22127، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2729.
^5 رواه مسلم: 916.
^6 رواه البخاري: 5401، ومسلم: 657.
^7, ^42, ^43 سبق تخريجه.
^8 رواه البخاري: 610، ومسلم: 382 واللفظ له.
^9 رواه مسلم: 387.
^10 رواه مسلم: 26.
^11 رواه البخاري: 6570.
^12 رواه مسلم: 132.
^13 رواه البخاري: 2484.
^14 رواه مسلم: 27.
^15 رواه مسلم: 385.
^16 رواه البخاري: 15، ومسلم: 44.
^17 رواه مسلم: 34.
^18 رواه البخاري: 16، ومسلم: 43.
^19 رواه أبو داود: 4681، والترمذي: 2521، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 5965.
^20 رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده": 293، وأصله في الصحيحين؛ رواه البخاري: 4864، ومسلم: 2800.
^21 رواه البخاري: 3585.
^22 رواه ابن ماجه: 1415، والدارمي: 39، وأحمد: 2400، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 5300.
^23 رواه الدارمي: 16، وصححه الالباني في "التعليقات الحسان": 6471.
^24 رواه الترمذي: 3628، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5926.
^25, ^26 رواه ابن ماجه: 4204، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 2607.
^27 رواه أحمد: 23630، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 1555.
^28 رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2986.
^29 رواه مسلم: 1017.
^30 رواه مسلم: 2985.
^31 رواه مسلم: 591.
^32 رواه البخاري: 844، ومسلم: 593.
^33 رواه البخاري في "الأدب المفرد": 716، وأبو يعلى: 58، وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 716.
^34 رواه الترمذي: 3522، وابن ماجه: 3834، وأحمد: 26133، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 7987.
^35 رواه مسلم: 2654.
^36 رواه أبو داود: 3664، وابن ماجه: 252، وأحمد: 8457، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 105.
^37 رواه أبو داود: 3251، والترمذي: 1535، وأحمد: 5593، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2952.
^38 رواه الترمذي: 2307، والنسائي: 1824، وأحمد: 7925، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3333.
^39 رواه ابن ماجه: 4171، وأحمد: 23498، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 742.
^40 رواه ابن ماجه: 4259، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3335.
^41 رواه مسلم: 976، بنحوه.
^44 رواه البخاري: 7454، ومسلم: 2643، ولفظه: إن أحدكم ‌ليعمل ‌بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها.
^45 رواه البخاري: 7551، ومسلم: 2649.