جدول المحتويات
... مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70- 71].
أصول الإيمان
أيها الإخوة، لا شكَّ أن من أعظم العلم النافع لِمَن وَفَّقَه الله تعالى، ولِمَن يَسَّرَ الله أمره، ولِمَن شرح الله صدره؛ هو علم الكتاب والسُّنة: قال الله، وقال رسوله .
ولا شكَّ أن أصول الإيمان -كما اختارها الإخوة- هي أساس الدين، وأساس العلم: معرفة الله، ومعرفة رسوله عليه الصلاة والسلام، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
ولهذا قال الشيخ الإمام المُجدد محمد بن عبدالوهاب رحمة الله عليه: "العلم هو: معرفة الله، ومعرفة رسوله ، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة"، هذا هو العلم.
ولا شكَّ أن مفهوم الإيمان العام، تعريفه هو: التَّصديق الجازم المَقْرُون بالاعتراف. هذا في اللغة.
وفي الاصطلاح الشرعي عند أهل العلم: هو قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالقلب، وعملٌ بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
هذا تعريف الإيمان في الجملة الذي يشمل الدين كله.
والإيمان بالله تعالى: لا شكَّ أن أركان الإيمان للنَّاظر فيها كلها ترجع إلى الإيمان بالله تعالى.
لو نظر المسلم في أركان الإيمان لوجدها كلها ترجع إلى الإيمان بالله تعالى؛ لأنَّ الله هو الذي أخبر بهذه الأركان، أخبر بالإيمان به، وبالملائكة، وبالكتب، وبالرسل، وباليوم الآخر، وبالقدر: خيره وشَرِّه من الله تعالى، فكل ذلك يرجع إلى الإيمان بالله تعالى، وبما أخبر به، وأخبر به رسوله عليه الصلاة والسلام.
إذن الإيمان بالله تعالى هو الإقرار بالله تعالى؛ الإقرار بالقلب، والاعتقاد الجازم بأن الله تعالى هو ربُّ كل شيءٍ ومَلِيكه، وهو المُستحقُّ للعبادة، وله الأسماء الحسنى والصفات العُلا.
فلا شكَّ أن هذا هو الذي يشمل الإيمان بالله تعالى، وتعريف الإيمان بالله تعالى.
الأمور التي يشملها الإيمان بالله
لا شكَّ أن الإيمان بالله تعالى يشمل أمورًا أربعةً -كما ذكر أهل العلم- وهي أمورٌ كثيرةٌ، لكن بالاختصار يشمل أمورًا أربعةً:
الأمر الأول: الإيمان بوجود الله تعالى
الإيمان بوجود الله تعالى، وأنه موجودٌ .
وهذا لا شكَّ فيه، وكل الناس يؤمنون بذلك، وهذا داخلٌ في توحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية لا يُنْكِره أحدٌ من الخلق إلا مُنحرفٌ من المُكابرين أو المُعاندين، فهم يُقِرُّون بذلك بقلوبهم، لكنهم يَأْبَون بألسنتهم: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، كما يقول الله عن آل فرعون.
والنبي عليه الصلاة والسلام كان المشركون يُكَذِّبونه في الغالب، في الظاهر، لكنهم في الباطن كانوا يُصَدِّقونه عليه الصلاة والسلام.
والخلاصة أن الإيمان بالله تعالى يشمل هذه الأمور الأربعة، ومنها: الإيمان بوجود الله تعالى.
والأدلة على وجود الله تعالى لا يحتاج إليها المسلم -ولله الحمد- لكنها تزيد في إيمانه، فحينما يسمع الأدلة من كلام الله وكلام النبي عليه الصلاة والسلام يزداد إيمانًا.
الأدلة على وجود الله تعالى
فمن الأدلة على وجود الله تعالى:
أدلة الفطرة
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم:30].
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ما من مولودٍ إلا يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدَانه أو يُنَصِّرَانه أو يُمَجِّسَانه[1]رواه البخاري: 1358 واللفظ له، ومسلم: 2658.، والحديث متفقٌ على صحته.
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام في الحديث أنه قال: إني خلقتُ عبادي حُنَفَاء كلهم، وإنهم أَتَتْهُم الشياطين فَاجْتَالَتْهُم عن دينهم، وحَرَّمَتْ عليهم ما أَحْلَلْتُ لهم[2]رواه مسلم: 2865..
وهذا يدل على أن الله خلق العباد على الفطرة، وأن الإنسان بفطرته يعرف أن الله هو الذي خلقه، لكن يحتاج إلى توجيهٍ، ويحتاج إلى تعليمٍ، وقد علَّمه الله ذلك في كتابه، وعلى ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام.
الأدلة العقلية
كذلك من الأدلة: الأدلة العقلية كما يذكر أهل العلم، كما قال الله : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ [الطور:35- 36]، يعني: هل الإنسان الذي خلق هذه المخلوقات، أو هذه المخلوقات تحتاج إلى مَن خلقها، وتحتاج إلى خالقٍ خلقها؟ وهو الله تعالى؛ ولهذا قال سبحانه: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ.
قال جُبير بن مُطْعِمٍ : إنه سمع هذه الآيات من النبي عليه الصلاة والسلام يقرؤها، فقال: "كاد قلبي أن يطير"[3]رواه البخاري: 4854.؛ لِمَا عرف من هذا، وأن الله هو الخالق، وكان مُشركًا، "وذلك أول ما وَقَرَ الإيمان في قلبي"[4]رواه البخاري: 4023.، أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه.
فهذا من الأدلة على وجود الله تعالى، وهي تزيد في معرفة الله ومعرفة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ومما يدل على هذه الأمور العقلية: أن الإنسان حينما ينظر في هذه المخلوقات -في السماوات وفي الأرض وفي البحار وفي الأشجار وفي جميع المخلوقات والليل والنهار- يعلم أن هذه الأشياء خلقها الله تعالى، وهذا هو الذي بيَّنه الله في كتابه، وبيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام.
ولهذا جاء بعض المُلحدين إلى أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فسألوه عن أدلة وجود الصانع عنده، فقال: دعوني؛ فإنَّ بالي مشغولٌ. قالوا: وما شغل بالك؟ قال: بلغني أن سفينةً في دِجْلَة عليها من أنواع البضائع، تذهب وتروح وتضع البضائع بدون قائدٍ يقودها، وبدون مُحَرِّكٍ يُحَرِّكها، وهي تذهب وتأتي. فقالوا: أَبِكَ جنونٌ؟! قال: لماذا؟ قالوا: هذا لا يُعْقَل، فليس من العقل أن هذه السفينة عليها من أنواع التِّجارات، وهي تُنَزِّل نفسها وتسير بنفسها بدون قائدٍ يقودها! فقال رحمه الله تعالى: فهذه السماوات وهذه المخلوقات وهذه الأبراج، هل من المعقول أن تسير بدون مُسَيِّرٍ يُسَيِّرُها، وبدون خالقٍ خلقها؟ فَبُهِتُوا عند ذلك.
ولا شكَّ أن هذا يدل عليه العقل.
والأعرابي حينما سُئِلَ عن وجود الله تعالى قال: سبحان الله! البَعْرَة تدل على البعير، والأثر يدل على المَسِير، فسماءٌ ذات أبراجٍ، وأرضٌ ذات فِجَاجٍ[5]جمع: فَجٍّ، وهو الطريق الواسع بين الجبلين. ينظر: "الصحاح" للجوهري: 1/ 333.، وبحارٌ ذات أمواجٍ، وليلٌ داجٍ[6]أي: مُظلم.، ونهارٌ ساجٍ[7]أي: ساكن. ينظر: "مختار الصحاح" للرازي: ص143.؛ أفلا يدل ذلك على اللطيف الخبير؟!
هذه المخلوقات ألا تدل على الله تعالى، وأنه الخالق لكل شيءٍ؟
ولهذا قال الإمام المُجدد محمد بن عبدالوهاب رحمة الله عليه: "إذا قيل لك: مَن ربُّك؟ فقل: ربي الله. فإذا قيل: بِمَ عَرَفْتَ ربَّك؟ فقل: عَرَفْتُه بآياته ومخلوقاته، ومن آياته: الليل والنهار، والشمس والقمر، ومن مخلوقاته: السماوات السبع، والأرضون السبع".
هذا يدل على وجود الله تعالى، وعلى أنه الخالق لكل شيءٍ.
ولا شكَّ أن الإنسان المؤمن يُؤمن بدون هذه الأدلة، لكن هذا يزيد في إيمانه.
الأدلة الحسيَّة
هناك أدلةٌ حسيَّةٌ يستفيد منها المؤمن في زيادة الإيمان، والكافر في دخول الإسلام، وهي أدلةٌ حسيَّةٌ يراها الناس ويُشاهدونها.
ومن هذه الأدلة: إجابة الدَّعوات.
أدلةٌ حسيَّةٌ ملموسةٌ يراها الناس بأعينهم تدل على وجود الله، وأن الله على كل شيءٍ قديرٌ، وأن بيده كل شيءٍ .
ومن هذه الأدلة: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخطب يومًا من الأيام، فدخل رجلٌ المسجد فقال: "يا رسول الله، هَلَكَت الأموال، وانقطعت السُّبُل، فَادْعُ اللهَ يُغِيثنا"، فرفع يديه عليه الصلاة والسلام وقال: اللهم أَغِثْنَا، اللهم أَغِثْنَا، اللهم أَغِثْنَا، قال أنسٌ : "ولا -والله- ما نرى في السماء من سحابٍ ولا قَزَعَةٍ، وما بيننا وبين سَلْعٍ من بيتٍ ولا دارٍ"، قال: "فطلعتْ من ورائه سحابةٌ مثل التُّرْس"[8]رواه البخاري: 1014.، قال: "ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيتُ المطر يتحادر على لحيته "[9]رواه البخاري: 933.، "فلا -والله- ما رأينا الشمس سَبْتًا"[10]رواه مسلم: 897.، يعني: أسبوعًا كاملًا ما رأوا الشمس، والمطر يُمْطِر.
وفي يوم الجمعة الأخرى دخل رجلٌ من بابٍ من أبواب المسجد، فقال: "يا رسول الله، هَلَكَت الأموال، وانقطعت السُّبُل، فَادْعُ الله يُمْسِكها عنَّا"، فرفع يديه عليه الصلاة والسلام وقال: اللهم حَوَالَيْنَا، ولا عَلَيْنَا، اللهم على الآكام والظِّرَاب وبُطُون الأودية ومَنَابِت الشَّجر[11]رواه البخاري: 1014، ومسلم: 897.، فانفرجتْ.
وجاء في بعض الروايات: أنه يُشير عليه الصلاة والسلام بيده فيذهب السَّحاب مع يده يَمْنَةً ويَسْرَةً[12]رواه البخاري: 933، ومسلم: 897..
هذا يدل على قُدرة الله، وعلى أن الله يُجِيب الدعوات، وعلى أن هذه الأمور المحسوسة تزيد في إيمان العبد، وأنها تدل على وجود الله تعالى، وأنه القادر على كل شيءٍ .
وأدلةٌ أخرى حسيَّةٌ، وهي معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنها تدل على مُرْسِلهم الذي أرسلهم، وأنه الخالق لكل شيءٍ، وأنه مُدَبِّر كل شيءٍ، وأنه المُستحق للعبادة، وأنه الذي له الأسماء الحسنى والصفات العُلا.
أدلةٌ واضحةٌ تُسمَّى: المعجزات، وتُسمَّى: الآيات، منها: آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ كآيات موسى عليه الصلاة والسلام؛ يضرب بالعصا البحر فَيَنْفَلِق فيكون كالطَّود العظيم: فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63]، وغيره من الأنبياء؛ كآيات عيسى عليه الصلاة والسلام؛ يُحيي الموتى، ويُخرجهم من قبورهم.
وآيات النبي محمد عليه الصلاة والسلام؛ كانشقاق القمر حينما سأله المشركون قالوا: إن كنتَ صادقًا فَافْرُقْ لنا القمر فِلْقَتين. فسأل الله أن يُرِيهم هذه الآية، ففلق الله القمر فِلْقَتين، فرأوه في السماء نصفين، فقالوا: إذن ننتظر حتى يَقْدُم أهل الشام وأهل اليمن، فإذا رأوه فهذا حقٌّ. فانتظروا حتى قدم أهل الشام وأهل اليمن، فقالوا: نعم، رأينا في ليلة كذا وكذا انفلق القمر فكان نصفين. فقال المشركون كما بيَّن الله : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر:1- 2]، يعني: حينما أُخْبِروا بذلك قالوا: هذا سحرٌ مُستمرٌّ[13]ينظر: "تفسير الطبري": 22/ 113، و"تفسير السمرقندي": 3/ 233، و"البداية والنهاية" لابن كثيرٍ: 3/ 149.، يعني: عمَّ الناس جميعًا، وهذا من الضلال والخُسران المُبين.
ومن هذه الآيات الملموسة المحسوسة التي تدل على أن الله موجودٌ، وأنه الذي أرسل الرسول عليه الصلاة والسلام والرسل جميعًا: ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في حَنِين الجِذْع في المدينة؛ كان يخطب الناسَ على جِذْعٍ من نخلٍ يابسٍ، فَصُنِعَ له منبرٌ من خشبٍ، وفي أول يومٍ صعد عليه عليه الصلاة والسلام حَنَّ الجِذْع حَنِينًا كَحَنِين العِشَار حتى ارتَجَّ المسجد، ونزل النبي عليه الصلاة والسلام من منبره وسَكَّنه كما يُسَكَّن الطفل حتى سَكَنَ، ولو لم يُسَكِّنْهُ عليه الصلاة والسلام لَبَقِيَ يَحِنُّ إلى يوم القيامة[14]رواه أحمد: 2400، والدارمي: 42، وذكره الألباني في "السلسلة الصحيحة": 2174..
قال بعض أهل العلم: هذا يدل على أن الجمادات -من الأحجار والأخشاب وغيرها- كانت تُحب الذِّكْر، وتُحب رسول الله .
ولهذا ثبت في "صحيح مسلم" أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إني لَأَعْرِفُ حَجَرًا بمكة كان يُسَلِّم عليَّ[15]رواه مسلم: 2277.، أي: كان يقول: السلام عليك يا رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ومن ذلك أشياء كثيرةٌ؛ منها: أنه عليه الصلاة والسلام كان في سَفْرَةٍ من السَّفرات، فأراد أن يقضي حاجته عليه الصلاة والسلام، فلم يجد شيئًا يستتر به، وكان يُحب أن يُبْعِد، وكان بعض الصحابة يراه من بعيدٍ، فأبعد عليه الصلاة والسلام ولم يجد شيئًا، فأخذ شجرةً بِغُصْنِها وقال: انْقَادِي عليَّ بإذن الله، فَانْقَادَتْ معه كالبعير المخشوش، ثم جاء إلى الشجرة الأخرى وقادها، فَانْقَادَتْ معه، حتى جمع بين الشجرتين، ثم قضى حاجته خلف الشجرتين، وحينما قام كل شجرةٍ رجعتْ إلى مكانها، وهذا الحديث رواه مسلمٌ[16]رواه مسلم: 3012..
هذا يدل -أولًا- على وجود الله، وعلى قُدرة الله تعالى، وعلى أن النبي عليه الصلاة والسلام هو رسول الله حقًّا عليه الصلاة والسلام.
ومن ذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في يومٍ من الأيام قد قابله أعرابيٌّ في الصحراء، فدعاه إلى الإسلام، فقال: "ومَن يشهد على ما تقول؟" هل معك مَن يشهد؟ قال له النبي عليه الصلاة والسلام: هذه السَّلَمَة، شجرةٌ من شجر البادية، فدعاها النبي عليه الصلاة والسلام، فَأَتَتْ تَخُدُّ الأرض خَدًّا[17]أي: تَشُقُّها. ينظر: "مرقاة المفاتيح" لملا علي القاري: 9/ 3822. حتى وقفتْ بين يديه عليه الصلاة والسلام، ثم شهدتْ له، ثم رجعتْ إلى مكانها، فقال هذا الرجل الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله عليه الصلاة والسلام[18]رواه بنحوه الدارمي: 16، وابن حبان: 6505، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5925..
وغير هذا الحديث مما يدل على وجود الله تعالى، وعلى قُدرة الله تعالى، وعلى فضل النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ومن ذلك ما حصل له مراتٍ من نَبْع الماء بين أصابعه عليه الصلاة والسلام؛ حينما كان في غزوة الحُدَيْبِيَة قلَّ الماء عند الناس، ولم يجدوا ما يشربون، ولا ما يتوضؤون، فَشَكَوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فجعل يده في الرَّكْوَة[19]إناءٌ صغيرٌ من جِلْدٍ يُشْرَب فيه الماء. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 2/ 261.، وكان الماء يخرج كالعيون من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام[20]رواه البخاري: 4152..
هذا يدل على وجود الله تعالى -أولًا- وعلى صدق النبي صلوات الله وسلامه عليه.
الأدلة الشرعية على وجود الله
أما الأدلة الشرعية على وجود الله تعالى فهي الكتب السماوية التي أنزلها الله على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من التوراة والإنجيل والزَّبور وصُحف إبراهيم وصُحف موسى، وكذلك القرآن العظيم، وهو أعظم هذه الكتب.
الأمر الثاني: الإيمان بربوبيته
يشمل الإيمان بالله تعالى: الإيمان بربوبيته ، وأنه الخالق، الرازق، المُدَبِّر، بيده كل شيءٍ، وإذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كُنْ؛ فيكون.
هذا يُقال له: توحيد الربوبية، توحيد الله تعالى بأفعاله ، وأنه الخالق، الرازق، المُدَبِّر، بيده كل شيءٍ: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا [الشورى:49- 50]، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر:13].
فالربُّ هو الخالق، وهو الرازق، وهو المُدَبِّر، وهو المُرَبِّي عباده بالتوحيد والعلم النافع، عباده الخُلَّص، صفوة الخلق يُرَبِّيهم بالإيمان والمحبة له ولأنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، ويُرَبِّي جميع المخلوقات بالطعام والشراب وغير ذلك، فهو الخالق، المُدَبِّر، بيده كل شيءٍ.
وهذا التوحيد لا يُدْخِل في الإسلام، مَن آمن بهذا التوحيد، واعتقد أن الله هو الخالق، الرازق، المُدَبِّر، بيده كل شيءٍ، وإذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كُنْ، فيكون ، فهذا لا يدخل في الإسلام؛ لأنَّ المشركين كانوا يُقِرُّون بذلك: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25]، يعتقدون أن الله الخالق، الرازق، المُدَبِّر.
لهذا قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمة الله تعالى عليه في "القواعد الأربع" في التوحيد: "إنَّ النبي عليه الصلاة والسلام ظهر على أناسٍ يُقِرُّون بتوحيد الربوبية، ومع ذلك لم يُدْخِلهم ذلك في الإسلام، وظهر على أناسٍ كذلك يدعون غير الله تعالى، ويدعون الأشجار والأحجار والملائكة والأنبياء وغيرهم، مُتفرقين في عباداتهم، فلم يُفَرِّق بينهم، وقاتلهم جميعًا حتى يعبدوا الله وحده.
وكذلك مَن كان منهم يدعو غير الله تعالى، بينما يقول: إنما نعبدهم لِيُقَرِّبونا إلى الله زُلْفَى".
بيَّن ذلك رحمه الله تعالى بيانًا شافيًا، وأنَّ توحيد الله بتوحيد الربوبية لا يُدْخِل في الإسلام، وإنما الذي يُدْخِل في الإسلام توحيد الألوهية الذي هو الأمر الثالث مما يجب الإيمان به لله تعالى.
الأمر الثالث: توحيد الألوهية
توحيد الألوهية، توحيد العبادة، وهو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى هو المُستحقُّ للعبادة، فلا يُعْبَد بحقٍّ إلا هو .
وهو توحيد الله تعالى بأفعال العبادة، فلا تُصْرَف العبادة إلا لله تعالى؛ فلا يعبد المسلم إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يستغيث إلا به، ولا ينذر إلا له، ولا يذبح إلا له، ولا يُعْطِي إلا له، ولا يمنع إلا له، ولا يصرف أيَّ نوعٍ من أنواع العبادة إلا لله تعالى.
ولهذا قال الله : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62]، فهو المُستحق للعبادة: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ [يونس:3].
وآياتٌ كثيرةٌ أمر الله فيها بتوحيده توحيد الألوهية، الذي هو توحيد العبادة، الذي هو إفراد الله تعالى بأنواع العبادة.
ومَن صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله تعالى فقد كفر، وقد خرج من دين الإسلام؛ ولهذا فتعريف العبادة: اسمٌ جامعٌ لكل ما يُحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
ويُناقض هذا التوحيد -توحيد الألوهية- الشِّرك بالله تعالى، فكل مَن صرف شيئًا من العبادة -من أنواعها أو من أفرادها- لغير الله تعالى فقد كفر بالله تعالى، وخرج من دين الإسلام؛ لأنه أشرك بالله تعالى.
كل مَن صرف شيئًا من أنواع العبادة: من النذر أو الذبح أو الاستعانة أو الاستغاثة أو المحبة، أو غير ذلك مما أمر الله به من أنواع العبادة، لا يُصْرَف إلا لله تعالى.
هذا يُقال له: توحيد الألوهية، يجب الإيمان به، وأنه من الأمور التي يجب على المسلم أن يؤمن بها لله تعالى.
الأمر الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته
الأمر الرابع مما يجب الإيمان به لله تعالى: الإيمان بأسمائه وصفاته، فكل ما أخبر الله به، وكل ما وصف الله به نفسه، أو سمَّى به نفسه في كتابه العزيز، أو وصفه به رسوله عليه الصلاة والسلام، أو سمَّى به النبي عليه الصلاة والسلام؛ وجب الإيمان به.
فالإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العُلا من أعظم ركائز الإيمان بالله تعالى، فلا بد للعبد أن يؤمن بذلك: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ [الأعراف:180].
ولا شكَّ أن الإيمان بالأسماء الحسنى عند أهل السُّنة والجماعة مبنيٌّ على كتاب الله تعالى، من غير تحريفٍ، ولا تعطيلٍ، ولا تكييفٍ، ولا تمثيلٍ، يُمِرُّونها كما جاءتْ، مع الإيمان بمعانيها؛ فيؤمنون بأنَّ الله هو القادر، الذي هو على كل شيءٍ قديرٌ، فله من الأسماء الحسنى اسم "القدير"، وله من الصفات العُلا صفة القدرة، وهي مُشتقةٌ من هذا الاسم، ومن أسمائه ، ويدل هذا الاسم على أن الله تعالى يتَّصف بالقُدرة، إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كُنْ، فيكون، سبحانه.
ومن أسمائه الحسنى: الكريم، ومن صفاته: الكرم والجُود، وكرمه ليس ككرم خلقه، وقُدرته ليست كقدرة خلقه، فالاسم إذا أُضيف إلى الله تعالى -أو الصفة- فهو مُختصٌّ بالله تعالى على الوجه اللائق بالله تعالى.
ومن أسمائه : الرحمن، الرحيم، العزيز، الجبار، المُتكبر، المُهيمن، المؤمن، وغير ذلك من الأسماء التي وردتْ في كتاب الله تعالى، وفي سُنة النبي عليه الصلاة والسلام.
فيجب على المؤمن أن يؤمن بها، ولا يصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه.
أهل العلم يقولون: أسماء الله وصفاته توقيفيةٌ، بحيث لا يجوز للعبد أن يُسمِّي الله تعالى باسمٍ إلا وقد سمَّى به نفسه، أو سمَّاه به النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يصف الله بصفةٍ إلا وقد وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله عليه الصلاة والسلام.
هكذا يجب على العبد أن يؤمن بذلك، ويجعل صفات الله تعالى على الوجه اللائق بالله تعالى.
من صفات الله تعالى: صفة الاستواء على العرش: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، عند أهل السُّنة والجماعة: استواء يليق بجلاله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].
"الاستواء معلومٌ، والإيمان به واجبٌ، والكيف مجهولٌ، والسؤال عنه بدعةٌ" أي: السؤال عن الكيفية.
نزوله : ينزل -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- في الثلث الآخر من الليل إلى السماء الدنيا، فيقول: مَن يدعوني فأستجيب له؟ مَن يسألني فَأُعْطِيَه؟ مَن يستغفرني فأغفر له؟[21]رواه البخاري: 1145، ومسلم: 758.، حتى يَنْفَجِر الفجر[22]رواه مسلم: 758. وهو يقول ذلك .
لكن هذا النزول يليق بجلاله، لا كنزول خلقه، يليق بجلاله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].
فالنزول معلومٌ، والإيمان به واجبٌ -بالنزول- والكيف مجهولٌ -كيفية النزول- والسؤال عنه بدعةٌ، أي: عن الكيفية.
وهكذا جميع صفاته؛ له يدان : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64]، ويداه كلتاهما يمينٌ في الشرف والفضل، له يمينٌ وشمالٌ، لكن في الفضل والشرف كلتا يديه يمينٌ، لا يَعْتَريهما نقصٌ بوجهٍ من الوجوه .
ومن عظمته وعظمة صفاته: أنه يقبض السماوات والأرض يوم القيامة بيمينه: وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67].
"ما السماوات السبع والأرضون السبع في كَفِّ الرحمن إلا كَخَرْدَلَةٍ في يد أحدكم"، أو كما قال الراوي في الأثر الذي ذكره ابن عبدالوهاب في آخر كتابه "كتاب التوحيد".
فلا شكَّ أن على العبد أن يؤمن بصفات الله تعالى على الوجه اللائق بالله تعالى، ويعلم أنها قد جاءتْ في الكتاب، وأنَّ لها معاني تدل عليها، وأنها لا تكون كصفات المخلوقين.
صفات المخلوقين ضعيفةٌ، يَعْتَريها النَّقص؛ فإذا كان كريمًا فكرمه قليلٌ، وكرمه ينتهي، وكرمه حَدَثَ بعد أن لم يكن، وكرمه قليلٌ.
وأما كرم الله تعالى: فما في السماوات، وما في الأرض، وما في الدنيا، وما في الآخرة مما يَتَمَنَّاه المُتَمَنُّون ويُحبُّه المُحبُّون إلا من كرم الله ، هذا من صفات الله تعالى.
الأمور التي تزيد الإيمان
هناك أشياء تزيد إيمان العبد بالله تعالى؛ فيزداد إيمانه بالله تعالى وبما جاء به، ومن هذه الأمور:
أولًا: الإيمان بما أخبر الله به، وأخبر به رسوله عليه الصلاة والسلام إيمانًا وتصديقًا جازمًا، مع الاعتراف واليقين بما أخبر الله به، وأخبر به النبي عليه الصلاة والسلام.
وهذا -كما قلتُ- تدخل فيه الأركان الأخرى التي هي من باب التَّفصيل للإيمان بالله تعالى، فأخبر بكل شيءٍ؛ أخبر بما كان، وما يكون، وما لم يكن، وما في الحاضر، وأخبر بأنه كتب المقادير، وأنه على كل شيءٍ قديرٌ، وأخبر بأهل الجنة، وأهل النار، وأخبر بكل شيءٍ.
فمن الإيمان بالله: الإيمان بكل ما أخبر الله به في كتابه، وأخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يزيد الإيمان.
ثانيًا: مما يزيد الإيمان بالله تعالى: تَدَبُّر القرآن الكريم، تَدَبُّره وقراءته والعناية به؛ ولهذا قال الله : كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29].
فلا بد من تَدَبُّر القرآن الكريم؛ لأنه يدلك على السعادة؛ يدلك على ما يرفع الله به الدرجات في الدنيا والآخرة، ويدلك على طريق الخير، ويُحَذِّرك من طريق الشَّر، ويُبَيِّن لك طرق أهل النار، وطريق أهل الجنة.
فمَن تَدَبَّر القرآن وعرفه وتعلَّمه فإنه يزيد في إيمانه، ويزيد في محبته لله تعالى.
ثالثًا: معرفة أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام تزيد في الإيمان؛ لأنها تدل على ما أخبر الله به نبيَّه صلوات الله وسلامه عليه؛ ولأن الأحاديث هي وحيٌ من الله تعالى -كالقرآن- لرسوله عليه الصلاة والسلام، بل هي الوحي الثاني الذي أُنْزِل على النبي عليه الصلاة والسلام: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3- 4]، صلوات الله وسلامه عليه.
رابعًا: مما يزيد الإيمان بالله تعالى وبما أخبر به: معرفة النبي عليه الصلاة والسلام، وما كان عليه من الأخلاق، وما كان عليه من الكرم، وما كان عليه من الجود، وما كان عليه من محبة الخير للناس، فالله هو الذي جعله رحمةً للعالمين عليه الصلاة والسلام، فله الحمد على هذه النعمة حتى يرضى، له الحمد على نعمة إرسال النبي صلوات الله وسلامه عليه، وعلى كل ما مَنَّ به من نِعَمٍ.
فلا شكَّ أن هذا من أعظم النِّعَم، فمَن عرف هذه النعمة ازداد إيمانه بالله تعالى، مَن عرف النبي صلوات الله وسلامه عليه بأخلاقه، وأخلاقه القرآن كما قالت عائشة رضي الله عنها؛ قالت: "كان خُلُقُه القرآن"[23]رواه أحمد: 24601، وصححه محققو "المسند".، عليه الصلاة والسلام.
ولكن منها: جوده؛ فكان من أكرم الناس عليه الصلاة والسلام، فقد أعطى صفوان بن أُمية مئةً من الغنم، ثم أعطاه مئةً من الغنم، ثم أعطاه مئةً أخرى، حتى قال: "والله لقد أعطاني رسول الله ما أعطاني وإنه لَأَبْغَضُ الناس إليَّ، فما بَرِحَ يُعْطِيني حتى إنه لَأَحَبُّ الناس إليَّ"[24]رواه مسلم: 2313.، أو كما قال ، فأسلم لجود النبي عليه الصلاة والسلام، ولأخلاقه العظيمة.
ومن أخلاقه عليه الصلاة والسلام: أنه جاء إليه رجلٌ فسأله شيئًا -وهذا يدخل في الكرم- فأعطاه غَنَمًا بين جَبَلَيْن، فرجع إلى قومه فقال هذا الرجل: "يا قوم، أَسْلِمُوا؛ فإنَّ محمدًا يُعْطِي عطاءً لا يخشى الفاقة"[25]رواه مسلم: 2312..
هذا يدل على كرم الله تعالى على عباده، وأن هذا الشخص أو هذا البشر مخلوقٌ لله تعالى، ورحمةٌ أنزلها على عباده تبارك وتعالى تدل على الإيمان بالله تعالى، والتصديق به ربًّا وإلهًا، ولا شكَّ في ذلك.
من هذه الأمور التي تدل على خُلُقِه صلوات الله وسلامه عليه، وهي تزيد الإيمان بالذي أرسله عليه الصلاة والسلام: شجاعته، فكان أشجع الناس عليه الصلاة والسلام، كما قال البراء : "كنا -والله- إذا احْمَرَّ البأسُ نَتَّقي به، وإن الشُّجاع منَّا لَلَّذِي يُحَاذِي به"[26]رواه مسلم: 1776. صلوات الله وسلامه عليه.
كان في معركة حُنَين من أشجع الناس، وكان على بَغْلَته، والناس معه، فانهزموا وذهبوا ولم يَبْقَ معه إلا القليل -كالعباس وغيره- فنزل عن بَغْلَته وقال : أنا النبي لا كَذِبَ، أنا ابن عبدالمُطَّلِب[27]رواه البخاري: 2864، ومسلم: 1776.، وأخذ كَفًّا من ترابٍ ورمى به القوم، وقال: شَاهَت الوجوه، قال الراوي: "فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة"، ثم انهزموا عن بَكْرَة أبيهم، وتراجع أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه[28]رواه مسلم: 1777..
هذا يدل على عظمته عليه الصلاة والسلام، ويدل على الإيمان بالله تعالى، وأنه خلق هذا البشر وجعله رحمةً للعالمين.
ومن ذلك: أنه عليه الصلاة والسلام كان مع جيرانه من أحسن الناس، حتى اليهود، حتى الكفَّار.
كان غلامٌ من اليهود مريضًا، فجاء إليه النبي عليه الصلاة والسلام وهو في مرض الموت، فدعاه إلى الإسلام، زاره ودعاه إلى الإسلام، فنظر هذا الغلام إلى أبيه، فقال أبوه: "أَطِعْ أبا القاسم"، فقال الغلام: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله"، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام من عنده وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار[29]رواه البخاري: 1356، ولفظ التَّشهُّد عند أحمد: 12792.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث في الصحيح.
في رواية الإمام أحمد: أن النبي عليه الصلاة والسلام وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا في طريقهم، فوجدوا يهوديًّا يَتَعَزَّى بالتوراة، يقرأها على ولدٍ مريضٍ له في الموت، فوقف النبي عليه الصلاة والسلام عند هذا الرجل اليهودي وقال: أَنْشُدُكَ بالذي أنزل التوراة، هل تجد في كتابك ذا صِفَتي ومَخْرَجي؟ فأومأ برأسه أنْ لا، يقول: ما وجدتُ هذا. فقال الولد المريض ابن اليهودي: "إي والذي أنزل التوراة، إنَّا لنجد في كتابنا صِفَتَك ومَخْرَجَك، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله"، عليه الصلاة والسلام، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فَغَسَّلاه، وصلَّى عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه[30]رواه أحمد: 23492، وذكره الألباني في "السلسلة الصحيحة": 3269..
هذا يدل على خُلُقه ومحبته للناس وللخير، وهذا يزيد الإيمان بالله تعالى، فكلما تذكر الإنسان أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام يزداد إيمانه بالذي أرسله.
من هذه الأمور التي تزيد الإيمان: التَّفكُّر في الكون، في خلق السماوات والأرض: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190- 191]، وآياتٌ كثيرةٌ في هذا.
ومعرفة محاسن الإسلام هذا يُقَوِّي الإيمان بالله تعالى.
ومن هذه الأمور التي تزيد الإيمان: ما أخبر به ربنا تبارك وتعالى في فضل النوافل، وأخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، فتزداد المحبة لله والإيمان به بذكره وبنوافله؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام -فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى-: وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه[31]رواه البخاري: 6502..
وغير ذلك من الأمور التي تزيد الإيمان بالله تعالى، وتجعل العبد دائمًا له علاقةٌ بالله تعالى، وقلبه مُعلَّقٌ بالله تعالى.
ثمرات الإيمان بالله تعالى
أما الإيمان الكامل فله ثمراتٌ يَجْنِيها العبد إذا آمن بالله تعالى الإيمان الكامل: بأُلوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وما أخبر به، وبجميع ما أمر به ، وجميع ما نهى عنه، إذا حصل له ذلك حصلتْ له ثمراتٌ؛ حصل على فوائد في الدنيا والآخرة.
من هذه الفوائد ما ذكره الله في كتابه، وما بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام في سُنَّته صلوات الله وسلامه عليه.
من هذه الأمور: الاغتباط بولاية الله تعالى، يَغْتَبِط ويُسَرُّ، يجد السُّرور والراحة بولاية الله تعالى، كما قال : أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ [يونس:62- 64].
ولا شكَّ أن الله تبارك وتعالى بيَّن أنه وَلِيُّ المؤمنين، كما قال الله في الحديث القدسي: مَن عادى لِي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب[32]رواه البخاري: 6502..
ومن هذه الأمور أو الثمرات العظيمة التي يجدها الإنسان المؤمن بالله تعالى ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا: الفوز برضا الله تعالى، والنَّجاة من النار، كما قال الله : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:71- 72].
وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ من الجنة، وأكبر من كل شيءٍ، رضوان الله تعالى على عبده، ما حصل لهم ذلك إلا بالإيمان بالله تعالى وبما أخبر به.
الإيمان الكامل يَحُول بين العبد وبين النار، فهو يُحَرِّمه على النار كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام[33]قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد حرَّم على النار مَن قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله رواه … Continue reading، أما الإيمان الضعيف فهو كذلك يُنْجِيه من الخلود في النار على مذهب أهل السُّنة والجماعة: أن المؤمن كامل الإيمان الذي لا ذنب عليه ولا كبيرة يدخل الجنة من أول وَهْلَةٍ، أما العاصي الذي عنده كبيرةٌ من كبائر الذنوب، فإن شاء الله تعالى عفا عنه، وإن شاء أدخله النار، لكنه يخرج بإيمانه وبشفاعة الشافعين، وهذا من فضل الله تعالى، ثم فضل الإيمان بالله تعالى.
الإيمان يدفع الله عن صاحبه الشرور في الدنيا والآخرة، كما قال الله : إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ [الحج:38]، فإذا آمن العبد بالله تعالى إيمانًا كاملًا واعتقادًا جازمًا فإنه يُدافع عنه، ويدفع عنه كلَّ ما يخافه، وكلَّ ما يهرب منه.
والإيمان يُثْمِر الحياة الطيبة، كما قال الله : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، فهو يُثْمِر الحياة الطيبة؛ حياةً في الدنيا طيبةً، وفي الآخرة الجنة، كما قال الله في هذه الآية، يهدي به الله تعالى إلى صراطٍ مستقيمٍ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ [يونس:9- 10].
وكذلك لا تُقْبَل الأعمال إلا بالإيمان، فالأعمال بدون الإيمان بالله تعالى لا تُقْبَل، مردودةٌ؛ ولهذا قال الله : فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ [الأنبياء:94]، فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ عمله مقبولٌ.
كذلك يحصل صاحب الإيمان الكامل بالله تعالى على محبة الله تعالى، ومحبة الله للعبد هي أعظم ما يتمنَّاه المُتَمَنُّون، ويحصل على محبة الناس، كما قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم:96]، يجعل لهم محبةً في قلوب العباد؛ لأنهم يُحبون الله.
فإذا أحبَّك الله نادى جبريل : يا جبريل، إني أُحِبُّ فلانًا فَأَحِبَّه، فَيُنادي جبريل في أهل السماء، ثم يُحِبُّه أهل السماء، ثم يُوضَع له القبول في الأرض، وإذا أَبْغَضَ الله العبد نادى جبريل : يا جبريل، إني أُبْغِضُ فلانًا فَأَبْغِضْهُ، فَيُنادي جبريل في أهل السماء: إن الله يُبْغِض فلانًا فَأَبْغِضُوه[34]رواه مسلم: 2637.، نسأل الله لنا ولكم العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
كذلك من ثمرات الإيمان: حصول البشارة بكرامات الله تعالى من جميع الوجوه، وفي بعض الآيات إطلاق البشارة لِتَعُمَّ جميع ما يتمناه الإنسان وكل ما يفرح به، ومن هذا قوله تبارك وتعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة:223] في آياتٍ كثيرةٍ مُطلقةٍ، بدون أن يذكر المُبَشَّر به، وفي بعضها يذكر المُبَشَّر به، وفي بعضها: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ حتى تَعُمَّ هذه البشارة كل ما يتمناه المؤمن في الدنيا والآخرة من النصر والتَّأييد والعِزِّ والثبات، والفوز بالجنة، والنَّجاة من النار، وغير ذلك.
من ثمرات الإيمان بالله تعالى: الانتفاع بالذكر والمواعظ؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى في ذلك: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55].
الثواب المُضاعَف: يُضَاعَف الثواب لصاحب الإيمان الكامل بالله تعالى وبما أخبر به النبي صلوات الله وسلامه عليه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ أي: نصيبين مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الحديد:28]، يُضَاعَف له الثواب، ويُضَاعَف له الأجر من الله تعالى، وهذا من ثمرات الإيمان بالله .
الإيمان صاحبه على خيرٍ في السَّراء وفي الضَّراء، كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: عَجَبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله خيرٌ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إن أصابته سَرَّاء شَكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضَرَّاء صَبَرَ فكان خيرًا له[35]رواه مسلم: 2999.، كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.
..... المُوبقات، يمنع الوقوع في المُهْلِكات، وفي الذنوب والمعاصي؛ لأنه يؤمن بالله تعالى، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمنٌ[36]رواه البخاري: 2475، ومسلم: 57.؛ لأنه يؤمن بالله، ويعلم أن الله يراه، وأنه مُطَّلِعٌ عليه، فلا يعمل هذا؛ ولهذا كان الإيمان القوي يَحُول بين العبد وبين المعاصي، فينتفع بهذا الإيمان نفعًا عظيمًا.
كذلك ينصر الله به العبد -الإيمان- فالله ينصر العبد في الدنيا والآخرة بالإيمان بالله تعالى، والله قد قال: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47]، المؤمن بالله وبما أخبر به.
كذلك عدم تسليط الأعداء على المؤمنين إذا آمنوا بالله إيمانًا كاملًا؛ قاموا بجميع ما أمر به، وابتعدوا عن جميع ما حرَّمه ؛ فحينئذٍ لا يُسَلِّط الله عليهم الأعداء، ولا يجعل الله لهم عليهم سبيلًا؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141].
لكن انتبه، يقول: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا المؤمن الذي آمن بالله تعالى، وقام بجميع ما أمر الله به، وابتعد عن جميع ما نهى الله عنه، فلن يجعل الله للكافرين عليه سبيلًا؛ لأنه قيَّده بالإيمان.
كذلك من الثمرات العظيمة التي يَجْنِيها المسلم من الإيمان بالله تعالى: الأجر العظيم، كما قال في المؤمنين يُبَيِّن أنه يُعْطَى المؤمن الأجر العظيم: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:146].
ومحبة الله تبارك وتعالى تحصل للعبد، ومعية الله تعالى له -معية التوفيق والتَّسديد والإعانة-: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:19]، معهم بنصره وتوفيقه وإحسانه تبارك وتعالى وتثبيته، وغير ذلك من الأمور التي يتمنَّاها المسلم، والتي يُحب المسلم أن يحصل عليها من ثمرات هذا الإيمان بالله تعالى.
وكذلك من الأمور التي يَجْنِيها المسلم من ثمرات الإيمان بالله تعالى: أنه يستحضر عظمة الله تعالى؛ فينتفع بذلك في الدنيا والآخرة.
إذا آمن بالله، وعلم أنَّ الله يراه ، وعلم أنه يَطَّلع عليه، وعلم أنه لا تخفى عليه خافيةٌ، وعلم أنه يعلم سِرَّه ونَجْوَاه، هذا من أقوى عُرَى الإيمان بالله تعالى؛ لأنه يَطَّلع عليه ؛ ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران:5].
فالمؤمن بالله يعلم أنَّ الله لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض والسماء، فيبتعد عن جميع المُحرَّمات، ولا يظلم أحدًا، ولا يُقَصِّر في واجبٍ أوجبه الله، ولا يرتكب مُحَرَّمًا حرَّمه الله؛ لأنه يعلم أنَّ الله يعلم ذلك: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7].
وقال عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة:116]، فهو يعلم كل شيءٍ، فهو مُسْتَوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله، ويعلم كل شيءٍ.
فأنت تستفيد من الإيمان بالله المُراقبة -درجة المُراقبة- التي لا تحصل إلا للمؤمن الذي يُؤمن بالله، ويُؤمن بصفاته، ويُؤمن بقُدرته، ويعلم أنَّ له السمع وله البصر اللائق بجلاله، ويراه ويَطَّلع عليه، ولا تخفى عليه خافيةٌ، فهو يُراقبه لإيمانه به، ويستحي منه أن يفعل شيئًا حرَّمه، أو يترك شيئًا أوجبه، كما قال يُرَغِّب الناس في ذلك: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59]، وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [يونس:61]، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة:235]، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19].
إذا تحقق هذا عند العبد المؤمن فإنه يستفيد من إيمانه: أنه لا يعمل معصيةً حرَّمها الله تعالى عليه.
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ [الفرقان:58]، وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:217- 219]، لا يخفى عليه شيءٌ .
ولا شكَّ أنَّ الإنسان إذا آمن بذلك يبلغ درجة الإحسان الذي هو المُراقبة لله وإحسان العبادة، يعلم أن الله يراه، وأنه مُطَّلِعٌ عليه، فإذا علم ذلك لا يمكن أن يعصيه؛ ولهذا قال بعض القائلين:
| إذا ما خَلَوْتَ الدهرَ يومًا فلا تَقُلْ | خَلَوْتُ، ولكنْ قُل: عليَّ رقيبُ |
| ولا تحسبنَّ اللهَ يَغْفُلُ ساعةً | ولا أنَّ ما يَخْفَى عليه يَغِيبُ[37]البيتان لصالح بن عبدالقدوس. ينظر: "الحماسة" للبحتري: ص446. |
وقال الآخر:
| وإذا خلوتَ بريبةٍ في ظُلْمَةٍ | والنفس داعيةٌ إلى الطغيانِ |
| فَاسْتَحِي من نَظَر الإله وقُلْ لها | إنَّ الذي خَلَقَ الظلام يراني[38]البيتان للقحطاني. ينظر: "القصيدة النونية" للقحطاني: ص29- 30. |
| يا مَن يرى مَدَّ البعوض جناحها | في ظُلْمَةِ الليل البهيم الأَلْيَلِ[39]شديد الظلمة. ينظر: "العين" للخليل بن أحمد: 8/ 363. |
| ويرى عروق نِيَاطها[40]النياط: عِرْقٌ عُلِّق به القلب من الوتين، فإذا قُطِعَ مات صاحبه. ينظر: "الصحاح" للجوهري: 3/ 1166. في نحرها | والمخَّ في تلك العظام النُّحَّل[41]البيتان للزمخشري. ينظر: "الكشاف" للزمخشري: 1/ 116. |
يرى البعوضة في الظلمة، ويرى مَدَّ جناحها في الظلمة، ويرى عروق نحرها، ويرى المخَّ يجري في تلك العظام، وهذا يدل على قُدرته ، وأنه على كل شيءٍ قديرٌ.
ولا شكَّ أن العبد إذا آمن بالله تعالى تحققتْ هذه المُراقبة في قلبه؛ فَابْتَعَدَ عن جميع المُحرمات؛ ولهذا قال لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16]، لا تخفى عليه خافيةٌ.
فيا عبدالله، عليك أن تعلم ذلك، وتعلم أن المُراقبة من الإيمان بالله تعالى، فمن الإيمان أن تعرف أن الله يراك؛ ولهذا جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان في طريقه إلى مكة، فوجد مملوكًا في طريقه معه غنمٌ، فقال: "بِعْنِي شاةً"، فقال هذا المملوك: "إني مملوكٌ، وهي لسيدي"، قال: "قُلْ لسيدك: أكلها الذئب"، فقال هذا الرجل المملوك: "فأين الله؟!" إذا قلتُ: أكلها الذئب، فأين الله؟! فبكى ابن عمر رضي الله عنهما، واشتراه وأعتقه لله تعالى[42]رواه أبو داود في "الزهد": 293، وابن أبي الدنيا في "قِصَر الأمل": 187.؛ لأنه يُراقب الله تعالى، ويعلم أن الله يراه.
كذلك ذكر الحافظ ابن رجب في كتابه "كلمة الإخلاص" قصتين تدلان على أن الذي يُراقب الله تعالى قد استكمل الإيمان، إذا راقب الله تعالى واستحضر المُراقبة دائمًا فقد استكمل الإيمان، وهذه المُراقبة وهذا الإيمان يمنعانه من أي معصيةٍ يقترفها.
قال رحمه الله أنَّ رجلًا كان في بَرِّيَّةٍ -في صحراء- ووجد امرأةً في ظُلمة الليل، وليس عندها أحدٌ، فَرَاوَدَها عن نفسها فامتنعتْ، فقال: "ما يرانا إلا الكواكب"، قالت: "فأين مُكَوكِبُها؟!" الذي كَوكَبَها أين هو؟ فهرب وتركها، علم أن الله يراه.
والآخر دخل بيتًا واسعًا، وأمر امرأةً أن تُغْلِق الأبواب مُكْرَهةً بالقوة، وحينما أمرها وأغلقت الأبواب تحت الإكراه قال: "هل بقي من الأبواب شيءٌ؟" قالت: "نعم، يبقى الباب الذي بينك وبين الله، أَغْلِقْهُ"، فهرب وتركها، علم أنَّ الله يراه.
وكما سمعتُم في الحديث السابق الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمنٌ[43]رواه البخاري: 2475، ومسلم: 57..
إذا راقب الله، وعلم أن الله يراه، وعلم أنه مُطَّلِعٌ عليه؛ لا يمكن أن يعصي الله.
إذا راقب الله، وعلم أنه مُطَّلِعٌ عليه؛ لا يمكن أن يقطع رَحِمَه.
إذا راقب الله، وعلم أنه يطَّلع عليه؛ لا يمكن أن يقول زُورًا، ولا يمكن أن يكذب، ولا يمكن أن ينقل النَّميمة ولا الغِيبَة، ولا يمكن أن يظلم؛ لماذا؟
لأنه يعلم أن الله يراه، وأنه مُطَّلِعٌ عليه، وأنه يعلم سِرَّه ونَجْوَاه.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباسٍ رضي الله عنهما -وكان رَدِيفَه-: يا غُلام، إني أُعَلِّمُك كلماتٍ: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجَاهَك، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بالله، واعلم أن الأُمَّة لو اجتمعتْ على أن ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك[44]رواه الترمذي: 2516، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7957..
وهذا من الإيمان بالله، فإذا آمن بالله، وآمن بأن الله على كل شيءٍ قديرٌ، وإذا أراد شيئًا فإنما يقول له: "كن" فيكون؛ فلا يمكن أن يخاف إلا من الله تعالى، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يستغيث إلا به .
فعليك يا عبدالله أن تسأل الله التوفيق والتَّسديد والإعانة؛ فإن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: يا مُقَلِّبَ القلوب، ثَبِّتْ قلبي على دينك[45]رواه الترمذي: 2140 وحسَّنه.، اللهم مُصَرِّفَ القلوب، صَرِّفْ قلوبنا على طاعتك[46]رواه مسلم: 2654..
كان يقول عليه الصلاة والسلام ذلك، فقيل له: يا رسول الله، آمَنَّا بك وبما جئتَ به، فهل تخاف علينا؟ فقال: نعم، إنَّ القلوب بين أصبعين من أصابع الله يُقَلِّبُها كيف يشاء[47]رواه الترمذي: 2140 وحسَّنه..
فهو يسأل الله التوفيق والثبات، وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام، فينبغي لي ولك ولكل مسلمٍ أن يسأل الله التوفيق والتَّسديد والإعانة.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يرزقني وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، والتوفيق لما يُحبه ويرضاه، وأن يجعلنا وإياكم ممن يُراقبون الله تعالى، ويؤمنون به الإيمان الكامل الذي يُعِينهم ويحصلون به على الثمرات في الدنيا والآخرة، إنه وَلِيُّ ذلك والقادر عليه.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
| ^1 | رواه البخاري: 1358 واللفظ له، ومسلم: 2658. |
|---|---|
| ^2 | رواه مسلم: 2865. |
| ^3 | رواه البخاري: 4854. |
| ^4 | رواه البخاري: 4023. |
| ^5 | جمع: فَجٍّ، وهو الطريق الواسع بين الجبلين. ينظر: "الصحاح" للجوهري: 1/ 333. |
| ^6 | أي: مُظلم. |
| ^7 | أي: ساكن. ينظر: "مختار الصحاح" للرازي: ص143. |
| ^8 | رواه البخاري: 1014. |
| ^9 | رواه البخاري: 933. |
| ^10 | رواه مسلم: 897. |
| ^11 | رواه البخاري: 1014، ومسلم: 897. |
| ^12 | رواه البخاري: 933، ومسلم: 897. |
| ^13 | ينظر: "تفسير الطبري": 22/ 113، و"تفسير السمرقندي": 3/ 233، و"البداية والنهاية" لابن كثيرٍ: 3/ 149. |
| ^14 | رواه أحمد: 2400، والدارمي: 42، وذكره الألباني في "السلسلة الصحيحة": 2174. |
| ^15 | رواه مسلم: 2277. |
| ^16 | رواه مسلم: 3012. |
| ^17 | أي: تَشُقُّها. ينظر: "مرقاة المفاتيح" لملا علي القاري: 9/ 3822. |
| ^18 | رواه بنحوه الدارمي: 16، وابن حبان: 6505، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5925. |
| ^19 | إناءٌ صغيرٌ من جِلْدٍ يُشْرَب فيه الماء. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 2/ 261. |
| ^20 | رواه البخاري: 4152. |
| ^21 | رواه البخاري: 1145، ومسلم: 758. |
| ^22 | رواه مسلم: 758. |
| ^23 | رواه أحمد: 24601، وصححه محققو "المسند". |
| ^24 | رواه مسلم: 2313. |
| ^25 | رواه مسلم: 2312. |
| ^26 | رواه مسلم: 1776. |
| ^27 | رواه البخاري: 2864، ومسلم: 1776. |
| ^28 | رواه مسلم: 1777. |
| ^29 | رواه البخاري: 1356، ولفظ التَّشهُّد عند أحمد: 12792. |
| ^30 | رواه أحمد: 23492، وذكره الألباني في "السلسلة الصحيحة": 3269. |
| ^31, ^32 | رواه البخاري: 6502. |
| ^33 | قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد حرَّم على النار مَن قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله رواه البخاري: 425، ومسلم: 33. |
| ^34 | رواه مسلم: 2637. |
| ^35 | رواه مسلم: 2999. |
| ^36, ^43 | رواه البخاري: 2475، ومسلم: 57. |
| ^37 | البيتان لصالح بن عبدالقدوس. ينظر: "الحماسة" للبحتري: ص446. |
| ^38 | البيتان للقحطاني. ينظر: "القصيدة النونية" للقحطاني: ص29- 30. |
| ^39 | شديد الظلمة. ينظر: "العين" للخليل بن أحمد: 8/ 363. |
| ^40 | النياط: عِرْقٌ عُلِّق به القلب من الوتين، فإذا قُطِعَ مات صاحبه. ينظر: "الصحاح" للجوهري: 3/ 1166. |
| ^41 | البيتان للزمخشري. ينظر: "الكشاف" للزمخشري: 1/ 116. |
| ^42 | رواه أبو داود في "الزهد": 293، وابن أبي الدنيا في "قِصَر الأمل": 187. |
| ^44 | رواه الترمذي: 2516، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7957. |
| ^45, ^47 | رواه الترمذي: 2140 وحسَّنه. |
| ^46 | رواه مسلم: 2654. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط