تخطى إلى المحتوى

التشويق إلى حج بيت الله العتيق

التشويق إلى حج بيت الله العتيق - Image 1

جدول المحتويات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

التشويق إلى حج بيت الله العتيق

فهذه كلماتٌ مُختصراتٌ في التشويق إلى حج بيت الله العتيق، أسأل الله تعالى أن ينفعني بها، وينفع بها من انتهت إليه؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جديرٌ.

وهي على النحو الآتي:

الحج والعمرة المقبولان يغفران الذنوب

أولًا: مَن حجَّ البيت الحرام أو اعتمر فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رَجَعَ كيوم ولدته أمُّه؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : مَن حجَّ هذا البيت فلم يَرْفُثْ...[1]قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: "إنما الرَّفَث ما رُوجِعَ به النساء"، كأنه يرى الرَّفَث الذي نهى الله عنه ما … Continue readingولم يَفْسُقْ...[2]أصل الفسوق: الخروج عن الاستقامة، والجَوْر، وبه سُمِّيَ العاصي فاسقًا. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 3/ 446. ولا … Continue readingرَجَعَ كما ولدَتْه أمُّه[3]رواه البخاري: 1819 واللفظ له، ومسلم: 1350..

وفي لفظ مسلمٍ: مَن أتى هذا البيت فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رَجَعَ كما ولدَتْه أمُّه[4]رواه مسلم: 1350. وفي "سنن الترمذي": 811: غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه.، وهذا اللفظ يشمل الحج والعمرة[5]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 382..

بين عمرتين مغفرةٌ.. وفي الحج المبرور الجنة

ثانيًا: العمرة إلى العمرة تُكَفِّر ما بينهما، والحج المبرور جزاؤه الجنة؛ لحديث أبي هريرةَ أن رسول الله قال: العمرة إلى العمرة كفَّارةٌ لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة[6]رواه البخاري: 1773، ومسلم: 1349..

والحج المبرور: هو الذي لا رياء فيه ولا سُمعة، ولم يُخالطه إثمٌ، ولا تعقبه معصيةٌ، وهو الحج الذي وُفِّيَتْ أحكامُه، ووقع موقعًا لما طُلِبَ من المُكَلَّف على الوجه الأكمل، وهو المقبول، ومن علامات القَبُول: أن يرجع خيرًا مما كان، ولا يُعاود المعاصي.
والمبرور: مأخوذٌ من البر، وهو الطاعة، والله أعلم[7]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 382، و"المنهاج" للنووي: 9/ 119..

الحج يهدم ما كان قبله من الذنوب

ثالثًا: الحج يهدم ما كان قبله؛ لحديث عمرو بن العاص ، وفيه أنه قال: فلما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيتُ النبي فقلتُ: ابسُط يمينك فَلْأُبَايِعْكَ، فبَسَطَ يمينه. قال : فقبضتُ يدي، قال : ما لك يا عمرو؟، قلتُ: أردتُ أن أشترط، قال : تشترط بماذا؟، قلتُ: أن يُغْفَرَ لي، قال : أما علمتَ أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟[8]رواه مسلم: 121..

الحج المبرور من أفضل الأعمال

رابعًا: الحج المبرور من أفضل الأعمال بعد الجهاد في سبيل الله؛ لحديث أبي هريرةَ قال: سُئِلَ النبي : أيُّ الأعمال أفضل؟ قال : إيمانٌ بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال : جهادٌ في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال : حَجٌّ مبرورٌ[9]رواه البخاري: 1519 واللفظ له، ومسلم: 83..

الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب

خامسًا: الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب، والحج المبرور ثوابه الجنة؛ لحديث عبدالله بن مسعودٍ قال: قال رسول الله : تابِعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكِيرُ[10]الكِيرُ: الذي ينفخ فيه الحدَّاد. ينظر: "تهذيب اللغة" للأزهري: 10/ 188. خَبَثَ الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور ثوابٌ دون الجنة[11]رواه الترمذي: 810، والنسائي: 2631 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2468. وجاء الحديث مختصرًا عن ابن … Continue reading.

الحج أفضل الجهاد وأجمله

سادسًا: أفضل الجهاد وأجمله الحج المبرور؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نُجاهِد؟ قال: لا، لكنَّ أفضل الجهاد حَجٌّ مبرورٌ[12]رواه البخاري: 1520..

وفي روايةٍ: أنها رضي الله عنها قالت: قلتُ: يا رسول الله، ألا نغزو ونُجاهِد معكم؟ فقال : لكنَّ أحسن الجهاد وأجمله الحجُّ؛ حجٌّ مبرورٌ، فقالت عائشة رضي الله عنها: فلا أَدَعُ الحج بعد إذ سمعتُ هذا من رسول الله [13]رواه البخاري: 1861 بهذا اللفظ، و2875 بلفظ: استأذنتُ النبيَّ في الجهاد، فقال: جهادكُنَّ الحجُّ..

وعنها رضي الله عنها قالت: قلتُ: يا رسول الله، على النساء جهادٌ؟ قال : نعم، عليهن جهادٌ لا قتال فيه: الحجُّ والعمرة[14]رواه ابن ماجه: 2901 واللفظ له، وأحمد: 25322، وصحَّحه الألباني في "إرواء الغليل": 981..

ولفظ النسائي: أنها رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، ألا نخرج فنُجاهِد معك؛ فإني لا أرى عملًا في القرآن أفضلَ من الجهاد؟! قال : لا، ولكنَّ أحسن الجهاد وأجمله حَجُّ البيت؛ حَجٌّ مبرورٌ[15]رواه النسائي: 2628، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2465..

الحاجُّ والمُعتمِر وَفْدُ الله

سابعًا: الحاجُّ والمُعتمِر وَفْدُ الله تعالى؛ لحديث أبي هريرةَ قال: قال رسول الله : وفد الله ثلاثةٌ: الغازي، والحاجُّ، والمُعتمِر[16]رواه النسائي: 2625، وابن خزيمة: 2511، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2462. وسمعتُ شيخنا ابن باز رحمه الله … Continue reading.

والمعنى: السائرون إلى الله تعالى القادمون عليه من المسافرين ثلاثة أصنافٍ، فتخصيص هؤلاء من بين العابدين لاختصاص السفر بهم عادةً[17]ينظر: "حاشية السندي على سنن النسائي": 5/ 113.، وفيه إضافةُ تشريفٍ لهؤلاء.

إجابة دعاء الحاجِّ والمُعتمِر

ثامنًا: المُعتمِر والحاجُّ يُعطيهم الله ما سألوه؛ لحديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: عن النبي  قال: الغازي في سبيل الله والحاجُّ والمُعتمِر وَفْدُ الله؛ دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم[18]رواه ابن ماجه: 2893، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1108..

الحج والعمرة جهاد الضعفاء

تاسعًا: الحج والعمرة جهادُ الكبير والصغير والضعيف والمرأة؛ لحديث أبي هريرةَ عن رسول الله قال: جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة: الحجُّ والعمرة[19]رواه النسائي: 2626، وحسَّنه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2463..

الجمادات تُلبِّي مع المُلبِّي

عاشرًا: الحاجُّ والمُعتمِر يُلبِّي معه الشجر والحجر حتى تنقطع الأرض عن يمينه وشماله؛ لحديث سَهْلٍ قال: قال رسول الله : ما من مسلمٍ يُلَبِّي إلا لبَّى مَن عن يمينه وشماله مِن حَجَرٍ أو شَجَرٍ أو مَدَرٍ[20]المَدَر: قِطَعُ طينٍ يابسٍ. ينظر: "العين" للخليل بن أحمد: 8/ 38.، حتى تنقطع الأرض من هاهُنا وهاهُنا[21]رواه الترمذي: 828 واللفظ له، وابن ماجه: 2921، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 5770، و"صحيح الترغيب والترهيب": 1134..

مُباهاة الله بالحُجَّاج أهل عرفة

الحادي عشر: الله تعالى يُباهي بالحُجَّاج في عرفة الملائكة؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: إنَّ رسول الله قال: ما مِن يومٍ أكثرَ مِن أن يُعْتِقَ الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفةَ، وإنه ليدنو ثم يُباهِي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟[22]رواه مسلم: 1348..

دعاء يوم عرفة خير الدعاء

الثاني عشر: خير الدعاء دعاء الحُجَّاج يوم عرفة؛ لحديث عمرو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه : أن النبي قال: خير الدعاء دعاءُ يوم عرفة، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيُّون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ[23]رواه الترمذي: 3585، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1536..

عُمرةُ رمضان تَعْدِل حَجَّةً مع النبي

الثالث عشر: عُمرةٌ في رمضان تَعْدِلُ حَجَّةً مع النبي ؛ لحديث عبدالله بن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: لمَّا رجع النبي من حَجَّتِه قال لأم سِنانٍ: ما مَنَعَكِ من الحجِّ؟ قالت: أبو فلانٍ -تعني: زوجها- كان له ناضحان[24]الناضح: الجمل يُسْتَقَى عليه. ينظر: "غريب الحديث" للحربي: 2/ 897.، حجَّ على أحدهما، والآخر يسقي أرضًا لنا. قال : فإنَّ عُمْرَةً في رمضانَ تَقضِي حَجَّةً معي[25]رواه البخاري: 1863 واللفظ له، ومسلم: 1256، وفي لفظٍ لمسلم: فإذا جاء رمضان فاعتمري؛ فإنَّ عُمْرَةً فيه تَعْدِلُ … Continue reading.

فضل استلام الرُّكْنَين والطواف

الرابع عشر: مسح الحجر الأسود والرُّكْن اليماني، يَحُطَّان الخطايا حَطًّا، والطواف بالبيت كعِتْق رقبةٍ، وكل خطوةٍ يُكْتَب له بها عشر حسناتٍ، ويُحَطُّ عنه عشر سيئاتٍ، ويُرفع له عشر درجاتٍ؛ لحديث عبدالله بن عُبيد بن عُميرٍ، أنه سَمِعَ أباه يقول لابن عُمَرَ رضي الله عنهما: "ما لي لا أراك تستلم إلا هذين الرُّكْنَين: الحَجَرَ الأسود، والرُّكْن اليماني؟" فقال ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: إنْ أفعل فقد سمعتُ رسول الله يقول: إنَّ استلامهما يَحُطُّ الخطايا.

وقال: وسمعتُه يقول: من طاف أسبوعًا[26]أي: سبع مراتٍ. ينظر: "مجمع بحار الأنوار" للكجراتي: 3/ 20. يُحصيه، وصلى ركعتين؛ كان كعِدْل رقبةٍ.

وقال: وسمعتُه يقول: ما رَفَعَ رَجُلٌ قدمًا ولا وضعها إلا كُتِبَتْ له عشرُ حسناتٍ، وحُطَّ عنه عشرُ سيئاتٍ، ورُفِعَ له عشرُ درجاتٍ[27]رواه أحمد: 4462، وابن خزيمة: 2729 مختصرًا، وحسَّنه محققو "المسند"..

وفي لفظٍ لأحمد: أراك تُزاحم على هذين الرُّكْنَين؟ قال: إنْ أفعل فقد سمعتُ رسول الله يقول: إنَّ مَسْحَهما يَحُطَّان الخطايا[28]رواه أحمد: 5701، والطبراني في "المعجم الكبير": 13439، وحسَّنه محققو "المسند". ورواه بنحوه: الترمذي: 959، والنسائي: 2919، … Continue reading.

مضاعفة أجر الصلاة في المسجد الحرام

الخامس عشر: الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاةٍ فيما سواه؛ لحديث جابرٍ : أنَّ رسول الله قال: صلاةٌ في مسجدي أفضلُ من ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجدَ الحرام، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضلُ من مئة ألف صلاةٍ فيما سواه[29]رواه ابن ماجه: 1406 واللفظ له، وأحمد: 15271، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1173..

شهادة الحجر الأسود يوم القيامة

السادس عشر: مَن طاف بالبيت العتيق واستلم الحجر الأسود شَهِدَ له يوم القيامة؛ لحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله في الحَجَر: واللهِ لَيَبْعَثَنَّه اللهُ يوم القيامة له عينان يُبْصِر بهما، ولسانٌ ينطق به، يشهد على مَن استلمه بحقٍّ[30]رواه الترمذي: 961 واللفظ له، وأحمد: 2215، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1144..

وعنه أيضًا قال: قال رسول الله : نزل الحجر الأسود من الجنة أشدَّ بياضًا من الثلج، فسوَّدَتْه خطايا بني آدم[31]رواه الترمذي: 877 بلفظ: وهو أشدُّ بياضًا من اللبن، وابن خزيمة: 2733 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب … Continue reading.

الحج من كمال الإسلام

السابع عشر: مَن حجَّ البيت كمُل إسلامه؛ لحديث عُمَرَ بن الخطاب في سؤالِ جبريلَ النبيَ عن الإسلام، قال : يا محمد، ما الإسلام؟ قال : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن تُقِيمَ الصلاة، وتُؤتِيَ الزكاة، وتَحُجَّ البيت وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وأن تُتِمَّ الوضوء، وتصوم رمضان. قال : فإذا فعلتُ ذلك فأنا مسلمٌ؟ قال : نعم. قال : صدقتَ[32]رواه ابن خزيمة: 1، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 175. ورواه البخاري: 50 بنحوه من حديث أبي هريرةَ ، … Continue reading.

ثواب الخروج والسفر إلى الحج

الثامن عشر: الحاجُّ إذا خرج من بيته قاصدًا البيت الحرام كُتِبَ له بكل خطوةٍ يخطوها هو ودابته حسنةٌ، ومحا الله عنه خطيئةً، ورُفعت له درجةٌ؛ لحديث عُبادةَ بن الصامت -يرفعه-، وفيه: فإنَّ لك من الأجر إذا أَمَمْتَ البيت العتيق ألا ترفع قدمًا أو تضعها أنت ودابتك إلا كُتِبَتْ لك حسنةٌ، ورُفِعَت لك درجةٌ[33]رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 2320، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1113..

وفي حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما -يرفعه-: فإنك إذا خرجتَ من بيتك تَؤُمُّ البيت الحرام[34]أي: تقصده، من الأَمَم، وهو القصد. ينظر: "مقاييس اللغة" لابن فارس: 1/ 30. لا تَضَعُ ناقتُك خُفًّا ولا ترفعه، إلا كتب الله لك به حسنةً ومحا عنك خطيئةً[35]رواه البزار: 6177 واللفظ له، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1112..

ثواب ركعتي الطواف

التاسع عشر: الحاجُّ والمُعْتَمِر يُكتَب لكلٍّ منهما بركعتَي الطواف عِتْقُ رقبةٍ من بني إسماعيل ؛ لحديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، وفيه: وأمَّا ركعتاك بعد الطواف كعِتْقِ رقبةٍ من بني إسماعيل[36]رواه البزار: 6177، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1112..

ثواب السعي بين الصفا والمروة

العشرون: طواف الحاجِّ أو المُعتمِر بين الصفا والمروة كعتق سبعين رقبةً؛ لحديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، وفيه: وأمَّا طوافُك بالصفا والمروة بعد ذلك كعِتْق سبعين رقبةً[37]رواه البزار: 6177، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1112..

مغفرة الذنوب في عرفة

الحادي والعشرون: الحاج يُغْفَر له في وقوفه بعرفة، ولو كانت ذنوبه عدد الرمل أو قطر المطر، ويُباهي به الله الملائكة؛ لحديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما -يرفعه-، وفيه: وأمَّا وقوفُك عشيَّة عرفةَ، فإنَّ الله تبارك وتعالى يَهبِط إلى السماء الدنيا فيُباهي بكم الملائكة، يقول: عبادي جاؤوني شُعْثًا من كل فجٍّ عميقٍ يرجون رحمتي، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل أو كقَطْر المطر أو كزَبَد البحر، لغَفَرَها أو لَغَفَرْتُها. أفيضوا عبادي مغفورًا لكم ولمن شفعتم له[38]رواه البزار: 6177، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1112.

وفي حديث عُبادةَ بن الصامت -يرفعه-: وأمَّا وقوفُك بعرفة، فإن الله يقول لملائكته: يا ملائكتي، ما جاء بعبادي؟ قالوا: جاؤوا يلتمسون رضوانك والجنة، فيقول الله : فإني أُشْهِد نفسي وخلقي أني قد غفرتُ لهم عدد أيام الدهر، وعدد القَطْر، وعدد رمل عالِجٍ[39]رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 2320، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1113. ورَمْلُ عَالِجٍ: جبالٌ … Continue reading.

وفي لفظٍ لحديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: فإذا وَقَفَ بعرفةَ، فإنَّ الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: انظروا إلى عبادي شُعْثًا غُبْرًا، اشهدوا أني قد غفرتُ لهم ذنوبهم، وإنْ كان عدد قَطْر السماء ورمل عالِجٍ[40]رواه ابن حبان: 1887، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1155..

وعن أبي هريرةَ ، عن رسول الله قال: إنَّ الله يُباهي بأهل عرفاتٍ ملائكة أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي هؤلاء، جاؤوني شُعْثًا غُبْرًا[41]رواه أحمد: 8047، وابن خزيمة: 2839، وابن حبان: 3852 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1132..

وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ كان يقول: إنَّ الله يُباهي ملائكته عَشِيَّةَ عرفةَ بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شُعْثًا غُبْرًا[42]رواه أحمد: 7089، والطبراني في "المعجم الصغير": 575، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1153..

مغفرة الله لأهل عرفاتٍ والمَشْعَر الحرام

الثاني والعشرون: يغفر الله تعالى لأهل عرفات، وأهل المَشْعَر؛ لحديث أنس بن مالكٍ قال: وقف النبيُّ بعرفاتٍ، وقد كادت الشمس أن تؤوب[43]أي: تَغْرُب، من الأَوْب وهو الرجوع؛ لأنها ترجع بالغروب إلى الموضع الذي طَلَعْت منه. ينظر: "النهاية" لابن … Continue reading، فقال : يا بلال، أَنْصِتْ لي الناس، فقام بلالٌ فقال: "أَنْصِتُوا لرسول الله "، فأنصت الناس، فقال : معشر الناس، أتاني جبرائيل آنفًا، فأقرأني من ربِّي السلام وقال: إنَّ الله غفر لأهل عرفاتٍ وأهل المَشْعَر، وضَمِنَ عنهم التَّبِعَات[44]التَّبِعَات: جمع تَبِعَةٍ، وهي: ما يَتْبَع المالَ من نوائب الحقوق، وهو من: تَبِعْتُ الرجل بحقِّي. ينظر: … Continue reading، فقام عُمَرُ بن الخطاب فقال: يا رسول الله، هذا لنا خاصةً؟ قال : هذا لكم ولمَن أتى مِن بعدكم إلى يوم القيامة، فقال عُمَرُ بن الخطاب : "كَثُرَ خيرُ الله وطاب"[45]ذكره المنذري في "الترغيب والترهيب": 2/ 131، وعزاه -جازمًا به- إلى ابن المبارك، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب … Continue reading.

وعن بلال بن رَبَاحٍ أنَّ النبيَّ قال له غداةَ جَمْعٍ: يا ‌بلال، ‌أَسْكِتِ ‌الناس أو أَنْصِتِ الناس، ثم قال : إنَّ الله تَطَوَّل عليكم[46]أي: تفضَّل وتكرَّم عليكم. ينظر: "شرح سنن ابن ماجه" للسيوطي وغيره: ص217. في جمعكم هذا، فوَهَبَ مُسيئكم لمُحسِنكم، وأعطى مُحسِنكم ما سأل، ادفعوا باسم الله[47]رواه ابن ماجه: 3024، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": ‌‌1624..

ثواب رمي الجِمار

الثالث والعشرون: الحاجُّ له بكل حصاةٍ يرمي بها الجِمار مع التوبة تكفيرُ كبيرةٍ من المُوبقات؛ لحديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، وفيه: وأمَّا رَمْيُك الجِمَار؛ فلك بكل حصاةٍ رميتَها كبيرةٌ من الموبقات[48]رواه البزار: 6177، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1112..

وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما -رَفَعَه إلى النبي - قال: لمَّا أتى إبراهيمُ خليلُ الله المناسكَ، عَرَضَ له الشيطان عند جمرة العَقَبة، فرماه بسبع حَصَيَاتٍ حتى ساخ في الأرض[49]أي: دخل فيها. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 3/ 65.، ثم عَرَضَ له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حَصَيَاتٍ حتى ساخ في الأرض، ثم عَرَض له عند الجمرة الثالثة فرماه بسبع حَصَيَاتٍ حتى ساخ في الأرض. قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: "الشيطانَ ترجمون، وملَّةَ أبيكم إبراهيم تتَّبعون"[50]رواه أحمد: 2794، وابن خزيمة: 2967، والحاكم: 1727 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1156..

ثواب الحَلْق والنَّحْر

الرابع والعشرون: الحاجُّ يُعْطَى بكل شعرةٍ حَلَقَها حسنةً، وتُمْحَى عنه بها خطيئةٌ، وله بكل شعرةٍ نورٌ يوم القيامة، وما ينحره من الهَدْي مُدَّخَرٌ له عند الله؛ لحديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، وفيه: وأما نَحْرُك فمذخورٌ لك عند ربك، وأما حِلاقُك رأسَك فلك بكل شعرةٍ حَلَقْتَها حسنةً، وتُمحَى عنك بها خطيئةٌ[51]رواه البزار: 6177، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1112..

وفي حديث عُبادةَ بن الصامت : وأما حلقُك رأسَك، فإنه ليس من شعرك شعرةٌ تقع في الأرض إلا كانت لك نورًا يوم القيامة[52]رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 2320، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1113..

فضل التلبية والتكبير

الخامس والعشرون: إذا لبَّى المُلبِّي في الحج أو كبَّر بُشِّرَ بالجنة. وجاء في فضل رفع الصوت بالتلبية من حديث أبي هريرةَ ، عن النبي قال: ما أَهَلَّ مُهِلٌّ[53]أَهَلَّ: رفع صوته بالتلبية. ينظر: "الصحاح" للجوهري: 5/ 1852. قطُّ إلا بُشِّرَ، ولا كبَّر مُكَبِّرٌ قطُّ إلا بُشِّرَ، قيل: يا رسول الله، بالجنة؟ قال: نعم[54]رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 7779، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1137..

وعن أبي بكرٍ الصديق : أنَّ رسول الله سُئِلَ: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال : العَجُّ، والثَّجُّ[55]العَجُّ: رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ: سَيَلان دم الهَدْي. ينظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد: 1/ 279.[56]رواه ابن ماجه: 2924، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1138..

ولفظ الترمذي: أنَّ النبي سُئِلَ: أيُّ الحج أفضل؟ قال : العَجُّ والثَّجُّ[57]رواه الترمذي: 827، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1138..

وقوع الحج في أفضل أيام الدنيا

السادس والعشرون: الحج يقع مُعْظَمُه في أفضل أيام الدنيا: عشر ذي الحجة؛ لحديث جابرٍ أن رسول الله قال: أفضل أيام الدنيا أيام العشر، يعني: عشر ذي الحجة. قيل: ولا مِثْلُهُنَّ في سبيل الله؟ قال : ولا مِثْلُهُن في سبيل الله، إلا رجلٌ عَفَّرَ وجهه في التراب. وذَكَرَ عرفةَ فقال : يومُ مُباهاةٍ؛ ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا، فيقول: عبادي شُعْثًا غُبْرًا ضاحين[58]ضاحين: بارزين للشمس غير مُستترين منها. ينظر: "فتح القريب المجيب" للفيومي: 6/ 144.، جاؤوا من كل فَجٍّ عميقٍ، ويستعيذون من عذابي ولم يَرَوْه، فلم يَرَوْا يومًا أكثر عَتِيقًا وعَتِيقةً من النار منه[59]ذكره ابن حجر في "مختصر زوائد مسند البزار": 777، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1150.. هذا لفظ البزار.

ولفظ أبي يعلى: ما من أيامٍ أفضلُ عند الله من عشر ذي الحجة، فقال رجلٌ: يا رسول الله، هي أفضل أم عِدَّتُهُنَّ جهادًا في سبيل الله؟ فقال : هي أفضل من عِدَّتِهِنَّ جهادًا في سبيل الله، إلا عَفِيرًا يُعَفِّرُ وجهه في التراب[60]أي: يصلي حال كونه خاضعًا لله ذليلًا. ينظر: "السراج المنير" للعزيزي: 4/ 214.، وما من يومٍ أفضلُ عند الله من يوم عرفة، ينزل الله إلى السماء الدنيا فيُباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا عبادي شُعْثًا غُبْرًا ضاحين، جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميقٍ، لم يَرَوْا رحمتي ولم يَرَوْا عذابي، فلم أَرَ يومًا أكثر عَتِيقًا من النار من يوم عرفة[61]رواه أبو يعلى: 2090، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1150..

ولعِظَمِ فضلها أقسم الله تعالى بها في كتابه بقوله: وَالْفَجْرِ ۝وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1- 2]، وهي عشر ذي الحجة، كما قاله ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وابن الزُّبَير، ومجاهدٌ، وابن كثيرٍ، وابن القيِّم، وغير واحدٍ من السلف والخلف[62]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 4/ 106، و"زاد المعاد" لابن القيم: 1/ 56..

وهي الأيام التي يكون العمل فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله تعالى؛ لحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى الله من هذه الأيام العشر، فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله : ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيءٍ[63]رواه البخاري: 969، وأبو داود: 2438، والترمذي: 757 واللفظ له..

وهي أيامٌ عظيمةٌ عند الله، والأعمال فيها أحبُّ إليه؛ لحديث عبدالله بن عُمَرَ رضي الله عنهما، عن النبي ، قال: ما من أيامٍ أعظمُ عند الله ولا أحبُّ إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأَكثِروا فيهنَّ من التهليل والتكبير والتحميد[64]رواه أحمد: 5446 واللفظ له، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 3475، وصحَّحه محققو "المسند"..

فضل ماء زمزم

السابع والعشرون: ماء زمزم شفاءُ سُقْمٍ وطعامُ طُعْمٍ، وهو لما شُرِبَ له؛ لحديث أبي ذَرٍّ في قصته الطويلة، وفيه: أنَّ النبي قال له وهو في المسجد الحرام: متى كنتَ هاهُنا؟، قال: قد كنتُ هاهنا منذ ثلاثين ما بين ليلةٍ ويومٍ. قال : فمَن كان يُطعِمُك؟، قال: قلتُ: ما كان لي طعامٌ إلا ماءُ زمزمَ، فَسَمِنْتُ حتى تكسَّرت عُكَنُ بطني[65]يعني: انثنت لكثرة السِّمَن وانطوت. ينظر: "المنهاج" للنووي: 16/ 28.، وما أجد على كَبِدِي سُخْفَةَ جوعٍ[66]بفتح السين وضمها، وهو: رِقَّة الجوع وضعفُه وهُزاله. ينظر: "المنهاج" للنووي: 16/ 29.. قال : إنها مباركةٌ، إنها طعامُ طُعْمٍ[67]رواه مسلم: 2473..

ولفظ البيهقي: إنها مباركةٌ، إنها طعامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقْمٍ[68]رواه البيهقي في "السُّنن الكبير": 9743، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2435..

ولفظ البزار: زمزمُ طعامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقْمٍ[69]رواه البزار: 3929، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1162..

وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله قال: خيرُ ماءٍ على وجه الأرض ماءُ زمزمَ، فيه طعامٌ من الطُّعْم، وشفاءٌ من السُّقْم. وشرُّ ماءٍ على وجه الأرض ماءٌ بوادي بَرَهُوت[70]أي: ماء بئرٍ بوادي بَرَهُوت، وهي بئرٌ عميقةٌ بحضرموت لا يمكن نزول قعرها، وهي المشار إليها بقوله تعالى: … Continue reading بقُبَّة حضرموت، عليه كرِجْل الجراد من الهَوَامِّ[71]الرِّجل: الجراد الكبير؛ أي: فيها هوامُّ كثيرةٌ ككثير الجراد. ينظر: "التنوير شرح الجامع الصغير" للأمير … Continue reading، تُصبح تَدَفَّقُ، وتُمْسِي لا بِلَالَ بها[72]أي: ليس بها قطرة ماءٍ، بل ولا أرضها مُبتلة. ينظر: "التيسير بشرح الجامع الصغير" للمناوي: 1/ 531.[73]رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 8129، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1161..

وعن جابرٍ ، عن النبي قال: ماء زمزمَ لما شُرِبَ له[74]رواه ابن ماجه: 3062، وأحمد: 14849، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1165..

وعن عائشةَ رضي الله عنها أنها حَمَلَتْ ماء زمزمَ في القوارير، وقالت: "حَمَلَه رسول الله في الأداوَى[75]الإداوة: مَطْهَرَةٌ للماء، والجمع: الأداوى. ينظر: "العين" للخليل بن أحمد: 8/ 95. والقِرَب، وكان يَصُبُّ على المرضى ويسقيهم"[76]رواه الترمذي: 963، والبيهقي في "السُّنن الكبير": 10082 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 883..

قال ابن القيم رحمه الله: "وقد جَرَّبْتُ أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزمَ أمورًا عجيبةً، واستشفيتُ به من عِدَّة أمراضٍ، فبرأتُ بإذن الله"[77]ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 4/ 178 و393..

وقال رحمه الله: "لقد مرَّ بي وقتٌ في مكةَ سقمتُ فيه، ولا أجد طبيبًا ولا دواءً، فكنت أُعالج نفسي بالفاتحة فأرى لها تأثيرًا عجيبًا؛ آخُذُ شربةً من ماء زمزمَ وأقرؤها عليها مرارًا، ثم أشربه، فوجدتُ بذلك البُرْءَ التامَّ، ثم صِرتُ أعتمد ذلك عند كثيرٍ من الأوجاع، فأنتفع به غاية الانتفاع، فكنتُ أَصِفُ ذلك لمن يشتكي ألمًا، فكان كثيرٌ منهم يبرأ سريعًا"[78]ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 4/ 178، و"الداء والدواء" لابن القيم: ص21..

ثواب الطواف بالبيت

الثامن والعشرون: إذا طاف الحاجُّ طواف الوداع، خرج من ذنوبه كيوم ولدَتْه أمُّه؛ لحديث عُبادةَ بن الصامت ، وفيه: وأمَّا البيت، إذا ودَّعْتَ فإنك تخرج من ذنوبك كيوم ولدَتْك أمك[79]رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 2320، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1113..

وفضائل الحج والعمرة لا تَحصُل إلا لمَن أخلص عمله لله، وأدَّى حجَّه أو عُمرته على هَدْي رسول الله ؛ فهذان شرطان لا بُدَّ منهما في قبول كل قولٍ وعملٍ.

شروط قبول العمل

الشرط الأول: الإخلاص للمعبود

الشرط الأول: الإخلاص للمعبود؛ لقوله : إنما الأعمال بالنِّيَّات، وإنما لكل امرئٍ ما نَوَى[80]رواه البخاري: 1 واللفظ له، ومسلم: 1907..

ولهذا حَرَصَ النبي على الإخلاص والدعاء به، فعن أنس بن مالكٍ قال: حجَّ النبيُّ على رَحْلٍ رثٍّ وقطيفةٍ[81]القطيفة: كساءٌ له خَمْلٌ. ينظر: "الترغيب والترهيب" للمنذري: 2/ 116. تُساوي أربعة دراهمَ أو لا تُساوي، ثم قال : اللهم حَجَّةً لا رياءَ فيها ولا سُمْعَةَ[82]رواه ابن ماجه: 2890 واللفظ له، وابن أبي شيبة في "المصنف": 16545، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1122..

الشرط الثاني: المتابعة للرسول

الشرط الثاني: المتابعة للرسول ؛ لقوله: مَن عَمِلَ عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ[83]رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718 واللفظ له..

فمن أخلص أعماله لله، مُتَّبِعًا في ذلك رسول الله ، فهذا الذي عمله مقبولٌ، ومَن فَقَدَ الأمرين أو أحدهما فعمله مردودٌ، وهو داخلٌ في قوله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، ومَن جَمَعَ الأمرين فهو داخلٌ في قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء:125]، وقوله: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:112].

فحديث عُمَرَ : إنما الأعمال بالنِّيَّات[84]رواه البخاري: 1 واللفظ له، ومسلم: 1907. ميزانٌ للأعمال الباطنة، وحديث عائشةَ رضي الله عنها: مَن عَمِلَ عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ[85]رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718 واللفظ له. ميزانٌ للأعمال الظاهرة؛ فهما حديثان عظيمان يدخل فيهما الدين كله؛ أصوله وفروعه، ظاهره وباطنه[86]ينظر: "بهجة قلوب الأبرار" للسعدي: ص10..

وأسأل الله تعالى، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا، أن يتقبَّل مني ومن حُجَّاج بيت الله العتيق ومن جميع المؤمنين.

وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.

كتبه الفقير إلى الله تعالى

سعيد بن علي بن وهف القحطاني

^1 قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: "إنما الرَّفَث ما رُوجِعَ به النساء"، كأنه يرى الرَّفَث الذي نهى الله عنه ما خُوطِبَت به المرأة، فأما ما يقوله ولم تسمعه امرأةٌ فغيرُ داخلٍ فيه. وقال الأزهريُّ: "الرَّفَث: كلمةٌ جامعةٌ لكل ما يُريده الرجل من المرأة". ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 2/ 241.
وقال ابن كثيرٍ رحمه الله في تفسير قوله تعالى: فَلَا رَفَثَ: "أي: مَن أحرم بالحج أو العمرة فليجتنب الرَّفَث، وهو الجماع، كما قال تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187]. وكذلك يَحْرُم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، وكذلك التكلُّم به بحضرة النساء". ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 2/ 242.
^2 أصل الفسوق: الخروج عن الاستقامة، والجَوْر، وبه سُمِّيَ العاصي فاسقًا. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 3/ 446.
ولا شكَّ أنَّ الفسوق هو جميع المعاصي، كما قال الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ [البقرة:197]؛ فيدخل في الفسوق جميع المعاصي، كما صوَّبه الإمام ابن كثيرٍ في "تفسيره": 2/ 244.
ومن ذلك: الوقوع في محظورات الإحرام، والسِّبَاب والشَّتْم، كما قال النبي : سِبَابُ المسلم فُسُوقٌ، وقتاله كُفْرٌ. رواه البخاري: 48، ومسلم: 64، وغير ذلك من أنواع المعاصي.
وسمعتُ شيخنا ابن باز رحمه الله يقول في أثناء تقريره على "صحيح البخاري": 1521 و1819: "يدخل في الفسق: المعاصي التي قبل الحج، فإذا كان مُصِرًّا عليها فهو فاسقٌ"، "والرَّفَث: الجماع ودواعيه".
^3 رواه البخاري: 1819 واللفظ له، ومسلم: 1350.
^4 رواه مسلم: 1350. وفي "سنن الترمذي": 811: غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه.
^5 ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 382.
^6 رواه البخاري: 1773، ومسلم: 1349.
^7 ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 382، و"المنهاج" للنووي: 9/ 119.
^8 رواه مسلم: 121.
^9 رواه البخاري: 1519 واللفظ له، ومسلم: 83.
^10 الكِيرُ: الذي ينفخ فيه الحدَّاد. ينظر: "تهذيب اللغة" للأزهري: 10/ 188.
^11 رواه الترمذي: 810، والنسائي: 2631 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2468.

وجاء الحديث مختصرًا عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في "سنن النسائي": 2630 بلفظ: تابِعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديد، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2467.

وجاء عند ابن ماجه: 2887 من حديث عُمَرَ بلفظ: تابِعوا بين الحج والعمرة؛ فإنَّ المُتابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديد، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2899.

^12 رواه البخاري: 1520.
^13 رواه البخاري: 1861 بهذا اللفظ، و2875 بلفظ: استأذنتُ النبيَّ في الجهاد، فقال: جهادكُنَّ الحجُّ.
^14 رواه ابن ماجه: 2901 واللفظ له، وأحمد: 25322، وصحَّحه الألباني في "إرواء الغليل": 981.
^15 رواه النسائي: 2628، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2465.
^16 رواه النسائي: 2625، وابن خزيمة: 2511، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2462. وسمعتُ شيخنا ابن باز رحمه الله يقول في أثناء تقريره على "سنن النسائي": 2625: "سنده جيدٌ".
^17 ينظر: "حاشية السندي على سنن النسائي": 5/ 113.
^18 رواه ابن ماجه: 2893، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1108.
^19 رواه النسائي: 2626، وحسَّنه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2463.
^20 المَدَر: قِطَعُ طينٍ يابسٍ. ينظر: "العين" للخليل بن أحمد: 8/ 38.
^21 رواه الترمذي: 828 واللفظ له، وابن ماجه: 2921، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 5770، و"صحيح الترغيب والترهيب": 1134.
^22 رواه مسلم: 1348.
^23 رواه الترمذي: 3585، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1536.
^24 الناضح: الجمل يُسْتَقَى عليه. ينظر: "غريب الحديث" للحربي: 2/ 897.
^25 رواه البخاري: 1863 واللفظ له، ومسلم: 1256، وفي لفظٍ لمسلم: فإذا جاء رمضان فاعتمري؛ فإنَّ عُمْرَةً فيه تَعْدِلُ حَجَّةً.
^26 أي: سبع مراتٍ. ينظر: "مجمع بحار الأنوار" للكجراتي: 3/ 20.
^27 رواه أحمد: 4462، وابن خزيمة: 2729 مختصرًا، وحسَّنه محققو "المسند".
^28 رواه أحمد: 5701، والطبراني في "المعجم الكبير": 13439، وحسَّنه محققو "المسند".

ورواه بنحوه: الترمذي: 959، والنسائي: 2919، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1139، وفي "صحيح سنن النسائي": 2732.

^29 رواه ابن ماجه: 1406 واللفظ له، وأحمد: 15271، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1173.
^30 رواه الترمذي: 961 واللفظ له، وأحمد: 2215، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1144.
^31 رواه الترمذي: 877 بلفظ: وهو أشدُّ بياضًا من اللبن، وابن خزيمة: 2733 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1146.
^32 رواه ابن خزيمة: 1، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 175. ورواه البخاري: 50 بنحوه من حديث أبي هريرةَ ، ومسلم: 8 بنحوه من حديث عُمَرَ .
^33, ^52, ^79 رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 2320، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1113.
^34 أي: تقصده، من الأَمَم، وهو القصد. ينظر: "مقاييس اللغة" لابن فارس: 1/ 30.
^35 رواه البزار: 6177 واللفظ له، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1112.
^36, ^37, ^38, ^48, ^51 رواه البزار: 6177، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1112.
^39 رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 2320، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1113.

ورَمْلُ عَالِجٍ: جبالٌ متواصلةٌ يتصل أعلاها بالدَّهْناء -والدَّهْناء بِقُرْب اليمامة-، وأسفلُها بِنَجْدٍ، ويتسع اتساعًا كثيرًا، حتى قال البكري: رملُ عالجٍ يُحيط بأكثر أرض العرب. ينظر: "المصباح المنير" للفيومي: 2/ 425.

^40 رواه ابن حبان: 1887، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1155.
^41 رواه أحمد: 8047، وابن خزيمة: 2839، وابن حبان: 3852 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1132.
^42 رواه أحمد: 7089، والطبراني في "المعجم الصغير": 575، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1153.
^43 أي: تَغْرُب، من الأَوْب وهو الرجوع؛ لأنها ترجع بالغروب إلى الموضع الذي طَلَعْت منه. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 1/ 79.
^44 التَّبِعَات: جمع تَبِعَةٍ، وهي: ما يَتْبَع المالَ من نوائب الحقوق، وهو من: تَبِعْتُ الرجل بحقِّي. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 1/ 179.
^45 ذكره المنذري في "الترغيب والترهيب": 2/ 131، وعزاه -جازمًا به- إلى ابن المبارك، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1151.
^46 أي: تفضَّل وتكرَّم عليكم. ينظر: "شرح سنن ابن ماجه" للسيوطي وغيره: ص217.
^47 رواه ابن ماجه: 3024، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": ‌‌1624.
^49 أي: دخل فيها. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 3/ 65.
^50 رواه أحمد: 2794، وابن خزيمة: 2967، والحاكم: 1727 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1156.
^53 أَهَلَّ: رفع صوته بالتلبية. ينظر: "الصحاح" للجوهري: 5/ 1852.
^54 رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 7779، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1137.
^55 العَجُّ: رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ: سَيَلان دم الهَدْي. ينظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد: 1/ 279.
^56 رواه ابن ماجه: 2924، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1138.
^57 رواه الترمذي: 827، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1138.
^58 ضاحين: بارزين للشمس غير مُستترين منها. ينظر: "فتح القريب المجيب" للفيومي: 6/ 144.
^59 ذكره ابن حجر في "مختصر زوائد مسند البزار": 777، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1150.
^60 أي: يصلي حال كونه خاضعًا لله ذليلًا. ينظر: "السراج المنير" للعزيزي: 4/ 214.
^61 رواه أبو يعلى: 2090، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1150.
^62 ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 4/ 106، و"زاد المعاد" لابن القيم: 1/ 56.
^63 رواه البخاري: 969، وأبو داود: 2438، والترمذي: 757 واللفظ له.
^64 رواه أحمد: 5446 واللفظ له، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 3475، وصحَّحه محققو "المسند".
^65 يعني: انثنت لكثرة السِّمَن وانطوت. ينظر: "المنهاج" للنووي: 16/ 28.
^66 بفتح السين وضمها، وهو: رِقَّة الجوع وضعفُه وهُزاله. ينظر: "المنهاج" للنووي: 16/ 29.
^67 رواه مسلم: 2473.
^68 رواه البيهقي في "السُّنن الكبير": 9743، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2435.
^69 رواه البزار: 3929، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1162.
^70 أي: ماء بئرٍ بوادي بَرَهُوت، وهي بئرٌ عميقةٌ بحضرموت لا يمكن نزول قعرها، وهي المشار إليها بقوله تعالى: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ [الحج:45] ينظر: "فيض القدير" للمناوي: 3/ 489.
^71 الرِّجل: الجراد الكبير؛ أي: فيها هوامُّ كثيرةٌ ككثير الجراد. ينظر: "التنوير شرح الجامع الصغير" للأمير الصنعاني: 6/ 20.
^72 أي: ليس بها قطرة ماءٍ، بل ولا أرضها مُبتلة. ينظر: "التيسير بشرح الجامع الصغير" للمناوي: 1/ 531.
^73 رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 8129، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1161.
^74 رواه ابن ماجه: 3062، وأحمد: 14849، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1165.
^75 الإداوة: مَطْهَرَةٌ للماء، والجمع: الأداوى. ينظر: "العين" للخليل بن أحمد: 8/ 95.
^76 رواه الترمذي: 963، والبيهقي في "السُّنن الكبير": 10082 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 883.
^77 ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 4/ 178 و393.
^78 ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 4/ 178، و"الداء والدواء" لابن القيم: ص21.
^80, ^84 رواه البخاري: 1 واللفظ له، ومسلم: 1907.
^81 القطيفة: كساءٌ له خَمْلٌ. ينظر: "الترغيب والترهيب" للمنذري: 2/ 116.
^82 رواه ابن ماجه: 2890 واللفظ له، وابن أبي شيبة في "المصنف": 16545، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1122.
^83, ^85 رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718 واللفظ له.
^86 ينظر: "بهجة قلوب الأبرار" للسعدي: ص10.