تخطى إلى المحتوى

الطاعة في الحرم

الطاعة في الحرم - Image 1

الحمد لله، والصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإنَّ الطاعات في الحرم المكي لها فضلٌ عظيمٌ وثوابٌ كبيرٌ، كما أنَّ المعاصي فيه عظيمةٌ وخطرها عظيمٌ؛ فقد توعَّد الله مَن أراد فيه إلحادًا بظلمٍ بعذابٍ أليمٍ، فكيف بمَن فعل فيه الإلحاد؟!

وسأُبَيِّن ذلك باختصارٍ على النحو الآتي:

من فضائل البيت الحرام

البيت العتيق أول بيتٍ وُضِعَ للعبادة

أولًا: البيت العتيق أول بيتٍ وُضِعَ للعبادة، فقد جعل الله هذا المسجد أول بيتٍ وُضِعَ للعبادة، وهو أفضل المساجد مُطلقًا؛ لقول الله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [آل عمران:96].

وعن أبي ذَرٍّ قال: قلتُ: "يا رسول الله، أيُّ مسجدٍ وُضِعَ في الأرض أوَّل؟"، قال : المسجد الحرام. قال: قلتُ: "ثم أيٌّ؟"، قال : المسجد الأقصى، قلتُ: "كم كان بينهما؟"، قال : أربعون سنةً[1]رواه البخاري: 3366 واللفظ له، ومسلم: 520.، ثم قال : حيثُما أدركَتْكَ الصلاةُ فَصَلِّ، والأرض لك مسجدٌ[2]رواه البخاري: 3425.، وفي لفظ مسلم: ثم الأرض لك مسجدٌ، فحيثُما أدركَتْكَ الصلاةُ فَصَلِّ[3]رواه مسلم: 520..

فقوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ [آل عمران:96]: يُخبِر تعالى عن شرف هذا البيت العظيم الحرام، وأنه أول بيتٍ وضعه الله للناس يتعبَّدون فيه لربهم ، ويطوفون به، ويُصَلوُّن إليه[4]ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص138، و"تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 115..

قال الإمام شيخنا ابن باز: "أما ما رُوِيَ مِن أنَّ أول مَن عمره هو آدمُ، فهو ضعيفٌ. والمحفوظ والمعروف عند أهل العلم: أنَّ أول من عمره هو خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأول بيتٍ وُضِعَ بعده للعبادة هو المسجد الأقصى، على يد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، وكان بينهما أربعون سنةً، ثم عمره بعد ذلك بسنينَ طويلةٍ سليمانُ نبي الله عليه الصلاة والسلام. وهذا البيت العتيق هو أفضل بيتٍ، وأول بيتٍ وُضِعَ للناس للعبادة، وهو بيتٌ مباركٌ؛ لِما جعل الله فيه من الخير العظيم بالصلاة فيه والطواف به والصلاة حوله والعبادة، كل ذلك من أسباب تكفير الذنوب وغُفران الخطايا"[5]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 379..

وقوله: لَلَّذِي بِبَكَّةَ [آل عمران:96]، بَكَّةُ: من أسماء مكة.

قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله: "بكَّة: من أسماء مكَّة على المشهور، قيل: سُمِّيَتْ بذلك لأنها تَبُكُّ أعناق الظَّلَمة والجبابرة، بمعنى: أنهم يَذِلُّون بها ويخضعون عندها. وقيل: لأن الناس يتباكُّون فيها؛ أي: يزدحمون"[6]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 115..

وقال: "وقد ذكروا لمكةَ أسماءً كثيرةً: مكَّة، وبكَّة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، والمأمون، وأُم رُحْمٍ، وأُم القُرَى، وصلاح، والعَرْش -على وزن بَدْر-، والقادس -لأنها تُطَهِّر من الذنوب-، والمُقَدَّسة، والناسَّة -بالنون وبالباء أيضًا-، والنَّسَّاسة، والحاطمة، والرأس، وكوثاء، والبلدة، والبَنِيَّة، والكعبة"[7]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 116..

وقوله تعالى: مُبَارَكًا [آل عمران:96]؛ أي: فيه البركة الكثيرة في المنافع الدينية والدنيوية[8]ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص138..

تعظيم الله للبيت الحرام وآياته البيِّنات

ثانيًا: عظَّم الله هذا البيت فجعل فيه آياتٍ بيناتٍ تدلُّ على عظمته وشرفه؛ لقوله : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران:97]؛ أي: أدلةٌ واضحةٌ، ودلالاتٌ ظاهرةٌ، وبراهينُ قاطعاتٌ على أنَّ الله تعالى عظَّمه وشرَّفه"[9]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 116، و"معالم التنزيل": للبغوي: 1/ 328، و"تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص139..

وقوله تعالى: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران:97]، ومن الآيات البينات: مقام إبراهيم ، الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجُدْران؛ حيث كان يقف عليه ويناوله ولدُه إسماعيل ، وكان أثر قدميه عليه، وكان مُلْصَقًا بجدار الكعبة، حتى أخَّره عمر بن الخطاب في خلافته إلى ناحية الشرق، بحيث يتمكَّن الطائفون من الصلاة خلفه، ولا يُشَوِّشون على الطائفين بالبيت في أثناء الصلاة[10]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 116، و"تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص139، و"جامع البيان" للطبري: 3/ 33 و37، 7/ 28- … Continue reading.

ومن الآيات البينات: الحجر الأسود، والحَطِيم[11]حَطِيم مكة: هو ما بين الرُّكْن والباب. وقيل: هو الحِجْر المُخْرَج منها؛ سُمِّيَ به لأن البيت رُفِعَ وتُرِكَ هو … Continue reading، وزمزم، والمشاعر كلها. وقيل: مقام إبراهيم: جميع الحرم[12]ينظر: "معالم التنزيل" للبغوي: 1/ 328..

قال الإمام الطبري رحمه الله -بعد أن ذكر أقوال أهل العلم-: "وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول مَن قال: الآيات البيِّنات منهن مقام إبراهيم. وهو قول قتادةَ ومُجاهدٍ الذي رواه مَعْمَرٌ عنهما، فيكون الكلام مُرادًا فيه: "منهنَّ"؛ فترك ذكره اكتفاءً بدلالة الكلام عليها. فإن قال قائلٌ: فهذا المقام من الآيات البيِّنات، فما سائر الآيات التي من أجلها قيل: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ [آل عمران:97]؟ قيل: منهنَّ المقام، ومنهنَّ الحِجْر، ومنهنَّ الحَطِيم"[13]ينظر: "جامع البيان" للطبري: 6/ 28..

قال الإمام ابن كثيرٍ: "عن ابن عبَّاسٍ  في قوله تعالى: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران:97]: قال: الحرم كله مقام إبراهيم"[14]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 117..

وقال العلامة السعدي: "ويحتمل أن المراد بمقام إبراهيم أنه مفردٌ مضافٌ يُراد به مقاماته في مواضع المناسك كلها، فيكون على هذا جميعُ أجزاء الحج ومفرداته آياتٍ بيِّناتٍ؛ كالطواف والسعي ومواضعها، والوقوف بعرفةَ ومُزْدَلِفة، والرَّمْي، وسائر الشعائر. والآية في ذلك: ما جعله الله في القلوب من تعظيمها واحترامها، وبَذْل نفائس النفوس والأموال في الوصول إليها، وتَحَمُّل كل مشقةٍ لأجلها، وما في ضمنها من الأسرار البديعة والمعاني الرفيعة، وما في أفعالها من الحِكَم والمصالح التي يَعْجِز الخلق عن إحصاء بعضها"[15]ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص138..

وقال الإمام شيخنا ابن باز: "فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران:97]؛ فالله جعل فيه آياتٍ بيِّناتٍ، وهي التي فسَّرها العلماء بمقام إبراهيم، أي: مقامات إبراهيم؛ لأن كلمة مقام لفظٌ مفردٌ مضافٌ إلى معرفةٍ، فَيَعُمُّ جميع مقامات إبراهيم، فالحرم كله مقام إبراهيم تعبَّد فيه.

ومن ذلك: المشاعر: عرفاتٌ، والمُزْدَلِفة، ومِنًى، كل ذلك من مقام إبراهيم.

ومن ذلك: الحَجَر الذي كان يقوم عليه وقت البناء، والذي يُصَلِّي إليه الناس الآن، كله من مقامات إبراهيم"[16]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 383..

مَن دَخَلَ الحرم وجب تأمينه

ثالثًا: مَن دخله وجب تأمينُه وعدم التعرُّض له بأي نوعٍ من أنواع الأذى؛ لقوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97]؛ يعني: حرم مكة، إذا دخله الخائف يأمن من كل سوءٍ.

وكذلك كان الأمر في الجاهلية، حتى إنَّ الواحد من أهل الجاهلية يجد قاتل أبيه فلا يَهِيجه في الحرم[17]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 117، و"معالم التنزيل" للبغوي: 1/ 329، و"تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص139..

وأما في الإسلام، فإن الحرم لا يمنع من إقامة حدود الله؛ فمَن فَعَلَ ما يُوجِب حدًّا أُقِيمَ عليه فيه، ومَن فَعَلَ حدًّا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم عائذًا به، فإنه يُخرَج من الحرم ثم يُقام عليه الحدُّ[18]ينظر: "جامع البيان" للطبري: 7/ 29- 34، و"تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 117، و"معالم التنزيل" للبغوي: 1/ 329..

وذلك بدعاء إبراهيم عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة وأتمُّ التسليم حين قال: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة:126]، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم:35].

وقال الإمام البغوي: "وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97]... قيل: هو خبرٌ بمعنى الأمر، تقديره: ومَن دَخَلَه فأمِّنُوه، كقوله تعالى: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]؛ أي: لا تَرْفُثُوا ولا تَفْسُقُوا"[19]ينظر: "معالم التنزيل" للبغوي: 1/ 329..

وقال الإمام شيخنا ابن باز: "وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97]؛ يعني: وجب أن يُؤَمَّنَ، وليس المعنى أنه لا يقع فيه أذًى لأحدٍ ولا قتلٌ، بل ذلك قد يقع، وإنما المقصود أن الواجب تأمين مَن دَخَلَه، وعدم التعرُّض له بسوءٍ"[20]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 380..

وقد ذكر الله مِنَّتَه على عباده، فقال: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص:57]، وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت:67].

رابعًا: جعل الله هذا البيت مثابةً للناس؛ لقوله : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125].

قال الإمام شيخنا ابن باز: "فالله سبحانه قد جعل هذا البيت مثابةً للناس يَثُوبون إليه، ولا يشبعون من المجيء إليه، بل كلما صَدَرُوا أحبُّوا الرجوع إليه والمثابة إليه؛ لِما جعل الله في قلوب المؤمنين من المحبة له والشوق إلى المجيء إليه؛ لِما يجدون في ذلك من الخير العظيم، ورَفْع الدرجات، ومُضاعفة الحسنات، وتكفير السيئات. ثم جعله آمنًا يأمن فيه العباد، وجعله آمنًا للصيد الذي فيه؛ فهو حَرَمٌ آمِنٌ يأمن فيه الصيد الذي أباح الله للمسلمين أَكْلَه خارج الحرم، يأمن فيه حال وجوده به حتى يَخرُج، لا يُنَفَّر ولا يُقْتَل"[21]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 379- 380..

وقد ثبت في الحديث الصحيح قول النبي : إنَّ إبراهيم حرَّم مكةَ ودعا لأهلها[22]رواه مسلم: 1360.، وحرَّمْتُ المدينةَ كما حرَّم إبراهيمُ مكةَ، ودعوتُ لها في مُدِّها وصاعها مِثْلَ ما دعا إبراهيمُ لمكة[23]رواه البخاري: 2129..

وثبتت أحاديث أخرى تدلُّ على أنَّ الله الذي حرَّم مكة؛ ففي "الصحيحين": عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبي أنه قال: إنَّ هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرامٌ بحُرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يَحِلَّ القتالُ فيه لأحدٍ قبلي، ولم يَحِلَّ لي إلا ساعةً من نهار[24]رواه البخاري: 3189، ومسلم: 1353..

قال الإمام ابن كثير: "فإذا عُلِمَ هذا، فلا مُنافاةَ بين هذه الأحاديث الدالَّة على أنَّ الله حرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، وبين الأحاديث الدالَّة على أنَّ إبراهيم حرَّمها؛ لأنَّ إبراهيم بلَّغ عن الله حُكْمَه فيها وتحريمَه إياها"[25]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 2/ 74..

وعيد الله لمَن أراد فيه إلحادًا بظلمٍ

خامسًا: توعَّد الله مَن أراد فيه بإلحادٍ بظلمٍ؛ لقوله : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25].

فإذا كان مَن يَهُمُّ بالإلحاد والظلم ومن يريد ذلك مُتوعَّدًا بالعذاب الأليم، فالذي يفعل الجريمة ويتعدَّى الحدود فيه من باب أولى في استحقاقه العقاب والعذاب الأليم.

ويقول جلَّ وعلا في صدر هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ [الحج:25]، وهذا يُبَيِّنُ لنا أنه مُحَرَّمٌ، وأنه لا فرق فيه بين العاكف وهو: المقيم، والبادي وهو: الوارد والوافد إليه من حاجٍّ ومُعتمِرٍ وغيرهما، وهذا هو أول الآية في قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ [الحج:25].

وبيَّن جلَّ وعلا عظمة هذا المكان، وأنَّ الله جعله آمنًا وجعله حَرَمًا؛ ليس لأحدٍ من المقيمين فيه ولا من الواردين إليه أن يتعدَّى حدود الله فيه، أو أن يُؤذِيَ الناس فيه.

ومن ذلك يُعلَم أن التعدِّي على الناس وإيذاءهم في هذا الحرم الآمن -بقولٍ أو فعلٍ- من أشد المُحرَّمات المُتوعَّد عليها بالعذاب الأليم، بل من الكبائر[26]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 382..

وجوب تطهير البيت للطائفين والعاكفين والرُّكَّع السُّجود

سادسًا: أوجب الله تعالى تطهير البيت للطائفين والعاكفين والرُّكَّع السُّجود؛ لقوله : وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة:125].

أوجب على نبيَّيْه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أن يُطَهِّراه للطائفين والعاكفين والرُّكَّع السُّجود؛ أي: المصلين.

وقال في الآية الأخرى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج:26]، والقائم هنا هو: المُقيم، وهو: العاكف، والطائف: معروفٌ، والرُّكَّع السُّجود هم: المُصَلُّون.

فالله جلَّت قُدْرَتُه أمر نبيَّه إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام أن يُطَهِّرَا هذا البيت، وهكذا جميع وُلاة الأمور يجب عليهم ذلك؛ ولهذا نبَّه النبي على ذلك يوم فتح مكة، وأخبر أنه حَرَمٌ آمنٌ، وأنَّ الله حرَّمه يوم خلق السموات والأرض، ولم يُحَرِّمْه الناس، وقال : لا يُعْضَدُ شوكُه، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُه، ولا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلا مَن عرَّفها، ولا يُختلَى خلاها[27]رواه البخاري: 1834 واللفظ له، ومسلم: 1353..

ويعني عليه الصلاة والسلام بهذا: حُرمة هذا البيت؛ فيجب على المسلمين، وعلى وُلاة الأمور -كما وجب على إبراهيم وإسماعيل والأنبياء وعلى خاتمهم محمدٍ - أن يحترموه ويُعَظِّموه، وأن يَحْذَروا ما حرَّم الله فيه من إيذاء المسلمين والظُّلْم لهم والتعدِّي عليهم؛ حُجَّاجًا أو عُمَّارًا أو غيرهم؛ فالعاكف: المُقيم، والطائف: معروفٌ، والرُّكَّع السجود هم: المُصَلُّون.

فالواجب تطهير هذا البيت للمُقيمين فيه والمُتعبِّدين فيه، وإذا وجب على الناس أن يحترموه وأن يدفعوا عنه الأذى، فالواجب عليهم أيضًا أن يُطهِّروا هذا البيت، وأن يَحْذَروا معاصيَ الله فيه، وأن يتَّقوا غضبه وعقابه، وألا يُؤذِيَ بعضُهم بعضًا، وألا يُقاتل بعضُهم بعضًا؛ فهو بلدٌ آمنٌ مُحترَمٌ، يجب على أهله أن يُعظِّموه، وأن يحترموه، وأن يَحْذَروا معصية الله فيه، وألا يظلم بعضُهم بعضًا، ولا يؤذيَ بعضُهم بعضًا؛ لأن السيئة فيه عظيمةٌ، كما أن الحسنات فيه مُضاعَفةٌ[28]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 380- 381..

مُضاعَفة الحسنات في المسجد الحرام

سابعًا: مُضاعفة الحسنات في المسجد الحرام؛ فالصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاةٍ فيما سواه؛ لحديث جابرٍ أنَّ رسول الله قال: صلاةٌ في مسجدي هذا أفضلُ من ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجدَ الحرام، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضلُ من مئة ألف صلاةٍ[29]رواه ابن ماجه: 1406، وأحمد: 14694 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1173..

وهذا ثوابه عظيمٌ؛ فإنَّ مَن صلَّى يومًا واحدًا خمس صلواتٍ في المسجد الحرام كانت أفضل من خمسمئة ألف صلاةٍ، فتكون أفضل من الصلاة في مئتين وإحدى وثمانين سنةً وستة أشهرٍ تقريبًا؛ لأن المصلي إذا صلَّى خمس صلواتٍ -وهي عدد الصلوات في اليوم- فإن ذلك يُعادِل مئة ألف يومٍ. وبقسمة ذلك على ثلاثمئةٍ وخمسةٍ وخمسين يومًا -وهي عدد أيام السنة القمرية- يكون الناتج عدد السنين؛ هكذا: 100000 يوم ÷ 355 يومًا = 281.69 سنةً. وهذا فضلٌ عظيمٌ، وثوابٌ كبيرٌ جليلٌ لمن وفَّقه الله تعالى للخير[30]أيهما أفضل: الطواف بالبيت، أم صلاة النافلة في المسجد الحرام؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: … Continue reading.

والحديث يَعُمُّ الفرض والنفل جميعًا، لكن صلاة النافلة في البيت أفضل؛ لقول النبي : أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاةَ المكتوبةَ[31]رواه البخاري: 7290 واللفظ له، ومسلم: 781.، إلا إذا كانت النافلة مما تُشْرَع له الجماعة، كقيام رمضان وغيره مما تُشْرَع له الجماعة؛ فالأفضل أن يُصلِّيَ مع الجماعة[32]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 30/ 21- 23..

ثامنًا: مُضاعفة الصلاة تَعُمُّ الحرم كله: لا شكَّ أن مضاعفة الصلاة في المسجد الحرام تشمل الحرم كله، وليس ذلك خاصًّا بالمسجد نفسه.

وفي المسألة قولان لأهل العلم، وأصحُّهما أن المضاعفة تَعُمُّ جميع الحرم[33]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 12/ 230.؛ لعموم الآيات والأحاديث الدالَّة على أنَّ الحرم كله يُسمى المسجد الحرام.

ومنها: قوله جلَّ وعلا: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ [الحج:25]، والمسجد الحرام هنا يَعُمُّ جميع الحرم.

وفي معناها آياتٌ أخرى، كقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ [التوبة:28]، وقوله : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء:1]، وقد كان الإسراء برسول الله من المسجد الحرام من بيت أم هانئٍ رضي الله عنها[34]ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 3/ 270.، وكذلك قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25] يَعُمُّ الحرم كله.

ومما يدلُّ على أن الصلوات تُضاعَف في جميع الحرم المكي: أنَّ النبي كان يُصَلِّي في الحرم في غزوة الحُدَيْبِيَة وهو نازلٌ في الحِلِّ؛ فقد روى الإمام أحمد في "مسنده" من حديث مَرْوان بن الحَكَم والمِسْوَر بن مَخْرَمةَ قصة غزوة الحُدَيْبِية، وفي الحديث: "وكان رسول الله يُصَلِّي في الحرم وهو مضطربٌ في الحِلِّ"[35]رواه أحمد: 18910، وحسَّنه محققو "المسند". والاضطراب هنا: أنَّ مَن نَزَلَ قريبًا من مكة فإنه ينبغي له أن ينزل في … Continue reading.

قال الإمام ابن القيم -بعد ذكره للحديث السابق-: "وفي هذا كالدلالة على أنَّ مُضاعفة الصلاة بمكةَ تتعلَّق بجميع الحرم، لا يُخَصُّ بها المسجد الذي هو مكان الطواف"[36]ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 3/ 270..

وسمعتُ شيخنا الإمام ابن باز يقول: "وهذا هو الصواب: أن المسجد الحرام يُطلَق على الحرم كلِّه؛ وكذلك قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25] يَعُمُّ الحرم كلَّه"، ثم قال: "ومسجد المدينة: الصلاة خاصةٌ بمسجده ، وليس عامًّا لجميع الحرم؛ لقوله : في مسجدي هذا[37]سمعتُه في أثناء تقريره على "زاد المعاد": 3/ 304- 305، وذلك بتاريخ 29/ 6/ 1417هـ. والحديث رواه أحمد: 16117، وابن حبان: 1620 … Continue reading.

لكن الصلاة في المسجد الذي حول الكعبة لها مَزِيَّةُ فضلٍ من وجوهٍ كثيرةٍ؛ منها: كثرة الجمع، والقُرب من الكعبة، وإجماع العلماء على مُضاعفة الصلاة فيه، بخلاف المساجد الأخرى، ففيها الخلاف المذكور.

والزيادات التي في المسجد الحرام والمسجد النبوي لها حكم المَزِيد، وتُضاعَف فيها الصلاة كما تُضاعَف في المسجد الأصلي؛ فضلًا من الله وإحسانًا[38]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 12/ 231..

تاسعًا: مضاعفة الحسنات كمًّا وكيفًا، ومضاعفة السيئات كيفًا لا كمًّا[39]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 388- 390، 17/ 197- 200.؛ فقد جاءت الأدلة الشرعية على أن الحسنات تُضاعَف في الزمان الفاضل مثل: رمضان وعشر ذي الحجة، والمكان الفاضل كالحرمين؛ فإنَّ الحسنات تُضاعَف في مكة والمدينة مُضاعفةً كبيرةً[40]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 389، 17/ 197..

وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي أنه قال: صلاةٌ في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجدَ الحرامَ، وصلاةٌ في ذاك أفضل من مئة صلاةٍ في هذا[41]رواه أحمد: 16117، وابن حبان: 1620 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 1618.، يعني: في مسجد المدينة. رواه أحمد وابن حبان بإسنادٍ صحيحٍ.

فدلَّ ذلك على أن الصلاة في المسجد الحرام تُضاعف بمئة ألف صلاةٍ في سوى المسجد النبوي، وتُضاعَف بمئة صلاةٍ في مسجد النبي .

وبقية الأعمال الصالحة تُضاعَف، ولكن لم يَرِدْ فيها حدٌّ محدودٌ، إنما جاء الحد والبيان في الصلاة. أما بقية الأعمال -كالصوم، والأذكار، وقراءة القرآن، والصدقات- فلا أعلم فيها نصًّا ثابتًا يدلُّ على تضعيفٍ مُحدَّدٍ، وإنما فيها -في الجملة- ما يدلُّ على مضاعفة الأجر، وليس فيها حدٌّ محدودٌ[42]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 388..

والحديث الذي فيه: مَن صام في مكةَ كتب الله له مئة ألف رمضان حديثٌ ضعيفٌ عند أهل العلم[43]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 389..

والحاصل أن المُضاعفة في الحرم الشريف بمكةَ المُكرَّمة لا شكَّ فيها؛ أعني: مُضاعفة الحسنات، لكن ليس في النص -فيما نعلم- حدٌّ محدودٌ، ما عدا الصلاة؛ فإنَّ فيها نصًّا يدل على أنها مُضاعَفةٌ بمئة ألف صلاةٍ كما سبق.

أما السيئات، فالذي عليه المُحققون من أهل العلم أنها لا تُضاعَف من جهة العدد، ولكن تُضاعَف من جهة الكيفية، أما العدد فلا؛ لأن الله يقول: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الأنعام:160].

فالسيئات لا تُضاعَف من جهة العدد؛ لا في رمضان، ولا في الحرم، ولا في غيرها؛ بل السيئة بواحدةٍ دائمًا، وهذا من فضله وإحسانه.

ولكن سيئة المسجد الحرام، وسيئة رمضان، وسيئة عشر ذي الحجة؛ أعظم إثمًا من السيئة فيما سوى ذلك. فسيئةٌ في مكة أعظم وأكبر وأشدُّ إثمًا من سيئةٍ في جدة والطائف مثلًا، وسيئةٌ في رمضان وسيئةٌ في عشر ذي الحجة أشدُّ وأعظم من سيئةٍ في رجبٍ أو شعبان، ونحو ذلك؛ فهي تُضاعَف من جهة الكيفية لا من جهة العدد. أما الحسنات، فهي تُضاعَف كيفيةً وعددًا بفضل الله .

ومما يدلُّ على شدة الوعيد في سيئات الحرم، وأن سيئة الحرم عظيمةٌ وشديدةٌ: قول الله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25]؛ فهذا يدل على أن السيئة في الحرم عظيمةٌ، حتى إنَّ في الهم بالسيئة فيه هذا الوعيد.

وإذا كان مَن همَّ بالإلحاد في الحرم مُتوعَّدًا بالعذاب الأليم، فكيف بحال من فَعَلَ في الحرم الإلحاد بالسيئات والمُنكَرات؟! فإنَّ إثمه يكون أكبر من مجرد الهم، وهذا كله يدلُّنا على أن السيئة في الحرم لها شأنٌ خطيرٌ.

وكلمة "إلحادٍ" تَعُمُّ كل ميلٍ إلى باطلٍ، سواءٌ أكان في العقيدة أو غيرها؛ لأن الله تعالى قال: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ [الحج:25]، فنكَّر الجميع؛ فإذا ألحد أحدٌ أيَّ إلحادٍ فإنه مُتوعَّدٌ بهذا الوعيد.

وقد يكون الميل عن العقيدة إلى الكفر بالله، فيكفر بذلك، فيكون ذنبُه أعظمَ، وإلحادُه أكبرَ.

وقد يكون الميل إلى سيئةٍ من السيئات؛ كشُرْب الخمر، والزنا، وعقوق الوالدين أو أحدهما، فتكون عقوبته أخفَّ وأقلَّ من عقوبة الكافر.

وإذا كان الإلحاد بظلم العباد -بالقتل، أو الضرب، أو أخذ الأموال، أو السب، أو غير ذلك- فهذا نوعٌ آخر، وكله يُسمى إلحادًا، وكله يُسمى ظلمًا، وصاحبه على خطرٍ عظيمٍ، لكن الإلحاد الذي هو الكفر بالله والخروج عن دائرة الإسلام أشدُّ من سائر المعاصي وأعظم منها، كما قال الله : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]"[44]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 388- 390..

تحريم مكة وصيدها وخَلَاها وشجرها ولُقْطَتِها

عاشرًا: حرَّم الله مكة وصيدها وخَلَاها وشجرها ولُقْطَتها، إلا لمُنْشِدٍ على الدوام؛ للأحاديث الآتية:

  • حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله يوم الفتحِ؛ فتحِ مكة: لا هجرةَ[45]قال العلماء: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقيةٌ إلى يوم القيامة. والمعنى: لا هجرةَ بعد الفتح من مكةَ؛ … Continue reading، ولكن جهادٌ ونِيَّةٌ[46]معناه: لكم طريقٌ إلى تحصيل الفضائل التي في معنى الهجرة، وذلك بالجهاد ونية الخير في كل شيءٍ. ينظر: "المنهاج" … Continue reading، وإذا استُنْفِرتُم فانفِروا[47]معناه: إذا دعاكم السلطان إلى غزوٍ فاذهبوا. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 123..
    وقال يومَ الفتحِ؛ فتحِ مكةَ: إنَّ هذا البلد حَرَّمَهُ الله يومَ خَلَقَ السماوات والأرض، فهو حرامٌ بحُرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يَحِلَّ القتالُ فيه لأحدٍ قبلي، ولم يَحِلَّ لي إلا ساعةً من نهارٍ، فهو حرامٌ بحُرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ[48]قال أهل اللغة: العضد: القطع. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 125. شَوْكُه، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُه، ولا يَلتقط (لُقْطَتَه)[49]من رواية البخاري: 1834. واللُّقْطَة: اسم الشيء الذي تجده مُلقًى فتأخذه، والالتقاط هو أخذه، وأصل اللقط: الأخذ من … Continue reading إلا مَن عَرَّفَها -وفي لفظٍ: إلا لمُعَرِّف[50]رواه البخاري: 1349..
    وفي لفظٍ آخر: إلا لمُنشِد[51]رواه البخاري: 2433.ولا يُختلَى خَلَاها[52]الخَلَا: هو الرَّطْب من الكَلَأ. قالوا: الخَلَا والعُشب: اسمٌ للرَّطْب منه، والحشيش والهشيم: اسمٌ لليابس منه. … Continue reading.
    فقال العباس : "يا رسول الله، إلا الإِذْخِر؟[53]قال العلايلي في "معجمه": الإذخر: نباتٌ عشبيٌّ، من فصيلة النجيليات، له رائحةٌ ليمونيةٌ عطرةٌ، أزهاره تُستعمل … Continue reading؛ فإنه (لا بُدَّ منه)[54]من رواية البخاري: 4313. لقَيْنِهم ولبُيُوتِهم[55]القَيْن: هو الحدَّاد والصائغ. ومعناه: يحتاج إليه القَيْن في وُقُود النار، ويُحتاج إليه في القبور لتُسَدَّ به … Continue reading -وفي لفظٍ للبخاري: "لصاغتنا وقبورنا"[56]رواه البخاري: 1349.، وفي لفظٍ: "ولسُقُفِ بيوتنا"[57]رواه البخاري: 2090.- فسكتَ ثُم قال[58]من رواية البخاري: 4313.: إلا الإذْخِرَ[59]رواه البخاري: 1349، 1834، 2433، 2090، 4313، ومسلم: 1353 واللفظ له..
    قال عكرمة: "هل تدري ما يُنَفَّرُ صَيْدُها؟ هو أن تُنَحِّيَه من الظل وتَنزِلَ مكانه"[60]رواه البخاري: 2090..
  • حديث أبي شُرَيْحٍ العدَوِيِّ : أنه قال لعمرو بن سعيدٍ -وهو يبعث البعوث إلى مكة[61]يعني: لقتال ابن الزبير رضي الله عنهما. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 127.-: ائذن لي أيها الأميرُ أُحَدِّثْكَ قولًا قام به رسول الله للغد من يوم الفتح، فسَمِعَتْه أُذُناي، ووعاهُ قلبي، وأبصرَتْه عيناي[62]أراد بهذا كله المُبالَغة في تحقيق حفظِه إياه وتَيَقُّنِه زمانَه ومكانَه ولَفْظَه. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 127. حين تكلَّمَ به؛ إنه حَمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: إنَّ مكةَ حرَّمها اللهُ ولم يُحَرِّمْها الناسُ، فلا يَحِلُّ لامرئٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يَسْفِكَ بها دمًا، ولا يَعْضُدَ بها شجرةً، فإنْ أحدٌ تَرَخَّصَ[63]تَرَخَّصَ في الأمور: أخذ فيها بالرُّخْصَة، والرُّخْصَة: التسهيل في الأمر والتيسير. ينظر: "المعجم الوسيط": 1/ 336. لقتالِ رسول الله ، فقولوا له: إنَّ اللهَ أَذِنَ لرسوله ولم يأذن لكم. وإنما أَذِنَ لي فيها ساعةً من نهار، وقد عادت حُرْمَتُها اليوم كحُرْمَتِها بالأمس، ولْيُبَلِّغِ الشاهدُ الغائبَ.
    فقيل لأبي شُرَيْحٍ : "ما قال لك عمرٌو؟"، قال: "أنا أعلم بذلك منك يا أبا شُرَيْحٍ، إنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عاصيًا"[64]أي: لا يُجِيره ولا يَعْصِمُه. أراد به عبدالله بن الزبير. ينظر: "صحيح مسلم" ت: عبدالباقي: 2/ 987.، ولا فارًّا بدمٍ[65]أي: ولا يُعِيذ الحرم هاربًا التجأ إليه بسببٍ من الأسباب الموجبة للقتل. ينظر: "صحيح مسلم" ت: عبدالباقي: 2/ 987.، ولا فارًّا بِخَُرْبَةٍ[66]هي بفتح الخاء وإسكان الراء؛ هذا هو المشهور. ويقال: بضم الخاء أيضًا؛ حكاها القاضي وصاحب "المطالع" وآخرون. … Continue reading. قال أبو عبدالله: خَُرْبَةُ: بَلِيَّةٌ[67]رواه البخاري: 1832 واللفظ له، ومسلم: 1354..
  • حديث أبي هريرةَ قال: لمَّا فَتَحَ الله على رسول الله مكةَ، قام في الناس، فحَمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال : إنَّ اللهَ حَبَسَ عن مكةَ الفيلَ، وسلَّطَ عليها رسولَه والمؤمنين، وإنها لن تَحِلَّ لأحدٍ كان قبلي، وإنها أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهارٍ، وإنها لن تَحِلَّ لأحدٍ بعدي؛ فلا يُنَفَّرُ صَيْدُها، ولا يُختلَى شَوْكُها، ولا تَحِلُّ ساقطتُها[68]أي: ما سَقَطَ فيها بغفلةِ مالِكِه. ينظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني: 2/ 164. إلا لمُنشِد[69]المُنشد هو: المُعَرِّف. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 126.، ومَن قُتِلَ له قتيلٌ فهو بخير النَّظَرَيْن: إما أن يُفْدَى، وإما أن يُقْتَلَ[70]معناه: وليُّ المقتول بالخيار؛ إن شاء قَتَلَ القاتل، وإن شاء أَخَذَ فداءه، وهي الدِّيَة. ينظر: "المنهاج" … Continue reading.
    فقال العباس: "إلا الإذْخِرَ يا رسول الله؟ فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا"؛ فقال رسول الله : إلا الإذْخِرَ.
    فقام أبو شاهٍ -رجلٌ من أهل اليمن- فقال: "اكتبوا لي يا رسول الله"، فقال رسول الله : اكتبوا لأبي شاهٍ. قال الوليد: فقلت للأَوْزَاعِيِّ: "ما قولُه: اكتبوا لي يا رسول الله؟"، قال: "هذه الخُطبة التي سَمِعَها من رسول الله "[71]رواه البخاري: 2434 و6880، ومسلم: 1355 واللفظ له..
    وفي لفظٍ عن أبي هريرةَ قال: إنَّ خُزَاعَةَ قتلوا رجلًا من بني ليثٍ، عامَ فتح مكةَ، بقتيلٍ[72]متعلقٌ بـ"قتلوا"، أي: بمقابلة مقتولٍ من بني خزاعة قَتَلَه قاتلٌ من بني ليثٍ. ينظر: "صحيح مسلم" ت: عبدالباقي: 2/ 989. منهم قتلوه، فأُخْبِرَ بذلك رسولُ الله ، فركب راحلتَه، فخَطَبَ فقال : إنَّ الله حَبَسَ عن مكةَ الفيلَ[73]أي: منعه من الدخول فيها حين جاء يقصد خراب الكعبة. ينظر: "صحيح مسلم" ت: عبدالباقي: 2/ 989.، وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين، ألَا وإنها لم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولن تَحِلَّ لأحدٍ بعدي، ألَا وإنها أُحِلَّتْ لي ساعةً من النهار، ألا وإنها -ساعتي هذه- حرامٌ؛ لا يُخْبَطُ شَوْكُها[74]أي: لا يُقطَع. وأصل الخبط: إسقاط الورق من الشجر. ينظر: "صحيح مسلم" ت: عبدالباقي: 2/ 989.، ولا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يَلْتَقِطُ ساقطتَها إلا مُنشِدٌ، ومن قُتِلَ له قتيلٌ فهو بخير النَّظَرَين: إما أن يُعطَى -يعني: الدِّيَةَ- وإما أن يُقادَ أهلُ القتيل[75]من الإقادة، ومعناها: تمكين وليِّ الدم من القَوَد. وأصله: أنهم يدفعون القاتل لولي المقتول، فيَقُودُه بِحَبْلٍ. … Continue reading.
    قال: فجاء رجلٌ من أهل اليمن يُقال له أبو شاهٍ، فقال: "اكتب لي يا رسول الله"، فقال : اكتبوا لأبي شاهٍ. فقال رجلٌ من قريشٍ: "إلا الإذْخِرَ؟ فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا"، فقال رسول الله : إلا الإذْخِرَ[76]رواه البخاري: 2434 و6880، ومسلم: 1355 واللفظ له..

ويُنهَى عن حمل السلاح بمكةَ لغير حاجةٍ؛ لحديث جابرٍ قال: سمعتُ النبي يقول: لا يَحِلُّ لأحدكم أن يحمل بمكةَ السلاح[77]رواه مسلم: 1356..

وأما حملُ السلاح لحاجةٍ لا بُدَّ منها فلا بأس به؛ لحديث أنس بن مالكٍ : أن النبي دخل مكةَ عام الفتح وعلى رأسه مِغْفَرٌ[78]المِغفَر: ما يُلبَس على الرأس من درع الحديد. ينظر: "المُفهم" للقرطبي: 3/ 477.، فلمَّا نَزَعَه جاءه رجلٌ فقال: "ابنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بأستار الكعبة". فقال : اقتلوه[79]قال العلماء: إنما قَتَلَه لأنه كان قد ارتدَّ عن الإسلام وقَتَلَ مسلمًا كان يَخْدُمُه، وكان يهجو النبيَّ  … Continue reading، فقال مالكٌ: "نعم"[80]رواه البخاري: 1846، ومسلم: 1357 واللفظ له..

ويجوز دخول مكةَ بغير إحرامٍ لمَن لم يُرِد العُمرة أو الحج؛ لحديث أنسٍ السابق، ولحديث جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله دخل مكة -وقال قُتَيْبَةُ: دخل يوم فتح مكة- وعليه عِمامةٌ سوداءُ، بغير إحرامٍ. وفي رواية قُتَيْبةَ قال: حدَّثَنا أبو الزُّبَيْر عن جابرٍ [81]رواه مسلم: 1358..

ولحديث جعفر بن عمرو بن حُرَيْثٍ عن أبيه : أنَّ رسولَ الله خَطَبَ الناسَ وعليه عِمَامَةٌ سوداءُ[82]رواه مسلم: 1359..

وفي روايةٍ قال: "كأني أنظُرُ إلى رسول الله على المِنْبَر، وعليه عِمَامَةٌ سوداءُ قد أرخى طَرَفَيْها[83]قال النووي: هكذا هو في جميع نُسَخ بلادنا وغيرها: طَرَفَيْها بالتثنية، وكذا هو في "الجمع بين الصحيحين" … Continue reading بين كَتِفَيْهِ". ولم يقل أبو بكرٍ: "على المِنْبَر"[84]رواه مسلم: 1359..

ومما يدل على فضل مكة على سائر البلدان: حديثُ عبدالله بن عَدِيِّ بن الحمراء قال: رأيتُ رسول الله وهو على ناقته واقفٌ بالحَزْوَرَةِ يقول: والله إنكِ لخيرُ أرض الله، وأَحَبُّ أرض الله إليَّ، والله لولا أني أُخْرِجْتُ منكِ ما خرجتُ[85]رواه الترمذي: 3925، وابن ماجه: 3108 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7089..

فإذا كان الصيد والشجر والعُشْب والحشيش[86]الحشيش هو: اليابس من العُشْب والكَلَأ. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 125. واللُّقْطةُ مُحرَّمةً فيه، فكيف بحال المسلم؟! فمن باب أولى أن يكون تحريم ذلك أشدَّ وأعظمَ وأكبرَ!

قال شيخنا الإمام ابن باز: "فليس لأحدٍ أن يُحْدِثَ في الحرم شيئًا مما يؤذي الناس لا بقولٍ ولا بفعلٍ، بل يجب أن يحترمه، وأن يكون مُنقادًا لشرع الله فيه، وأن يُعَظِّم حُرُمات الله أشدَّ من أن يُعَظِّمَها في غيره، وأن يكون سِلْمًا لإخوانه؛ يُحِبُّ لهم الخير، ويكره لهم الشر، ويُعينهم على الخير وعلى ترك الشر، ولا يؤذي أحدًا لا بكلامٍ ولا بفعلٍ"[87]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 383..

وقال: "فمِن الواجب على وُلاة الأمور من العلماء أن يُبَيِّنُوا وأن يرشدوا، والواجب على ولاة الأمور من الأمراء والمسؤولين أن يُنَفِّذُوا حكم الله وينصحوا، وأن يمنعوا كل من أراد إيذاء المسلمين في مكة من الحُجَّاج والعُمَّار وغيرهم كائنًا من كان؛ من الحُجَّاج أو من غير الحُجَّاج، من السُّكَّان أو من غير السُّكَّان، من جميع أجناس الناس. يجب على ولاة الأمور تجاه هذا الحرم الشريف أن يصونوه وأن يحفظوه، وأن يحموه من كل أذًى، كما أوجب الله ذلك، وأوجبه نبيُّه ورسولُه محمدٌ [88]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 384..

حدود الحرمين المكي والمدني

الحادي عشر: حدود الحرمين المكي والمدني:

‏للبيت العتيق حَرَمٌ جعله الله تعالى لتعظيمه، فجعل فيه الأمان حتى شَمِلَ ما فيه من الشجر والنبات فلا يُؤخَذ، وما فيه من الصيد فلا يُنَفَّر، وجعل ثواب الأعمال فيه أفضل من ثوابها في غيره، وضاعف فيه أجر الصلاة إلى مئة ألفٍ.

والحرم دائرٌ على مكة المكرمة، وبعض حدوده أقرب من بعضٍ، وقد نُصِبَتْ أعلامٌ على حدوده في الطرق الرئيسة المؤدية إلى مكةَ المُكرَّمة؛ وهي:

  • حدُّه من الغرب: الشميسي "الحديبية"؛ فبعضها في الحِلِّ، وبعضها في الحَرَم، وهي أبعد الحدود، فتبعد باثنين وعشرين كيلو، ويمرُّه طريق جدة.
  • الجنوب: "إضاة لَبِنَ" في طريق اليمن الآتي مع تهامة، وتبعد باثني عشر كيلو.
  • الشرق: ضفة وادي عُرَنة الغربية، وهو طريق الطائف، والحجاز "السَّرَاة"، ونجدٍ، واليمن، وتبعد بخمسة عشر كيلو.
  • الشمال الشرقي: طريق الجِعْرانة عند جبل المُقَطَّع بالقرب من قرية "شرائع المجاهدين"، وتبعد بنحو ستة عشر كيلو.
  • الشمال: وحدُّه: التنعيم، وهو طريق المدينة المنورة المُتَّجه مع وادي فاطمة "الجُموم"، ويبعد بسبعة كيلوات. وهو أقرب حدود الحرم، كما أن أبعدها "الشميسي"[89]ينظر: "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" لعبدالله البسام: 4/ 97..

قال العلَّامة البسَّام: "وقد شُكِّلَتْ لجنةٌ عام 1387هـ لتحديد الحرم المكي من جميع ‏جهاته، ‏وكنتُ مع تلك اللجنة، وبعد أن حدَّدْنا نصف دائرة الحرم توقَّف العمل، والنية متجهةٌ إلى إتمامه إن شاء الله تعالى. وقد وجدنا أعلامًا قديمةً منصوبةً في سُفُوح الجبال التي هي الحدُّ بين الحِلِّ والحَرَم.

وبعد كتابة ما سبق، تمَّ -ولله الحمد- تحديد الحرم من جميع جهاته، ورُفِعَ القرار إلى الجهة العُليا في الدولة للموافقة عليه والأمر بتنفيذه؛ بوضع أعلامٍ بارزةٍ على مدار حدِّ الحرم من الحِلِّ، ونسأل الله تعالى التوفيق.

وبعد كتابة ما سبق، صدرت الموافقة من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود وفَّقه الله، بوضع أعلامٍ بارزةٍ على حدود حَرَمَيْ مكةَ والمدينة، ‏وسيبدأ التنفيذ قريبًا إن شاء الله، وأنا أحد أعضاء اللجنة المُنَفِّذة؛ نسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق"[90]ينظر: "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" لعبدالله البسام: 4/ 97- 98 بتصرُّفٍ يسيرٍ..

وأما حرم المدينة النبوية، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة؛ فعن عبدالله بن زيد بن عاصمٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله قال: إنَّ إبراهيم حرَّم مكةَ[91]الحرام: هو الشيء الممنوع منه بتحريمٍ إلهيٍّ أو بمنعٍ عقليٍّ، والحَرَمُ سُمِّيَ بذلك لتحريم الله تعالى فيه … Continue reading ودعا لأهلها، وإني حرَّمْتُ المدينة كما حرَّم إبراهيمُ مكةَ، وإني دعوتُ في صاعها ومُدِّها بِمِثْلَيْ ما دعا به إبراهيمُ لأهل مكة[92]رواه البخاري: 2129، ومسلم: 1360 واللفظ له..

وعن عليٍّ قال: قال رسول الله : المدينة حرمٌ ما بين عَيْرٍ[93]عَيْرٌ -بفتح العين، ثم ياءٍ ساكنةٍ، ثم راءٍ مُهمَلةٍ-: جبلٌ أسودُ بحُمرةٍ، مستطيلٌ من الشرق إلى الغرب، … Continue reading إلى ثَوْرٍ[94]رواه البخاري: 6755، ومسلم: 1370. وثَوْرٌ: جبلٌ صغيرٌ مستديرٌ أحمرُ، يقع شمال المدينة المنورة، وموقعه خلف جبل … Continue reading.

ومعنى تحريم مكة والمدينة: هو أنهما بلدتان آمنتان، فلا يُقطَع الشجر في حرمهما، ولا يُقتَل الصيد ولا يُنَفَّر فيه.

ويُفيد الحديث: أنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام دعا لأهل مكة بالبركة وسَعَة الرزق، كما قال تعالى -حكايةً عنه-: وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم:37].

ويُفيد الحديث: أنَّ النبي دعا لأهل المدينة بالبركة وسَعَة الرزق، كدعوة إبراهيمَ لأهل مكةَ، بل دعا أن تكون البركة في المدينة ضِعْفَيْ بركة مكة.

ويُفيد الحديث: أنَّ حرم المدينة يَحُدُّه من الناحية الجنوبية جبل عَيْرٍ، ومن الجهة الشمالية جبل ثَوْرٍ، كما هو نص الحديث.

وأما حدُّ الحرم الشرقي والغربي في المدينة، فهما الحَرَّتان: الشرقية والغربية؛ لِما جاء في حديث أبي هريرةَ قال: "حرَّم رسول الله ما بين لابَتَي المدينة... وجعل اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حول المدينة حِمًى"[95]رواه مسلم: 1372..

‏وجمهور العلماء قالوا بتحريم الحرم المدني؛ عملًا بالنصوص الصحيحة الآتية، ومنهم الأئمة: مالكٌ، والشافعي، وأحمد؛ بخلاف أبي حنيفة، فلا يرى ‏تحريمه من ناحية الصيد وقطع الشجر، ولا مَدْفَع عنده للنصوص الصحيحة الآتي بعضُها.

وقد جاءت نصوصٌ كثيرةٌ في تحريم قتل الصيد وقطع الشجر في الحرم المدني؛ منها:

ما رواه مسلمٌ عن جابرٍ قال: قال النبي : إنَّ إبراهيم حرَّم مكة، وإني حرَّمْتُ المدينة ما بين لابَتَيْها[96]اللَّابَة هي: الحَرَّة، والمدينة المنورة بين حَرَّتَين شرقيةٍ وغربيةٍ تكتنفانها. والحَرَّة: هي الأرض ذات … Continue reading، لا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا[97]العِضَاه: شَجَرُ أُمِّ غَيْلانَ، وكلُّ شَجَرٍ عظيمٍ له شوكٌ. الواحدة: عِضَةٌ -بالتاء-، وقيل: واحدته عِضَاهةٌ. … Continue reading، ولا يُصَادُ صَيْدُها[98]رواه مسلم: 1362..

وله أيضًا من حديث أبي سعيدٍ : ولا تُخْبَطُ فيها شجرةٌ إلا لعَلْفٍ[99]رواه مسلم: 1374..

وتحريم النبي المدينة لتعظيمها وتقديسها، وأما حرم المدينة فلا يأخذ كل أحكام حرم مكة.

وذكر العلماء فروقًا بين الحرم المكي والحرم المدني، ترجع إلى أن العقاب والجزاء في الحرم المدني أخفُّ من الحرم المكي.

‏منها: أنَّ ذَبْحَ الصيد أو قَتْلَه في الحرم المدني يَحِلُّ أكلُه، بخلاف المكي؛ فيُعتبر مَيْتةً مُحرَّمةً.

ومنها: أنه لا جزاء في الصيد في الحرم المدني، بخلاف المكي؛ ففي قتله الجزاء.

ومنها: أخذ ما تدعو الحاجة إليه من شجرها كالقُِنَّب[100]القُِنَّب -كدِنَّمٍ وسُكَّرٍ-: نوعٌ من الكتَّان. ينظر: "القاموس المحيط" للفيروزآبادي: ص127، و"جمهرة اللغة" لابن … Continue reading وآلة الحرث كلها[101]ينظر: "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" لعبدالله البسام: 4/ 107..

وفي حديث أبي سعيدٍ -يرفعه إلى النبي -: اللهم إنَّ إبراهيم حرَّم مكة فجعلها حَرَمًا، وإني حرَّمْتُ المدينة حرامًا ما بين مَأْزِمَيْها[102]المَأْزِمُ: هو الجبل، وقيل: المَضِيق بين الجَبَلين ونحوه، والأول هو الصواب هنا، ومعناه: ما بين جبليها. ينظر: … Continue reading؛ ألا يُهرَاقَ فيها دمٌ، ولا يُحْمَلَ فيها سلاحٌ لقتالٍ، ولا تُخْبَطَ فيها شجرةٌ إلا لعَلْفٍ. اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مُدِّنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مُدِّنا، اللهم بارك لنا في مدينتنا[103]رواه مسلم: 1374..

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

^1 رواه البخاري: 3366 واللفظ له، ومسلم: 520.
^2 رواه البخاري: 3425.
^3 رواه مسلم: 520.
^4 ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص138، و"تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 115.
^5 ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 379.
^6 ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 115.
^7 ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 116.
^8, ^15 ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص138.
^9 ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 116، و"معالم التنزيل": للبغوي: 1/ 328، و"تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص139.
^10 ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 116، و"تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص139، و"جامع البيان" للطبري: 3/ 33 و37، 7/ 28- 29.
^11 حَطِيم مكة: هو ما بين الرُّكْن والباب. وقيل: هو الحِجْر المُخْرَج منها؛ سُمِّيَ به لأن البيت رُفِعَ وتُرِكَ هو محطومًا، وقيل: لأن العرب كانت تطرح فيه ما طافت به من الثياب، فتبقى حتى تنحطم بطول الزمان؛ فيكون فَعِيلًا بمعنى فاعلٍ. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 1/ 403.
^12 ينظر: "معالم التنزيل" للبغوي: 1/ 328.
^13 ينظر: "جامع البيان" للطبري: 6/ 28.
^14 ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 117.
^16, ^87 ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 383.
^17 ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 117، و"معالم التنزيل" للبغوي: 1/ 329، و"تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص139.
^18 ينظر: "جامع البيان" للطبري: 7/ 29- 34، و"تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 117، و"معالم التنزيل" للبغوي: 1/ 329.
^19 ينظر: "معالم التنزيل" للبغوي: 1/ 329.
^20 ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 380.
^21 ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 379- 380.
^22 رواه مسلم: 1360.
^23 رواه البخاري: 2129.
^24 رواه البخاري: 3189، ومسلم: 1353.
^25 ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 2/ 74.
^26 ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 382.
^27 رواه البخاري: 1834 واللفظ له، ومسلم: 1353.
^28 ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 380- 381.
^29 رواه ابن ماجه: 1406، وأحمد: 14694 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1173.
^30 أيهما أفضل: الطواف بالبيت، أم صلاة النافلة في المسجد الحرام؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: الطواف بالبيت أفضل، وبه قال بعض علماء الشافعية، واستدلُّوا بأنَّ الله قدَّم الطواف على الصلاة في قوله: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة:125]، وقوله: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج:26].

والقول الثاني: الصلاة أفضل لأهل مكة، والطواف أفضل للغرباء. وممن قال بهذا القول: ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وعطاءٌ، وسعيد بن جُبَيْرٍ، ومُجاهدٌ، كما نقله عنهم النووي في "شرح المهذب". ينظر: "أضواء البيان" للشنقيطي: 5/ 245.

قال شيخنا ابن باز رحمه الله: "في التفضيل بين كثرة النافلة وكثرة الطواف خلافٌ، والأرجح أن يُكْثِر من هذا وهذا، ولو كان غريبًا. وذَهَبَ بعض أهل العلم إلى التفضيل، فاستحبوا الإكثار من الطواف في حق الغريب، ومن الصلاة في حق غيره، والأمر في ذلك واسعٌ ولله الحمد". ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 16/ 138- 139 و367، 17/ 225، و"مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 26/ 248.

وقال شيخ الإسلام: "جمهور العلماء على أن طوافهم بالبيت أفضل لهم من الصلاة بالمسجد الحرام". ينظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 26/ 290.

^31 رواه البخاري: 7290 واللفظ له، ومسلم: 781.
^32 ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 30/ 21- 23.
^33 ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 12/ 230.
^34, ^36 ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 3/ 270.
^35 رواه أحمد: 18910، وحسَّنه محققو "المسند".

والاضطراب هنا: أنَّ مَن نَزَلَ قريبًا من مكة فإنه ينبغي له أن ينزل في الحِلِّ ويُصَلِّي في الحَرَم، وكذلك كان ابن عمر رضي الله عنهما يصنع. ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 3/ 270.

^37 سمعتُه في أثناء تقريره على "زاد المعاد": 3/ 304- 305، وذلك بتاريخ 29/ 6/ 1417هـ. والحديث رواه أحمد: 16117، وابن حبان: 1620 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 1618.
^38 ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 12/ 231.
^39 ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 388- 390، 17/ 197- 200.
^40 ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 389، 17/ 197.
^41 رواه أحمد: 16117، وابن حبان: 1620 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 1618.
^42 ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 388.
^43 ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 389.
^44 ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 388- 390.
^45 قال العلماء: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقيةٌ إلى يوم القيامة. والمعنى: لا هجرةَ بعد الفتح من مكةَ؛ لأنها صارت دارَ إسلامٍ، وإنما تكون الهجرة من دار الحرب. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 123.
^46 معناه: لكم طريقٌ إلى تحصيل الفضائل التي في معنى الهجرة، وذلك بالجهاد ونية الخير في كل شيءٍ. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 123.
^47 معناه: إذا دعاكم السلطان إلى غزوٍ فاذهبوا. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 123.
^48 قال أهل اللغة: العضد: القطع. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 125.
^49 من رواية البخاري: 1834. واللُّقْطَة: اسم الشيء الذي تجده مُلقًى فتأخذه، والالتقاط هو أخذه، وأصل اللقط: الأخذ من حيث لا يُحَسُّ. ينظر: "صحيح مسلم" ت: عبدالباقي: 2/ 987.
^50, ^56 رواه البخاري: 1349.
^51 رواه البخاري: 2433.
^52 الخَلَا: هو الرَّطْب من الكَلَأ. قالوا: الخَلَا والعُشب: اسمٌ للرَّطْب منه، والحشيش والهشيم: اسمٌ لليابس منه. والكَلَأ يقع على الرَّطْب واليابس. ومعنى يُختَلى: يؤخذ ويُقطَع. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 125.
^53 قال العلايلي في "معجمه": الإذخر: نباتٌ عشبيٌّ، من فصيلة النجيليات، له رائحةٌ ليمونيةٌ عطرةٌ، أزهاره تُستعمل منقوعة كالشاي، ويُقال له أيضًا: طيب العرب. والإذخر المكي: من الفصيلة نفسها، جذوره من الأفاوية، يَنْبُتُ في السُّهول وفي المواضع الجافَّة الحارَّة. ويقال له أيضًا: حَلْفَاء مكة. ينظر: "صحيح مسلم" ت: عبدالباقي: 2/ 986.
^54, ^58 من رواية البخاري: 4313.
^55 القَيْن: هو الحدَّاد والصائغ. ومعناه: يحتاج إليه القَيْن في وُقُود النار، ويُحتاج إليه في القبور لتُسَدَّ به فُرَجُ اللَّحْد المُتَخَلِّلة بين اللَّبِنات، ويُحتاج إليه في سُقُوف البيوت، يُجعَل فوق الخشب. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 127.
^57, ^60 رواه البخاري: 2090.
^59 رواه البخاري: 1349، 1834، 2433، 2090، 4313، ومسلم: 1353 واللفظ له.
^61 يعني: لقتال ابن الزبير رضي الله عنهما. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 127.
^62 أراد بهذا كله المُبالَغة في تحقيق حفظِه إياه وتَيَقُّنِه زمانَه ومكانَه ولَفْظَه. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 127.
^63 تَرَخَّصَ في الأمور: أخذ فيها بالرُّخْصَة، والرُّخْصَة: التسهيل في الأمر والتيسير. ينظر: "المعجم الوسيط": 1/ 336.
^64 أي: لا يُجِيره ولا يَعْصِمُه. أراد به عبدالله بن الزبير. ينظر: "صحيح مسلم" ت: عبدالباقي: 2/ 987.
^65 أي: ولا يُعِيذ الحرم هاربًا التجأ إليه بسببٍ من الأسباب الموجبة للقتل. ينظر: "صحيح مسلم" ت: عبدالباقي: 2/ 987.
^66 هي بفتح الخاء وإسكان الراء؛ هذا هو المشهور. ويقال: بضم الخاء أيضًا؛ حكاها القاضي وصاحب "المطالع" وآخرون. وأصلها: سرقة الإبل، وتُطلَق على كل خيانةٍ. قال الخليل: هي الفساد في الدين، من الخارب وهو: اللصُّ المُفسِد في الأرض. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 128- 129.
^67 رواه البخاري: 1832 واللفظ له، ومسلم: 1354.
^68 أي: ما سَقَطَ فيها بغفلةِ مالِكِه. ينظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني: 2/ 164.
^69 المُنشد هو: المُعَرِّف. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 126.
^70 معناه: وليُّ المقتول بالخيار؛ إن شاء قَتَلَ القاتل، وإن شاء أَخَذَ فداءه، وهي الدِّيَة. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 129.
^71, ^76 رواه البخاري: 2434 و6880، ومسلم: 1355 واللفظ له.
^72 متعلقٌ بـ"قتلوا"، أي: بمقابلة مقتولٍ من بني خزاعة قَتَلَه قاتلٌ من بني ليثٍ. ينظر: "صحيح مسلم" ت: عبدالباقي: 2/ 989.
^73 أي: منعه من الدخول فيها حين جاء يقصد خراب الكعبة. ينظر: "صحيح مسلم" ت: عبدالباقي: 2/ 989.
^74 أي: لا يُقطَع. وأصل الخبط: إسقاط الورق من الشجر. ينظر: "صحيح مسلم" ت: عبدالباقي: 2/ 989.
^75 من الإقادة، ومعناها: تمكين وليِّ الدم من القَوَد. وأصله: أنهم يدفعون القاتل لولي المقتول، فيَقُودُه بِحَبْلٍ. ينظر: "صحيح مسلم" ت: عبدالباقي: 2/ 989.
^77 رواه مسلم: 1356.
^78 المِغفَر: ما يُلبَس على الرأس من درع الحديد. ينظر: "المُفهم" للقرطبي: 3/ 477.
^79 قال العلماء: إنما قَتَلَه لأنه كان قد ارتدَّ عن الإسلام وقَتَلَ مسلمًا كان يَخْدُمُه، وكان يهجو النبيَّ ويَسُبُّه، وكانت له قَيْنَتان تُغَنِّيان بهِجاء النبي والمسلمين. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 131- 132.
^80 رواه البخاري: 1846، ومسلم: 1357 واللفظ له.
^81 رواه مسلم: 1358.
^82, ^84 رواه مسلم: 1359.
^83 قال النووي: هكذا هو في جميع نُسَخ بلادنا وغيرها: طَرَفَيْها بالتثنية، وكذا هو في "الجمع بين الصحيحين" للحُمَيْدي. وذكر القاضي عياضٌ أن الصواب المعروف: طَرَفَها بالإفراد، وأن بعضهم رواه: طَرَفَيْها بالتثنية. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 133- 134.
^85 رواه الترمذي: 3925، وابن ماجه: 3108 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7089.
^86 الحشيش هو: اليابس من العُشْب والكَلَأ. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 125.
^88 ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 3/ 384.
^89 ينظر: "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" لعبدالله البسام: 4/ 97.
^90 ينظر: "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" لعبدالله البسام: 4/ 97- 98 بتصرُّفٍ يسيرٍ.
^91 الحرام: هو الشيء الممنوع منه بتحريمٍ إلهيٍّ أو بمنعٍ عقليٍّ، والحَرَمُ سُمِّيَ بذلك لتحريم الله تعالى فيه كثيرًا مما لم يُحَرَّمْ في غيره من المواضع. ينظر: "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" لعبدالله البسام: 4/ 99.
^92 رواه البخاري: 2129، ومسلم: 1360 واللفظ له.
^93 عَيْرٌ -بفتح العين، ثم ياءٍ ساكنةٍ، ثم راءٍ مُهمَلةٍ-: جبلٌ أسودُ بحُمرةٍ، مستطيلٌ من الشرق إلى الغرب، يُشْرِف على المدينة المنورة من الجنوب، وبسفحه الشمالي وادي العقيق الذي فيه بئر عروة ‏بن الزبير، ولا تزال مشهورةً إلى الآن. ينظر: "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" لعبدالله البسام: 4/ 99.
^94 رواه البخاري: 6755، ومسلم: 1370.

وثَوْرٌ: جبلٌ صغيرٌ مستديرٌ أحمرُ، يقع شمال المدينة المنورة، وموقعه خلف جبل أُحُدٍ؛ إذا اتَّجه الإنسان من المدينة إلى المطار وحاذَى جبلَ أُحُدٍ، يراه عن يساره بالصفة التي ذكرنا.

ولكون جبل ثَوْر المدينة غير معروفٍ ولا مشهورٍ، والمشهور هو جبل ثورٍ بمكة المكرمة؛ فإنَّ كثيرًا من الكاتبين أخطؤوا هنا حتى نَفَوا وجوده بالمدينة، والحقُّ أنه موجودٌ ومعروفٌ وعلى هذا التحديد؛ فما بين الجبلين هو حرم المدينة؛ فإنَّ جبل أُحُدٍ داخل حرم المدينة المنورة؛ فصارت حدود حرم المدينة من الشرق إلى الغرب: الحَرَّتان، ومن الجنوب: جبل عَيْرٍ، ومن الشمال: جبل ثَوْرٍ. ينظر: "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" لعبدالله البسام: 4/ 100.

^95 رواه مسلم: 1372.
^96 اللَّابَة هي: الحَرَّة، والمدينة المنورة بين حَرَّتَين شرقيةٍ وغربيةٍ تكتنفانها. والحَرَّة: هي الأرض ذات الحجارة السُّود، كأنها أُحرِقَتْ بالنار. ومعنى ذلك: اللَّابَتَان وما بينهما، والمراد: تحريم المدينة ولابتيها. ينظر: "صحيح مسلم" ت: عبدالباقي: 2/ 991.
^97 العِضَاه: شَجَرُ أُمِّ غَيْلانَ، وكلُّ شَجَرٍ عظيمٍ له شوكٌ. الواحدة: عِضَةٌ -بالتاء-، وقيل: واحدته عِضَاهةٌ. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 3/ 255.
^98 رواه مسلم: 1362.
^99, ^103 رواه مسلم: 1374.
^100 القُِنَّب -كدِنَّمٍ وسُكَّرٍ-: نوعٌ من الكتَّان. ينظر: "القاموس المحيط" للفيروزآبادي: ص127، و"جمهرة اللغة" لابن دُريد: 2/ 1166.
^101 ينظر: "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" لعبدالله البسام: 4/ 107.
^102 المَأْزِمُ: هو الجبل، وقيل: المَضِيق بين الجَبَلين ونحوه، والأول هو الصواب هنا، ومعناه: ما بين جبليها. ينظر: "المنهاج" للنووي: 9/ 147.