جدول المحتويات
- تعريف المنافع
- منافع الحجِّ
- أولًا: امتثال أمر الله، وإجابة دعوة إبراهيم
- ثانيًا: ذكر الله تعالى في الأيام المعلومات
- ثالثًا: الصِّلَة بالله تعالى والتَّقرب إليه
- رابعًا: تعظيم حُرمات الله تعالى
- خامسًا: تعظيم شعائر الله تعالى
- سادسًا: مغفرة الذنوب ورضوان الله
- سابعًا: مُضاعفة أجر الصلوات في الحرم
- ثامنًا: دخول الجنة والنَّجاة من النار
- تاسعًا: السلامة من الفقر
- عاشرًا: أرباح التجارة
- الحادي عشر: إظهار التَّذلل لله تعالى والخضوع له سبحانه
- الثاني عشر: أداء شكر الله تعالى على نِعَمِه
- الثالث عشر: الحجّ أعظم مُؤتمرٍ إسلاميٍّ عالميٍّ
- الرابع عشر: التَّذكير بالموت والانتقال إلى الآخرة
- الخامس عشر: التَّذكير بيوم القيامة
- السادس عشر: اتِّصال المسلمين بعضهم ببعضٍ، وتعاونهم في مصالحهم
- السابع عشر: التَّعلم والتَّعليم ونشر الدعوة والخير بين الناس في المواسم
- الثامن عشر: أعظم المنافع: تحقيق التوحيد ونَبْذ الشِّرك
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن وَالَاهُ.
أما بعد:
فالحج إلى بيت الله الحرام له منافع كثيرةٌ لا تُعَدُّ، ولا تُحْصَى.
تعريف المنافع
النَّفْع ضد الضُّرِّ، يُقال: نَفَعَه يَنْفَعُه نَفْعًا ومنفعةً، ويُقال: نَفَعَه بكذا فَانْتَفَعَ به، والاسم: المنفعة، وجمعه: المنافع، ويُقال: نَفَّاعٌ؛ كثير النَّفْع، فالمنفعة: اسم ما انتُفِعَ به[1]ينظر: "مختار الصحاح" للرازي: ص316، و"لسان العرب" لابن منظور: 8/ 358..
والنَّفْع: الخير؛ وهو ما يتوصَّل به الإنسان إلى مطلوبه[2]ينظر: "المصباح المُنير" للفيومي: 2/ 618..
وقيل: النَّفْع ما يُستعان به في الوصول إلى الخيرات، وما يتوصَّل به إلى الخير فهو خيرٌ، فالنفع خيرٌ، وضدُّه: الضُّر[3]ينظر: "المفردات في غريب القرآن" للأصفهاني: ص819..
منافع الحجِّ
منافع الحجِّ كثيرةٌ، لا تُحْصَر، ولا تُعَدُّ، ولكن على وجه الاختصار منها ما يأتي:
أولًا: امتثال أمر الله، وإجابة دعوة إبراهيم
الحج امتثالٌ لأمر الله، وإجابةٌ لأمره إبراهيم بالدعوة إليه؛ لقول الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]؛ ولقوله تعالى لإبراهيم : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:27- 28]، ولحديث أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله فقال: أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحجَّ، فَحُجُّوا، فقال رجلٌ: أَكُلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسكتَ، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله : لو قلتُ: نعم، لَوَجَبَتْ، ولما استطعتُم، ذَرُونِي ما تركتُكم، فإنما هَلَكَ مَن كان قبلكم بكثرة سُؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتُكم بشيءٍ فَأْتُوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتُكم عن شيءٍ فَدَعُوه[4]رواه مسلم: 1337..
ثانيًا: ذكر الله تعالى في الأيام المعلومات
وهي عشر ذي الحجة وأيام التَّشريق[5]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 16/ 241. من جملة المنافع للحجِّ، قال الله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [الحج:27- 28].
قال الإمام الشنقيطي: "اللام في قوله: لِيَشْهَدُوا هي لام التَّعليل، وهي مُتعلقةٌ بقوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ ... الآية، أي: إن تُؤَذِّن فيهم يأتوك مُشَاةً ورُكْبَانًا لأجل أن يشهدوا -أي: يحضروا- منافع لهم، والمراد بحضورهم المنافع: حصولها لهم"[6]ينظر: "أضواء البيان" للشنقيطي: 5/ 532..
فقوله: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ من المنافع الدينية.
قال العلامة الإمام شيخنا ابن باز رحمه الله: "وعطفه على المنافع من باب عطف الخاصِّ على العامِّ"[7]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 5/ 135. يعني: عطف الذكر على المنافع.
وقال العلامة السعدي: "وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ... وهذا من المنافع الدينية والدنيوية"[8]ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص536..
ولا شكَّ أن الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والدعاء على الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، ومُزدلفة، ورَمْي الجِمَار؛ كل هذه من ذكر الله تعالى؛ ولهذا رُوِيَ: إنما جُعِلَ الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورَمْي الجِمَار لإقامة ذكر الله[9]رواه أبو داود: 1888، وابن خزيمة: 2882.، وهذا المعنى صحيحٌ حتى لو لم يصح فيه الحديث.
ثالثًا: الصِّلَة بالله تعالى والتَّقرب إليه
ومُفارقة الأهل والأوطان والعشيرة؛ لأداء الحجِّ وزيارة البيت العتيق.
وهذا فيه فوائد عظيمةٌ، ومنافع كثيرةٌ، لا تُحيط بها العبارة؛ لأنه في هذه العبادة يركب الأخطار، ويقطع الطرق الطويلة، ويشقّ الأجواء يرجو رحمة ربه، ويخاف عقابه سبحانه، فما أَحْرَاهُ بالثواب الجزيل والأجر العظيم من المولى الكريم !
ولا شكَّ أن هذه العبادة شرع الله فيها الإحرام، والتَّلبية، واجتناب كثيرٍ من العوائد، وكشف الرجل رأسه، وخلع ثيابه وإبدالها بالإزار والرداء، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، والمبيت بِمُزْدَلِفَة، ورَمْي الجِمَار، وحلق الرأس أو تقصيره، والتَّقرب إلى الله تعالى بذبح الهدايا والقَرَابين، وغير ذلك مما شرع الله في الحجِّ.
وكل ذلك تشهد العقول الصحيحة والفِطَر السليمة المُستقيمة بِحُسْنِه، وأنه لا حكمة فوق حكمة مَن شرعه[10]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 2/ 234..
رابعًا: تعظيم حُرمات الله تعالى
تعظيم حُرمات الله تعالى في قوله: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30]، وهذا من أعظم المنافع التي يحصل عليها العبد.
قال الإمام البغوي: "ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ أي: معاصي الله وما نهى عنه، وتعظيمها: ترك مُلابستها ... وقال ابن زيدٍ: الحُرُمات هاهنا: البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والإحرام.
فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ أي: تعظيم الحُرمات خيرٌ له عند الله في الآخرة"[11]ينظر: "تفسير البغوي": 3/ 338..
وقال الإمام ابن كثيرٍ: "ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ أي: ومَن يجتنب معاصيه ومحارمه، ويكون ارتكابها عظيمًا في نفسه فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ أي: فله على ذلك خيرٌ كثيرٌ، وثوابٌ جزيلٌ، فكما أن على فعل الطاعات ثوابًا كثيرًا، وأجرًا جزيلًا، كذلك على ترك المُحرمات واجتناب المحظورات"[12]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 5/ 408..
وقال العلامة السعدي: "ذَلِكَ الذي ذكرنا لكم من تلكم الأحكام وما فيها من تعظيم حُرمات الله وإجلالها وتكريمها؛ لأن تعظيم حُرمات الله من الأمور المحبوبة المُقَرِّبَة إليه التي مَن عظَّمها وأجلَّها أثابه الله ثوابًا جزيلًا، وكانت خيرًا له في دينه ودنياه وأُخْرَاه عند ربه.
وحُرمات الله: كلُّ ما له حُرْمَةٌ، وأمر باحترامه بعبادةٍ أو غيرها: كالمناسك كلها، وكالحرم، والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها، فتعظيمها: إجلالها بالقلب، ومحبتها، وتكميل العبودية فيها، غير مُتهاونٍ، ولا مُتكاسلٍ، ولا مُتثاقلٍ"[13]ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص537..
فيجب على العبد أن يُعَظِّم حُرمات الله باجتنابها، سواءٌ كان ذلك في الحجِّ أو في غيره، ويُعَظِّم حُرمات الله كما تقدم، ويدلُّ على عبودية العبد لله تعالى تعظيم شعائره كما تقدم.
خامسًا: تعظيم شعائر الله تعالى
فمن أعظم المنافع للحجِّ: تعظيم شعائر الله تعالى، وهذه المنفعة من أعظم العبادات لله تعالى؛ قال الله : ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].
قال ابن كثيرٍ: "وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ أي: أوامره فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، ومن ذلك: تعظيم الهدايا والبُدْن، كما قال الحكم: عن مقسم، عن ابن عباسٍ: تعظيمها: استِسْمَانها واستِحْسَانها"[14]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 5/ 410..
وقال العلامة السعدي: "والمراد بالشعائر: أعلام الدين الظاهرة، ومنها المناسك كلها، كما قال تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158]، ومنها الهدايا والقُرْبَان للبيت، وتقدم أن معنى تعظيمها: إجلالها، والقيام بها، وتكميلها على أكمل ما يقدر عليه العبد.
ومنها: الهدايا، فتعظيمها باستحسانها واستِسْمَانها، وأن تكون مُكَمَّلةً من كل وجهٍ.
فتعظيم شعائر الله صادرٌ من تقوى القلوب، فالمُعَظِّم لها يُبَرْهِنُ على تقواه وصحة إيمانه؛ لأنَّ تعظيمها تابعٌ لتعظيم الله وإجلاله[15]ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص538..
وقال العلامة الشنقيطي: "ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ عامٌّ في جميع شعائر الله، وقد نصَّ تعالى على أن البُدْن فردٌ من أفراد هذا العموم، داخلٌ فيه قطعًا، وذلك في قوله: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [الحج:36]، فيدخل في الآية تعظيم البُدْن واستِسْمَانها واستِحْسَانها، كما قدمنا عن البخاري: أنهم كانوا يُسَمِّنون الأضاحي، وكانوا يرون أن ذلك من تعظيم شعائر الله.
وقد قدمنا أن الله صرَّح بأن الصفا والمروة داخلان في هذا العموم بقوله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ... الآية [البقرة:158]، وأن تعظيمهما المنصوص في هذه الآية يدل على عدم التهاون بالسعي بين الصفا والمروة"[16]ينظر: "أضواء البيان" للشنقيطي: 5/ 754..
سادسًا: مغفرة الذنوب ورضوان الله
مغفرة ذنوب الحاجِّ، ورضوان الله عليه، فيرجع إلى وطنه كيوم ولدته أُمُّه، لا ذنب عليه، إذا كان مُتَّقِيًا ربَّه في حَجِّه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
وقد تقدم في فضائل الحجِّ والعمرة قول النبي : مَن حجَّ هذا البيت فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُق رجع كما ولدته أُمُّه[17]رواه البخاري: 1819، ومسلم: 1350..
وذكر الإمام الطبري أن معنى قوله تعالى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203] هو أن الحاجَّ يخرج مغفورًا له كيوم ولدته أُمُّه، لا إثم عليه، فقد ذكر ستة أقوالٍ لأهل العلم في معنى الآية، ثم قال: "وأولى هذه الأقوال بالصحة قول مَن قال: تأويل ذلك: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ من أيام مِنًى الثلاثة، فنفر في اليوم الثاني، فلا إثم عليه؛ لِحَطِّ الله ذنوبه إن كان قد اتَّقَى الله في حَجِّه، فاجتنب فيه ما أمره الله باجتنابه، وفعل فيه ما أمره الله بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كَلَّفَه من حدوده.
وَمَنْ تَأَخَّرَ إلى اليوم الثالث منهنَّ فلم ينفر إلى النَّفْر الثاني حتى نَفَرَ من غَدٍ النَّفْر الأول فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ؛ لتكفير الله له ما سلف من آثامه وإجرامه إن كان اتَّقَى الله في حَجِّه بأدائه بحدوده.
وإنما قلنا: إن ذلك أولى تأويلاته بالصحة؛ لتظاهر الأخبار عن رسول الله أنه قال: مَن حَجَّ هذا البيت فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رجع كما ولدته أُمُّه، وأنه قال : تابعوا بين الحجِّ والعمرة؛ فإنهما يَنْفِيَان الفقر والذنوب كما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحديد والذهب والفضة[18]رواه الترمذي: 810، والنسائي: 2631، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2468....
وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بذكر جميعها الكتاب مما يُنْبِئ عن أن مَن حجَّ فَقَضَاهُ بحدوده على ما أمره الله فهو خارجٌ من ذنوبه، كما قال جلَّ ثناؤه: فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى الله في حَجِّه، فكان في ذلك من قول رسول الله ما يُوضِّح أن معنى قوله جلَّ وعَزَّ: فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ أنه خارجٌ من ذنوبه، محطوطةٌ عنه آثامه، مغفورةٌ له أجرامه، وأنه لا معنى لقول مَن تأول قوله: فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فلا حرج عليه في نَفْرِه في اليوم الثاني، ولا حرج عليه في مقامه إلى اليوم الثالث؛ لأن الحرج إنما يُوضَع عن العامل فيما كان عليه تَرْك عمله، فَيُرَخَّص له في عمله بوضع الحرج عنه في عمله، أو فيما كان عليه عمله، فَيُرَخَّص له في تركه بوضع الحرج عنه في تركه"[19]ينظر: "تفسير الطبري": 4/ 222- 224..
وقد رجَّح اختيار الإمام ابن جرير العلَّامة الجَهْبَذ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله[20]ينظر: "أضواء البيان" للشنقيطي: 5/ 534- 536..
سابعًا: مُضاعفة أجر الصلوات في الحرم
مُضاعفة أجر الصلوات في الحرم من المنافع العظيمة؛ فإن الصلاة فيه أفضل من مئة ألف صلاةٍ فيما سواه؛ لقول النبي : وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاةٍ فيما سواه[21]رواه ابن ماجه: 1406، وأحمد: 14694، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1173.، وهذا ثوابٌ عظيمٌ؛ فإن مَن صلَّى يومًا واحدًا خمس صلواتٍ كانت أفضل من خمسمئة ألف صلاةٍ، فتكون أفضل من الصلاة في 281 سنةً وستة أشهرٍ تقريبًا؛ لأن المُصلِّي إذا صلَّى خمس صلواتٍ كان ذلك عدد الصلوات في اليوم، فيكون بمئة ألف يومٍ ÷ 355 يومًا -عدد أيام السنة القمرية- والناتج يكون عدد السنين هكذا: 100000 يومٍ ÷ 355 يومًا = 281,69 سنة، وهذا فضلٌ عظيمٌ، وثوابٌ كبيرٌ جليلٌ لِمَن وَفَّقه الله تعالى للخير[22]أيُّهما أفضل: الطواف بالبيت أم صلاة النافلة في المسجد الحرام؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: … Continue reading.
ثامنًا: دخول الجنة والنَّجاة من النار
دخول الجنة والنَّجاة من النار من أعظم منافع الحجِّ؛ لقوله : العمرة إلى العمرة كَفَّارةٌ لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة[23]رواه البخاري: 1773، ومسلم: 1349.، وهذا أعظم المنافع التي تحصل لِمَن حجَّ حجًّا مبرورًا؛ لأن مَن زُحْزِحَ عن النار وأُدْخِلَ الجنة فقد فاز: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].
تاسعًا: السلامة من الفقر
السلامة من الفقر لِمَن تابع بين الحجِّ والعمرة؛ لقول النبي : تابعوا بين الحجِّ والعمرة؛ فإنهما يَنْفِيَان الفقر والذنوب ... الحديث[24]رواه الترمذي: 810، والنسائي: 2631، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2468..
وهذا من المنافع؛ فإن المُتابعة بين الحجِّ والعمرة يُزِيلان الفقر، قال المُلَّا علي القاري: "يَنْفِيَان الفقر أي: يُزِيلانه، وهو يحتمل الفقر الظاهر بحصول غِنَى اليد، والفقر الباطن بحصول غِنَى القلب"[25]ينظر: "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" للملا علي القاري: 5/ 1750.، وقد قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2- 3].
عاشرًا: أرباح التجارة
من المنافع الدنيوية المُباحة التي تحصل للحاجِّ إذا أراد البيع والشراء: أرباح التجارة، وقد أباح الله ذلك للحاجِّ إذا لم تشغله عن حَجِّه؛ قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198].
وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: "كانت عُكَاظ ومَجَنَّة وذو المَجَازِ أسواقًا في الجاهلية، فَتَأَثَّمُوا أن يَتَّجِرُوا في المواسم، فنزلت: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسم الحجِّ"[26]رواه البخاري: 4519..
وفي لفظٍ: "كان ذو المَجَاز وعُكَاظ مَتْجَرَ الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنَّهم كرهوا ذلك، حتى نزلت: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسم الحجِّ"[27]رواه البخاري: 1770..
وعنه رضي الله عنهما أنه قرأ هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ قال: "كانوا لا يَتَّجِرُون بِمِنًى، فَأُمِرُوا بالتِّجارة إذا أفاضوا من عرفات"[28]رواه أبو داود: 1731، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1521..
وروى الإمام الطبري عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال: "لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده"[29]ينظر: "تفسير الطبري": 4/ 163..
وقال الإمام الشنقيطي: "وقوله: مَنَافِعَ [الحج:28] جمع: منفعة، ولم يُبَيِّن هنا هذه المنافع ما هي؟
وقد جاء بيان بعضها في بعض الآيات القرآنية، وأن منها ما هو دنيويٌّ، وما هو أُخْرَوِيٌّ.
أما الدُّنيوي فكأرباح التِّجارة، إذا خرج الحاجُّ بمال تجارةٍ معه فإنه يحصل له الربح غالبًا، وذلك نفعٌ دنيويٌّ.
وقد أطبق علماء التفسير على أن معنى قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ أنه ليس على الحاجِّ إثمٌ ولا حرجٌ إذا ابتغى ربحًا بتجارةٍ في أيام الحجِّ، إن كان ذلك لا يشغله عن شيءٍ من أداء مناسكه ...
ومن المنافع الدنيوية ما يُصيبونه من البُدْن والذبائح ... وقوله: فَكُلُوا مِنْهَا [الحج:28] في الموضعين، وكل ذلك نفعٌ دنيويٌّ، وفي ذلك بيانٌ أيضًا لبعض المنافع المذكورة في آية الحج هذه"[30]ينظر: "أضواء البيان" للشنقيطي: 5/ 532..
وقال الإمام الطبري في قوله تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:28]: "اختلف أهل التَّأويل في معنى المنافع التي ذكرها الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: هي التِّجارة ومنافع الدنيا ... وقال آخرون: هي الأجر في الآخرة، والتِّجارة في الدنيا ... وقال آخرون: بل هي العفو والمغفرة ... وأولى الأقوال بالصواب قول مَن قال: عَنَى بذلك: ليشهدوا منافع لهم من العمل الذي يُرْضِي الله والتِّجارة، وذلك أن الله عَمَّ لهم منافع جميع ما يَشْهَد له الموسم، ويأتي له مكة أيام الموسم من منافع الدنيا والآخرة، ولم يُخصص من ذلك شيئًا من منافعهم بخبرٍ ولا عقلٍ، فذلك على العموم في المنافع التي وُصِفَتْ"[31]ينظر: "تفسير الطبري": 18/ 608- 610..
وقال الإمام ابن كثيرٍ: "قال ابن عباسٍ: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ قال: منافع الدنيا والآخرة؛ أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا فما يُصيبون من منافع البُدْن والربح والتِّجارات"[32]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 10/ 44..
وذكر الإمام البغوي ما حاصله: العفو والمغفرة، وقيل: التِّجارة. وقيل: الأسواق. وقيل: التجارة وما يرضى الله به من أمر الدنيا والآخرة[33]ينظر: "تفسير البغوي": 3/ 335..
والصواب في المنافع -إن شاء الله تعالى- هو مجموع هذه الأقوال كما قال الإمام الطبري، وأن المنافع عامَّةٌ شاملةٌ لكل المنافع في الدنيا والآخرة -والله تعالى أعلم- فيدخل فيها ما تقدم من المنافع، وما سيأتي ذكره، إن شاء الله تعالى.
الحادي عشر: إظهار التَّذلل لله تعالى والخضوع له سبحانه
وذلك لأن الحاجَّ والمُعتمر يرفض أسباب التَّرف والتَّزين والتَّطيب، ويلبس ثياب الإحرام مُظْهِرًا فَقْرَه لربِّه، مُتَجَرِّدًا من كل ما يشغله ويصرفه عن مولاه، فيتعرَّض بذلك لمغفرته سبحانه.
ثم يقف الحاجُّ في عرفة مُتَضَرِّعًا، مُتَذَلِّلًا، حامدًا، شاكرًا لربِّه، ومُسْتَغْفِرًا لذنوبه وعَثَرَاته، سائلًا ربَّه ما يحتاجه في دُنْيَاه وأُخْرَاه، وفي طوافه بالبيت العتيق يَلُوذ بالله ويلجأ إليه من ذنوبه ومن هوى نفسه والشيطان ووساوسه[34]ينظر: "الموسوعة الفقهية الكويتية": 17/ 26..
الثاني عشر: أداء شكر الله تعالى على نِعَمِه
فإن في الحجِّ يُؤدِّي العبدُ بعض الشكر لسلامة البدن من العوارض المانعة من الحجِّ وغيره، وشكر نعمة المال، وشكر نعمة الفراغ، وشكر نعمة الحياة، وشكر نعمة القوة والشباب.
وهذه النِّعَم من أعظم ما يتمتع به الإنسان من نِعَم الدنيا؛ لأن الإنسان بهذه النِّعَم يُجْهِد نفسه، ويُنفق ماله، ويشغل وقته، ويغتنم حياته وقُوته في طاعة ربِّه والتَّقرب إليه ، وقد قال النبي : نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ[35]رواه البخاري: 6412.، وقال النبي : اغتنم خمسًا قبل خمسٍ: شبابك قبل هَرَمِك، وصحتك قبل سَقَمِك، وغِنَاك قبل فقرك، وفراغك قبل شُغلك، وحياتك قبل موتك[36]رواه الحاكم: 8082، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3355..
ومعلومٌ أن شكر الله تعالى على نِعَمِه من أعظم العبادات التي ينال بها العبدُ الثوابَ والزيادة من فضل الله ، قال الله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].
الثالث عشر: الحجّ أعظم مُؤتمرٍ إسلاميٍّ عالميٍّ
الحجُّ أعظم مُؤتمرٍ بشريٍّ تجتمع كلمة أصحابه الصادقين على البِرِّ والتقوى، فيجتمع المسلمون من أقطار الأرض في مركز اتِّجاه أرواحهم، ومَهْوَى قلوبهم، فيتعرف بعضهم على بعضٍ، ويألف بعضهم بعضًا، فتذوب الفوارق بين الناس؛ فوارق اللون والجنس، وفوارق اللسان واللغة، وفوارق الغنى والفقر، وفوارق الجَاهِ والسلطان: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].
وهذا كله يُبيِّن أن الحكمة من مشروعية الحجِّ: إظهار العبودية لله تعالى، وأن الحجَّ يشتمل على حِكَمٍ جليلةٍ كثيرةٍ، وفوائد عديدةٍ تُدركها العقول الصحيحة، والفِطَر السليمة، وتشمل حياة المسلم الروحية، والمالية، والجسدية، ومصالح المسلمين في الدين والدنيا[37]ينظر: "الموسوعة الفقهية الكويتية": 17/ 26- 27..
الرابع عشر: التَّذكير بالموت والانتقال إلى الآخرة
الحجُّ يُذَكِّر المسلم بالموت والانتقال إلى الآخرة؛ وذلك إذا تجرَّد الحاجُّ من ثيابه، ولبس الإحرام الذي يُشبه الأكفان، ورأى أن الرئيس والمرؤوس، والملك والوزير، والغني والفقير، والعربي والأعجمي، والأسود والأبيض، والصغير والكبير؛ كلهم لباسهم واحدٌ، ولا فرق بينهم في ذلك، وهذا يُذَكِّر بخروج الإنسان من الدنيا، ولا يحمل معه إلا هذه الأكفان التي تَبْلَى بعد ذلك سريعًا، قال الله تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام:94].
الخامس عشر: التَّذكير بيوم القيامة
الحجُّ يُذَكِّر بيوم القيامة؛ لأن الحاجَّ إذا رأى جموع الحُجَّاج قد جاؤوا من كل فَجٍّ عميقٍ، ومن كل طريقٍ بعيدٍ، واجتمعوا للطواف بالبيت العتيق، وانصرفوا من اجتماعهم بعد الصلوات؛ يذكر بهذا الاجتماع وهذا الانصراف يوم القيامة، وانصراف الناس بعد ذلك، كما قال الله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:6- 8].
وكذلك الطواف بين الصفا والمروة، وزحام الناس في الدخول من الأبواب والخروج يُذَكِّر بيوم القيامة.
وكذلك اجتماع الحُجَّاج في عرفة في صعيدٍ واحدٍ، في يومٍ واحدٍ، بلباسٍ واحدٍ، بأعدادٍ كثيرةٍ هائلةٍ؛ يُذَكِّر المسلم بيوم القيامة، واجتماع الناس جميعًا في عَرَصَات القيامة، لا ينفعهم إلا ما قَدَّموا في هذا اليوم العظيم الذي لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا مَن أتى الله بقلبٍ سليمٍ.
فإذا رأى المسلم العاقل هذه الجموع ذَكَّره ذلك بهذا اليوم العظيم، ولَانَ قلبه، واستعدَّ للقاء الله تعالى، والله المُستعان.
السادس عشر: اتِّصال المسلمين بعضهم ببعضٍ، وتعاونهم في مصالحهم
لا شكَّ أن من فوائد الحجِّ: اتِّصال المسلمين من جميع أقطار الأرض في مواسم الحجِّ؛ فيحصل بذلك الخير الكثير، والتَّشاور في كثيرٍ من أمورهم، وتعاونهم في مصالحهم العاجلة والآجلة، واستفادة بعضهم من بعضٍ، وتوحيد كلمتهم على الحقِّ، وكل ذلك من جملة منافع الحجِّ التي أشار إليها تعالى بقوله: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:28][38]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 2/ 234..
السابع عشر: التَّعلم والتَّعليم ونشر الدعوة والخير بين الناس في المواسم
الحُجَّاج جاؤوا من كل فَجٍّ عميقٍ لِيُؤَدُّوا هذا الواجب العظيم؛ وليستفيدوا من حَجِّهم أنواعًا من الطاعات لله تعالى، والمشاعر المُقدَّسة يلتقي فيها أولياء الله والعلماء من أقطار الأرض، فيستفيد العالم والمُتعلم؛ يستفيد العالم بنشر علم الكتاب والسُّنة في هذه الجموع الكثيرة، وتعليمهم ما يجب عليهم، وتحذيرهم مما يضرُّهم، وترسيخ العقيدة الصحيحة في نفوسهم.
ويستفيد الراغب في الخير من العلماء والدُّعاة إلى الله في حلقات العلم في المسجد الحرام وفي المشاعر المُقدَّسة[39]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 5/ 194..
ولا شكَّ أن هذا من التَّزود بالتقوى التي هي خير زادٍ، كما قال الله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197]، فيدخل في ذلك الاستفادة من العلماء الربانيين، ويدخل في ذلك تعليم الناس الخير، والدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر بالأسلوب الحسن، والحكمة والموعظة الحسنة[40]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 16/ 167- 168.، كما قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].
قال شيخنا ابن باز رحمه الله: "وكل ما يفعله الحاجُّ من طاعةٍ لله ونفعٍ لعباده مما ذُكِرَ ومما لم يُذْكَر كله داخلٌ في المنافع، وهذه من حِكَم الله في إبهامها؛ حتى يدخل فيها كل ما يفعله المؤمن والمؤمنة من طاعةٍ لله ونفعٍ لعباده، فالصدقة على الفقير منفعةٌ، وتعليم الجاهل منفعةٌ، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر منفعةٌ، وفي الدعوة إلى الله منافع عظيمةٌ، والصلاة في المسجد الحرام منفعةٌ ... وكل ما تفعله مما ينفع الناس من قولٍ أو عملٍ أو صدقةٍ أو غيرها مما شرعه الله أيضًا داخلٌ في المنافع، فينبغي للحاجِّ أن يستغلَّ هذه الفرصة العظيمة"[41]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 16/ 170، وانظر جملةً من منافع الحجِّ ومقاصده وفوائده وحِكَمه وأهدافه … Continue reading.
الثامن عشر: أعظم المنافع: تحقيق التوحيد ونَبْذ الشِّرك
لحديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما في صفة حَجَّة النبي -حجة الوداع- وفيه: أن النبي كان معه جمعٌ غفيرٌ عند إحرامه من ذي الحُلَيْفَة.
قال جابرٌ : نظرتُ إلى مَدِّ بصري بين يديه من راكبٍ ومَاشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله بين أَظْهُرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيءٍ عملنا به، فَأَهَلَّ بالتوحيد: لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شريك لك لَبَّيْكَ، إنَّ الحمد والنِّعْمَة لك والمُلْك، لا شريك لك[42]رواه مسلم: 1218..
وقد جاءت هذه التَّلبية بلفظها من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن تلبية رسول الله : لَبَّيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والمُلْك، لا شريك لك[43]رواه البخاري: 1549، ومسلم: 1184..
وفي لفظٍ للبخاري ومسلمٍ قال ابن عمر رضي الله عنهما: "لا يزيد على هؤلاء الكلمات"[44]رواه البخاري: 5915، ومسلم: 1184..
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يزيد فيها: "لَبَّيك، لَبَّيك وسَعْدَيك، والخير بيديك، لَبَّيك والرَّغْبَاء إليك والعمل"[45]رواه مسلم: 1184..
ولفظ ابن ماجه وأبي داود: وكان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يزيد في تلبيته: "لَبَّيك، لَبَّيك، لَبَّيك وسَعْدَيك، والخير بيديك، والرَّغْبَاء إليك والعمل"[46]رواه أبو داود: 1812، وابن ماجه: 2918..
وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان عمر بن الخطاب يُهِلُّ بإهلال رسول الله من هؤلاء الكلمات[47]أي: تلبية النبي .، ويقول: "لَبَّيك اللهم لَبَّيك، لَبَّيك وسَعْدَيْك، والخير في يديك، لَبَّيك والرَّغْبَاء إليك والعمل"[48]رواه مسلم: 1184..
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إني لأعلم كيف كان النبي يُلَبِّي: لَبَّيك اللهم لَبَّيك، لَبَّيك لا شريك لك لَبَّيك، إن الحمد والنعمة لك[49]رواه البخاري: 1550..
وجاء لفظ حديث ابن مسعودٍ قال: كان من تلبية النبي : لَبَّيك اللهم لَبَّيك، لَبَّيك لا شريك لك لَبَّيك، إن الحمد والنعمة لك[50]رواه النسائي: 2751، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2578..
وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كان المشركون يقولون: "لبيك لا شريك لك"، قال: فيقول رسول الله : وَيْلَكُم! قَدْ، قَدْ[51]أي: كفى، لا تَزِيدُوا على هذا من قولكم الكفر واستِثْنَائكم، فَيُتِمُّون هم تلبيتهم بالإشراك على ما ذُكِرَ. … Continue reading، فيقولون: "إلا شريكًا هو لك، تَمْلِكُه وما ملك"، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت[52]رواه مسلم: 1185..
وعن أبي هريرة قال: كان من تلبية النبي : لَبَّيك إله الحقِّ[53]رواه النسائي: 2752، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2579..
ولفظ ابن ماجه: أن رسول الله قال في تلبيته: لَبَّيك إله الحقِّ لَبَّيك[54]رواه ابن ماجه: 2920، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5057..
وقد اشتملت تلبية النبي على إثبات التوحيد، والبراءة من الشرك، فَمَن حجَّ أو اعتمر فقد شُرِعَتْ له هذه التلبية، وهذا من تحقيق التوحيد والبراءة من الشرك، وهذا كله من أعظم المنافع.
وقوله : لَبَّيك اللهم لَبَّيك من التَّلبية، وهي إجابة المُنادي، أي: إجابتي لك يا ربِّ، وهو مأخوذٌ من "لَبَّ بالمكان" و"أَلَبَّ به" إذا أقام به، و"أَلَبَّ على كذا" إذا لم يُفارقه، ولم يُستعمل إلا على لفظ التَّثنية في معنى التَّكرير، أي: إجابةً بعد إجابةٍ.
وقيل: معناه: اتِّجاهي وقصدي يا ربِّ إليك، من قولهم: داري تَلُبُّ دارك، أي: تُواجهها.
وقيل: معناه: إخلاصي لك، من قولهم: حَسَبٌ لُبَاب، إذا كان خالصًا مَحْضًا، ومنه: لُبُّ الطعام ولُبَابه.
وقيل: معناه: محبتي لك يا ربِّ، من قول العرب: امرأةٌ لَبَّةٌ، أي: مُحِبَّةً لولدها، عاطفةً عليه[55]ينظر: "الغريبين" للهروي: 5/ 1666، و"النهاية" لابن الأثير: 4/ 222..
ولِعِظَم التَّلبية وعُلُوِّ شأنها تعدَّدتْ معانيها عند العلماء، وكل هذه المعاني تدل على توحيد الله تعالى، والنَّهي عن ضدِّه وهو: الشرك بالله ، وقد نقل الإمام ابن القيم ثمانية أقوالٍ في معانيها، وهي على النحو الآتي:
- إجابةٌ لك بعد إجابةٍ؛ ولهذا المعنى كُرِّرَت التَّلبية إيذانًا بتكرير الإجابة.
- انقيادٌ لك بعد انقيادٍ، من قولهم: "لَبَّبْتُ الرجل"، إذا قبضتُ على تَلَابِيبه، ومنه: "لَبَّبْتُه بردائه"، والمعنى: انقدتُ لك، وسَعَتْ نفسي لك خاضعةً، ذليلةً، كما يُفعل بِمَن لُبِّبَ بردائه، وقُبِضَ على تَلَابِيبه.
- أنه من "لَبَّ بالمكان" إذا أقام به ولزمه، والمعنى: أنا مُقيمٌ على طاعتك، مُلازمٌ لها.
- أنه من قولهم: "داري تَلُبُّ دارك" أي: تُواجهها وتُقابلها، أي: أنا مُواجِهُك بما تُحِبُّ، مُتوجِّهٌ إليك.
- معناه: حبًّا لك بعد حُبٍّ، من قولهم: "امرأةٌ لَبَّةٌ" إذا كانت مُحبةً لولدها.
- مأخوذٌ من لُبِّ الشيء: وهو خالصه، ومنه لُبُّ الطعام، ولُبُّ الرجل: عقله وقلبه، ومعناه: أخلصتُ لُبِّي وقلبي لك، وجعلتُ لك لُبِّي وخالصتي.
- أنه من قولهم: فلانٌ رَخِيُّ اللَّبَب، وفي لَبَبٍ رَخِيٍّ، أي: في حالٍ واسعةٍ، مُنشرح الصدر، ومعناه: أني مُنشرح الصدر، مُتَّسع القلب لقبول دعوتك وإجابتها، مُتوجِّهٌ إليك بِلَبَبٍ رَخِيٍّ تَوَجُّه المُحِبِّ إلى محبوبه، لا بِكُرْهٍ، ولا تكلُّفٍ.
- أنه من الإلباب، وهو الاقتراب، أي: اقترابًا إليك بعد اقترابٍ، كما يتقرب المُحِبُّ من محبوبه.
ومعنى "وسعديك" من المساعدة، وهي المُطاوعة، أي: مساعدةً في طاعتك وما تُحب بعد مساعدةٍ.
ومعنى "والرَّغْبَاء إليك" أي: الطلب والمسألة والرَّغبة[56]ينظر: "تهذيب سنن أبي داود" لابن القيم: 1/ 333- 335..
ولا شكَّ أن التَّلبية فيها الإعلان بإجابة دعوة الله تعالى وطاعته، والإعلان بالتوحيد والبراءة من الشرك وأهله، وهذا من أعظم المنافع.
وقد اشتملت التلبية على قواعد عظيمةٍ، وفوائد جليلةٍ، كثيرةٍ، نافعةٍ.
ولا شكَّ أن الاهتمام بمعرفة معنى التَّلبية، ومعرفة هذه الفوائد التي تضمنتها يُعِين العبد المسلم على القيام بعبادة الحجِّ والعمرة، والتَّقرب لله تعالى بقول هذه الكلمات على أحسن وجهٍ وأكمله.
والله أسأل أن يُحقق هذه المنافع وغيرها من المنافع النافعة التي لم تُذكر هنا لي ولجميع الحُجَّاج، وأن يَمُنَّ على جميع المسلمين بالإخلاص في القول والعمل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
كتبه الفقير إلى الله تعالى في كل أحواله
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
| ^1 | ينظر: "مختار الصحاح" للرازي: ص316، و"لسان العرب" لابن منظور: 8/ 358. |
|---|---|
| ^2 | ينظر: "المصباح المُنير" للفيومي: 2/ 618. |
| ^3 | ينظر: "المفردات في غريب القرآن" للأصفهاني: ص819. |
| ^4 | رواه مسلم: 1337. |
| ^5 | ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 16/ 241. |
| ^6, ^30 | ينظر: "أضواء البيان" للشنقيطي: 5/ 532. |
| ^7 | ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 5/ 135. |
| ^8 | ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص536. |
| ^9 | رواه أبو داود: 1888، وابن خزيمة: 2882. |
| ^10, ^38 | ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 2/ 234. |
| ^11 | ينظر: "تفسير البغوي": 3/ 338. |
| ^12 | ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 5/ 408. |
| ^13 | ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص537. |
| ^14 | ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 5/ 410. |
| ^15 | ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص538. |
| ^16 | ينظر: "أضواء البيان" للشنقيطي: 5/ 754. |
| ^17 | رواه البخاري: 1819، ومسلم: 1350. |
| ^18 | رواه الترمذي: 810، والنسائي: 2631، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2468. |
| ^19 | ينظر: "تفسير الطبري": 4/ 222- 224. |
| ^20 | ينظر: "أضواء البيان" للشنقيطي: 5/ 534- 536. |
| ^21 | رواه ابن ماجه: 1406، وأحمد: 14694، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1173. |
| ^22 | أيُّهما أفضل: الطواف بالبيت أم صلاة النافلة في المسجد الحرام؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: الطواف بالبيت أفضل، وبه قال بعض علماء الشافعية، واستدلُّوا بأن الله قَدَّم الطواف على الصلاة في قوله: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة:125]، وقوله: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج:26]. والقول الثاني: الصلاة أفضل لأهل مكة، والطواف أفضل للغُرَبَاء. وممن قال بهذا القول: ابن عباسٍ، وعطاء، وسعيد بن جُبير، ومُجاهد، كما نقله عنهم النووي في "شرح المهذب"(ينظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي: 8/ 56، و"أضواء البيان" للشنقيطي: 5/ 245.). قال شيخنا ابن باز رحمه الله: "في التَّفضيل بين كثرة النَّافلة وكثرة الطواف خلافٌ، والأرجح أن يُكثر من هذا وهذا ولو كان غريبًا. وذهب بعض أهل العلم إلى التَّفصيل؛ فَاسْتَحَبُّوا الإكثار من الطواف في حقِّ الغريب، ومن الصلاة في حقِّ غيره، والأمر في ذلك واسعٌ، ولله الحمد"(ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 16/ 138- 139.). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "جمهور العلماء على أن طوافهم بالبيت أفضل لهم من الصلاة بالمسجد الحرام"(ينظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 26/ 290). |
| ^23 | رواه البخاري: 1773، ومسلم: 1349. |
| ^24 | رواه الترمذي: 810، والنسائي: 2631، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2468. |
| ^25 | ينظر: "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" للملا علي القاري: 5/ 1750. |
| ^26 | رواه البخاري: 4519. |
| ^27 | رواه البخاري: 1770. |
| ^28 | رواه أبو داود: 1731، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1521. |
| ^29 | ينظر: "تفسير الطبري": 4/ 163. |
| ^31 | ينظر: "تفسير الطبري": 18/ 608- 610. |
| ^32 | ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 10/ 44. |
| ^33 | ينظر: "تفسير البغوي": 3/ 335. |
| ^34 | ينظر: "الموسوعة الفقهية الكويتية": 17/ 26. |
| ^35 | رواه البخاري: 6412. |
| ^36 | رواه الحاكم: 8082، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3355. |
| ^37 | ينظر: "الموسوعة الفقهية الكويتية": 17/ 26- 27. |
| ^39 | ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 5/ 194. |
| ^40 | ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 16/ 167- 168. |
| ^41 | ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 16/ 170، وانظر جملةً من منافع الحجِّ ومقاصده وفوائده وحِكَمه وأهدافه في "تفسير الطبري": 18/ 608، و"تفسير البغوي": 3/ 335، و"تفسير ابن كثير": 5/ 403، و"أضواء البيان" للشنقيطي: 5/ 532، و"مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز رحمه الله: 2/ 234، و5/ 131، 141، 194، و16/ 160، 170، 177، 185، 192، 196، 241، و17/ 161. |
| ^42 | رواه مسلم: 1218. |
| ^43 | رواه البخاري: 1549، ومسلم: 1184. |
| ^44 | رواه البخاري: 5915، ومسلم: 1184. |
| ^45, ^48 | رواه مسلم: 1184. |
| ^46 | رواه أبو داود: 1812، وابن ماجه: 2918. |
| ^47 | أي: تلبية النبي . |
| ^49 | رواه البخاري: 1550. |
| ^50 | رواه النسائي: 2751، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2578. |
| ^51 | أي: كفى، لا تَزِيدُوا على هذا من قولكم الكفر واستِثْنَائكم، فَيُتِمُّون هم تلبيتهم بالإشراك على ما ذُكِرَ. ينظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض: 3/ 32. |
| ^52 | رواه مسلم: 1185. |
| ^53 | رواه النسائي: 2752، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2579. |
| ^54 | رواه ابن ماجه: 2920، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5057. |
| ^55 | ينظر: "الغريبين" للهروي: 5/ 1666، و"النهاية" لابن الأثير: 4/ 222. |
| ^56 | ينظر: "تهذيب سنن أبي داود" لابن القيم: 1/ 333- 335. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط