تخطى إلى المحتوى

نبذة من سيرة عليِّ بن أبي طالبٍ 

نبذة من سيرة عليِّ بن أبي طالبٍ  - Image 1

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وأصحابه، ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

مكانة علي بن أبي طالبٍ  وفضله

فهذه نبذةٌ يسيرةٌ جدًّا من سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ [1]انظر سيرته بالتفصيل في سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي، مجلد سير الخلفاء الراشدين: ص 223- 290 (مؤسسة الرسالة).، الخليفة الرابع لرسول اللَّه بإجماع المسلمين، وأفضل البشر بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأبي بكرٍ، وعُمرَ، وعثمانَ ، وهو رابع الخلفاء، وأفضلهم، وقد قال النبي في حقهم: فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ[2]رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676، وابن ماجه: 42، وأحمد: 17145، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 37..

وهو الذي شهد له النبي بالشهادة؛ فعن أبي هريرةَ : أنَّ رسول الله كان على جبل حِراءٍ فتحرَّك، فقال رسول الله : اسْكُنْ حِرَاءُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلاَّ نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ، وعليه النبيُّ ، وأبو بكرٍ، وعُمَرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وطلحةُ، والزبيرُ، وسعدُ بن أبي وقَّاصٍ [3]رواه مسلم: 2417..

ومن سبَّه، أو انتقص من حقه، فهو أضل من حمار أهله؛ لقول النبي : لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ[4]رواه البخاري: 3673، ومسلم: 2540..

ومن سيرته الجميلة الكريمة النماذج الآتية:

مولده، وأعماله، ووفاته  

النشأة والسبق إلى الإسلام

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وُلِدَ -على الصحيح- قبل البعثة بعشر سنينَ، فرُبِّي في حجر النبي ، وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، استخلفه النبي على المدينة. وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد"[5]الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر: 2/ 507. وانظر: تاريخ الخلفاء: ص 166..

وعليٌّ أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهو صِهر رسول اللَّه على فاطمةَ رضي الله عنها سيدة نساء العالمين. وهو أحد السابقين، وأحد العلماء الربانيين، والشجعان المشهورين، والزُّهاد المذكورين، والخطباء المعروفين، وأول مَن أسلم من الصبيان[6]الاستيعاب لابن عبد البر: 3/ 1093..

تولِّيه الخلافة

وفي سنة ستٍّ وثلاثينَ بعد الهجرة النبوية، بويع لعليٍّ بن أبي طالبٍ  بالمدينة بالخلافة، بعد مقتل عثمانَ ، فأتاه أصحاب رسول اللًّه فقالوا: لا بُدَّ للناس من إمامٍ، ولا نجد اليوم أحدًا أحقُّ بهذا الأمر منك، ولا أقدم سابقةً، ولا أقرب من رسول اللَّه ، فلما دخل دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه ثم بايعه الناس[7]تاريخ الطبري: 2/ 696..

وفاته ومُدته في الخلافة

ولد عليٌّ  بمكةَ في شِعب بني هاشمٍ، وقُتل بالكوفة[8]تاريخ خليفة بن خياط: ص: 199. وإن اختلاف العلماء الكبير في عمره يوم أسلم، أدَّى فيما يبدو إلى عدم تطرقهم كثيرًا … Continue reading، وفي سنة ثمانٍ وثلاثين[9]المرجع السابق: ص: 197.، بدأ بحروب الخوارج في معركة النهروان، وقام الخوارج باغتياله؛ فمات شهيدًا، قتله عبدالرحمن بن ملجم المراديُّ في مسجد الكوفة بسيفٍ مسمومٍ عند قيامه إلى الصلاة، وذلك ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلةً مضت من شهر رمضان، ومات غداة يوم الجمعة، وله يوم مات اثنتان وستون سنةً[10]وقد سبق ترجيح ابن حجرٍ أن ولادته كانت قبل البعثة بعشر سنين، فعلى هذا يكون عمره إحدى وستين سنةً، والعلم عند … Continue reading، وكانت خلافته خمس سنين، وثلاثة أشهر إلا أربعة عشر يومًا[11]مشاهير علماء الأمصار، لابن حبان: ص 6..

موقفه في تقديم نفسه فداءً للنبي ودعوته

عندما اجتمعت قريشٌ في دار الندوة، وأجمعوا على قتل النبي والتخلص منه، أعلم اللَّهُ نبيَّه بذلك، وكان النبي أحكم خلق اللَّه، فأراد أن يبقى مَن أراد قتله ينظر إلى فراشه، ينتظرونه يخرج عليهم، فأمر عليَّ بن أبي طالبٍ  -الشاب البطل- أن ينام في فراشه تلك الليلة.

فمن يجرؤ على البقاء في فراش رسول اللَّه والأعداء قد أحاطوا بالبيت يتربصون به ليقتلوه؟! من يفعل هذا، ويستطيع البقاء في هذا البيت وهو يعلم أن الأعداء لا يفرِّقون بينه وبين رسول اللَّه في مضجعه؟! إنه لا يفعل ذلك إلا أبطال الرجال وشجعانهم بفضل اللَّه تعالى، فرضي اللَّه عن عليٍّ وأرضاه.

وقد أمره النبي أن يُقيم بمكةَ أيامًا حتى يؤدي أمانة الودائع والوصايا التي كانت عنده إلى أصحابها من أعدائه كاملةً غير منقوصةٍ، وهذا من أعظم العدل وأداء الأمانة[12]انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص166..

موقفه  في بدرٍ مع رؤوس الكفر

عندما تُراجع غزوات النبي الكبيرة، يوجد ذكر عليِّ بن أبي طالبٍ مقرونًا بها، فتارةً يحمل اللواء، وتارةً يفرِّق جموع الأعداء، وتارةً يفتح الحصون المُستعصية ويهدم الأصنام، فهو بطلٌ معلمٌ.

فعندما تواجه الجيشان في معركة بدر الكبرى، والتقى الفريقان، وحضر الخصمان بين يدي الرحمن، واستغاث بربه سيد الأنبياء ، وضجَّ الصحابة بصنوف الدعاء إلى رب الأرض والسماء، وكاشف البلاء، وقبل اشتباك المعركة والتحامها؛ خرج من جيش المشركين عُتبةُ بن ربيعةَ، يريد أن يُظهر شجاعته، فبرز بين أخيه شيبةَ وابنه الوليد، فلما توسطوا بين الصفين دَعَوْا إلى البِراز، فخرج إليهم ثلاثةٌ من الأنصار: عوف بن الحارث، ومعوذ بن الحارث -ابنا العفراء- وعبداللَّه بن رواحةَ ، فقالوا: من أنتم؟ قالوا : رهطٌ من الأنصار، فقالوا: ما لنا بكم من حاجةٍ، ونادى مناديهم: يا محمد، أَخرِج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقيل: قُم يا عُبيدة بن الحارث، وقُم يا حمزة، وقُم يا عليّ ، فلما دَنَوْا منهم، قالوا: مَن أنتم؟ فقال عبيدةُ : عبيدة، وقال حمزةُ : حمزة، وقال عليٌّ : علي. قالوا: أكفاءٌ كرامٌ.

فبارز عبيدةُ -وكان أَسَنَّ القومِ- عُتبةَ، وبارز حمزةُ شيبةَ، وبارز عليٌّ الوليدَ بن عُتبةَ. فقتل عليٌّ الوليدَ فورًا، وقتل حمزةُ شيبةَ في الحال، واختلف عبيدةُ وعتبةُ بينهما بضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، فكَرَّ حمزةُ وعليٌّ بأسيافهما على عُتبةَ فأكملا قتله، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابهما .

وكان ذلك -بإذن اللَّه تعالى- بداية النصر، وتشجيع المسلمين، وخِذلانًا ورعبًا في قلوب المشركين[13]انظر: البداية والنهاية لابن كثير: 3/ 272، 273 بتصرف، وفتح الباري: 7/ 299، وزاد المعاد لابن القيم: 3/ 179. وقصة المبارزة … Continue reading.

روى البخاري عن عليِّ بن أبي طالبٍ قال: "أنا أوَّل مَن يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، وقال قيس بن عباد: وفيهم أنزلت: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ. قال: هم الذين بارزوا يوم بدرٍ: حمزةُ وعليٌّ وعبيدةُ بن الحارث ؛ وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة"[14]البخاري مع "الفتح"، في كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل: 7/ 296، 297، رقم 3965، 3966، وفي كتاب التفسير، باب (هذان خصمان … Continue reading.

فرضي اللَّه عن جميع الصحابة وأرضاهم، فإنهم كانوا لا تأخذهم في اللَّه لومة لائمٍ، قال اللَّه ​​​​​​​: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب:23]. 

موقفه في يوم الأحزاب (يوم الخندق)

في سنة خمسٍ من الهجرة، كانت غزوة الخندق في شهر شوال. وكان سبب هذه الغزوة أن جماعةً من اليهود خرجوا حتى قَدِموا على قريشٍ بمكةَ، فدَعَوْهم إلى حرب رسول اللَّه ، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فتعاهدوا على حرب النبي ، ثم خرج هؤلاء الجماعة من اليهود حتى جاؤوا قبائل غَطِفانَ فدَعَوْهم لذلك، فأجابوهم، ثم طافوا في قبائل العرب، فاستجاب لهم مَن استجاب. ونقضت بنو قريظةَ العهدَ امتثالًا لأمر حُيَيِّ بن أَخْطَبَ، عندما حرَّض كعبَ بن أسَد القُرظيِّ على رسول اللَّه .

ولما سمع رسول اللَّه بهم وبما أجمعوا عليه من الأمر، ضرب الخندق على المدينة بمشورة سلمان الفارسي ، فحفروا الخندق بينهم وبين العدو، وجعلوا جبل سَلْعٍ من خلف ظهورهم، وقد صار المحاربون لرسول اللَّه خمسة أصنافٍ؛ هم: المشركون من أهل مكة، والمشركون من قبائل العرب، واليهود من خارج المدينة، وبنو قريظة، والمنافقون، وكان من وافى الخندق من الكفار عشرة آلافٍ، والمسلمون مع النبي ثلاثة آلافٍ.

وقد حاصروا النبي شهرًا، ولم يكن بينهم قتالٌ؛ لأجل ما حال اللَّه به من الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن فوارسَ من قريشٍ، منهم عمرو بن عبد وُدٍّ العامري أقبلوا، فجالت بهم خيولهم، فنظروا إلى مكانٍ ضيقٍ من الخندق فاقتحموه، ثم جالت بهم خيولهم في السبخة بين الخندق وسَلْعٍ، ودَعَوْا إلى البِرَاز[15]انظر: "زاد المعاد": 3/ 269- 276، و"سيرة ابن هشام": 3/ 229-252، و"البداية والنهاية": 4/ 92- 116..

مُبارَزة عمرو بن عبد وُدٍّ وقتْله

وهذا هو موضع الشاهد لموقف عليِّ بن أبي طالبٍ :

قال عمرو بن عبد ودّ في هذا الموقف: مَن يُبارز؟ فقام عليُّ بن أبي طالبٍ ، فقال: أنا لها يا رسول اللَّه، فقال : إنه عمرو، اجلس، ثم نادى عمرو: ألا رجلٌ يبرز؟! فجعل يؤنِّبهم، ويقول: أين جنَّتكم التي تزعمون أنه مَن قُتل منكم دخلها؟ أفلا تُبرزون إليَّ رجلًا؟ فقام عليٌّ ، فقال: أنا يا رسول اللَّه، فقال : اجلس ثم نادى الثالثة... فقام عليٌّ فقال: يا رسول اللَّه، أنا، فقال : إنه عمرو، فقال: وإن كان عمرًا، فأذن له رسول اللَّه .

فمشى إليه عليٌّ حتى أتى إليه، فقال له عمرو: مَن أنت؟ قال: أنا عليٌّ. قال: ابن عبدِمنافٍ؟ قال : أنا عليُّ بن أبي طالبٍ، وقال عليٌّ: يا عمرو، إنك كنتَ عاهدتَ اللَّه ألا يدعوك رجلٌ من قريشٍ إلى إحدى خُلَّتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل، قال عليٌّ: فإني أدعوك إلى اللَّه وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجةَ لي بذلك، قال : فإني أدعوك إلى النزال، فقال له: لِمَ يا ابن أخي؟ فواللَّه، ما أُحب أن أقتلك. قال له عليٌّ: ولكني واللَّه، أُحب أن أقتلك؛ فغضب عمرٌو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على عليٍّ ، وسَلَّ سيفه كأنه شعلة نارٍ! فاستقبله عليٌّ بالتُّرسِ، فشَقَّ السيفُ التُّرسَ، فضربه عليٌّ على حبل عاتقه، فسقط وثار الغبار، وسمع المسلمون التكبير، فعرفوا أن عليًّا قتله.

وقال عليٌّ :

نَصَرَ الحجارةَ من سفاهةِ رأيِه ونصرتُ ربَّ محمدٍ بصوابي
فصدرتُ حين تركتُه مُتجدِّلًا كالجذع بين دكادكٍ وروابي

وبعد هذه المبارزة انهزم الباقون، وخرجت خيولهم حتى اقتحمت الخندق[16]انظر: "البداية والنهاية": 4/ 106، و"سيرة ابن هشام": 3/ 240، و"زاد المعاد": 3/ 272، وانظر أيضًا: "شجاعة عليٍّ  في حياة … Continue reading.

وهكذا ظهرت الشجاعة العظيمة الحكيمة، ومِن عِظَمِ هذه الحكمة: أن عليَّ بن أبي طالبٍ دعا عَمْرًا إلى اللَّه فأبى ذلك، فدعاه إلى النزال فنزل، فقتله ، فكان ذلك من أسباب نصر المسلمين بإذن اللَّه تعالى[17]انظر: غزوة الخندق كاملة في "زاد المعاد": 3/ 269-276، و"سيرة ابن هشام": 3/ 229- 252، و"البداية والنهاية": 4/ 92- 116..

مظاهر الحكمة في موقف عليٍّ

فظهرت حكمة عليٍّ في هذا الموقف من عدة وجوهٍ، منها:

  • استئذانه النبي في المُبارَزة.
  • تذكيره لعمرو بن عبد وُدٍّ ما عاهد عليه اللَّه من قبول ما يعرض عليه من الخصال من قريشٍ.
  • وعند إقرار عمرو بما عاهد، اتخذ عليٌّ ذلك مدخلًا، فقال: إني أدعوك إلى اللَّه وإلى رسوله وإلى الإسلام.
  • وعندما امتنع من قبول هذه الدعوة دعاه إلى النزال، فلم ينزل فاستفزه ليغضبه، فلما نزل قتله ؛ فانهزم المشركون بفضل اللَّه، ثم بدخول الرعب في قلوبهم بهذا الموقف الحكيم.

موقفه في غزوة خيبر

في السنة الرابعة للهجرة، سار رسول اللَّه إلى خيبرَ، وكان إذا أتى قومًا بليلٍ لم يقربهم حتى يُصبِح، فلما أصبح صَبَّح خيبرَ بُكرةً، فخرج أهلها بمساحيهم ومكاتلهم[18]المساحي: جمع مِسْحاةٍ، وهي آلة الحرث. والمكاتل: جمع مكتل، وهي القفة الكبيرة التي يُحوَّل فيها التراب وغيره. … Continue reading، فلما رأوا رسول اللَّه قالوا: محمدٌ واللَّه، محمدٌ والخَمِيس[19]الخَمِيس أَي: الجيش، سُمِّى خميسًا لأنه خمسة أَقسَامٍ: الميمنة والميسرة والقلب والمقدِّمة والساقة. ينظر: … Continue reading، فقال رسول اللَّه : اللَّه أكبر، خُربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحةِ قومٍ فساءَ صباحُ المُنذَرين[20]رواه البخاري: 4198، ومسلم: 1365. وانظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 3/ 316..

وعندما رأى أهلُ خيبر الجيشَ رجعوا هاربين إلى حصونهم، وخرج ملكهم مَرْحَبٌ يرفع سيفه مرةً، ويضعه أخرى ويقول:

قد عَلِمَتْ خيبرُ أني مَرْحَبُ
شاكي السلاحِ بطلٌ مُجرَّبُ
إذا الحروبُ أقبلتْ تَلَهَّبُ...

فبرز له عامر بن الأكوع ، فقال:

قد علمتْ خيبرُ أني عامرُ شاكي السلاحِ بطلٌ مُغامِرُ

فاختلفا ضربتين، فوقع سيفُ مَرْحَبٍ في تُرسِ عامرٍ ، وذهب عامرٌ يضربه من أسفله، فرجع سيفه على نفسه فمات شهيدًا [21]رواه مسلم: 1807، وانظر زاد المعاد لابن القيم: 3/ 319..

تسلُّم الراية وفتح خيبر

ثم قال رسول اللَّه يوم خيبر: لأعطينَّ هذه الراية غدًا رجلًا يفتح اللَّه على يديه، يحب اللَّه ورسوله، ويحبه اللَّه ورسوله، فبات الناس يدوكون[22]يدوكون: أي يخوضون ويتحدثون في ذلك. انظر: "شرح النووي": 12/ 178. ليلتهم: أيهم يُعطاها؟ فلما أصبح الناس غدوا إلى رسول اللَّه ، كلهم يرجو أن يُعطاها، فقال : أين علي بن أبي طالب؟ قيل: هو يا رسول اللَّه، يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأُتي به، فبصق رسول اللَّه في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجعٌ، فأعطاه الراية، فقال عليٌّ : يا رسول اللَّه، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللَّه فيه؛ فواللَّه لئن يهدي اللَّه بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمُر النعم[23]رواه البخاري: 4210، وكتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي 7/ 7، ومسلم: 2406..

وبدأ عليٌّ وأخذ الراية، وخرج مَرْحَبٌ فقال:

قد عَلِمَتْ خيبرُ أني مَرْحَبُ
شاكي السلاحِ بطلٌ مُجرَّبُ
إذا الحروبُ أقبلتْ تَلَهَّبُ...

فقال عليٌّ :

أنا الذي سمَّتني أمي حَيْدَرَه[24]حيدرة: اسمٌ للأسد، وكان عليٌّ  قد سُمِّي أسدًا في أول ولادته. وكان مَرْحَبٌ قد رأى أن أسدًا يقتله، فذكَّره … Continue reading
كليثِ غاباتٍ كريهِ المَنْظَره
أُوفيهمُ بالصاعِ كيلَ السَّنْدَره[25]معناه: أقتل الأعداء قتلًا واسعًا ذريعًا. وقيل السندرة: مكيال واسع. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم: 12/ 185.

فضرب  رأس مَرْحَبٍ فقتله، ثم كان الفتح على يديه[26]رواه مسلم: 1807، وانظر: "زاد المعاد": 3/ 321، و"حياة الصحابة": 1/ 544..

فرضي اللَّه عن عليٍّ وأرضاه، فقد قام بهذه البطولة النادرة بعد حصار النبي لأهل خيبر قريبًا من عشرين يومًا، ثم يسَّر اللَّه فتحها على يد عليٍّ ؛ فخرج الناس من حصونهم يسعون في السكك، فقتل النبي المقاتلة، وسبى الذرية، وكان في السبي صفيةُ رضي الله عنها، ثم صارت إلى النبي فأعتقها، وجعل عتقها صداقها؛ فأصبحت أمًّا للمؤمنين[27]رواه البخاري: 4200، 4201. وانظر: "البداية والنهاية": 4/ 181-191، وابن هشام: 3/ 378- 388. وانظر: ترجمة علي بن أبي طالبٍ  كاملة … Continue reading.

وعلي له مواقفُ أخرى كثيرةٌ، تظهر فيها الحكمة العظيمة، ولكن المقام لا يتسع إلا لما ذُكر من المواقف السابقة، وهكذا يفعل مَن يرجو اللَّه واليوم الآخر، فإن الإنسان إذا كان همُّه للَّه، وقلبه معلقًّا باللَّه، عمل كل ما يُحب مولاه تبارك وتعالى.

أوجه الحكمة في موقف خيبر

وقد ظهرت حكمة عليٍّ في هذا الموقف من عدة وجوهٍ، منها:

  • قوله : "أُقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟"؛ فإنه استفسر من النبي قبل القتال، إلى أي مدى يستمر القتال؟ وهذا من أعظم الحكمة؛ لأن الداعية لا بُدَّ له من وضوح الهدف والغاية، وأن يكون على بصيرةٍ من أمره.
  • وقوله : "أنا الذي سمَّتني أمي حيدرة"، وهذا فيه تذكيرٌ لمَرْحَبٍ؛ لأنه قد رأى في المنام أن أسدًا يقتله، فذكَّره عليٌّ بذلك؛ ليخيفه ويُضعف نفسه حتى يستولي على قتله.
  • وقوله : "أوفيهم بالصاع كيل السندرة"، هذا فيه إرهابٌ وإخبارٌ لمَرْحَبٍ أن عليَّ بن أبي طالبٍ يقتل الأعداء قتلًا واسعًا ذريعًا.
  • ثم ختم هذه الحكم بقتل مَرْحَبٍ؛ فهزم اللَّه به الأعداء، ونصر المسلمين عليهم نصرًا مؤزَّرًا، فله الحمد أولًا وآخرًا.

وهذا غيضٌ من فيضٍ، وإلا فهو أفضل السابقين الأوَّلين بعد أبي بكرٍ، وعُمَرَ، وعثمانَ .

وصلَّى اللَّه وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

كتبه:

سعيد بن علي بن وهف القحطاني

حُرر في 7/ 11/ 1433هـ.

^1 انظر سيرته بالتفصيل في سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي، مجلد سير الخلفاء الراشدين: ص 223- 290 (مؤسسة الرسالة).
^2 رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676، وابن ماجه: 42، وأحمد: 17145، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 37.
^3 رواه مسلم: 2417.
^4 رواه البخاري: 3673، ومسلم: 2540.
^5 الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر: 2/ 507. وانظر: تاريخ الخلفاء: ص 166.
^6 الاستيعاب لابن عبد البر: 3/ 1093.
^7 تاريخ الطبري: 2/ 696.
^8 تاريخ خليفة بن خياط: ص: 199. وإن اختلاف العلماء الكبير في عمره يوم أسلم، أدَّى فيما يبدو إلى عدم تطرقهم كثيرًا إلى عام مولده.
^9 المرجع السابق: ص: 197.
^10 وقد سبق ترجيح ابن حجرٍ أن ولادته كانت قبل البعثة بعشر سنين، فعلى هذا يكون عمره إحدى وستين سنةً، والعلم عند اللَّه تعالى.
^11 مشاهير علماء الأمصار، لابن حبان: ص 6.
^12 انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص166.
^13 انظر: البداية والنهاية لابن كثير: 3/ 272، 273 بتصرف، وفتح الباري: 7/ 299، وزاد المعاد لابن القيم: 3/ 179. وقصة المبارزة رواها أحمد: 1/ 117، وأبو داود: 3/ 52 برقم 2665، في الجهاد، باب المبارزة من حديث عليٍّ، وإسناده قوي، وانظر: "صحيح سنن أبي داود": 2/ 507.
^14 البخاري مع "الفتح"، في كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل: 7/ 296، 297، رقم 3965، 3966، وفي كتاب التفسير، باب (هذان خصمان اختصموا في ربهم) 9/ 443، رقم 4744. وانظر أيضًا: "البداية والنهاية": 3/ 273، و"أعلام المسلمين" لخالد البيطار: ص62.
^15 انظر: "زاد المعاد": 3/ 269- 276، و"سيرة ابن هشام": 3/ 229-252، و"البداية والنهاية": 4/ 92- 116.
^16 انظر: "البداية والنهاية": 4/ 106، و"سيرة ابن هشام": 3/ 240، و"زاد المعاد": 3/ 272، وانظر أيضًا: "شجاعة عليٍّ في حياة الصحابة" للعلامة الكاندهلوي: 1/ 541- 546.
^17 انظر: غزوة الخندق كاملة في "زاد المعاد": 3/ 269-276، و"سيرة ابن هشام": 3/ 229- 252، و"البداية والنهاية": 4/ 92- 116.
^18 المساحي: جمع مِسْحاةٍ، وهي آلة الحرث. والمكاتل: جمع مكتل، وهي القفة الكبيرة التي يُحوَّل فيها التراب وغيره. والمعنى: خرجوا طالبين زرعهم، وذلك أَنهم كانوا يخرجون في كل يومٍ متسلحين مستعدين فلا يرَوْن أحدًا حتى إِذا كانت الليلة التي قدم فيها المسلمون ناموا فلم تتحرك لهم دابَّة، ولم يَصِحْ لهم ديكٌ، وخرجوا بالمساحي طالبين مزارعهم فوجدوا المسلمين. ينظر: "عمدة القاري": 17/ 237.
^19 الخَمِيس أَي: الجيش، سُمِّى خميسًا لأنه خمسة أَقسَامٍ: الميمنة والميسرة والقلب والمقدِّمة والساقة. ينظر: "عمدة القاري": 17/ 237.
^20 رواه البخاري: 4198، ومسلم: 1365. وانظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 3/ 316.
^21 رواه مسلم: 1807، وانظر زاد المعاد لابن القيم: 3/ 319.
^22 يدوكون: أي يخوضون ويتحدثون في ذلك. انظر: "شرح النووي": 12/ 178.
^23 رواه البخاري: 4210، وكتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي 7/ 7، ومسلم: 2406.
^24 حيدرة: اسمٌ للأسد، وكان عليٌّ قد سُمِّي أسدًا في أول ولادته. وكان مَرْحَبٌ قد رأى أن أسدًا يقتله، فذكَّره عليٌّ بذلك؛ ليخيفه ويضعف نفسه. شرح النووي على صحيح مسلم: 12/ 185.
^25 معناه: أقتل الأعداء قتلًا واسعًا ذريعًا. وقيل السندرة: مكيال واسع. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم: 12/ 185.
^26 رواه مسلم: 1807، وانظر: "زاد المعاد": 3/ 321، و"حياة الصحابة": 1/ 544.
^27 رواه البخاري: 4200، 4201. وانظر: "البداية والنهاية": 4/ 181-191، وابن هشام: 3/ 378- 388. وانظر: ترجمة علي بن أبي طالبٍ كاملة في "الإصابة في تمييز الصحابة": 2/ 507- 510، و"البداية والنهاية": 7/ 222-224، وانظر: شجاعة عليٍّ أيضًا في "حياة الصحابة" للكاندهلوي: 1/ 541- 546.