تخطى إلى المحتوى
toc كتاب حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة 9

لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربِّ اغفر لي[1].

 

^1 مَن قال ذلك غُفِرَ له، فإن دعا استُجِيبَ له، فإن قام فتوضأ ثم صلى قُبِلَتْ صلاته. رواه البخاري: 1154.

شرح مفردات الحديث:

قوله: لا إله إلا اللَّه: لا معبود بحق إلا اللَّه، وقال المناوي في تعليقه على حديث من قال: «لا إله إلا اللَّه: من مات معتقداً لها، فهو الذي مات لا يشرك باللَّه شيئاً»، وقال العلامة ابن عثيمين: «يعني: لا معبود بحق إلا اللَّه ، وألوهية اللَّه فرع عن ربوبيته؛ لأن من تأله للَّه فقد أقر بالربوبية؛ إذ إن المعبود لابد أن يكون رباً، ولا بد أن يكون كامل الصفات؛ ولهذا تجد الذين ينكرون صفات اللَّه عندهم نقص عظيم في العبودية؛ لأنهم يعبدون لا شيء، فالرب لابد أن يكون كامل الصفات، حتى يعبد بمقتضى هذه الصفات؛ ولهذا قال اللَّه تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] ، أي: تعبّدوا له، وتوسّلوا بأسمائه إلى مطلوبكم»[1].

قوله: وحده لا شريك له: تأكيد للوحدانية، وأنه المتفرد بالخلق، والرزق، والتدبير، والمستحق للعبادة وحده لا شريك له، قال المناوي: «وحده: نصب على الحال، أي لا إله منفرد إلا هو وحده، لا شريك له عقلاً ونقلاً، وأما الأول: فلأن وجود إلهين محال، كما تقرر في الأصول، وأما الثاني: فلقوله تعالى: أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف:110] ، وذلك يقتضي أن لا شريك له، وهو تأكيد لقوله: وحده؛ لأن المتصف بالوحدانية لا شريك له»[2].

قَوْلُهُ: لَهُ الْمُلْكُ: في جميع العوالم العلوية منها، والسفلية، ويملك كل شيء، وقال الباجي: «تَخْصِيصٌ لَهُ بِالْمُلْكِ، وَالْحَمْدِ، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْجِنْسِ، فَجُعِلَ جِنْسُ الْمُلْكِ، وَهُوَ جَمِيعُهُ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَا مُلْكَ لِأَحَدٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا لَهُ»[3].

قوله: وله الحمد أي: في الأولى والآخرة؛ لأنه الحميد في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، قال الإمام ابن القيم: «الحمد، هو: الإخبار بمحاسن المحمود على وجه المحبة له»[4].

قوله: وهو على كل شيء قدير أي: يفعل ما يريد من غير ممانع، ولا معارض، قال ابن جرير: «وهو على كل شيء ذو قدرة، لا يتعذّر عليه شيء أراده، من إحياء وإماتة، وإعزاز وإذلال، وغير ذلك من الأمور»[5].

وقال الإمام ابن القيم: «يسوق الأقدار إلى مواقيتها، ويجريها على نظامها، ويقدم ما يشاء تقديمه، ويؤخر ما يشاء تأخيره، فأزمّة الأمور كلها بيده، ومدار تدبير الممالك كلها عليه، وهذا مقصود الدعوة، وزبدة الرسالة»[6].

قوله: سبحان اللَّه أي: تنزه وتقدس عن كل عيب ونقص، فهو صاحب الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وقال ابن الأثير: «التسبيح: التنزيه، والتقديس، والتبرئة من النقائص، ثم استعمل في مواضع تقرب منه اتساعاً...، فمعنى سبحان اللَّه: تنزيه اللَّه»[7].

قوله: الحمد للَّه: على نعمه التي لا تعد، ولا تحصى، قال النووي: «التَّحْمِيد: الثَّنَاء بِجَمِيلِ الْفِعَال، وَالتَّمْجِيد الثَّنَاء بِصِفَاتِ الْجَلَال، وَيُقَال: أَثْنَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلّه[8].

وقال العلامة ابن عثيمين:... فهو جلّ وعلا محمود في ابتداء الخلق، وانتهاء الخلق، واستمرار الخلق، ومحمود على ما أنزل على عبده من الشرائع، محمود على كل حال[9].

وقال أيضًا: «إذاً فنعم اللَّه عظيمة كثيرة، لا تعدُّ، ولا تحصى؛ لذلك يجب علينا أن نحمد اللَّه تعالى، وأن نشكره على نعمه التي أسبغها علينا»[10]، وهو يحمد ، على أسمائه، وصفاته، وأفعاله[11].

قوله: واللَّه أكبر أي: أكبر ممن سواه تعظيمًا، وإجلالًا، ومحبة، وثناء، ورغبة، ورهبة. قال ابن الأثير: «معناه اللّه الكْبير، وقال النحويون: معناه اللّه أكبر من كل شيء»[12].

قوله: ولا حول ولا قوة إلا باللَّه أي: لا حيلة لأحد في جلب نفع أو دفع ضر إلا بإرادته وتوفيقه، وإحسانه، وكرمه، وجوده، وقال العلامة ابن رجب: «لا تحول للعبد من حال إلى حال، ولاقوة له على ذلك إلا باللَّه، وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة باللَّه في فعل المأمورات، وترك المحظورات والصبر على المقدورات كلها في الدنيا، وعند الموت، وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا اللَّه ، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه»[13].

قوله: العلي أي: أنه عالٍ على جميع خلقه، بائن منهم، رقيب عليهم فله علو: الذات، وعلو الصفات، وعلو القدر، وقال البغوي: «الْعَلِيُّ: الرَّفِيعُ فَوْقَ خَلْقِهِ»[14].

قوله: العظيم: الذي اتصف بجميع معاني الجلال والكمال، والعظمة، وقال البغوي: «الْعَظِيمُ: الْكَبِيرُ الَّذِي لَا شَيْءَ أَعْظَمُ منه»[15].

قوله: رب اغفر لي: أي استرني بمحو ذنوبي مع التجاوز عن المؤاخذة ومناقشة الحساب، قال ابن منظور: «الغَفُورُ الغَفّارُ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ،... وَمَعْنَاهُمَا: السَّاتِرُ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ، الْمُتَجَاوِزُ عَنْ خَطَايَاهُمْ وَذُنُوبِهِمْ، يُقَالُ: اللهمَّ اغْفِرْ لَنَا مَغْفرة، وغَفْراً، وغُفْراناً، وَإِنَّكَ أَنت الغَفُور الغَفّار، يَا أَهل المَغْفِرة، وأَصل الغَفْرِ: التَّغْطِيَةُ، وَالسَّتْرُ، غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ: أَي: سَتَرَهَا... وَقَدْ غَفَرَه يَغْفِرُه غَفراً: سَتَرَهُ. وَكُلُّ شَيْءٍ سَتَرْتَهُ، فَقَدْ غَفَرْته؛... وَمِنْهُ: غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ أَي سَتَرَهَا... والغَفْرُ، والمَغْفِرةُ: التَّغْطِيَةُ عَلَى الذُّنُوبِ، والعفوُ عَنْهَا»[16].

قوله: تعار من الليل: تقلب على فراشه مع كلام، وقيل: استيقظ من نومه، وقال ابن الأثير: «تعار: الرجل من نومه: إذا انتبه وله صوت»[17].

وقال القاضي عياض: «قوله: «كان إذا تعار من الليل»: مشدد الراء، قيل: استيقظ، وقيل: تكلم، وقيل: تمطَّى وأنَّ، وقيل: انتبه، وفي البارع: التعارّ: هو السهر، والتقلب في الفراش، قال الحربي: ولا يكون إلا ومعه كلام، أو دعاء، قال غيره: أو صوت، يقال: تعارّ في نومه، يتعارّ تعاراً، وجعله بعضهم من عرار الظليم؛ لأنه يشبه صوت القائم من النوم، وقال بعضهم: معناه: تمطّى بصوت، وهو أبين وأشبه بالمعنى، والتفسير، والعادة»[18].

قوله: ثم دعا: قال القرطبي في المفهم: «أي: إظهارًا للعجز والافتقار، وعلمًا منه: بأن اللَّه هو الكاشف للكرب، والأضرار، وقيامًا بعبادة الدعاء عند الاضطرار»[19].

قوله: غُفر له: قال ابن علان: «أي: الصغائر المتعلقة بحق اللّه بالعفو عنها، وعدم المؤاخذة بها»[20].

قوله: فإن قام فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته: قال الحافظ ابن حجر: «وعَدَ الله عَلَى لِسان نَبِيّه أَنَّ مَن استَيقَظَ مِن نَومه لَهِجًا لِسانه بِتَوحِيدِ رَبّه، والإِذعان لَهُ بِالمُلكِ، والاعتِراف بِنِعمَةٍ يَحمَدهُ عَلَيها، ويُنَزِّههُ عَمّا لا يَلِيق بِهِ تَسبِيحه، والخُضُوع لَهُ بِالتَّكبِيرِ، والتَّسلِيم لَهُ بِالعَجزِ عَن القُدرَة إِلاَّ بِعَونِهِ، أَنَّهُ إِذا دَعاهُ أَجابَهُ، وإِذا صَلَّى قُبِلَت صَلاته، فَيَنبَغِي لِمَن بَلَغَهُ هَذا الحَدِيث أَن يَغتَنِم العَمَل بِهِ ويُخلِص نِيَّته لِرَبِّهِ ».

ما يستفاد من الحديث:

  • من اجتهد في ذكر ربه حال اليقظة وفقه اللَّه لذكره في جميع الأحوال، وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه : إنَّ أعْجَزَ النَّاس من عَجَزَ عنِ الدُّعاءِ، وأبْخَلَ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلامِ[21]، ولفظ عبد اللَّه بن مغفل [22] مرفوعاً: أعْجَزُ النَّاسِ من عَجَزَ في الدُّعَاءِ، وأبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلامِ[23].
  • الإشارة إلى أهمية التوحيد الذي هو دعوة جميع الرسل.
  • الإرشاد إلى الاستعانة باللَّه وحده وتفويض الأمر إليه في قوله: ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.
  • الحث على الاجتهاد في الطاعة وإسراع المسير إلى اللَّه وذلك يتحقق إذا قام المسلم للصلاة والدعاء بعد قوله هذا الذكر.
  • قال أبو عبد اللَّه الفربري الراوي عن البخاري[24]: أجريت هذا الذكر على لساني عند انتباهي، ثم نمت فأتاني آت – أي: في المنام فقرأ: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ [الحج: 24] .
  • قال ابن بطال: وعد اللَّه على لسان نبيه أن من استيقظ من نومه لهجًا لسانه بالتوحيد، والحمد، والتسبيح، والتسليم له بالعجز عن القدرة إلا بعونه، أنه إذا دعاه أجابه، وإن صلى قبلت صلاته، فينبغي لمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به ويخلص النية لربه تعالى[25].
  • لو تسوك بعد قول هذا الذكر كان أفضل لقول ابن عمر رضي الله عنهما: «كان رسول اللَّه لا يتعار من الليل إلا أجرى السواك على فيه»[26].

 

^1 شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 60.
^2 فيض القدير، 5/ 200.
^3 المنتقى، شرح الموطأ للباجي، 3 / 77.
^4 بدائع الفوائد، 2/537.
^5 تفسير الطبري، 23/ 165.
^6 مدارج السالكين، لابن قيم الجوزية، 3/ 349.
^7 النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 330.
^8 شرح النووي على مسلم، 4/ 104.
^9 انظر: شرح رياض الصالحين، بعد شرح الحديث 1392، وبدء شرح كتاب الحمد والشكر، وتقدم في شرح حديث المتن السابق، برقم 1 في المتن، المفردة رقم 1، بتوسّع فانظره هناك.
^10 شرح رياض الصالحين، شرح الحديث 1396.
^11 انظر: عدة الصابرين، للإمام ابن قيم الجوزية، ص 124.
^12 النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، 4/ 52، مادة (كبر).
^13 جامع العلوم والحكم، لابن رجب، ص 192.
^14, ^15 تفسير البغوي، 1/ 349.
^16 لسان العرب، 5/ 25، مادة (غفر).
^17 جامع الأصول، لابن الأثير، 4/ 270.
^18 مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض بن موسى، 2/ 72.
^19 المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 18/ 59.
^20 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ط، 7/ 10.
^21 أخرجه الطبراني في الدعاء مرفوعًا: 60، وأبو يعلى موقوفًا: 6649، وصححه الألباني مرفوعًا في سلسلة الأحاديث الصحيحة: 601.
^22 عبد الله بن مغفل -بضم الميم، وفتح الغين المعجمة، والفاء المشددة، الصحابى ، أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وغيره، من أهل بيعة الرضوان، سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، وكان أحد البكائين، وأحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب ، إلى البصرة يفقهون الناس، روى عنه جماعات من التابعين، وتوفي بالبصرة سنة ستين، وقيل: سنة تسع وخمسين. انظر: الاستيعاب، 3/ 696، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي، 1/ 412، وسير أعلام النبلاء، 2/ 483، ترجمة رقم 99.
^23 أخرجه الطبراني في الدعاء: 61.
^24 فتح الباري، 3/ 49.
^25 انظر: فتح الباري، 3/ 49.
^26 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: 13598، وأبو يعلى: 5661، وحسنه الألباني في صحيح الجامع: 4842.