جدول المحتويات
- أهمية حقوق المسلمين
- الإخلاص روح الحقوق وسبب قبولها
- حق التعاون والتكاتف
- حق تفريج الكرب والتيسير والستر
- حق إنظار المُعْسِر
- حق الصدقة والقرض
- صفات المسلم الكامل في تعامله مع الآخرين
- حق إطعام الطعام وإفشاء السلام
- حق حفظ اللسان واليد
- ثلاثٌ من جَمعهن فقد جمع الإيمان
- حق محبة الخير وبذل المعروف للآخرين
- حقوق الضعفاء
- حق الرحمة والرفق
- النهي عن مساوي الأخلاق
- حق النصيحة
- حق المسلم على المسلم ستٌّ
- حق النصرة
- مفاتيح المحبة ودخول الجنة بسلام
- حق تشميت العاطس وآداب التثاؤب
- حق عيادة المريض
- حق إفشاء السلام والمصافحة
- حق ترك الهجر والقطيعة
- حق الدعاء بظهر الغيب
- حق الصلاة على الميت واتباع الجنازة
- حق الرفق والتحذير من المشقة والعدوان
- الأسئلة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
أيها الإخوة، أشكر الله تعالى أن يَسَّر الوصول إلى هذا المكان المبارك، كما أشكر القائمين على الدعوة في المكتب التعاوني، وكذلك الأوقاف؛ على دعوتي، وعلى إعانتي على هذا الخير. نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم، إنه على كل شيء قدير.
أهمية حقوق المسلمين
أيها الإخوة، لا شك أن الله تعالى فرض على العباد طاعته، وحرَّم عليهم معصيته، فمَن أطاعه كانت له السعادة في الدنيا والآخرة، ومن عصاه كانت له الشقاوة والذل والهوان والتعاسة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].
ومن الواجبات التي أوجب الله تعالى على عباده: حقوق المسلمين بعضهم على بعض؛ فالله تعالى أوجب عليهم حقوقًا وواجبات على بعضهم لبعضٍ، إذا قاموا بها كانت لهم السعادة في الدنيا والآخرة، وإذا قصَّروا فيها ولم يقوموا بما أوجب الله تعالى عليهم كانوا قد خالفوا أمر الله تعالى وأمرَ نبيِّه صلوات الله وسلامه عليه.
ولا شك أن حقوق المسلمين -كما هي واجبةٌ- قد جاء في الأثر: أن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم[1]رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 7473.، ولكن على المسلم أن يعلم هذه الحقوق التي أوجبها الله تعالى وأوجبها النبي عليه الصلاة والسلام.
الإخلاص روح الحقوق وسبب قبولها
فأولًا: القيام بحقوق المسلمين -التي يقومون بها- يجب أن يتقرَّبوا بها لله تعالى، وأن هذه الواجبات يُبتغى بها وجه الله تعالى والدار الآخرة؛ ولهذا قال الله تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114].
فلا بد من ابتغاء مرضاة الله تعالى؛ يرجو ثوابه ويخشى عقابه، والله تعالى قد قال: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة:2]؛ فالتعاون على البِرِّ والتقوى من الواجبات التي أوجب الله تعالى على عباده، فلا شك أن هذا من أعظم الواجبات التي بيَّن اللهُ تعالى.
وقد بيَّن اللهُ تعالى أنَّ الإحسانَ مكتوبٌ على عباده، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].
حق التعاون والتكاتف
فمِن الإحسان ومِن العدلِ: القيامُ بواجبات المسلمين التي تجب على بعضهم، كلٌّ يقوم بواجبه الذي أوجبه الله تعالى عليه، وقد ضرب النبي عليه الصلاة والسلام الأمثالَ التي تدلُّ على العناية بتكاتف المسلمين وتعاونهم على البر والتقوى؛ ولهذا قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا، وشبَّك بين أصابعه عليه الصلاة والسلام[2]رواه البخاري: 481، ومسلم: 2585..
هذا يدلُّ على التكاتف والتعاون؛ كالبنيان الذي مثَّل به النبيُّ عليه الصلاة والسلام وضرب به مثلًا، وأن التعاون على البِرِّ والتَّقْوى والقيامَ بالحقوق بين المسلمين، كما يَشُدُّ بعضهم بعضًا كالبنيان الذي يُرَص ويَشُد بعضه بعضًا ويتعاونون على البر والتقوى.
وبيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام في ذلك مِن ضرب الأمثال بقوله عليه الصلاة والسلام: مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى[3]رواه البخاري: 6011، ومسلم: 2586.، فإذا أُصيب الإنسان في رِجْله أو في يده بألمٍ شديد فإنه بهذا: العينُ لا تنام، والجسد كله يتداعى لهذا الألم.
وهكذا المسلمون، إذا حصل لهم ألمٌ أو ضرر أو أمر من الأمور التي تؤلمهم وتُزعجهم؛ فإن المؤمن ولو كان في أقصى الدنيا وأطراف الدنيا، إذا كان مؤمنًا حقًّا فإنه يتألم لِمَا يحصل لإخوانه ويدعو لهم بالعافية، ويدعو لهم بالتوفيق، ويدعو لهم بالنصر والتأييد؛ لأنه منهم؛ ولأنه يتعلم كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.
وهذا من أعظم الأمثال التي تدلُّ على تعاون المسلمين، ووجوب القيام بما ينفعهم؛ كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.
حق تفريج الكرب والتيسير والستر
ومع ذلك بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام فَضْلَ الإحسان، وأن هذا العمل الذي يقوم به الإنسانُ المسلمُ نحو إخوانه من التعاون على البر والتقوى، والقيام بالحقوق التي أوجبها الله تعالى؛ لا يكون عبثًا وإنما يكون له الأجر العظيم والثواب الكبير من الله تعالى على هذا العمل.
ولهذا بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام بقوله: مَن نفَّس عن مؤمنٍ كُرْبةً من كُرَب الدنيا نَفَّس اللهُ عنه كُرْبةً مِن كُرَب يوم القيامة[4]رواه مسلم: 2699، وبنحوه عند البخاري: 2442.، هذا يَحصل على الثواب العظيم مِن الله إذا نفَّس عن المؤمن ما يكون من الحقوق له عليه، ومع ذلك يحصل على هذا الثواب العظيم: ومَن يسَّر على مُعسِرٍ يسَّر اللهُ عليه في الدنيا والآخرة، ومَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه[5]رواه مسلم: 2699..
هذا يدلُّ على أن الإنسانَ إذا قام بهذا الواجب الذي أوجبه الله تعالى عليه فإنه يُثاب عليه؛ ولهذا كثيرٌ مِن الناس إذا شُكر على الإحسان وعلى العمل الطيب يقول: "لا شكر على واجب"، هذا كلامٌ غير صحيح؛ الواجب: الذي يقوم بالواجب يُشكَر، والذي يقوم بالواجب شُكْره أعظم مِن شكر الذي يقوم بالمستحب والنَّفْل؛ فلا شك أنَّ مَن قام بالواجبات فإنه يُشكر مِن الله تعالى، ويُشكر من الناس كذلك على القيام بما أوجبه الله تعالى عليه.
حق إنظار المُعْسِر
ومن هذه الواجبات التي بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام فَضْلها: إنظار المُعْسِرين من الضعفاء ومِن الذين لا يستطيعون أن يدفعوا الأموال التي حلَّت عليهم، وقد ثبت عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن أنظر مُعْسِرًا، أنظره أي: أمهله، أجَّلَ المالَ الذي عليه إلى وقتٍ آخر: مَن أنظر مُعسِرًا أو وضع عنه أظلَّه الله في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه. رواه مسلم[6]رواه مسلم: 3006..
هذا مِن الثواب العاجل، ومن الثواب العظيم الذي بيَّنه النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وأنَّ المُعسِرَ من المسلمين إذا أُمهِل وأُنظِر إلى ميسرة فإنَّ مَن أمهله وأنظره أو وَضَع عنه يُظِلُّه اللهُ تعالى يوم لا ظل إلا ظله؛ كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام: سبعةٌ يُظِلهم الله في ظلِّه يومَ لا ظِلَّ إلا ظله[7]رواه البخاري: 660، ومسلم: 1031.، وهذا منهم: مَن أنظر معسرًا فإنه يُضاف إلى السبعة.
وهذا يدُلُّ على أنَّ الذين يُظلهم الله تعالى في ظِلِّه هم كثيرٌ، وليسوا محصورين على سبعةٍ، ولكن بعض أهل العلم ذَكَر منهم أربعة عشر نوعًا يُظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
حق الصدقة والقرض
وبيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ الصدقةَ على المسلم المحتاج وعلى الضعيف يحصل بها الثواب العظيم؛ لهذا قال: إن الصدقة لتطفئ غضبَ الربِّ، وتَدْفع مِيتةَ السُّوء[8]رواه الترمذي: 664، وقال: حسن غريب من هذا الوجه.، فإذا تصدَّق على المسلم الذي يحتاج إلى الصدقة فإنَّ هذه الصدقةَ تدفع الغضب، غضب الله تعالى، وتدفع ميتة السوء التي يستعيذ المُسلِمُ بالله تعالى منها.
وبيَّن بقوله في الحديث الآخر: ... والصَّدَقة تُطفئ الخطيئةَ كما يُطفئ الماءُ النارَ[9]رواه الترمذي: 2616، وابن ماجه: 3973، وأحمد: 22016، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 413.، فالمسلم إذا تصدَّق على المسلمين وأحسن إلى المسلمين وسدَّ خَلَّتَهم فإنه يحصل على الثواب من الله تبارك وتعالى.
حتى القرض؛ إذا أَقْرَض مسلمًا يَحتسب هذا القرضَ فإنه يَحْصل على الثواب العظيم؛ ولهذا ثبت عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنه قال: ما من مسلمٍ يُقرض مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقتها مرة[10]رواه ابن ماجه: 2430، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 1389.، هذا من الثواب؛ أقرضتَه ألفًا مثلًا ثم أقرضته مرة أخرى ألفًا؛ فإنها تكون كالصدقة بألفِ ريالٍ. وهذا من فضل الله تعالى، أو أكثر أو أقل، وهذا من فضل الله تعالى، ومِن الحثِّ على عمل الخير بين المسلمين.
صفات المسلم الكامل في تعامله مع الآخرين
هناك صفات للمسلمين أو للمسلم الكامل والمؤمن الكامل، تدلُّ على كمال إيمانه وكمال تقواه، منها الحديث: ألا أخبركم بالمؤمن مَن هو المؤمن؟ من أَمِنَه الناس على أموالهم وأنفسهم[11]رواه ابن ماجه: 3934، وأحمد: 23958 واللفظ له، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 549.، هذا المؤمن: مَن أَمِنَه الناس على أموالهم وأنفسهم.
والمسلم مَن سَلِم المسلمون من لسانه ويده[12]رواه البخاري: 10، ومسلم: 40.؛ أي: المسلم الكامل والمؤمن الكامل، والمجاهد مَن جاهد نفسَه في طاعة الله تعالى[13]رواه الترمذي: 1621، وأحمد: 23958، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 549.، هذا المجاهد الكامل الذي يحصل على الثواب العظيم.
وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث: والمُهاجِر مَن هجر الخطايا والذنوب[14]رواه ابن ماجه: 3934، وأحمد: 23958، وبنحوه البخاري: 10.، هذا هو المهاجر الكامل، وهذا يدلُّ على كمال الإيمان وكمال الإسلام وكمال الجهاد وكمال المهاجرة؛ فإن هذه الأعمال التي يُوصف بها هذا الذي يقوم بها من الكمال العظيم.
حق إطعام الطعام وإفشاء السلام
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه سُئل: أيُّ الإسلامِ خيرٌ؟ قال: تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على مَن عرفت ومن لم تعرف[15]رواه البخاري: 12، ومسلم: 39.، إطعام الطعام فيه الثواب العظيم ابتغاء مرضاة الله تعالى، حتى لو كان من الضيافة: الضيافة لله تعالى؛ لأن حقوق الضيف من الواجبات التي أوجبها الله تعالى، بتوجيه النبي وتعليم النبي عليه الصلاة والسلام: مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فَلْيُكْرِم ضيفَه[16]رواه البخاري: 6018، ومسلم: 47.، فإطعام الطعام مِن الأعمال الصالحة التي يحصل بها المسلم على الثواب العظيم؛ ولهذا قال: أيُّ الإسلام خير؟ قال: تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف[17]سبق تخريجه قريبًا..
ولا شكَّ أن إفشاء السلام -كما سيأتي- من الواجبات التي تجب على المسلم للمسلم، وكثيرٌ من الناس لا يُسلِّم إلا على مَن يعرف، أما الذي لا يعرفهم لا يُسلِّم عليهم. وهذا من علامات الساعة أنَّ مَن سلَّم للمعرفة[18]رواه أحمد: 3848، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 648، ولفظه: «إن من أشراط الساعة أن يُسَلِّم الرجل على الرجل، … Continue reading، فهو يدلُّ على اقتراب الساعة.
كثيرٌ من الناس لو نظرتَ إليه في أماكن عامة أو خاصة ولا يعرفك لا يُسلم عليك، وإن سلَّمْتَ عليه أو سلمت على بعض الناس في بعض المجتمعات استغرب يقول: يا أخي، أنت تعرفني؟ سبحان الله! والنبيُّ عليه الصلاة والسلام أمر بإفشاء السلام على مَن عرفته ومن لم تعرف[19]سبق تخريجه. هذا يدلُّ على أن هذا من الأمور التي حثَّ عليها النبيُّ صلوات الله وسلامه عليه.
حق حفظ اللسان واليد
وقال عليه الصلاة والسلام حينما سُئِل: أيُّ المسلمين خيرٌ؟ قال: مَن سَلِم المسلمون من لسانه ويده[20]سبق تخريجه، وهو في الصحيحين.، هذا هو المسلم الكامل، وهذا خير المسلمين: إذا أمسك لسانه وأمسك يده ولم يُؤذِ المسلمين لا بيدٍ ولا بلسانٍ ابتغاءَ مرضاة الله تعالى.
فهذا هو المسلم الكامل، وهو الذي سَلِم المسلمون من لسانه ويده؛ لأن هذا اللسانَ بَلِيَّةٌ، مُصيبة عظيمة، يقع الإنسانُ به في المعاصي، وقد يكفر به، قد يصل إلى درجة الكفر والعياذ بالله تعالى.
رجلٌ قال لرجلٍ: والله، لا يغفر الله لفلان، بعد أن أمره بالخير ونهاه عن الشر فلم يمتثل، وحينما أصرَّ على هذه المعاصي وهذه الجرائم قال: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله تعالى: مَن ذا الذي يتألَّى عليَّ ألا أغفر لفلان، فقد غفرتُ له وأحبطتُ عملك[21]رواه مسلم: 2621.، قال أبو هريرة: كان رجلًا صالحًا لكنه تكلم بكلمة أَوْبقت دنياه وأخراه[22]رواه أبو داود: 4901، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان": 5682..
هذا الشاهد على أن اللسان قد يُوقع الإنسان في الكفر والردة والعياذ بالله تعالى، قد يوقعه في الذنب العظيم والذنوب العظيمة؛ لهذا جاء في الحديث الصحيح: إن الرجل لَيتكلَّم بالكلمة مِن رضوان الله تعالى لا يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يكتب الله تعالى له بها رِضوانه إلى يومِ يلقاه. وإن الرجل ليتكلم بالكلمة مِن سخط الله تعالى لا يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يكتب اللهُ تعالى له بها سخطه إلى يوم يلقاه. والحديث في البخاري وفي غيره[23]رواه البخاري: 6478، وبنحوه مسلم: 2988.. نسأل الله العفو والعافية.
الخلاصة: أن هذا من الشواهد على أن اللسان قد يُوقع الإنسان في غضب الله تعالى، وقد يُخرجه من الدِّين -والعياذ بالله- في بعض الأحوال.
ثلاثٌ من جَمعهن فقد جمع الإيمان
ولهذا قال عمارٌ : ثلاثٌ من جمعهن فقد جَمَع الإيمان: الإنصاف مِن نفسك، وبَذْل السلام للعالَم، والإنفاق من الإقتار[24]علقه البخاري في "الصحيح": 1/ 15، ووصله ابن أبي شيبة في "المصنف": 32461، والخلال في "السنة": 1615، وهو مرفوع عند البزار: … Continue reading، مَن جمع هذه الثلاث فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وإذا كان أحدٌ من الناس يطلبك شيئًا يجب عليك أن تُنصفه من نفسك وتعطي الحقوق حتى لو أضرَّت بنفسك؛ لأن هذا من الإنصاف، حتى مع الكفار، لا يجوز للمسلم أن يأخذ أموال الكفار الذين ليسوا بمحاربين؛ لأن دماءهم وأموالهم معصومة.
الكفار على أنواعٍ: كفار مستأمنون، وكفارٌ أهل ذمة، وكفارٌ حربيون. فلا يحل دمُ أحدٍ من هذه الأنواع إلا الحربيين الذين يحاربون؛ أي ليس لهم عهد ولا أمانٌ ولا ذمة مع المسلمين. الشاهد: أن الإنسان يُنصف من نفسه.
وبذل السلام للعالَم؛ يُسلِّم على مَن عرف ومَن لم يعرف. والإنفاق من الإقتار؛ يعني: عدم البخل، فالبخل ذنب عظيم استعاذ منه النبي عليه الصلاة والسلام كثيرًا: اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك مِن أن أُرَدَّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر[25]رواه البخاري: 6365..
حق محبة الخير وبذل المعروف للآخرين
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه بيَّن أنَّ الإنسانَ لا يكون مؤمنًا كامل الإيمان إلا أن يحب لأخيه ما يُحب نفسه: لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يحب لنفسه[26]رواه البخاري: 13، ومسلم: 45.. فإذا أحب لأخيه ما يحب لنفسه حينئذٍ وصل كمال الإيمان، وليس معنى ذلك أنه لا يكون مؤمنًا بالله ويكون كافرًا، لا، المعنى: أنه لا يصل إلى كمالِ الإيمان والمرتبةِ العالية في درجات الإيمان إلا إذا أحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه.
ولهذا؛ لو طبَّق الناسُ هذا الحديثَ ما وجدتَ اثنين يتخاصمان عند قاضٍ ولا عند محكمة ولا عند شرطة؛ لأنه يحب له ما يحب لنفسه، فكيف يحاكمه ويطالبه؟ ولكن هذا يدلُّ على الخلل أو الإخلال بهذا الحديث.
فإذا وصل إلى الدرجات العُلا في الإيمان فإنه يُحب للمسلمين ما يُحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، هذا دليل المخالفة.
حقوق الضعفاء
ومن الأمور التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام وأمَر بها: بَذْلُ المعروف للمسلمين ورَحْمَتُهم. وهذا مِن أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد المسلم لله تعالى.
كفالة اليتيم
مِن هذا قوله عليه الصلاة والسلام: أنا وكافل اليتيم، ليس معنى ذلك اليتيم الكافر وغير ذلك المسلم: أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين في الجنة، وأشار الراوي بالوسطى والسبابة[27]رواه البخاري: 6005.. الذي يكفل اليتيم ويقوم بما يجب عليه نحو هذا اليتيم، ويحفظ أمواله، ويُربِّيه على طاعات الله تعالى؛ يكون مع النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة.
هذا من رحمة الله تعالى بعباده، ومن الواجبات التي أوجب الله تعالى على عباده المسلمين أن يقوموا بها لإخوانهم، فإذا مات أحدُ الناس وترك أيتامًا فقد أوجب الله تعالى على المجتمع أن يقوموا بهذا الواجب، وبيَّن الثواب العظيم لمن قام بهذا الواجب. ومَن أخل بهذا الواجب فله العذاب الأليم في الدنيا والآخرة: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10]، هذا الذي يخالف هذا الأمر فإنه يحصل على هذا العذاب، والذي يقوم بالواجب يحصل على الثواب العظيم.
السعي على الأرملة والمسكين
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، قال الراوي: وأحسبه قال: وكالقائم لا يَفتُر، والصائم لا يُفطر. الأرملة: المرأة التي ليس لها زوج، والرجل الذي ليس له زوجة وبحاجة إلى العناية؛ فإنَّ مَن قام: الساعي على الأرملة والمسكين: كالمجاهد أو قال: كالصائم لا يُفطر، والقائم لا يَفتُر[28]رواه البخاري: 5353، ومسلم: 2982.، يصلي الليل كله، هذا في الثواب عند الله تعالى.
هذا من الواجبات التي أوجب الله تعالى على عباده، ومما يُقربهم إلى الله تعالى، ويكون رفعة في درجاتهم عند الله لهذا الثواب العظيم.
حق الرحمة والرفق
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا يرحم اللهُ مَن لا يرحم الناس، جاء رجلٌ إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام "الأقرعُ"، وقبَّل النبيُّ عليه الصلاة والسلام الحسنَ أو الحسين، فقال: إن لي عشرةً مِن الولد ما قبَّلت منهم أحدًا. فقال: لا يرحم الله مَن لا يرحم الناس[29]رواه البخاري: 5997، ومسلم: 2318.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وقال: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم من في السماء[30]رواه أبو داود: 4941، والترمذي: 1924، وأحمد: 6494، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 3522..
فيجب على المسلم أن يرحم إخوانه المسلمين والمستضعفين، خاصة الذين يحتاجون إلى العناية، ويحتاجون للصدقة، ويحتاجون إلى الإحسان، ويحتاجون إلى النُّصرة، ويحتاجون إلى التوجيه والتعليم؛ لأن هذا من أعظم النُّصرة، ومِن أعظم الحقوق على عباد الله تعالى: أن يعلمهم ما ينفعهم، ويُبعدهم من النار، ويُقربهم إلى الجنة. هذه من الحقوق العظيمة التي أمر الله تعالى بها.
النهي عن مساوي الأخلاق
ويُبيِّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام في حديثٍ جامعٍ لهذه الحقوق قال: لا تَحَاسَدوا[31]رواه البخاري: 6064، ومسلم: 2558.، هذا نهيٌ عن الحسد بين الناس.
التحذير من الحسد
والحسد هو بُغض نعمة الله تعالى على عباده، وأن تحسد الناسَ على ما أعطاهم الله تعالى. وهو على نوعين:
أنواع الحسد:
حسد مذموم مُحرَّم: وهو أن يتمنَّى زوالَ النعمة عن الإنسان المسلم، أو يتمنى أن تنتقل منه ولا تكون له. فإن كان يتمنى زوال هذه النعمة وتنتقل إليه فهذا خبثٌ، وإن كان يريد أن تزول هذه النعمة وتكون لغيره فهذا أخبث وأقبح -والعياذ بالله-.
والغبطة والحسد الجائز والمحمود: هو أن تتمنى أن يكون لك مثل ما له من الخير؛ يحفظ القرآن: تتمنى أنك تحفظ القرآن مثله، عنده أموالٌ يتصدق منها ويبني المساجد وغير ذلك: تتمنى أن عندك مثله حتى تعمل مثل عمله.
بل إن الإنسانَ يحصل على الثواب العظيم إذا تمنَّى هذا؛ ولهذا بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر فقال: إنما الدنيا لأربعة: رجل آتاه الله مالًا وعلمًا فهو يعلم بأن لله تعالى فيه حقًّا.. ويَصِل فيه رحمه؛ فهذا بأعلى المنازل. ورجل آتاه الله علمًا ولم يُؤتِه مالًا، فيقول: لو أن لي مثل مال فلان لَعَمِلْت مثل عمله؛ فهم في الأجر سواء. ورجلٌ رزقه الله مالًا ولم يؤته علمًا، فهو يتخبَّط في ماله لا يعرف لله فيه حقًّا ولا يصل فيه رحمًا؛ فهذا بأخبث المنازل. ورجلٌ لم يؤته الله مالًا ولا علمًا، فيقول: لو أن لي مثل مال فلانٍ لعملت مثل عمله؛ فهما في الإثم سواء[32]رواه الترمذي: 2325، وابن ماجه: 4228، وأحمد: 18031، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 16.. والعياذ بالله.
الخلاصة أن تَمَنِّي الخير لا يكون من الحسد المذموم.
النهي عن النجش والتباغض والتدابر
ولا تناجشوا[33]رواه البخاري: 2150، ومسلم: 2564.. النَّجْش: هو الزيادة في السلعة وهو لا يريد شراءها؛ سيارة تُسام خمسين ألفًا، فهو يعرفه صاحبُ السيارة ويريد أن ينفعه، أو يريد أن يَضُر المشتري فيَزيد. هذا النَّجْش الذي حرَّمه النبي عليه الصلاة والسلام.
ولا تباغضوا: نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن البغضاء، ولا تَدَابَروا: إذا حصل السلام بين الناس لا يُعْطيه ظهره ويقاطعه. ولا يَبِع بعضكم على بيع بعض[34]رواه البخاري: 2150، ومسلم: 2564.: إذا أراد أن يشتري سيارة وهذا عنده سيارة أخرى فقال: عندي سيارة مثلها بأرخص منها. هذا باع على بيع أخيه. كذلك الشراء على شراء أخيه، إذا أراد أن يشتري وأطلق له البيع بعشرة آلاف مثلًا، فيقول الثاني: أنا أشتري منك بأكثر.
هذا مَنْهيٌّ عنه، قال: وكونوا عباد الله إخوانًا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه الظلم مُحرَّم، ولا يخذله، أي: لا يتركه من النصرة، بل ينصره ولا يحقره، التَّقوى ها هنا، ويُشير إلى صدره ثلاث مرات: بحَسْب امرئٍ من الشَّرِّ، أي: يكفيه أن يحقر أخاه المسلم. كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دمه، وعرضه، وماله[35]رواه مسلم: 2564.. هذه من الحقوق التي تجب على المسلمين لبعضهم.
حق النصيحة
والنصيحة من أعظم الواجبات التي تجب على العباد لبعضهم: الدِّين النصيحة، الدِّين النصيحة، الدِّين النصيحة كما في رواية الإمام أحمد[36]رواه أحمد: 16945، وأبو داود: 4944.. والصحيح: الدِّين النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم[37]رواه مسلم: 55..
النصيحة لله: أن تُؤمِن بالله، وتُصدِّق الله تعالى في جميع ما أخبر به، وتَعبده ولا تشرك به شيئًا، وتمتثل أمره، وتبتعد عن نهيه.
ولرسوله: عليه الصلاة والسلام النصيحة، للرسول عليه الصلاة والسلام: أن تؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، وتتخذه أسوة، ولا تتشبه بغيره من الكفار والمنافقين، وتقوم بما أمر الله تعالى به في حقه: من القيام بالواجبات والصلاة عليه -عليه الصلاة والسلام- في مواطنها. فالمسلم ينبغي له أن يُعنى بهذه.
والنصيحة لأئمة المسلمين: طاعتهم في طاعة الله تعالى؛ ولهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59].
ذَكَر بعض أهل العلم أن عطف قوله: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ أي: أطيعوا الله طاعةً مطلقةً، وأطيعوا الرسول طاعة مطلقة، وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، ولم يقل: "وأطيعوا أولي الأمر منكم"؛ لأنها مقيدة بطاعة الله تعالى؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وأئمة المسلمين وعامتهم، عامة الناس، جميع الناس لهم حقوقٌ: تعليمهم الخير، والصدقة عليهم، وغير ذلك من الواجبات التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال جرير بن عبدالله البجلي ، قال: بايعتُ رسولَ الله على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنُّصح لكلِّ مسلمٍ[38]رواه البخاري: 57، ومسلم: 56.. نُصح الإخلاص للمسلم، قد يكون من التصفية، جميع ما يحتاجه المسلمُ هذا يكون نصيحةً: فأمره بالمعروف هذا نُصح، نهيه عن المنكر نصح، الإحسان إليه نصح. وهكذا هذا من الحقوق التي بيَّنها النبيُّ صلوات الله وسلامه عليه.
حق المسلم على المسلم ستٌّ
والنبيُّ عليه الصلاة والسلام أوصى وصايا عامة بحقوق المسلمين، فقال: حقُّ المسلم على المسلم ستٌّ. قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لَقِيتَه فسَلِّم عليه، وإذا دعاك فأَجِبْه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحَمِد الله فشَمِّتْه، وإذا مَرِضَ فعُدْه، وإذا مات فاتبع جنازته[39]رواه مسلم: 2162.. هذا يدلُّ على هذه الحقوق، وهناك حقوق كثيرة غير هذا لكن هذا من باب البيان ومن باب التوضيح للناس.
قال البَرَاء : أمَرَنا رسولُ الله بسبعٍ ونهانا عن سبعٍ: أمَرَنا بعيادة المريض، واتِّباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المُقسِم أو القسَم. إبرار المُقسِم، أي: الذي يُقسِم من المسلمين فإنه يجب على المسلم ألا يُحنِّثه. وإبرار القسَم، أي: القيام بتصديقه إذا حَلَف، ولا يُكذَّب، ولا يُحنَّث كذلك. ونَصْر المظلوم، هذا من الواجبات التي تجب على المسلم لأخيه المسلم: ينصره إذا كان مظلومًا بما يستطيع. وإجابة الداعي، وإفشاء السلام[40]رواه البخاري: 1239، ومسلم: 2066..
حق النصرة
وقال: انصُر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. قال: يا رسول الله، هذا نصرته إذا كان مظلومًا، فكيف أنصره إذا كان ظالمًا؟ قال: تأخذ على يديه[41]رواه البخاري: 2444.، أو تَحْجُزه عن الظلم وتمنعه، فإنَّ ذلك نَصْرُه[42]رواه البخاري: 6952.. أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
مفاتيح المحبة ودخول الجنة بسلام
هذا من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، فيجب على المسلم أن يمتثل هذه الأوامر، وأن يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام بذلك، قال: يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصَلُّوا بالليل والناسُ نِيَامٌ، تدخلوا الجنة بسلام[43]رواه الترمذي: 2485، وابن ماجه: 1334، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 949.، وفي روايةٍ أخرى: يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام[44]رواه ابن ماجه: 3251، وأحمد: 23784، والدارمي: 1501، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 616..
هذا عبد الله بن سلام، قال حينما قَدِم النبيُّ عليه الصلاة والسلام للمدينة، قال: إني رأيت وجهه فعرفت أن وجهه ليس بوجهِ كذَّابٍ، وسمعته أو سمعت من قوله: يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام[45]سبق تخريجه.. الصادق معروفٌ في وجهه، قال: فعرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذاب. أو كما قال .
حق تشميت العاطس وآداب التثاؤب
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إنَّ الله يُحب العُطَاس ويَكره التثاؤب، فإذا عَطَس أحدكم وحَمِد الله كان حقًّا على كلِّ مسلمٍ سمعه أن يقول له: يرحمك الله[46]رواه البخاري: 6226.. هذا يدلُّ على هذا الحق، كم من الناس يعطس وكثيرٌ من الناس ما يقول: "يرحمك الله". هذا واجب، هذا الحديث يكون عامًّا، ويحتاج إلى ثبوتٍ، الرَّجُلُ مزكومٌ؛ لأن هذا الحديثَ قال: كان حقًّا على كلِّ مسلمٍ سمعه أن يقول: يرحمك الله. هذا حقٌّ -يعني- واجبٌ عليه إذا حَمِد الله، أما إذا لم يحمد الله فلا تُشمِّته.
والتثاؤب من الشيطان كما بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام، فإذا تثاءب المسلم فعليه أن يَكْظِم ما استطاع، ولا يقول: ها؛ فإن الشيطان يضحك((رواه البخاري: 3289، ومسلم: 2994، واللفظ للبخاري.))، وإنما يجعل يده على فِيهِ[47]رواه الترمذي: 2746، وابن ماجه: 968، وأحمد: 7294، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 426. ويكظم ما استطاع.
حق عيادة المريض
وأمَر النبيُّ عليه الصلاة والسلام بعيادة المرضى والإحسان إليهم من المسلمين[48]روى أبو هريرة قال: قال رسول الله : حقُّ المسلم على المسلمِ خمسٌ: رَدُّ السلام، وعيادة المريض.... رواه … Continue reading، حتى من الكفار؛ ثَبَت أنه عليه الصلاة والسلام زار بعضَ الكُفَّار في مرضه، زار غلامًا كان يخدمه ودعاه للإسلام، والزيارةُ من أجل الدعوة للإسلام والدعوة للخير وتعليم الخير، زاره وقال: أَسلِمْ. فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. فخرج النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار[49]رواه البخاري: 1356.، وفي رواية: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار[50]رواه أبو داود: 3095، وأحمد: 13375، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2711.. هذا يدلُّ على الثواب العظيم.
زاره وهو كافر، ودعاه للإسلام فأسلَم، فأنقذه الله تعالى من النار، زيارةٌ لله، مِن أجل الله، ومن أجل الدعوة إلى الله تعالى.
وزيارة المسلم مِن أعظم الواجبات؛ لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام أمر بها صلوات الله وسلامه عليه، قال عليه الصلاة والسلام في هذا: ما من مسلمٍ يعود مريضًا لم يحضر أجله، فيقول سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عوفي[51]رواه أبو داود: 3106، والترمذي: 2083، وأحمد: 2137، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 5766.. إذا كان المسلم يُحب لأخيه المسلمِ الخيرَ فإنه يقول هذا الدعاء عنده، هذا من الآداب العظيمة.
كثير من الناس يزور المرضى ولا يدعو له، فلو قال هذا الحديث حفظه كلُّ مسلمٍ، وإذا زار المريضَ -سواءٌ كان أسمعه أو لم يسمعه-: "أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيك"، "أسأل الله العظيم..." حتى يُكمل سبعَ مرات، فالنبيُّ عليه الصلاة والسلام قال بأنه سيُعافى ما لم يَحضُر أجله، وهو عليه الصلاة والسلام هو الصادق صلوات الله وسلامه عليه فيما يُخبِر به عليه الصلاة والسلام.
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام من باب الترغيب في زيارة المرضى قوله: ما من مسلمٍ يعود مسلمًا غدوةً إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يُمسي، وإذا عاده عشيةً -أي: مساء- صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يُصبح، هذا والله من الثواب العظيم، وكان له خريفٌ في الجنة، بستان في الجنة عند الله تعالى[52]رواه أبو داود: 3098، والترمذي: 969، وابن ماجه: 1442، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3476..
هذا من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، كثير من الناس لا يُعني بهذه الحقوق، حتى إنه جاء في الحديث القدسي: إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضتُ فلم تَعُدْني. قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أمَا علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تَعُده، أما علمت أنك لو عُدْتَه لَوَجَدْتني عنده[53]رواه مسلم: 2569..
والمعنى -والله أعلم-: المعية معيتان: معية عامة، وهي العلم. ومعية خاصة: التوفيق والإلهام والتسديد والإعانة. فهو تبارك وتعالى مع الجميع بعلمه واطلاعه وإحاطته، لا يخفى عليه شيء .
هذا من باب الحثِّ على عيادة المرضى، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام أمر بعيادتهم صلوات الله وسلامه عليه، قال: عائد المريض في مَخْرَفة الجنة حتى يرجع[54]رواه مسلم: 2568.؛ أي: في جَنَاها، في جنى الجنة. وهذا من فضل الله تعالى على عباده.
حق إفشاء السلام والمصافحة
والنبيُّ عليه الصلاة والسلام بيَّن فَضْلَ إفشاء السلام، وإن كان قد تقدَّم فيه بعضُ الأحاديث، قال: لا تدخلون الجنة هكذا رواية مسلم حتى تُؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تَحَابُّوا، أوَلا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم[55]رواه مسلم: 54..
السلام هذا يجلب المحبة، وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام بأنه يجلب بين الناس المحبة وغير ذلك، قال: ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غُفر لهما قبل أن يتفرقا[56]رواه أبو داود: 5212، والترمذي: 2727، وابن ماجه: 3703، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2718.. هذا حديثٌ كثيرٌ من الناس يَغفُل عنه، وهو ثابت، ثبت أنه قال هذا، وثبت حديثٌ آخر: إذا التقى المسلمان فتصافحا تَحَاتَّتْ ذنوبهما كما تَحُتُّ الشجرة وَرَقَها[57]رواه البيهقي في "شعب الإيمان": 8544..
هذا والله من الثواب العظيم؛ فينبغي للمسلم أنه إذا قابل أخاه يصافحه؛ لهذا قال أنس: كان الصحابة إذا قَدِموا من سَفرٍ تعانقوا، وإذا تقابلوا تصافحوا[58]روا الطبراني في "المعجم الأوسط": 97، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2719.. إذا لم يكن مسافرًا داخل البلد إذا قابله يصافحه -الحمدلله-، وإذا كان قادمًا من السفر لا بأس أن يعانقه.
حق ترك الهجر والقطيعة
وقال عليه الصلاة والسلام: لا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاثِ ليالٍ يلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام[59]رواه البخاري: 6077، ومسلم: 2560.. لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام أو ثلاثِ ليالٍ، أعطاه الله تعالى مهلةً إذا حصل بينهما بغضاء أو شحناء، فأعطاه مهلةً ثلاثةَ أيامٍ، بعد الثلاثة لا بد أن يلقاه ويسلم عليه، وإلا تُوقَف أعماله كما ثبت في الحديث.
تُفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيُغفر لكلِّ مسلمٍ لا يُشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول الله تعالى: أَنْظِروا هذين حتى يصطلحا[60]رواه مسلم: 2565.. أنظروا هذين حتى يصطلحا: فتُوقف الأعمال، لا تُغفر السيئات حتى يَحصل الصُّلح بينهما.
إذن: هذا يدلُّ على أهمية السلام بين المسلمين، وعلى خطر الإعراض عن المسلم، وعلى خطر هجره؛ ولهذا جاء في الحديث الآخر: مَن هجر مسلمًا سنةً، فكأنما سفك دمه. رواه أبو داود[61]رواه أبو داود: 4915، وأحمد: 17935، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2762.؛ يعني: خطر عظيم.
حق الدعاء بظهر الغيب
ومن الحقوق التي يُثاب عليها المسلم لأخيه: دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب، مستجابةٌ ويُثاب عليها، عند رأسِه مَلَكٌ يقول: آمين، ولك بمثل[62]رواه مسلم: 2732.، قل: اللهم أصلح أولاده، اللهم أصلح شأنه، اللهم اغفر ذنبه، اللهم ارفع منزلته، اللهم أدخله الجنة وأعذه من النار. عند رأسِك مَلَكٌ يُؤمِّن، يقول: آمين، يعني: اللهم استجِب، ولك بالمثل. حتى ذُكر عن بعض الصالحين أنه إذا خشي ألا تستجاب دعوته يدعو لغيره، فإذا أراد مثلًا توفيقًا قال: اللهم وفِّق فلانًا من المسلمين، اللهم ارفع منزلته، اللهم اغفر ذنبه، اللهم اقضِ دينه. بإخلاصٍ لأخيه، فيقول الملك: آمين، ولك بالمثل. هذا من الفضائل التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام.
حق الصلاة على الميت واتباع الجنازة
ومن حقوق المسلم على المسلم كذلك: الصلاة عليه إذا مات، واتباع جنازته، وله على ذلك من الثواب العظيم ما اللهُ به عليم؛ ثبت أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام قال: مَن شهد الجنازة حتى يُصلَّى عليها فله قيراط، ومن شهده حتى تُدفن فله قيراطان. قيل: وما القيراطان؟ قال: مِثْل الجبلين العظيمين[63]رواه البخاري: 1325، ومسلم: 945.؛ أي: من الأجر، ما من ميتٍ يصلي عليه أُمة من الناس يبلغون مئة كلهم يشفعون فيه إلا شفَّعهم الله فيه. رواه مسلم[64]رواه مسلم: 947..
وهذا والله أعلم كان أولًا، ثم تفضَّل الله تعالى على عباده وغفر لمن شَفَع له أربعون، فقال: ما من رجلٍ مسلمٍ يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا، لا يُشركون بالله شيئًا؛ إلا شفَّعهم الله فيه[65]رواه مسلم: 948.. هذا من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، ويحصلون على الثواب العظيم الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام.
حق الرفق والتحذير من المشقة والعدوان
ويجب على المسلم أن يعلم بأنه إذا شَقَّ على المسلمين فيُخشى أن يَشُقَّ الله عليه، أما إذا رَفَق بهم فالله تعالى يَرْفُق به؛ لهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: اللهم مَن وَلِيَ مِن أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به، ومَن ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه[66]رواه مسلم: 1828.، دعوة من النبي عليه الصلاة والسلام -نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة-، ودعوة النبي عليه الصلاة والسلام مستجابة -عليه الصلاة والسلام-؛ ولهذا قال: سِبَاب المسلم فسوق، وقتاله كفر[67]رواه البخاري: 7076، ومسلم: 64.، إذا سبَّه فهذا فِسْقٌ، وإذا قاتله يكون كُفْرٌ، كفر دون كفر، أي: كُفْرٌ أصغر؛ إلا إذا استحله، فإذا قال بأنَّ قتله وقتاله حلال فإنه يكون كافرًا؛ لأنه استحل ما حرَّم الله تعالى.
والخلاصة: أن الإنسان لو بقي يتكلم في حقوق المسلمين بعضهم على بعض لَوَجد الأحاديث الكثيرة والنصوص الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهو أمرٌ عظيم يجب على المسلم أن يُعنى به، وكثير من الناس لا ينتبهون لهذا الأمر، لحقوق المسلمين بعضهم على بعض؛ ولهذا الله تعالى رحيمٌ بعباده، يُنعم على عباده.
جاء في الحديث أن: مَن استغفر للمسلمين والمسلمات كَتَب اللهُ له بكلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ حسنةً[68]رواه الطبراني في "مسند الشاميين": 2155، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 6026.، هذا من فضل الله تعالى على عباده.
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، والتوفيق لما يُحبه ويرضاه، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل؛ إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
المقدم: شكر الله لفضيلة الشيخ؛ على هذه الكلمات الفاضلة وهذه التنبيهات الجليلة لهذه الحقوق العظيمة.
نسأل الله أن يجعل ما سمعنا في ميزان حسناته وحسنات الجميع، وأن يجعلنا جميعًا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.
أستأذن فضيلة الشيخ في عرض بعض الأسئلة؛ لأن الوقت لدينا ليس طويلًا.
الأسئلة
السؤال: هذا سؤال يبتدئ أولًا بقوله: شيخنا، فرحنا كثيرًا لزيارتك للمنطقة؛ فنتمنى تكراره مأجورين. ثم يقول: شيخنا، ممكن نبذة عن كُتيب "حصن المسلم" وبداية فكرة تأليفه.
الشيخ: نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم التوفيق والتسديد والإعانة والزيارة، نسأل الله أن يُيسر.
أما هذا الكتاب فهو موجود بين أيديكم والحمد لله، الذي يرغب في قراءته يقرؤه، نسأل الله أن يتقبل من الجميع، نعم.
السؤال: هذا سؤال حقيقةً ورد أكثر من مرة، وهو يقول: لو ذكرتَ لنا فضيلة الشيخ بعض المواقف التي استفدتها من الشيخ ابن باز رحمه الله.
الشيخ: والله المواقف كثيرة، لكن -عاد ممكنًا- أكتفي بواحدٍ منها، والذي عندي تقريبًا ما يُقارب عشرين موقفًا مكتوبًا أو اثنين وعشرين تقريبًا -الله أعلم-، مكتوبًا في كُتيب اسمه "سؤالات ابن وهف لابن باز رحمه الله"، موجود منشور، مَن أراد أن يطَّلِع على هذه.
فهذا الذي اطلعت عليه، لكني أذكر موقفًا واحدًا: أن رجلًا كان من البادية، جاء إلى الشيخ عند باب المسجد وقال: يا شيخ، أنا أقول كل يوم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" مئة مرة، فهل فيها "يُحيي ويميت" أو ليس فيها "يحيي ويميت"؟ فقال الشيخ: تقولها مئة مرة؟ قال: نعم. قال: تقولها مئة مرة؟
وهذا يدلُّ على أن الشيخ رحمه الله يريد أن يجعل هذا الشخص يعتني بها، يعني يرفع من شأنها في نفسه حتى يُحافظ عليها، ثم قال في الأخير: لا بأس إن قلت: "يحيي ويميت"، لا بأس وإن لم تقل.
هذا يدلُّ على أن الشيخ رحمه الله يُحب أن ينفع الناس، فهو يُريد أن يَحُثَّه ويُعظِّم هذا الذِّكْر في نفسه، ولا هو.. الشيخ رحمه الله تعالى يَعْلم ذلك، لكن يُريد أن يُعظِّمها في نفس هذا العامي حتى لا يتركها، نعم.
السؤال: هذا سؤال يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جزاك الله خيرًا يا شيخ. كما كَتب يقول: نبغي كلمة عن الواتساب، وخاصة أضراره في نقل الإشاعات بين الناس؟
الشيخ: عن؟
السؤال: الواتساب.
الشيخ: على كل حال، الجوال والواتساب هذه وسائل فيها خيرٌ ووسائلُ فيها شرٌّ، سلاحٌ ذو حَدَّين: سلاح معك تطعن به الكافر الحربيَّ وتطعن به المسلم، فإذا استُخدم في المُحرَّم فهو حرام، وإذا استُخدم في الحلال فهو نافع.
هذه الجوالات وهذه الوسائل الحديثة فيها نفع عظيم لمن استخدمها في هذا النفع، وفيها شر مستطير وبلاءٌ وخطر على المسلمين وعلى الأعراض إذا استُخدمت في معصية الله تعالى. نسأل الله العفو والعافية. نعم.
السؤال: هذا سؤالٌ يقول: كنت في غفلةٍ عن الأذكار، وابتُليت بشيءٍ من السحر أو عينٍ أو حسدٍ أو مسٍّ، فبماذا تنصحني؟
الشيخ: أنصحك أن تحافظ على الأذكار؛ فإنها عبادة لله تعالى أولًا، ثُم حصنٌ لك وحفظ لك في الدنيا والآخرة؛ ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لبعض الصحابة قال: قل. قال: ما أقول؟ قال: قل. قال: ما أقول؟ قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمُعوِّذتين إذا أصبحتَ وإذا أمسيتَ ثلاثَ مراتٍ؛ تكفيك من كل شيء[69]رواه أبو داود: 5082، والترمذي: 3575، والنسائي: 5428، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 649.، عامةٌ من كلِّ شيء. وهذا يدلُّ على أنها تكفيه من كلِّ شيء، من كلِّ سوءٍ.
وقال: مَن قال: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، إذا أصبح لا يُصيبه بأسٌ حتى يُمسي، وإذا قالها إذا أمسى ثلاثَ مراتٍ لا يصيبه بأس حتى يصبح[70]رواه أبو داود: 5088، والترمذي: 3388، وابن ماجه: 3869، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 655.، وهكذا.
فالمسلم عليه أن يُعنى بهذه الأذكار لا ليحفظ نفسه، ولكن عبادةً لله تعالى وتقربًا لله تعالى، ثم يحصل له الثواب بما يحصل وما بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام، نعم.
السؤال: أثابكم الله وأحسن إليكم. هذا سؤال يقول: هل الإبلاغ في القضايا الأمنية وهيئة الفساد من التعاون المطلوب بين المسلمين؟
الشيخ: نعم، الإبلاغ، إبلاغ الدولة، وإبلاغ الحكومة، إبلاغ الشرطة عن المفسدين، عن المروجين للمخدرات، عن المفجرين الذين يفجرون الممتلكات ويؤذون المسلمون؛ هذا من العبادة لله رب العالمين؛ لأنه يريد أن يُزيل الأذى عن المسلمين.
أما إذا كان الفساد يزول بالنصيحة، وعنده يقين بأنه لو نصحه: "اتق الله؛ لا يجوز لك هذا العمل، تُبْ إلى الله من هذه المخدرات، ومن هذا العمل، ومن هذه المغازلة بين الناس"، فإنْ علم بأنه سيتوب أو على الأقل عنده غالب الظن بأنه يترك هذه المعصية؛ فالستر أولى. أما إذا تحقق الضرر للمسلمين فإذا إذا سَكَتَّ فأنت تُعتبَر مشاركًا -نسأل الله العافية-: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2]، فإذا سكتَّ عن المنكر وعن الفساد فهذا من باب التعاون على الإثم والعدوان -نسأل الله العفو والعافية-. نعم.
السؤال: أثابكم الله وأحسن إليكم. يقول: ما حكم من يترك الصلاة في المسجد وهو جارٌ للمسجد؟
الشيخ: هذه جريمةٌ من الجرائم، ذنبٌ عظيم، ذنبٌ عظيم، علامةٌ من علامات المنافقين؛ ولهذا ثبت عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنه قال: لقد هَمَمْتُ أن آمُرَ بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فليصلي بالناس، ثم أتخلَّف إلى أناسٍ لا يشهدون الصلاة فأُحرِّق عليهم بيوتهم بالنار[71]رواه البخاري: 644، ومسلم: 651..
هذا يدلُّ على أن الأمر عظيم، وقد همَّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام بتحريق البيوت، وفي بعض الروايات: لولا ما فيها من النساء والذرية[72]رواه أحمد: 8796..
هذا يدلُّ على أهمية الصلاة مع الجماعة، ثبت في الحديث الآخر: مَن سمع النداء ثم لم يأتِ فلا صلاة له[73]رواه أبو داود: 551، وابن ماجه: 793، واللفظ لابن ماجه، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 426.. هذا يدلُّ على أن من سمع النداء ولم يأتِ: بعضُ العلماء يقول بهذا الحديث وأنه شرطٌ في صحة الصلاة؛ مَن صلى في بيته لا تُقبل صلاته، وإن صلى. ولكن الأقرب والله أعلم ما رجَّحه بعضُ المحققين.
على هذا؛ شيخ الإسلام وابن القيم رحمه الله: أنَّ مَن صلى في بيته لا تُقبل صلاته، في كتابه "الصلاة" بيَّن بأن هذا شرط لصحة الصلاة. ولكن الأقرب الذي يُرجِّحه شيخنا رحمه الله تعالى: أن صلاته صحيحة لكنها ناقصة، ناقصة ناقصة، وهو آثِم عند الله تعالى؛ لأنه فرَّط في واجبٍ أوجبه الله تعالى، وأوجبه النبي صلوات الله وسلامه عليه. نعم.
السؤال: أحسن الله إليكم وبارك في علمكم، هذا السؤال الأخير ونعتذر للإخوة؛ لأنه حان وقت الأذان، يقول: هل دَفْع مئة ريال، التبرع بمئة ريال أو مئتي ريال شهريًّا للجمعية الخيرية بغرض كفالة يتيم، داخل أو خارج البلد، يتحقق فيه حديث رسول الله : أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة[74]سبق تخريجه.؟
الشيخ: هذا يحصل على الثواب العظيم والأجر الكبير بإخلاصه، وثواب الصدقة على الأيتام، لكن -والله أعلم- الحديث يشمل من قام بكفالة اليتيم الكفالة المعروفة، يعني كَفَل اليتيم: قام بشؤونه الخاصة والعامة.
هذا شارك في الخير؛ يُرجى له الخير، لكن الذي يحصل على الثواب الكامل مع النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يكفل اليتيم بمعنى الكفالة المعروفة.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
| ^1 | رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 7473. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 481، ومسلم: 2585. |
| ^3 | رواه البخاري: 6011، ومسلم: 2586. |
| ^4 | رواه مسلم: 2699، وبنحوه عند البخاري: 2442. |
| ^5 | رواه مسلم: 2699. |
| ^6 | رواه مسلم: 3006. |
| ^7 | رواه البخاري: 660، ومسلم: 1031. |
| ^8 | رواه الترمذي: 664، وقال: حسن غريب من هذا الوجه. |
| ^9 | رواه الترمذي: 2616، وابن ماجه: 3973، وأحمد: 22016، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 413. |
| ^10 | رواه ابن ماجه: 2430، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 1389. |
| ^11 | رواه ابن ماجه: 3934، وأحمد: 23958 واللفظ له، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 549. |
| ^12 | رواه البخاري: 10، ومسلم: 40. |
| ^13 | رواه الترمذي: 1621، وأحمد: 23958، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 549. |
| ^14 | رواه ابن ماجه: 3934، وأحمد: 23958، وبنحوه البخاري: 10. |
| ^15 | رواه البخاري: 12، ومسلم: 39. |
| ^16 | رواه البخاري: 6018، ومسلم: 47. |
| ^17 | سبق تخريجه قريبًا. |
| ^18 | رواه أحمد: 3848، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 648، ولفظه: «إن من أشراط الساعة أن يُسَلِّم الرجل على الرجل، لا يُسَلِّم عليه إلا للمعرفة». |
| ^19 | سبق تخريجه |
| ^20 | سبق تخريجه، وهو في الصحيحين. |
| ^21 | رواه مسلم: 2621. |
| ^22 | رواه أبو داود: 4901، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان": 5682. |
| ^23 | رواه البخاري: 6478، وبنحوه مسلم: 2988. |
| ^24 | علقه البخاري في "الصحيح": 1/ 15، ووصله ابن أبي شيبة في "المصنف": 32461، والخلال في "السنة": 1615، وهو مرفوع عند البزار: 1396، والأصح الوقف. |
| ^25 | رواه البخاري: 6365. |
| ^26 | رواه البخاري: 13، ومسلم: 45. |
| ^27 | رواه البخاري: 6005. |
| ^28 | رواه البخاري: 5353، ومسلم: 2982. |
| ^29 | رواه البخاري: 5997، ومسلم: 2318. |
| ^30 | رواه أبو داود: 4941، والترمذي: 1924، وأحمد: 6494، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 3522. |
| ^31 | رواه البخاري: 6064، ومسلم: 2558. |
| ^32 | رواه الترمذي: 2325، وابن ماجه: 4228، وأحمد: 18031، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 16. |
| ^33, ^34 | رواه البخاري: 2150، ومسلم: 2564. |
| ^35 | رواه مسلم: 2564. |
| ^36 | رواه أحمد: 16945، وأبو داود: 4944. |
| ^37 | رواه مسلم: 55. |
| ^38 | رواه البخاري: 57، ومسلم: 56. |
| ^39 | رواه مسلم: 2162. |
| ^40 | رواه البخاري: 1239، ومسلم: 2066. |
| ^41 | رواه البخاري: 2444. |
| ^42 | رواه البخاري: 6952. |
| ^43 | رواه الترمذي: 2485، وابن ماجه: 1334، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 949. |
| ^44 | رواه ابن ماجه: 3251، وأحمد: 23784، والدارمي: 1501، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 616. |
| ^45, ^74 | سبق تخريجه. |
| ^46 | رواه البخاري: 6226. |
| ^47 | رواه الترمذي: 2746، وابن ماجه: 968، وأحمد: 7294، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 426. |
| ^48 | روى أبو هريرة قال: قال رسول الله : حقُّ المسلم على المسلمِ خمسٌ: رَدُّ السلام، وعيادة المريض.... رواه البخاري: 1240 بلفظه، ومسلم: 2162. |
| ^49 | رواه البخاري: 1356. |
| ^50 | رواه أبو داود: 3095، وأحمد: 13375، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2711. |
| ^51 | رواه أبو داود: 3106، والترمذي: 2083، وأحمد: 2137، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 5766. |
| ^52 | رواه أبو داود: 3098، والترمذي: 969، وابن ماجه: 1442، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3476. |
| ^53 | رواه مسلم: 2569. |
| ^54 | رواه مسلم: 2568. |
| ^55 | رواه مسلم: 54. |
| ^56 | رواه أبو داود: 5212، والترمذي: 2727، وابن ماجه: 3703، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2718. |
| ^57 | رواه البيهقي في "شعب الإيمان": 8544. |
| ^58 | روا الطبراني في "المعجم الأوسط": 97، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2719. |
| ^59 | رواه البخاري: 6077، ومسلم: 2560. |
| ^60 | رواه مسلم: 2565. |
| ^61 | رواه أبو داود: 4915، وأحمد: 17935، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2762. |
| ^62 | رواه مسلم: 2732. |
| ^63 | رواه البخاري: 1325، ومسلم: 945. |
| ^64 | رواه مسلم: 947. |
| ^65 | رواه مسلم: 948. |
| ^66 | رواه مسلم: 1828. |
| ^67 | رواه البخاري: 7076، ومسلم: 64. |
| ^68 | رواه الطبراني في "مسند الشاميين": 2155، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 6026. |
| ^69 | رواه أبو داود: 5082، والترمذي: 3575، والنسائي: 5428، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 649. |
| ^70 | رواه أبو داود: 5088، والترمذي: 3388، وابن ماجه: 3869، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 655. |
| ^71 | رواه البخاري: 644، ومسلم: 651. |
| ^72 | رواه أحمد: 8796. |
| ^73 | رواه أبو داود: 551، وابن ماجه: 793، واللفظ لابن ماجه، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 426. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط