جدول المحتويات
- مقدمة: فضائل الصيام وأهميته
- الصيام فضائلُ وأحكامٌ
- شروط قبول العمل الصالح
- تعريف الصيام وفضائله العامة
- الصيام جُنَّةٌ وحصنٌ من النار
- الصيام جُنَّة عن الشهوات
- الصيام يُباعد عن النار
- الصيام لا مثل له في الأجر
- باب الريان الخاص بالصائمين
- الصيام من الخصال المُدخلة للجنة
- الصيام كفارةٌ للفتن والخطايا
- أجر الصائم بغير حساب
- للصائم فرحتان
- خلوف فم الصائم أطيب من ريح المسك
- شفاعة الصيام يوم القيامة
- الصيام يزيل وحر الصدر
- الغرف العاليات في الجنة
- دعوة الصائم مستجابة
- أجر تفطير الصائم
- فوائد الصيام
- خصائص شهر رمضان
- نزول القرآن في رمضان
- تُفتح فيه أبواب الجنة والرحمة وتُغلق أبواب النار
- تُصفَّد فيه الشياطين
- نداء الخير والشر
- لله فيه عتقاء من النار كل ليلة
- فيه ليلة القدر
- تُجاب فيه الدعوات
- شهر الذكر والشكر والصبر
- صيام رمضان يُكفر الخطايا
- مغفرة الذنوب لمَن صامه إيمانًا واحتسابًا
- دعاء جبريل على مَن أدرك رمضان ولم يُغفر له
- إدراك رمضان يرفع الدرجات
- عمرة في رمضان كحجة مع النبي
- صيام رمضان من صفات الصديقين والشهداء
- صلاة التروايح
- مضاعفة الجود والكرم
- شهر الانتصار
- شهر مُدارسة القرآن
- ركنٌ من أركان الإسلام
- شهر الاعتكاف
- شهر الاجتهاد في العبادة
- عقوبة من أفطر فيه بغير عذر
- أحكام الصيام
مقدمة: فضائل الصيام وأهميته
المقدمة: بسم الله الرحمن الرحيم
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:185] .
الشيخ: الصيام فضائلُ وأحكامٌ، وقد أوصى به النبي عليه الصلاة والسلام أبا أمامةَ ، فقال: عليك بالصوم؛ فإنه لا مِثْلَ له[1]رواه النسائي: 2220، وأحمد: 22220، وصحَّحه محققو "المسند".، لا مِثْلَ له في الأجر والثواب ورفعة الدرجات عند الله تعالى.
المُقدِّم: الصيام.
الشيخ: يزيل الأحقاد والضغائن والحسد من القلوب.
المُقدِّم: الصيام.
الشيخ: يشفع لصاحبه يوم القيامة، تُصفَّد فيه الشياطين، تُجاب فيه الدعوات، تُكفَّر الخطايا، تُفتَّح فيه أبواب الجنة، يُرقَّق القلب، يوصل إلى التقوى.
المقدمة:
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].
الشيخ: فالصائم صابرٌ من الصابرين، صَبَرَ على طاعة الله، على الصيام، وصَبَرَ عن محارم الله التي حرَّم عليه أثناء الصيام، وصَبَرَ على أقدار الله المؤلمة من الجوع والعطش، فهو قد جمع بين أنواع الصبر؛ فهو يحصل على هذا الثواب العظيم.
المُقدِّم: الصيام فضائلُ وأحكامٌ.
الشيخ: ومن فضائل الصيام: أن خلوف فم الصائم -الرائحة التي تخرج من فم الصائم- أطيبُ عند الله من ريح المسك[2]رواه البخاري: 5927، ومسلم: 1151..
المُقدِّم: لماذا؟
الشيخ: لأن هذه الرائحة الكريهة إذا خلت المعدة من الطعام والشراب حصلت رائحة، هذه الرائحة عند الله تعالى أطيب من ريح المسك؛ لأنها نشأت عن طاعة الله تعالى؛ ابتغاء مرضاته.
المُقدِّم: الصيام.
الشيخ: يكون وسيلةً للتقوى، يوصل إلى التقوى. والتقوى: هي العمل بطاعةٍ على نورٍ من الله، يرجو ثواب الله؛ وترك معصية الله، على نورٍ من الله، يخشى عقاب الله.
المُقدِّم: رمضان.
الشيخ: لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، مَن حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ الخير كله[3]رواه ابن ماجه: 1644، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1000..
المُقدِّم: حسرة.
الشيخ: الذي يدخل عليه رمضان وهو يُحسِن قراءة القرآن، ويستطيع أن يقرأ القرآن، ولم يختم القرآن؛ هذا ينبغي له أن يبكي على نفسه!
قارئ: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30].
المُقدِّم: رمضان.
الشيخ: رمضان شهر الانتصار للمسلمين في بدرٍ، وفي فتح مكةَ، وهذه من الفضائل العظيمة، والمسلمون نُصروا في رمضان في الجهاد في عهد النبي صلوات الله وسلامه عليه.
المُقدِّم: باب الصائمين.
الشيخ: أبواب الجنة الثمانية فيها بابٌ يُقال له الريان، لا يدخل منه إلا الصائمون، ثم يُغلَق بعد ذلك، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ في الجنة بابًا يُقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة[4]رواه البخاري: 1896، ومسلم: 1152..
المُقدِّم: الصيام فضائلُ وأحكامٌ.
الشيخ: يتبيَّن بهذا الصيام مَن كان عابدًا لمولاه، ومَن كان عابدًا لهواه؛ فإن العبد المؤمن لو تُقطع رقبته في الغالب ما يمكن أن يُفطر يومًا من رمضان؛ لأنه يعلم بأنه فريضةٌ، ولا يستطيع أن يفعل ذلك، بينما لو كان الإنسان عابدًا لهواه، وغير مُتَّقٍ لله، وغير مُراقِبٍ لله تعالى؛ فإنه يستتر من الناس ولا يستتر من الله.
قارئ: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا [النساء:108].
الشيخ: فحينئذٍ متى يتوب؟
المُقدِّم: متى؟
الشيخ: متى يُغفر له إن لم يُغفر له في رمضان؟
المُقدِّم: الصيام فضائلُ وأحكامٌ.
الشيخ: قيام رمضان هذا من السُّنن، فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه[5]رواه البخاري: 37، ومسلم: 759.، وقيام رمضان هو صلاة التراويح، وهي سُنَّةٌ ثبتت على النبي عليه الصلاة والسلام، حثَّ عليها وصلَّاها عليه الصلاة والسلام.
المُقدِّم: محرومون.
الشيخ: لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهرٍ -أي: في رمضان- مَن حُرمها أو من حُرم خيرها فقد حُرم الخير كله[6]سبق تخريجه.، وهي ليلة القدر، حرمها نفسه بسبب ذنوبه، وبسبب نفسه، وبسبب عدم توفيق الله له .
قارئ: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر:1- 5].
الصيام فضائلُ وأحكامٌ
المُقدِّم: "الصيام فضائلُ وأحكامٌ"، محاضرةٌ لفضيلة الشيخ الدكتور/ سعيد بن علي بن وهف القحطاني.
الشيخ: إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأشكر الله تعالى على توفيقه وتيسيره للوصول إلى هذه البلاد، مركز الحمضة شرق بلاد قحطان؛ فله الحمد حتى يرضى.
ثم أشكر الإخوة القائمين والمتعاونين على دعوتي إلى هذا الخير، فالفضل لله تعالى ثم لهم؛ كرروا عليَّ ذلك، أسأل الله تعالى أن يجعل ذلك في موازين حسناتهم.
شروط قبول العمل الصالح
لا شك ولا ريب أن العمل الصالح هو الذي يكون على هدي النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن العمل لا يُقبل إلا بشرطين:
- الإخلاص لله تعالى، وأن يُقصَد بهذا العمل وجه الله .
- والشرط الثاني: أن يكون على هدي النبي محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام.
فالأول تدل عليه آياتٌ كثيرةٌ، ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى[7]رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907..
والثاني يدل عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام: مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ[8]رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718 واللفظ له..
وهدي النبي عليه الصلاة والسلام في الصيام هو أكمل هديٍ، وأعظم توجيهٍ منه صلوات الله وسلامه عليه، سواءٌ أكان ذلك في الترغيب الذي يُرغِّب الناس والأمة في هذا الصيام، أو كان ذلك في البيان عن الله تبارك وتعالى، وأن هذا الصيام فريضةٌ فرضها الله ، أو كان ذلك في الأحكام التي يُبيِّنها صلوات الله وسلامه عليه، فما من خيرٍ إلا دلَّ الأمة عليه، ولا من شرٍّ إلا حذَّر منه صلوات الله وسلامه عليه.
تعريف الصيام وفضائله العامة
فهديه عليه الصلاة والسلام في الصيام، أولًا: أنه عليه الصلاة والسلام يُبيِّن فضائل الصيام؛ ترغيبًا فيه.
والصيام: هو الإمساك، وهو التعبد لله تعالى بنيةٍ عن ترك جميع المُفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. هذا يُقال له الصيام.
فمن فضائله: أن الله تبارك وتعالى مدح القائمين بهذا العمل في قوله تبارك وتعالى:
قارئ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35].
الشيخ: فهو من الأعمال التي تُعَدُّ بها المغفرة للمؤمن، والصيام خيرٌ للمسلم والمؤمن لو كان يعلم، فالله تعالى يقول:
قارئ: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:184].
الشيخ: وهو سببٌ من أسباب التقوى.
قارئ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] .
الشيخ: و"لعل" في القرآن الكريم، وفي سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام واجبةٌ، إذا سمعت الله يقول: "لعلكم تتقون"، "لعلكم تُرحمون"؛ فالمقصود: أنكم تتقون وتُرحمون، ولا شكَّ أن هذا مُحقَّق؛ فالتقوى مُحقَّقةٌ لمن صام ابتغاء مرضاة الله تعالى، يرجو ثوابه، ويخشى عقابه.
الصيام جُنَّةٌ وحصنٌ من النار
الصيام جُنَّةٌ يَستجنُّ بها العبد من النار، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه: الصيام جُنةٌ يَستجنُّ بها العبد من النار[9]رواه أحمد: 14669، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 3292، وصحَّحه محققو "المسند".، والجُنَّة: هي الحجاب الحائل بينك -يا عبدالله- وبين النار. فالصيام يحول بينك وبين جهنم إن أخلصت في هذا الصيام لله تعالى، سواءٌ أكان فرضًا أو نفلًا، هذه الفضائل تعم الفرض والنفل.
وكذلك من هذه الفضائل التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام: أن الصيام جُنَّةٌ وحصنٌ حصينٌ من النار، أن تدخل حصنًا مُحصَّنًا وتغلق الأبواب، فكأنك دخلت هذا الحصن، وحصَّنت نفسك من النار، وحميت نفسك من عذاب الله تبارك وتعالى، سواءٌ أكان نفلًا أو فرضًا، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى.
الصيام جُنَّة عن الشهوات
الصيام جُنةٌ عن الشهوات، أي: حجابٌ عن الشهوات، يحجب بين العبد، ويحول بين العبد وبين الشهوات المُحرَّمة؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: يا معشر الشباب، مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج... -الباءة: النفقة، والمؤنة، والقدرة على كل الأحوال- مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج. ومَن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجاءٌ[10]رواه البخاري: 5065، ومسلم: 1400.، والوجاء: أي هو كأنه مخصي، كأنه قد رضت خصيتاه؛ فلا يستطيع أن يصل إلى الرغبة التي كان يستطيع أن يصل إليها، فهو له وجاءٌ أي: يحول بينه وبين الشهوات المُحرَّمة، ويُعينه على طاعة الله تعالى، وطاعة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
الصيام يُباعد عن النار
الصيام يُباعد الله تعالى النار عن وجه صاحبه باليوم الواحد سبعين خريفًا بينه وبين النار، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن صام يومًا في سبيل الله بَعَّدَ الله وجهه عن النار سبعين خريفًا[11]رواه البخاري: 2840، ومسلم: 1153.، أي: سبعين سنةً، يومًا صُمتَه في سبيل الله!
ومن أهل العلم، منهم القرطبي رحمه الله تعالى قال: يومًا في سبيل الله، أي: في طاعة الله تعالى، وطاعة النبي عليه الصلاة والسلام. ومن أهل العلم مَن فسَّر هذا بالطاعة، أي: في سبيل الله، في طاعة الله؛ لأن في الجهاد الأفضل أن يُفطر إذا كان يشقُّ عليه. لكن من أهل العلم مَن قال بأنه معنى ذلك في سبيل الله، أي: في طاعة الله تعالى.
الصيام لا مثل له في الأجر
وقد أوصى به النبي عليه الصلاة والسلام أبا أمامةَ ، فقال: عليك بالصوم؛ فإنه لا مِثْلَ له[12]سبق تخريجه.، لا مِثْلَ له في الأجر والثواب ورفعة الدرجات عند الله تعالى، والوقاية من نار جهنم، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى، فالصوم شأنه عظيم.
باب الريان الخاص بالصائمين
وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الصيام له بابٌ خاصٌ في الجنة، أبواب الجنة الثمانية فيها بابٌ يُقال له الريان، لا يدخل منه إلا الصائمون، ثم يُغلَق بعد ذلك، كما بيَّن النبي عليه والسلام: إنَّ في الجنة بابًا يُقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة[13]سبق تخريجه، وهذا من فضل الله تعالى على عباده، والصائمون سواءٌ أكانوا في رمضان أو في غير رمضان، الحديث عامٌّ، والله تعالى أعلم.
وكذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرةَ : مَن أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبدَالله، هذا خيرٌ... -هذا خيرٌ، أي: فتعالَ، يُنادى من أبواب الجنة- فمَن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومَن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومَن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، فقال أبو بكرٍ : "بأبي أنتَ وأمي يا رسول الله، ما هناك أحدٌ يُدعى من هذه الأبواب كلها؟" أو هل من ضرورة على أن يدخل الإنسان أو يدعى من هذه الأبواب؟ فبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن ذلك مُمكِنٌ، وقال: وأرجو أن تكون منهم[14]رواه البخاري: 1897، ومسلم: 1027.، أو قال: وأنت منهم. أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.
يعني: أبو بكرٍ يُدعى من جميع الأبواب، من باب الجهاد، ومن باب الصلاة، ومن باب الريان، ومن باب الصدقة؛ لأنه ساهم في هذه الأبواب.
الصيام من الخصال المُدخلة للجنة
فالصيام له شأنٌ عظيمٌ بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو من الخصال التي تُدخِل الجنة، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة : مَن أصبح اليوم منكم صائمًا؟ فقال أبو بكرٍ : "أنا". فقال : مَن تبع اليوم منكم جنازةً؟ فقال أبو بكرٍ : "أنا"، فقال عليه الصلاة والسلام: مَن أطعم اليوم منكم مسكينًا؟ فقال أبو بكرٍ : "أنا". قال : مَن عاد اليوم منكم مريضًا؟ فقال أبو بكرٍ : "أنا". فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما اجتمعت هذه الخصال قطُّ في امرئٍ إلا دخل الجنة[15]رواه ابن خزيمة: 2131، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 953.. وفي روايةٍ: ما اجتمعت في رجلٍ في يومٍ إلا دخل الجنة[16]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 515، والبزار: 2267، وصحَّحه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 515. وأصله في "صحيح مسلم" … Continue reading.
هذه الخصال العظيمة: زيارة المرضى، والصدقة على الفقراء والمساكين، واتباع الجنائز؛ هذه من الأمور التي تُدخل الإنسان الجنة، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
الصيام كفارةٌ للفتن والخطايا
وهو كفارةٌ لما يَحصُل من الإنسان من الأخطاء الواقعة، سواءٌ أكان من الفرائض أو النوافل؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصوم عليه الصلاة والسلام صيام التطوع كثيرًا، كان يصوم حتى يُقال لا يُفطر، ويُفطر حتى يُقال لا يُصوم[17]رواه أحمد: 21753، والطبراني في "المعجم الكبير": 5808، وحسَّنه الألباني في "الإرواء": 948.، والمعنى: أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا حصل له شيءٌ من الفراغ صام عليه الصلاة والسلام، وإذا انشغل بالجهاد وبأمور المسلمين أفطر حتى يُقال: لا يصوم عليه الصلاة والسلام.
لكنه كان يُكثر الصيام عليه الصلاة والسلام، يتحرى صيام الاثنين والخميس عليه الصلاة والسلام، وكان يصوم عليه الصلاة والسلام عاشوراء، وكان يصوم شعبان كما قالت عائشةُ رضي الله عنها: "كان يصومه كله إلا قليلًا"[18]رواه مسلم: 1156..
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه ما وصل شهرين مُتتابعين إلا شعبان ورمضان، أما قول عائشةَ رضي الله عنها: "كان يصومه إلا قليلًا"، هذا في الغالب، في الغالب أنه لا يصومه كله عليه الصلاة والسلام، يصومه إلا قليلًا، وفي القليل كان يصومه كاملًا، يصوم شعبان كاملًا، ثم يصوم بعده رمضان.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام حينما سُئل عن ذلك: هو شهرٌ تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأُحب أن يُرفع عملي وأنا صائم[19]رواه النسائي: 2357، وأحمد: 21753، وحسَّنه محققو "المسند". عليه الصلاة والسلام، هذا شعبان هو شهرٌ بين رجب ورمضان، وقال: يغفل عنه الناس غفلةً؛ فهو يحب ألا يكون من أهل الغفلة، عليه الصلاة والسلام.
وكذلك بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: فتنة الرجل في أهله وماله وجاره، تُكفِّرها الصلاة والصيام[20]رواه البخاري: 1895، ومسلم: 144.. إذن؛ هذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام بيَّن بأن الفتنة التي تحصل، ما يحصل من الأخطاء بينه وبين أهله، وما يحصل من أخطاء في ماله، وما يحصل من أخطاء بينه وبين ولده وجاره، تُكفِّرها الصلاة والصيام، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى.
أجر الصائم بغير حساب
الصائم يُوفَّى أجره بغير حساب، كما بين الله تبارك: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، فالصائم صابرٌ من الصابرين، صَبَرَ على طاعة الله، على الصيام، وصَبَرَ عن محارم الله التي حرَّم عليه أثناء الصيام، وصَبَرَ على أقدار الله المؤلمة من الجوع والعطش، فهو قد جمع بين أنواع الصبر؛ فهو يحصل على هذا الثواب العظيم.
للصائم فرحتان
الصائم له فرحتان: فرحة في الدنيا، وفرحة في الآخرة[21]رواه البخاري: 1904، ومسلم: 1151 بنحوه:
- فرحةٌ في الدنيا: يفرح بإفطاره في الطعام والشراب، وهذا مُباح. وأعظم من ذلك أن يفرح بأن الله تبارك وتعالى أعانه على هذا الصيام ويسَّر له هذا الصيام؛ حتى صام هذا اليوم الذي تُرفع به درجاته.
- وفرحةٌ في الآخرة: يفرح في الآخرة بصيامه؛ لأنه يحصل على الثواب العظيم الذي بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.
خلوف فم الصائم أطيب من ريح المسك
ومن فضائل الصيام: أن خلوف فم الصائم -الرائحة التي تخرج من فم الصائم- هي أطيب عند الله من ريح المسك[22]رواه البخاري: 5927، ومسلم: 1151.، لماذا؟ لأن هذه الرائحة الكريهة -إذا خلت المعدة من الطعام والشراب حصلت رائحة- هذه الرائحة عند الله تعالى أطيب من ريح المسك؛ لأنها نشأت عن طاعة الله تعالى؛ ابتغاء مرضاته، فهذه هي أفضل عند الله، وأطيب عند الله تعالى من ريح المسك.
شفاعة الصيام يوم القيامة
الصيام يشفع لصاحبه يوم القيامة، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربِّ منعتُه الطعام والشهوات بالنهار فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: منعتُه النوم بالليل فشفِّعني فيه؛ فيشفعان فيه[23]رواه أحمد: 6626، والحاكم: 2055، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 3882.، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.
فصيامك يشفع لك، سواءٌ أكان فرضًا أو كان من النوافل، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى على عباده.
الصيام يزيل وحر الصدر
الصيام يزيل الأحقاد والضغائن والحسد من القلوب، وهذا قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في مسند الإمام أحمد أنه قال صلوات الله وسلامه عليه في هذا الأمر العظيم الذي بيَّنه عليه الصلاة والسلام: صوم شهر الصبر، وثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، يُذهبنَ وَحَرَ الصدر[24]رواه أحمد: 23077، وابن أبي شيبة: 39396، وصحَّحه محققو "المسند".. وَحَرُ الصدر: هو الغلُّ والبغضاء والحسد في القلب؛ هذا يزيله بإذن الله تعالى.
إذا صام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، مع رمضان، هذا يحصل على الثواب العظيم، يحصل على صيام سنةٍ كاملةٍ؛ لأن صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ يعدل صيام السنة، والحسنة بعشر أمثالها. يصوم ثلاثة أيامٍ من الشهر، هذا في عشرةٍ، أي: الحسنة بعشر أمثالها؛ ثلاثين يومًا، وكذلك رمضان؛ فيحصل على هذا الثواب.
ويحصل على ثوابٍ آخرَ، وهو أنه يحصل على تطهير قلبه؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: صوم شهر الصبر، وثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، يُذهبنَ وَحَرَ الصدر[25]سبق تخريجه.، وهذا من فضل الله .
وينبغي لطالب العلم، بل ينبغي للعبد المسلم، ألا يفوِّت على أقل الأحوال -وهذا سُنةٌ وليس بواجبٍ- ألا يفوِّت على أقل الأحوال ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، مع رمضان، ويحصل على الثواب العظيم، إن لم يزد على ذلك مما شرعه الله تعالى، وشرعه النبي صلوات الله وسلامه عليه.
الغرف العاليات في الجنة
الغُرف العاليات لمَن حافظ على الصيام المشروع؛ ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إنَّ في الجنة غُرَفًا، تُرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها، أُعدَّتْ لمَن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلَّى بالليل والناس نيام[26]رواه الترمذي: 1984، وأحمد: 1338، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 2123..
- ألان الكلام أي: لا يتكلم بالكلام الفاحش، وإنما يتكلم بالكلام الذي يُحبه الله تعالى.
- وأطعم الطعام أي: يُطعم الفقراء والمساكين والأضياف وغير ذلك، هذا يدخل في إطعام الطعام.
- وأفشى السلام: يُسلِّم على مَن عَرَفَ ومَن لم يَعرِف، كثيرٌ من الناس لا يُسلِّمون إلا للمعرفة، أما الذي لا يعرفه فإنه لا يُسلِّم عليه، ينظر إليه ولا يقول: السلام عليكم ورحمة الله! وهذا من علامات الساعة: أن السلام يكون للمعرفة. والسلام هو إفشاؤه، وهو عبادةٌ لله تبارك وتعالى.
- وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام، هذا من أعمال أهل الغُرف التي تكون في أعلى درجات الجنة.
ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقول: إنَّ أهل الجنة ليتراءَوْن أهل الغرف من فوقهم، كما تَراءَوْن الكوكب الدُّرِّيَّ الغابر في الأُفق من المشرق أو المغرب -هم في الجنة لكن هناك غُرفٌ، يرون هذه الغرف كأنها نجومٌ في السماء وهم في الجنة- قالوا: "يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم". قال النبي عليه الصلاة والسلام في هذا: بلى، والذي نفسي بيده... -أو كما قال عليه الصلاة والسلام- رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقوا المُرسَلين[27]رواه البخاري: 3256، ومسلم: 2831.، هؤلاء أصحاب الغرف، من أعمالهم ما سمعتم، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى.
دعوة الصائم مستجابة
ومن فضائل الصيام: أن الإنسان له دعوةٌ مستجابةٌ عند فطره وأثناء صيامه، كما ثبت بذلكم الحديث، جاء في روايةٍ: أن الصائم له دعوةٌ لا تُردُّ حتى يُفطر[28]رواه الترمذي: 3598، وابن ماجه: 1752 بنحوه.، وجاء في روايةٍ أخرى: إنَّ للصائم عند فطره دعوةً ما تُردُّ [29]رواه ابن ماجه: 1753، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 3621.، ففضل الله واسعٌ؛ له دعوةٌ في أثناء صيامه مستجابةٌ، وله دعوةٌ عند إفطاره، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
أجر تفطير الصائم
وفضائل الصيام كثيرةٌ لا تُحصَر، ولكن هذا منها: أنَّ مَن فطَّر صائمًا فله مثلُ أجره من غير أن يَنقُص من أجر الصائم شيئًا[30]رواه الترمذي: 807، وابن ماجه: 1746، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6415.، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى.
فطَّرتَ مئةً من الناس ابتغاء مرضاة الله تعالى -ولو كانوا أغنياء- لك مثل أجورهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، وهذا من فضل الله تعالى على عباده .
فوائد الصيام
والصيام له فوائدُ ذكرها العلماء، ولها أدلةٌ، لكن من هذه الفوائد:
أولًا: وسيلة للتقوى
أولًا: يكون وسيلةً للتقوى، يوصل إلى التقوى، والتقوى: هي العمل بطاعة الله، على نورٍ من الله، يرجو ثواب الله؛ وترك معصية الله، على نورٍ من الله، يخشى عقاب الله. وهي: ترك المُحرَّمات، والقيام بالواجبات على الوجه الذي يُحبه رب الأرض والسماوات، هذه التقوى.
فهذا الصيام من الوسائل التي توصل لهذه التقوى، كما قال الله تعالى:
قارئ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].
ثانيًا: وسيلةٌ للشكر
الشيخ: ومن هذه الفوائد التي يستفيدها الصائم ويجنيها: الشكر، يشكر الله تعالى؛ لقوله: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185]، و"لعل" واجبةٌ؛ فمَن صام فإنه يشكر الله تعالى.
ومن أسباب ذلك -والعلم عند الله تعالى- قد ذكر بعض أهل العلم: أن الإنسان إذا أفطر وهو صائمٌ على الماء البارد في وقت الظمأ، فإنه يجد لذةً عظيمةً يشكر الله تعالى عليها، يعني: يجد النعمة العظيمة عند الإفطار، برد الماء بعد الظمأ، وكذلك الطعام بعد الجوع؛ فيشكر الله تعالى، يذكره فضل الله تعالى؛ يقول: الحمد لله.
أما إذا كان دائمًا شبعانَ، فإنه في الغالب ينسى أو يغفل عن هذا، لكن هذا من فضل الله تعالى، وهذا من فضائل الصيام.
ثالثًا: تطهير الطبع والنفس
يُطهِّر الطبع ويُطهِّر النفس، كما سمعتم في الحديث: يا معشر الشباب، مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجاءٌ[31]رواه البخاري: 5065، ومسلم: 1400..
رابعًا: ترقيق القلب
يُرقِّق القلب؛ فيتخلى، ويتحلى بالذكر لله تعالى، والفكر، يكون قلبه رقيقًا إذا كان صائمًا؛ لأن الصيام يكسر كبرياء النفس، ويذكِّر الإنسان برحمة الله تعالى، ويذكِّر بالفقراء والمساكين من هذه الناحية، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى.
خامسًا: تضييق مجاري الشيطان
وكذلك يُضيِّق مجاري الشيطان، الشيطان يجري من ابن آدمَ مجرى الدم؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لرجلين، قال: على رِسْلكما؛ فإنها صفيةُ بنت حُيَي، قالوا: سبحان الله يا رسول الله، قال : إنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم؛ فخشيتُ أن يقذف في قلوبكما شرًّا[32]رواه البخاري: 3281، ومسلم: 2175.، فهذا الصيام يُقلِّل هذه المجاري للشيطان.
سادسًا: يجمع أنواع الصبر
يجمع أنواع الصبر، هذا الصيام صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن محارم الله، وصبرٌ على أقدار الله المؤلمة، يصبر على الصيام، ويصبر عن محارم الله التي حُرِّمت عليه وقت الصيام، وهي المُفطرات، ويصبر على أقدار الله المؤلمة، وهي: الجوع، والعطش؛ فإنه يجد لذلك ألمًا.
سابعًا: تمييز العابد لهواه من العابد لمولاه
يتبيَّن بهذا الصيام مَن كان عابدًا لمولاه، ومن كان عابدًا لهواه. فإن العبد إذا كان صائمًا لله؛ فالله تعالى يتبيَّن له، وهو يعلم السر وأخفى، لا تخفى عليه خافيةٌ، لكن هذا يُظهر اختبارًا. فإن العبد المؤمن لو تقطع رقبته في الغالب -بعضهم عامة- ما يمكن أن يُفطر يومًا من رمضان؛ لأنه يعلم بأنه فريضةٌ، ولا يستطيع أن يفعل ذلك.
بينما لو كان الإنسان عابدًا لهواه، وغير مُتَّقٍ لله، وغير مُراقِبٍ لله تعالى؛ فإنه يستتر من الناس، ولا يستتر من الله، وهذا يستخفي من الله، ولا يستخفي من الناس، لماذا؟ لأنه عابدٌ لهواه، وليس عابدًا لمولاه، وهذا من الأمور التي تُميِّز الصائم.
ثامنًا: معرفة قدر نعمة الله
ومن الفوائد التي تُبيِّن أن الصيام له فضائلُ عظيمة كذلك: أن يعرف الغني قدر نعمة الله تعالى عليه؛ لأن الله أنعم عليه بالغنى؛ فيأكل ويشرب، بينما هناك من الناس الفقراء الذين لا يجدون الطعام، وخاصة في بعض البلدان غير هذه البلاد؛ فيجدون ألم العطش وألم الجوع.
فإذا صام ووجد الجوع، ذكر بأن هناك من الناس مَن يَحصُل له الفقر؛ فشكر الله تعالى على نعمه التي أنعم بها عليه.
تاسعًا: فوائد صحية للبدن
له فوائدُ صحيةٌ في البدن؛ لأن الإنسان يأتيه أمراضٌ بسبب الأطعمة؛ ولهذا ذكر شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى أن هناك بعض المؤتمرات اجتمع في هذا المؤتمر ستمئة طبيبٍ من الأطباء من أقطار العالم، وأجمعوا كلهم على أنَّ أكثر الأمراض في العالم هي من أنواع الأطعمة وأنواع الأشربة المختلفة.
هذا من أسباب الأمراض: كثرة الطعام، وكثرة الشراب، وتنوع هذه الأطعمة، والإكثار من ذلك، والشبع من ذلك؛ هذا يُسبب أمراضًا؛ ولهذا فإن الله تبارك وتعالى جعل في الصيام أنه يحمي الإنسان، ويكون له حِميةً في بعض الأيام، أو في شهر رمضان؛ فيحصل على هذا الثواب العظيم، وعلى هذا الفضل العظيم بالنسبة لهذه الفضائل.
خصائص شهر رمضان
أما شهر رمضان، فله خصائصُ تَخصُّه غير الصيام، منها:
نزول القرآن في رمضان
أنَّ الله تعالى أنزل فيه القرآن، القرآن نزل في شهر رمضانَ، كما قال الله تعالى:
قارئ: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185].
الشيخ: هذا أنزل الله تعالى فيه القرآن، وثبت في الحديث أن الكتب السماوية كذلك أُنزلت في رمضان، وهذا يدل على فضل هذا الشهر، وأن الله تعالى أنعم على عباده بهذا الشهر؛ فهو نعمةٌ عظيمةٌ، نعمةٌ كبرى من الله تعالى على عباده المؤمنين.
تُفتح فيه أبواب الجنة والرحمة وتُغلق أبواب النار
هذا الشهر العظيم تُفتح فيه أبواب الجنة، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام هذا: إذا دخل رمضان فُتحت أبواب الجنة فلم يُغلَق منها بابٌ، وأُغلقت أبواب النار فلم يُفتح منها بابٌ، وصُفِّدَتِ الشياطين[33]رواه الترمذي: 682، وابن ماجه: 1642، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 759. وأصله في "الصحيحين" باختلاف يسير؛ … Continue reading.
صُفِّدتْ: سُجنت، رُبطت. ومردة الجن، هذا من فضل الله تعالى.
كذلك في هذا الشهر تُفتح فيه أبواب الرحمة، في روايةٍ: أبواب الرحمة[34]رواه مسلم: 1079.، في روايةٍ أخرى: أبواب الجنة[35]رواه البخاري: 3277، ومسلم: 1079.، وفي روايةٍ أخرى: أبواب السماء[36]رواه البخاري: 1899، ومسلم: 601.، وهذه كلها في "البخاري" و"مسلم"، وهذا من فضل الله تعالى؛ تُفتح فيه أبواب الجنة، وتُفتح فيه أبواب السماء؛ فيُجاب الدعاء، وتُفتح فيه أبواب الرحمة، وهذا من فضل الله تعالى في هذا الشهر العظيم أنه شرعه لعباده؛ فهو المُحسِن، أحسن إلى عباده، وهو صاحب الفضل والجود والكرم.
تُصفَّد فيه الشياطين
تُصفَّد فيه الشياطين كما تقدَّم؛ فلا تستطيع أن تصل إلى ما كانت تصل إليه، ولكن هناك من الناس مَن يعمل بعض الأعمال التي لم يشرعها الله تعالى، والتي حرَّمها الله تعالى في رمضان، فما السبب؟ قيل: بأن هذا يرجع إلى أن ليس الشيطان هو سبب المعاصي وحده، وأن هناك أعداءً غير الشيطان؛ النفس الخبيثة، والعادة القبيحة، إذا تعوَّد على شيءٍ لا يستطيع أن يتركه؛ لأنه تعوَّد عليه. ونفسه بين جنبيه هي عدوه، من الأعداء، وربما تكون أعدى من الشيطان في بعض الأحوال، نسأل الله العافية، وكذلك شياطين الإنس، فإن من الإنس شياطين.
فالشياطين تُصفَّد، ولا تصل إلى ما تصل إليه بغير رمضان، ولكن هناك من أسباب المعاصي -كما سمعتم- النفس، والعادة القبيحة، وكذلك شياطين الإنس.
نداء الخير والشر
ومن هذه الفضائل التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام، أنه: يُنادي منادٍ إذا دخل رمضان: يا باغي الخير، أقبل، ويا باغي الشر، أقصر[37]رواه الترمذي: 682، وابن ماجه: 1642، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 759.، ينادي منادٍ إذا دخل رمضان بهذا النداء، فالذي يُريد الشر ويبغي الشر، فعليه أن يُقصِر بهذا الشهر، ويا باغي الخير: صاحب الخير وصاحب الرغبة في الخير، عليه أن يُقبِل.
لله فيه عتقاء من النار كل ليلة
ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: لله في كل ليلةٍ عتقاءُ من النار[38]رواه الترمذي: 682، وابن ماجه: 1642، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 759.، كل ليلةٍ يعتق الله تعالى من النار عُتقاء.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من عتقائه من النار ووالدينا ووالديكم، وجميع المسلمين، المؤمنين الصادقين المخلصين؛ إنه على كل شيءٍ قدير.
عُتقاء يعتقهم الله تعالى من النار، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى على عباده.
فيه ليلة القدر
لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ -أي: في رمضان- من حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ الخير كله[39]رواه ابن ماجه: 1644، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1000.، وهي ليلة القدر، حرمها نفسه بسبب ذنوبه، وبسبب نفسه، وبسبب عدم توفيق الله له ؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول:
قارئ: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5].
الشيخ: فمَن حُرِمَ هذه الليلة وفضل هذه الليلة التي العمل فيها خيرٌ من ألف شهرٍ، كما قال الله تعالى:
قارئ: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر:1- 5].
الشيخ: وألف شهرٍ هي أكثر من ثلاثٍ وثمانين سنةً، هذا عمرٌ طويلٌ، فكونه يعبد الله تعالى في ليلةٍ واحدةٍ تكون هذه الليلة أفضل من هذه الأيام، من ثلاثٍ وثمانينَ وأربعةِ أشهرٍ؛ هذا يدل على فضل ليلة القدر، وأن مَن حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ الخير كله، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام[40]سبق تخريجه..
وهذا من فضل الله تبارك وتعالى؛ أن أعمار العباد قليلةٌ، إنْ مَدَّ الله في عمره إلى الستين إلى السبعين، وقليلٌ مَن يجوز ذلك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: أعمار أُمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم مَن يجوز ذلك[41]رواه الترمذي: 3550، وابن ماجه: 4236، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1073.. انظر إلى مَن يتجاوز السبعين في القبائل، وفي الناس، في جماعتك، هل الذي تجاوز السبعين قليلٌ أم كثير؟ تجدهم قليلًا، وقليلٌ مَن يجوز ذلك.
فأنعم الله تعالى على عباده بهذه الليلة في كل سنةٍ، في كل رمضان، أكثر من ثمانين سنةً في العبادة وفي الفضل؛ فهذا من فضل الله تعالى على عباده. فينبغي للمسلم، بل يجب عليه، أن يشكر الله تعالى على هذا الفضل العظيم الذي تفضَّل به على عباده.
تُجاب فيه الدعوات
تُجاب فيه الدعوات، في هذا الشهر تُجاب الدعوات؛ لأنه تبارك وتعالى ذكر هذه الآية بين أحكام الصيام، في آيات الصيام ذكر هذه الآية.
قارئ: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].
الشيخ: فالدعوات في رمضان مُستجابةٌ من العبد المُقبِل على الله تعالى الصادق الراغب في الخير، تُستجاب الدعوات فيه، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.
شهر الذكر والشكر والصبر
شهر الذكر والشكر: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185]؛ فهو للذكر والشكر في هذا الشهر، وهذا من فضائله العظيمة التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام.
شهر الصبر كما سمعتم في الحديث: صيام شهر الصبر، وثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، يُذهبنَ وَحَرَ الصدر[42]رواه أحمد: 23077، وابن أبي شيبة: 39396، وصحَّحه محققو "المسند"..
صيام رمضان يُكفر الخطايا
صيام رمضان يُكفِّر الخطايا، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام بقوله في رمضان: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مُكفِّراتٌ ما بينهن ما اجتُنبت الكبائر[43]رواه مسلم: 233.، إذا اجتنبت الكبائر فهذه الأمور تُكفِّر السيئات، صيام رمضان يُكفِّر الذنوب الصغائر، أما الكبائر فتحتاج إلى توبةٍ؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول:
قارئ: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31].
الشيخ: وقال في هذا الحديث: الصلوات الخمس، والجمعة للجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مُكفِّرات ما بينهن ما اجتُنبت الكبائر، أي: إذا اجتُنبت الكبائر، فقيَّد بالكبائر. فإذا كانت عنده كبيرةٌ: قتل -والعياذ بالله- قتل نفسًا بغير حقٍّ، أو عنده زنا، أو عنده خمرٌ، أو عنده عقوق والدين، أو عنده إسبالٌ في الثياب، أو عنده غيبةٌ -نسأل الله العفو والعافية، فلا ينجو منها إلا من أنجاه الله تبارك وتعالى؛ فإنها مصيبةٌ عظيمةٌ عند كثير من الناس، لا ينجو منها إلا من عصمه الله تعالى- أو عنده نميمةٌ -ينقل الكلام بين الناس-؛ فهذه من الكبائر.
والكبيرة عند أهل العلم قالوا: بأنها كل ذنبٍ فيه حدٌّ في الدنيا، أو توعُّدٌ عليه بالعذاب في الآخرة؛ هذه الكبيرة من الكبائر.
إذن؛ الكبائر لا تُكفَّر إلا بالتوبة، لا تُكفَّر لا بحجٍّ ولا بصومٍ، إلا بالتوبة، لا بُدَّ من التوبة والإقلاع والندم والعزيمة على ألا يعود؛ فتُكفَّر هذه الكبائر.
أما الصغائر، فإنها تُكفَّر بالصيام، والصلاة، والصدقة كما تبيَّن. لكن مَن كانت عنده كبيرةٌ وصام رمضان، وعنده كبائر وحَجَّ؛ فعمله لا يكون باطلًا. الصغائر تبقى عليه، والكبائر تبقى على الصحيح، وأعماله مقبولةٌ.
وهناك الموازنة في الموازين: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88- 89]؛ لأنه لا يُكفَّر عند أهل السُّنَّة والجماعة مَن عمل كبيرةً، لكنه في هذه الحالة يكون عاصيًا مجرمًا يستحق العذاب في الآخرة، وهو تحت مشيئة الله تعالى: إن شاء عفا عنه يوم القيامة، وإن شاء عذَّبه في النار مدة لا يعلمها إلا هو، كم؟ مليون سنة؟ مئة سنة؟ الله تعالى أعلم، هذه أمورٌ غيبيةٌ.
ثم يُخرجه من النار إذا كان من المسلمين، ولم يأتِ بناقضٍ من نواقض الإسلام، ولم يستحلَّ شيئًا حرَّمه الله تعالى؛ كأن يستحل الخمر، أو قتل الأنفس بغير حقٍّ، أو يستحلَّ الزنا -والعياذ بالله- أو يستحل يقول: إسبال الثياب هذا يجوز، هذا ما هو صحيحٌ، إنه كبيرةٌ من كبائر الذنوب؛ لأن إسبال الثياب في الحقيقة كبيرةٌ؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم، ولا يزكِّيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ...، ذكر منهم: المُسبِل إزارَه[44]رواه مسلم: 106.. إذن هذا في وعيد الآخرة، إذن هو كبيرة.
بعض الناس يقول: بأن هذا -وإن كان الكلام لمعترضٍ- لا يكون إلا للمُتكبر، وهذا ليس بصحيحٍ، يكون المتكبر ارتكب كبيرةً ثانيةً، فالمُسبِل الإسبال في نفسه هو مَخيلةٌ، ولكن لو أسبل ولم يتكبَّر فهو قد ارتكب كبيرةً وهي كبيرة الإسبال، وإذا تكبَّر ارتكب كبيرةً ثانيةً مع كبيرة الإسبال، وهي كبيرة التكبر. فبعض الناس يحتج ويقول: بأن مَن أسبل وهو ليس بمتكبرٍ لا حرج، وهذا خطأٌ واضحٌ ولا ينبغي. هذا من باب البيان بأن الكبائر لا تُكفَّر إلا بالتوبة، والرجوع إلى الله تعالى، والتوبة بشروطها.
مغفرة الذنوب لمَن صامه إيمانًا واحتسابًا
كذلك الصيام الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام تُغفَر به الذنوب؛ بقوله عليه الصلاة والسلام: مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه[45]رواه البخاري: 38، ومسلم: 760..
- مَن صام رمضان إيمانًا، أي: إيمانًا بأن الله تعالى، فرضه على عباده، وأنه شرع لعباده ، وجعله ركنًا من أركان الإسلام إيمانًا بذلك.
- واحتسابًا، أي: يرغب في الثواب، صام رغبةً فيما عند الله وفي ثوابه؛ ما صام مُتابعةً للناس، ولا عادةً تعود عليها من الصغر فلا ينظر إلى الثواب، ولا يحب أن يحصل على الثواب يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، إنما مُتابعةً إذا قال: مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه، وهذا من فضل الله .
دعاء جبريل على مَن أدرك رمضان ولم يُغفر له
كذلك الصيام من الأمور العظيمة التي إذا أدركها الإنسان -أدرك الشهر- ولم يُغفَر له؛ فهذا قد دعا عليه جبريل، وأمَّن النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك.
فقد جاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام ورقَى المنبر فقال : آمين، آمين، آمين، فسألوه، فقال: إنه أتاني جبريل فقال: يا محمد، مَن أدرك والديه أو أحدهما فلم يُغفَر له أبعده الله... -أي: أبعده الله من رحمته- قُل: آمين؛ فقلتُ: آمين -هذا دعاءٌ من جبريل سيد الملائكة أجمعين يدعو، وسيد البشر محمد بن عبدالله يُؤمِّن، بل سيد الجن والإنس يُؤمِّن- من أدرك والديه أو أحدهما فلم يُغفَر له فأبعده الله. قُل: آمين، فقلتُ: آمين. قال: مَن ذُكِرْتُ عنده فلم يُصَلِّ عليك فأبعده الله. قُل: آمين، فقلتُ: آمين... -اللهم صلِّ وسلِّم عليه، اللهم صلِّ وسلِّم عليه- قال: مَن أدرك رمضان، ولم يُغفَر له فأبعده الله. قُل: آمين، فقلتُ: آمين[46]رواه ابن حبان: 907، والحاكم: 7484، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 75.، هذا أمرٌ عظيم!
فإذا أدرك رمضان ولم يُغفَر له دلَّ على خُبثه، ودلَّ على طويةٍ في قلبه، وفي نفسه خصلةٌ خبيثةٌ، ولم يُغفَر له؛ لأنه لم يقم بما أوجب الله تعالى عليه، ولم يرغب فيما عند الله تعالى من الفضل، ولم يقم بما أوجب الله عليه في هذا الصيام، فحينئذٍ متى يتوب؟! متى يُغفَر له إن لم يُغفَر له في رمضان؟! هذا أمرٌ عظيمٌ ينبغي للمسلم أن يعلم هذا.
إدراك رمضان يرفع الدرجات
إدراك رمضان تُرفَع به الدرجات عند الله تعالى؛ فقد ثبت أنَّ رجلين أسلما من بَلِيٍّ في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فأما أحدهما فمات شهيدًا في سبيل الله، وأما الآخر تأخَّر بعده سنةً ثم مات. فرأى طلحةُ أبوابَ الجنة، ورأى الذي مات مؤخرًا ولم يمت في سبيل الله دخل قبل الذي قُتل في سبيل الله، دُعي بالمتأخر فدخل الجنة، ثم دُعي بالذي قُتل في سبيل الله فدخل الجنة، وقال الداعي لطلحةَ : أما أنت فليس الآن -يعني: أنت باقٍ، يعني: باقٍ حيٌّ- قال: فرجعه، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام فقال: أليس قد مكثَ هذا بعده سنةً؟ وصلَّى كذا وكذا من سجدةٍ في السنة، وأدرك رمضان فصام؛ فما بينهما أبعد ما بين السماء والأرض[47]رواه ابن ماجه: 3925، وأحمد: 1403، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1316.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
هذا يدل على أنه أدرك رمضان، وأن إدراك رمضان نعمةٌ عظيمةٌ. أسأل الله، بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا، أن يُبلِّغني وإياكم رمضان؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وأن يتقبل منا، إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وأن يستعملنا في طاعته .
إدراك رمضان نعمةٌ، كثيرٌ من الناس قبل رمضان بيومٍ أو يومين، أو في أول رمضان يأتي حادث جلطةٍ دمويةٍ، سقطةٍ قلبيةٍ، حادث موتٍ فجأةً، ولا يدرك هذا الشهر، كم من الناس؟ فعليك أن تُحسِن نيتك من الآن، أن تصوم رمضان إيمانًا واحتسابًا.
وتسأل الله تعالى أن يُبلِّغك رمضان؛ فإنه نعمةٌ عظيمةٌ لمَن أدركه. أسأل الله تعالى أن يُبلِّغني وإياكم هذا الشهر العظيم؛ إنه على كل شيءٍ قدير.
عمرة في رمضان كحجة مع النبي
من فضائل هذا الشهر: أن عُمرةً في رمضان كحجةٍ مع النبي عليه الصلاة والسلام، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام: عُمرةٌ في رمضان تقضي حجةً معي[48]رواه البخاري: 1863، ومسلم: 1256.، وفي "مسلم" وفي غيره. هذا يدل على فضل هذا الشهر: أن مَن اعتمر في رمضان كحجةٍ مع النبي عليه الصلاة والسلام.
صيام رمضان من صفات الصديقين والشهداء
كذلك من هذه الفضائل: أن مَن صام هذا الشهر يكون من الصدِّيقين؛ فقد قال رجلٌ: "يا رسول الله، أرأيت إن شهدتُ أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليتُ الصلوات الخمس، وأديتُ الزكاة، وصُمتُ رمضان؛ فممن أنا؟" قال : من الصدِّيقين والشهداء[49]رواه ابن خزيمة: 2212، وابن حبان: 3438، وصحَّحه الألباني في صحيح "الترغيب والترهيب": 361.، هذا من فضل الله، إذا حافظتَ على الصلوات الخمس، وقمتَ بالزكاة، وقمتَ بما أوجب الله عليك، وصُمتَ رمضان، وابتعدتَ عن جميع المُحرَّمات فأنت من الصديِّقين والشهداء الذين قال الله فيهم:
قارئ: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69].
الشيخ: يكون مع هؤلاء، ويدخل الجنة كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه جاء إليه رجلٌ قال: "يا رسول الله، أرأيتَ إن صليتُ المكتوبات، وصُمتُ رمضان، وأحللتُ الحلال، وحرَّمتُ الحرام؛ أأدخل الجنة؟" فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم[50]رواه مسلم: 15.، اللهم صلِّ وسلِّم عليه.
صلاة التروايح
قيام رمضان هذا من السُّنن؛ فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه[51]رواه البخاري: 37، ومسلم: 760.، مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه[52]رواه البخاري: 38، ومسلم: 760..
من قام رمضان، أي: صلاة التراويح. وقيام رمضان: هو صلاة التراويح، وهي سُنَّة ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام، حثَّ عليها، وصلَّاها عليه الصلاة والسلام، صلَّى ثلاث ليالٍ أو أربعًا، ثم اعتزل الناس ولم يخرج عليهم؛ خوفًا من أن يُفرض القيام على أُمته عليه الصلاة والسلام، فبقي سُنَّةً. مَن حافظ على هذه الصلاة فإنه يُغفر له كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
كذلك من هذه الصلوات التراويح، والسُّنة فيها أن يُصليها كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يُصلي، والمشروع أن يُصلي ثنتين ثنتين، ويوتر بواحدةٍ. فإن صلى إحدى عشرة فهو أفضل، وإن صلَّى ثلاثًا وعشرين فلا بأس، ولكن إن اقتصر على إحدى عشرة ركعةً كان هو الأفضل، وحافظ عليها مع الإمام؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: مَن قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة[53]رواه أبو داود: 1375، والترمذي: 806 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1615.، يُكتب له قيام ليلةٍ كاملةٍ، إذا لازم الإمام حتى يُسلم من صلاة التراويح، فإنه يَحصُل على هذا الثواب العظيم.
فينبغي للمسلم ألا يفوِّت هذه الصلاة العظيمة التي بيَّنها النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا فضل من الله تبارك وتعالى على عباده.
وكذلك صلاة التراويح ينبغي للمسلم ألا يستهين بهذه الصلاة، كثيرٌ من الناس لا يُعنَى بها، ولكنها سُنَّةٌ وليست بفريضةٍ، لكن يفوته الفضل الذى قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه.
مضاعفة الجود والكرم
كذلك مضاعفة الجود في رمضان والكرم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام أكرم الناس، وكان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، كان أجود بالخير من الريح المرسلة[54]رواه البخاري: 1902، ومسلم: 2308.، أجود به عليه الصلاة والسلام حينما يلقاه جبريل، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى على عباده.
شهر الانتصار
وهذا الشهر العظيم رمضان شهر الانتصار للمسلمين في بدرٍ، وفي فتح مكة، وهذه من الفضائل العظيمة، والمسلمون نُصروا في رمضان في الجهاد في عهد النبي صلوات الله وسلامه عليه.
شهر مُدارسة القرآن
شهر رمضان هو شهر مُدارسة القرآن؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعرض على جبريل القرآن في رمضان كل سنةٍ مرةً، إلا في السنة التي مات فيها صلوات الله وسلامه عليه فعرضه مرتين[55]رواه البخاري: 4998، ومسلم: 2450 بنحوه.، وهذا يدل على أنَّ الله تبارك وتعالى وفَّقه للعمل الصالح الذي في آخر حياته مُضاعفًا، فكان هذا من باب حسن الختام؛ بأنه عليه الصلاة والسلام عرض القرآن على جبريل مرتين، واعتكف في العام الذي مات فيه عليه الصلاة والسلام عشرين يومًا، صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا يدل على أن الله تعالى أخبره -والله تعالى أعلم- وهذا توفيقٌ من الله تعالى له صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يدلنا على أن المسلم ينبغي له أن يُعنَى بالقرآن، ويُعنَى بمُدارسة القرآن في رمضان، ويقرأ القرآن في رمضان، وفي غير رمضان، لكن رمضان له ميزةٌ؛ لأن الله تعالى أنزله في رمضان، فينبغي أن يُعنَى بهذا القرآن العظيم في رمضان؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: مَن قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، لا أقول الم حرف، ولكن ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ[56]رواه الترمذي: 2910، والبيهقي في "شُعب الإيمان"، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6469.، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى على عباده.
وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: أيُّكم يحب أن يغدو كل يومٍ إلى بُطْحانَ، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين، في غير إثمٍ ولا قطيعة رحمٍ؟ قالوا: نحب ذلك يا رسول الله، قال: أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد، فيقرأ آيتين، أو يعلم آيتين، خيرٌ له من ناقتين، وثلاثُ خيرٌ له من ثلاثٍ، وأربعٌ خيرٌ له من أربعٍ، ومن أعدادهن من الإبل[57]رواه مسلم: 803.، هذا يدل على فضل الله تعالى على عباده.
فالمسلم عليه أن يُعنَى بهذا القرآن الكريم، ولأن الله تعالى أنزله في رمضان، فالذي يدخل عليه رمضان، وهو يُحسِن قراءة القرآن، ويستطيع أن يقرأ القرآن، ولم يختم القرآن؛ هذا ينبغي له أن يبكي على نفسه!
ينبغي إذا مَدَّ الله تعالى لك في هذا الخير، وأعطاك القراءة، أن تقرأ القرآن، وتختم على الأقل ولو ختمةً واحدةً؛ حتى تحصل على الثواب الذي بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ركنٌ من أركان الإسلام
صيام شهر رمضان رُكنٌ من أركان الإسلام، كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: بُني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت[58]رواه البخاري: 8، ومسلم: 16.، هذا ركنٌ، مَن ترك الصيام في رمضان فإنه قد هدم ركنًا من أركان الإسلام، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
شهر الاعتكاف
شهر رمضان شهر الاعتكاف ولزوم المساجد؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعتكف في العشر الأواخر. والاعتكاف هو: لزوم المساجد لطاعة الله تعالى. واعتكف أزواجه من بعده صلوات الله وسلامه عليه. كان يعتكف حتى توفاه الله، واعتكف أزواجه من بعده، هذا سُنَّةٌ، فمَن استطاع فالحمد لله، ومَن لم يستطع فلا حرج.
ولزوم المسجد في العشر الأواخر في رمضان؛ حتى يتفرغ بهذا لعبادة الله تعالى، وطلبًا لليلة القدر حتى يحصل على الثواب الذي بيَّنه الله تعالى لهذا في هذا الشهر العظيم، ولا شكَّ أن هذا من السُّنن.
شهر الاجتهاد في العبادة
شهر رمضان شهر الاجتهاد في عبادة الله تعالى، يجتهد العبد في عبادة الله؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام كما قالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره"[59]رواه مسلم: 1175، صلوات الله وسلامه عليه. وهذا من فضل الله تعالى على عباده أن يسَّر لهم، وشرع لهم هذا الصيام العظيم الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام.
عقوبة من أفطر فيه بغير عذر
هذا الصيام، مَن أفطر شهر رمضان بغير عذرٍ فإنه يَحصُل على العذاب العظيم، وعلى المصيبة العظيمة التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام: أنه سمع عواء أهل النار يعوون، ومن بينهم: مَن ترك شهر رمضان ولم يَصُمْه، نسأل الله العفو والعافية.
فإفطار رمضان بغير عذرٍ من أعظم الجرائم والموبقات والمهلكات، نسأل الله العفو والعافية؛ فقد سمع النبي عواء أهل النار، ثم رأى قومًا مُعلَّقين بعراقيبهم، مُشقَّقةً أشداقهم تسيل دمًا قال: قلتُ: مَن هؤلاء؟ قال: الذين يُفطِرون قبل تَحِلَّةِ صومهم[60]رواه ابن حبان: 7491، والحاكم: 2871، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 7448.، رواه الحاكم، وصحَّحه الألباني رحمه الله تعالى.
فالمسلم عليه أن يُعنَى بهذا الشهر العظيم، وخاصةً الشباب عليهم أن يُعنَوْا بذلك؛ فإن الشيطان حريصٌ على هذا.
أحكام الصيام
أما الأحكام التي ينبغي للمسلم أن يعلمها.
فرضية صيام رمضان
فأولًا: صيام رمضان ركنٌ من أركان الإسلام، ينبغي للمسلم أن يعلم بأنه فريضةٌ، فرضها الله تعالى في كتابه بقوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ...، كُتِبَ: فُرِضَ. كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ[البقرة:138]، وفرضها رسوله عليه الصلاة والسلام بقوله: بُني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت[61]رواه البخاري: 8، ومسلم: 16..
وأجمع المسلمون قاطبةً على أن الله تعالى فرض على عباده فرضًا مُؤكَّدًا صيام شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن.
إذن؛ هو فريضةٌ، وركنٌ من أركان الإسلام، مَن هدمه فقد هدم ركنًا من أركان الإسلام، والعياذ بالله. ومَن قال بأنه لا يجب فقد كفر بالله رب العالمين، ويُحشَر يوم القيامة مع الكافرين؛ لأنه أتى بناقضٍ من نواقض الإسلام.
مراحل فرض الصيام
والصيام فُرِضَ في الأول -وهذا من باب الفائدة- على ثلاثة أنواعٍ، أو ثلاث درجاتٍ، أولًا: فرضه الله تعالى من باب التخيير: مَن أراد أن يُطعم مسكينًا عن كل يومٍ فله ذلك، ومَن أراد أن يصوم فهو خيرٌ له، كما قال الله تبارك وتعالى في ذلك:
قارئ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:183- 184].
الشيخ: هذا يدل على أنَّ الصيام كان مَن شاء أن يُطعم ومن شاء أن يصوم، ثم فرض الله تعالى صيام رمضان فرضًا مُؤكَّدًا على عباده.
قارئ: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185].
الشيخ: لكن هذه الدرجة الثانية، الفرض الثاني: إذا نام قبل أن يُفطِر فإنه يواصل الصيام إلى غروب يوم الشمس الثاني، وهذا فيه مشقَّةٌ عظيمةٌ، ثم خفَّف الله تعالى على عباده، فجعل الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
قارئ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187].
الشيخ: إذن؛ هذا يدل على أنَّ الله خفَّف على عباده؛ ففرض صيام شهر رمضان من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، والحمد لله على تيسيره على عباده.
شروط وجوب الصيام
الإسلام
صيام رمضان يجب على المسلم، أما الكافر فإنه يجب عليه، لكنه لا يُقبَل منه حتى يُسلِم؛ لأن الكافر لا تُقبَل منه العبادة، ويُحاسَب عليه يوم القيامة، يُحاسَب على الصيام، ويُحاسَب على الصلاة، ويُعاقَب على شرائع الإسلام، لكن لو عمل شيئًا منها لا يُقبَل منه حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله عليه الصلاة والسلام.
البلوغ
الأمر الثاني من شروط وجوب الصيام: البلوغ؛ فلا يجب على غير البالغ. والبالغ: هو الذي بلغ خمسة عشر عامًا، أو أنزل بالاحتلام، أو بغيره، أو أنبت الشعرة المعروفة، الشعر الخشن. هذه ثلاثة أمورٍ يَبلُغ بها الإنسان، أي واحدة تأتي قبل فقد بلغ، بلغ خمسة عشر عامًا فإنه يجب عليه الصيام؛ لأنه قد بلغ، أنبت الشعر الخشن حول القُبل فإنه قد بلغ، أنزل باحتلامٍ أو بغيره فإنه قد بلغ. وتزيد المرأة بأمرٍ رابعٍ، وهو: الحيض؛ فإذا حاضت فإنها قد بلغت.
لكن الأفضل للمسلم أن يُعوِّد الأطفال على الصيام كما كان الصحابة يفعلون، كانوا يُصوِّمون صبيانهم حتى أنهم يُعطونهم اللعب من العهن من الصوف في المسجد إذا بكوا. فإن هذا يدل على تدريب الولد من الصغر من السنة السابعة إذا ميَّز، يُدرَّب على الصيام، ويُعطَى الجوائز، ويُشجَّع حتى أولًا: يُكتَب له هذا الصيام في موازين حسناته، وكذلك في موازين حسنات والده؛ لأنه أعانه على الخير.
وكذلك إذا بلغ فإنه يكون قد تدرَّب على الصيام فلا يُفكِّر في الإفطار، ويُشجَّع الصغار، ويُعطَوْن الجوائز، ويُشكَرُون على هذا، وهذا فعله الصحابة ، لكنه لا يجب وجوبًا عليه، وإنما يُشرَع لولي أمره أن يُعوِّده على ذلك، وأن يُدرِّبه على ذلك، وأن يُشجِّعه على ذلك؛ حتى يحصل الثواب العظيم للجميع.
العقل
من شروط الصيام التي يجب بها: العقل؛ فلا يجب على المجنون والمعتوه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: رُفع القلم عن ثلاثةٍ: الصغير حتى يبلغ، والمجنون حتى يعقل...[62]رواه أبو داود: 4403، والنسائي: 3432، وابن ماجه: 2041، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3210.، هذا من فضل الله تبارك وتعالى أن المجنون لا يجب عليه الصيام.
القدرة
وكذلك القدرة: أن يكون قادرًا، فإن غير القادر على نوعين: إما أن يكون مريضًا مرضًا مزمنًا لا يُرجى برؤه؛ فإن هذا لا يجب عليه الصيام، وإنما يُطعِم عن كل يومٍ مسكينًا، عنده مرضٌ -نسأل الله لنا ولكم العافية- ولكن هذا المرض مُزمنٌ، لا يُرجى برؤه، يقول الطبيب: بأنه لا يمكن أن يبرأ؛ فهذا يُطعِم عن كل يومٍ مسكينًا، ويدخل معه الشيخ الهرم والعجوز الكبيرة التي لا تستطيع الصيام، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، يُطعِم عن كل يومٍ مسكينًا.
أما إذا كان المرض يُرجى برؤه، يُقال: بأنه يُشفى إن شاء الله بعد سنةٍ، أو بعد سنتين، من الأمراض غير المزمنة؛ فإنه يُؤخِّر هذا الصيام حتى يستطيع أن يصوم.
والمرض الذي يُرجى برؤه، أن يضره، يكون هذا المرض، إذا مرض فإنه يضره ويشقُّ عليه؛ فهذا يجب عليه الإفطار، إذا كان يضره ويشقُّ عليه.
أما إذا كان هذا الصيام لا يضره، ولكن عليه مشقةٌ عظيمةٌ، فإنه كذلك يُفطِر.
أما إذا كان هذا المرض لا يضره، ولا يشقُّ عليه، كأن يكون عنده زكامٌ، عنده ألمٌ في السن، عنده صداعٌ، وهذا المرض لا يضره، ولا يشقُّ عليه؛ فلا يجوز له أن يُفطِر.
إذن؛ المريض الذي يشقُّ عليه المرض أو يضره، فإنه يُفطر. أما الذي لا يضره مرضٌ ولا يشقُّ عليه، فإنه لا يُفطِر.
الإقامة
كذلك الإقامة: لا يجب الصيام على المسافر، لكنه يقضيه كما قال الله تبارك وتعالى في الآية:
قارئ: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].
الشيخ: فإذا كان مسافرًا فلا يجب عليه الصيام، ولكن يجب عليه قضاؤه، وهذا من الأمور المعلومة.
الخلو من الموانع
الخلو من الموانع، والموانع للنساء خاصة: كالحيض والنفاس؛ فإنه لا يجوز للمرأة أن تصوم وهي حائضٌ، ولا وهي نُفساءُ، لكن عليها أن تقضي بعد رمضان، هذا من الأمور التي ينبغي للمسلم أن يعلمها.
ثبوت دخول الشهر
كذلك يَثبُت دخول الشهر بأمرين: إما بمشاهدة الهلال، وإما بإكمال شعبان ثلاثين يومًا، وهذا الحمد لله مُتيسرٌ عندنا، يُذاع من المجلس الأعلى للقضاء في هذه البلاد، يُدعى بأن الشهر دخل، أو يُذاع بأنه يكمل شعبان ثلاثين يومًا إن لم يروا الهلال، وهذا من فضل الله تعالى مُتيسرٌ.
أركان الصيام
أركان الصيام، فالصيام له ركنان يقوم عليهما.
النية
الركن الأول: النية، من الليل، ينوي من أول رمضان بأنه يصوم رمضان، ثم ينوي كل يومٍ من بداية قبل السحر بأنه يصوم هذا اليوم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الحديث الصحيح: لا صيام لمَن لم يُبيِّت الصيام من الليل[63]رواه النسائي: 2334، وابن ماجه: 1700، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6535..
ولكن النية أمرها سهلٌ والحمد لله؛ فإذا تسحَّر قد نوى، إذا تسحَّر، إذا قام وشرب وأمسك عن الطعام والشراب فقد نوى، فالنية أمرها سهلٌ، والحمد لله. يعني: ما هناك مشقةٌ في النية، ولو قيل بأنه مستحيلٌ أن يكون هناك عملٌ من دون نيةٍ لقيل بأن هذا صوابٌ، فلا بُدَّ من النية، ولكن معنى النية أمرها سهلٌ، إذا تسحَّر، لماذا تسحَّر؟ لأنه يريد أن يصوم، طيب لماذا أمسك عن الطعام والشراب؟ يريد أن يصوم.
فالخلاصة: أن النية هي الركن الأول من أركان الصيام.
الإمساك عن جميع المُفطرات
الركن الثاني: الإمساك عن جميع المُفطرات من طلوع الفجر الثاني، وهو المنتشر في الأفق، هذا هو الفجر الثاني. أما الفجر الكاذب -الأول- فهو كذنب السرحان، أي: كذنب الذيب في السماء عامودي. هذا يأكل الإنسان ويشرب حتى يرى المستطير في الأفق، فهذا هو الفجر الثاني الذي يُمسِك الإنسان عن الطعام والشراب إذا رأى هذا الفجر.
الأعذار المُبيحة للفطر
أما أهل الأعذار المُبيحة للفطر فهُم:
- أولًا: المريض، وقد تقدَّم.
- ثانيًا: المسافر، وتقدَّم.
- ثالثًا: الكبير الهرم، وتقدَّم.
- رابعًا: الحائض والنُّفساء كذلك.
- خامسًا: الحامل والمُرضع، لكن انتبه الحامل التي تخشى على ولدها الضرر المُحقَّق، أو تخشى على نفسها الهلاك؛ لأنها تُرضع، فالمُرضع إذا خشيت على نفسها الهلاك فإنها بهذه الحالة يجوز لها أن تُفطِر، وتقضي، والحمد لله. أما إذا لم تخش على نفسها الهلاك، ولا على ولدها، وهذا مُتيسرٌ، الحمد لله الآن في الرضاع، موجودٌ المراضع والحليب وغير ذلك، كذا أمورٌ ميسرةٌ. لكن لا بُدَّ أن يبيَّن للناس الأحكام الشرعية، ولكن الذي يريد أن يُخادع أو يُخالف السُّنة، فلسنا بمصيطرين عليه، ولكن الحامل والمُرضع إذا خافتا على نفسيهما الهلاك أو المشقة العظيمة، أو خافتا على ولديهما -سواءٌ أكان في البطن أو الرضاع- الهلاك؛ فلها أن تُفطِر.
- سادسًا: كذلك المُكرَه، لو أُكرِه الإنسان على الإفطار، أُكرِه، يعني: أُجبِر؛ فهذا يكون معذورًا.
- سابعًا: كذلك من احتاج للإفطار لدفع ضرورة غيره، يدفع الضرر عن غيره، غريقٌ سقط في البئر، أقول: أنا صائم، أنا ما أدخل في هذا الماء، أخشى أن يدخل بطني ماءٌ! لا، أنت تنقذ معصومًا. أو حريقٌ حصل، حريقٌ وأطفأها الناس، ولا يستطيعون أن يطفئوا هذا الحريق إلا بالإفطار فإنهم يُفطِرون؛ لأنهم يُنقذون المعصومين من الحريق، أو الغرق، أو غير ذلك، هذا الحمد لله، هؤلاء يُعفَى عنهم.
- ثامنًا: مَن خشي على نفسه الهلاك، خشي تحقُّق الموت عنده، يعني: ما يستطيع، يقول: عندي شدة عملٍ، وعندي ظمأٌ شديدٌ، لا. خشي على نفسه، كان في صحراء، وخاف الموت على نفسه، فالحمد لله: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، هذه الأمور التي يُعذَر فيها الإنسان.
مُفطرات الصوم
المُفطرات التي تُفطر الصائم فهي:
- الجماع في شهر رمضان، فإنه من أعظم المُفطرات، ومن أعظم الجرائم، ومن أعظم المُهلِكات. فإذا فعل ذلك الإنسان فعليه أن يتوب إلى الله؛ لأنه قد فعل جريمةً عظيمةً، وعليه كذلك مع التوبة أن يصوم هذا اليوم إذا كان يُصلي، وعليه كذلك أن يكفر: إعتاق رقبةٍ، يعتق رقبةً، فإن عجز صام شهرين متتابعين، فإن عجز، كان مريضًا لا يستطيع، والمرض لا يرجى برؤه -الخلاصة أنه عجز، وأمره إلى الله في العجز- فإنه يُطعم ستين مسكينًا، فإذا فعل ذلك في رمضان مرتين عليه كفارتان، فإن فعل خمس مراتٍ عليه خمس كفاراتٍ، عليه خمس رقابٍ، أو عليه عشرة شهورٍ، فإن فعل عشر مرات فإن عليه عشر كفاراتٍ. والخلاصة: كل يوم يُفطره عليه كفارةٌ، وعليه الأمور التي تقدَّمت.
- إنزال المني برغبته وبدون إكراه: إنزاله بأي شيءٍ، بالنظر المتكرر، أو بغيره، أو بالاستمناء، والعياذ بالله تعالى؛ فهذا قد أبطل صومه، والعياذ بالله تعالى.
- الأكل والشرب: وما كان بمعنى الأكل والشرب، يعني: الإبر المُغذِّية، إذا كان الإنسان أُعطي إبرةً مغذيةً، أو حُقن في جسمه دم الإسعاف، فإن هذا أعظم من التغذية، هذا يكون قد أفطر.
- الحجامة: فإنها تُفطِر؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: أفطر الحاجم والمحجوم[64]رواه أبو داود: 2367، والترمذي: 774، وابن ماجه: 1680، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1136..
- الاستقاء: يعني: إخراج ما في البطن عن طريق الحلق قاصدًا لذلك مُتعمدًا؛ بأن يُدخِل يده في حلقه، أو يضغط على بطنه، أو يشم شيئًا يريد أن يخرج ما في بطنه؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: مَن ذرعه القيءُ فلا قضاءَ عليه، ومن استقاء فعليه القضاء[65]رواه الترمذي: 720، وابن ماجه: 1676، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6243.، هذا من المُفطرات.
- خروج دم الحيض أو النِّفاس: فإذا خرج دم الحيض أو النِّفاس قبل غروب الشمس، ولو بخمس دقائقَ قبل أن تغرب الشمس؛ فإنها تُفطِر، وهذا من حكمة الله تعالى، ومن قضائه على بنات آدم.
- نية الإفطار: نوى أن يُفطِر، ولكن قبل أن يُفطِر توقَّف؛ فإنه يُعتبَر بهذا قد أَفطر، ويقضي هذا اليوم.
ومثال ذلك: كان مسافرًا، أراد السفر، وقرَّب الطعام والشراب وأراد ... سبحان الله! آكل، أُتم صومي ما بقي إلا خمس ساعاتٍ، أربع ساعاتٍ، هذا قد أَفطر؛ لأنه نوى الإفطار، ونوى نيةً مُحقَّقةً؛ فإنه بهذا قد أَفطر. - الردة عن الإسلام: سبَّ الله ، أو سبَّ النبي عليه الصلاة والسلام، أو استهزأ بالدين، أو غير ذلك؛ فإنه قد أبطل عمله، نسأل الله العفو والعافية.
مُحرَّمات الصيام
مُحرَّمات الصيام: الكذب، وقول الزور، والغيبة، والنميمة، هذه من المُحرَّمات في الصيام وفي غير الصيام؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: مَن لم يَدَعْ قول الزور والعمل به، فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه[66]رواه البخاري: 1903.؛ لأنه وقع في هذه المُحرَّمات.
إذا صُمتَ فليَصُمْ سمعُك وبصرُك، ولا يكون يوم صومك كيوم فطرك، بل عليه أن يبتعد عن هذه المُحرَّمات في رمضان، وفي غيره.
آداب الصيام
الصيام له آداب، منها:
- أولًا: السحور، هذا سُنَّةٌ، بركةٌ: تسحَّروا؛ فإن في السَّحُور بركةً[67]رواه البخاري: 1923، ومسلم: 1095.، ولو على تمراتٍ.
- هذا وتأخير السحور كذلك هذا سُنَّةٌ، يُؤخِّر السحور، ما يتعشى آخر الليل، يقول هذا سحور، لا؛ فالسُّنَّة والأفضل: أن يكون قبل الصلاة بقراءة خمسين آيةً، أو ما يُقاربها، هذا الأفضل.
- وتعجيل الإفطار هذا السُّنة، الإفطار يُعجِّله بعد غروب الشمس، تحقَّق غروبها؛ فإنه يفطر: إذا أقبل الليلُ من هاهنا، وأدبر النهارُ من هاهنا، وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم[68]رواه البخاري: 1954، ومسلم: 1100..
- الإفطار على رطباتٍ أو تمراتٍ هذا هو السُّنة، أو يحسو حسواتٍ من ماءٍ ثم يُصلِّي. أما كونه يشبع، ويُقرِّب النعم العظيمة: أنواع الطعام، وأنواع الشراب، ويملأ بطنه؛ فهذا خلاف السُّنَّة. السنة: أن يُفطِر على تمراتٍ أو رطباتٍ، أو يحسو حسواتٍ، ثم يُصلِّي صلاة المغرب، ثم يرجع ويُكمل ما كتب الله تعالى له. وكثيرٌ من الناس يؤخِّرون صلاة المغرب، وخاصةً أصحاب الاستقامة في الغالب، في بعض البلدان إذا سلَّم الإمام، وإذا ينظر الناس مَن يقدِّمون؟ يقدِّمون الذي عليه سمات الخير، يُصلي بهم إمامًا كل وقتٍ، هذا ليس من السُّنة، بل عليه أن يُفطِر -السُّنَّة- ثم يُكمل بعد الإفطار، وهذا من هدي النبي عليه الصلاة والسلام.
- تفطير الصائمين، هذا من الآداب: أن يُفطِّر الصائمين، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام: مَن فطَّر صائمًا، فله مثلُ أجره[69]رواه الترمذي: 807، وابن ماجه: 1746، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6415..
- كذلك: كثرة قراءة القرآن والذِّكر، واستحضار عظمة الله تعالى، واستحضار فضل الله تعالى عليه، وأنَّ الله وفَّقه لهذا الصيام، ويشكر الله تعالى على هذا الأمر.
- كذلك من الآداب: أن يُحافظ على جميع الواجبات التي أوجب الله عليه، من الصلاة مع الجماعة -وهذا واجبٌ في رمضان وفي غيره-، ومن القيام بالواجبات، والابتعاد عن المُحرَّمات؛ فإن هذا من أعظم الواجبات في رمضان وفي غيره.
وأسأل الله تبارك وتعالى لي ولكم العلم النافع، والعمل الصالح.
وأسأله أن يُبلِّغني وإياكم رمضان، وأن يتقبَّل منا ومنكم وجميع المسلمين، وأن ينصر المسلمين في كل مكان؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ، والمستضعفين في بلاد المسلمين في أنحاء الأرض، وفي كل مكانٍ؛ إنه على كل شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
المُقدِّم: جزى الله فضيلة الشيخ على ما قدَّم، ونسأل الله تعالى أن ينفع به وبهذه المادة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
| ^1 | رواه النسائي: 2220، وأحمد: 22220، وصحَّحه محققو "المسند". |
|---|---|
| ^2, ^22 | رواه البخاري: 5927، ومسلم: 1151. |
| ^3, ^39 | رواه ابن ماجه: 1644، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1000. |
| ^4 | رواه البخاري: 1896، ومسلم: 1152. |
| ^5 | رواه البخاري: 37، ومسلم: 759. |
| ^6, ^12, ^25, ^40 | سبق تخريجه. |
| ^7 | رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907. |
| ^8 | رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718 واللفظ له. |
| ^9 | رواه أحمد: 14669، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 3292، وصحَّحه محققو "المسند". |
| ^10, ^31 | رواه البخاري: 5065، ومسلم: 1400. |
| ^11 | رواه البخاري: 2840، ومسلم: 1153. |
| ^13 | سبق تخريجه |
| ^14 | رواه البخاري: 1897، ومسلم: 1027. |
| ^15 | رواه ابن خزيمة: 2131، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 953. |
| ^16 | رواه البخاري في "الأدب المفرد": 515، والبزار: 2267، وصحَّحه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 515. وأصله في "صحيح مسلم" بلفظ: ... ما اجتمعن في امرئٍ، إلا دخل الجنة: 1028. |
| ^17 | رواه أحمد: 21753، والطبراني في "المعجم الكبير": 5808، وحسَّنه الألباني في "الإرواء": 948. |
| ^18 | رواه مسلم: 1156. |
| ^19 | رواه النسائي: 2357، وأحمد: 21753، وحسَّنه محققو "المسند". |
| ^20 | رواه البخاري: 1895، ومسلم: 144. |
| ^21 | رواه البخاري: 1904، ومسلم: 1151 بنحوه |
| ^23 | رواه أحمد: 6626، والحاكم: 2055، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 3882. |
| ^24, ^42 | رواه أحمد: 23077، وابن أبي شيبة: 39396، وصحَّحه محققو "المسند". |
| ^26 | رواه الترمذي: 1984، وأحمد: 1338، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 2123. |
| ^27 | رواه البخاري: 3256، ومسلم: 2831. |
| ^28 | رواه الترمذي: 3598، وابن ماجه: 1752 بنحوه. |
| ^29 | رواه ابن ماجه: 1753، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 3621. |
| ^30 | رواه الترمذي: 807، وابن ماجه: 1746، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6415. |
| ^32 | رواه البخاري: 3281، ومسلم: 2175. |
| ^33 | رواه الترمذي: 682، وابن ماجه: 1642، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 759. وأصله في "الصحيحين" باختلاف يسير؛ البخاري: 3277، ومسلم: 1079. |
| ^34 | رواه مسلم: 1079. |
| ^35 | رواه البخاري: 3277، ومسلم: 1079. |
| ^36 | رواه البخاري: 1899، ومسلم: 601. |
| ^37, ^38 | رواه الترمذي: 682، وابن ماجه: 1642، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 759. |
| ^41 | رواه الترمذي: 3550، وابن ماجه: 4236، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1073. |
| ^43 | رواه مسلم: 233. |
| ^44 | رواه مسلم: 106. |
| ^45, ^52 | رواه البخاري: 38، ومسلم: 760. |
| ^46 | رواه ابن حبان: 907، والحاكم: 7484، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 75. |
| ^47 | رواه ابن ماجه: 3925، وأحمد: 1403، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1316. |
| ^48 | رواه البخاري: 1863، ومسلم: 1256. |
| ^49 | رواه ابن خزيمة: 2212، وابن حبان: 3438، وصحَّحه الألباني في صحيح "الترغيب والترهيب": 361. |
| ^50 | رواه مسلم: 15. |
| ^51 | رواه البخاري: 37، ومسلم: 760. |
| ^53 | رواه أبو داود: 1375، والترمذي: 806 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1615. |
| ^54 | رواه البخاري: 1902، ومسلم: 2308. |
| ^55 | رواه البخاري: 4998، ومسلم: 2450 بنحوه. |
| ^56 | رواه الترمذي: 2910، والبيهقي في "شُعب الإيمان"، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6469. |
| ^57 | رواه مسلم: 803. |
| ^58, ^61 | رواه البخاري: 8، ومسلم: 16. |
| ^59 | رواه مسلم: 1175 |
| ^60 | رواه ابن حبان: 7491، والحاكم: 2871، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 7448. |
| ^62 | رواه أبو داود: 4403، والنسائي: 3432، وابن ماجه: 2041، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3210. |
| ^63 | رواه النسائي: 2334، وابن ماجه: 1700، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6535. |
| ^64 | رواه أبو داود: 2367، والترمذي: 774، وابن ماجه: 1680، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1136. |
| ^65 | رواه الترمذي: 720، وابن ماجه: 1676، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6243. |
| ^66 | رواه البخاري: 1903. |
| ^67 | رواه البخاري: 1923، ومسلم: 1095. |
| ^68 | رواه البخاري: 1954، ومسلم: 1100. |
| ^69 | رواه الترمذي: 807، وابن ماجه: 1746، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6415. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط