جدول المحتويات
المقدم: أيها الإخوةُ والأخواتُ، في هذا الجامعِ المباركِ، جامعِ الإمامِ تركي بن عبدِاللهِ في مدينةِ الرياض، السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاته.
أسألُ اللهَ لي ولكم التوفيقَ والسدادَ والهدايةَ والرشادَ.
يسرُّنا في هذه الليلةِ، ضمنَ سلسلةِ محاضراتٍ وندواتِ هذا الجامعِ المباركِ، والتي تُقامُ كلَّ يومِ خميسٍ بعد صلاةِ المغرب، أن نستضيفَ صاحبَ الفضيلةِ الشيخَ الدكتورَ سعيدَ بنَ عليِّ بنِ وهبٍ القحطاني، والذي سيتحدثُ عن موضوعٍ هو بعنوان: "التشبُّهُ بالمشركين، خطرُه وآثارُه وعلاجُه"، فليتفضلْ مشكورًا مأجورًا، بارك اللهُ فيه وسدَّد خطاه.
طريق محبة الله تعالى
الشيخ: إنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُه ونستعينُه. ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وأصحابِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعدُ:
أيها الإخوةُ، لا شكَّ أنَّ من وفَّقه اللهُ تعالى لطاعتِه، ومحبةِ اللهِ تعالى ورسولِه عليه الصلاةُ والسلام، والعملِ بما أمرَ به سبحانه، والابتعادِ عمَّا نهى عنه رسولُه عليه الصلاةُ والسلام؛ يكونُ قد فازَ فوزًا عظيمًا. ومَن ذمَّه اللهُ تعالى وحذَّرَ من أعمالِه؛ فقد خسرَ خسرانًا مبينًا؛ ولهذا قال اللهُ تبارك وتعالى للنبيِّ عليه الصلاةُ والسلام: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].
فإذا أرادَ العبدُ أن يُحبَّه اللهُ تعالى فعليه أن يَتَّبِعَ النبيَّ عليه الصلاةُ والسلام، ويحصلَ على المحبة، ويَمدحه اللهُ تعالى ويُثني عليه؛ ولهذا جاء رجلٌ إلى النبيِّ عليه الصلاةُ والسلام كما في "مسندِ الإمامِ أحمدَ" رحمه الله تعالى، وقال: يا رسولَ الله، إنَّ مدحي زينٌ، وذمي شين. قال: إنَّ حمدي زينٌ، وذمِّي شين. فقال النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام: ذاك اللهُ: الذي مَدْحُه زينٌ وذمُّه شينٌ. قال: ذاك اللهُ[1]رواه الترمذي: 3267، والنسائي في "السنن الكبرى": 11451، وقال الترمذي: حديث حسن غريب..
وهذا يُبيِّنُ أنَّ مَن مدحه اللهُ تعالى وأثنى عليه فقد حصلَ على المَدْحِ الزَّين، ومَن ذمَّه اللهُ تعالى فقد حصلَ على الذمِّ الشَّين؛ ولهذا قال النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام: إذا أحبَّ اللهُ العبدَ نادى جبريلَ: يا جبريلُ، إنِّي أحبُّ فلانًا فأحبِبْه. فيُحبُّه جبريلُ، ثم ينادي في أهلِ السماءِ: إنَّ اللهَ يحبُّ فلانًا فأحبُّوه. ثم يُوضَعُ له القبولُ في الأرض. وإذا أبغضَ اللهُ العبدَ نادى جبريلَ: يا جبريلُ، إنِّي أبغضُ فلانًا فأبغِضْه. فينادي جبريلُ في أهلِ السماءِ: إنَّ اللهَ يُبغضُ فلانًا فأبغِضوه[2]رواه البخاري: 6040، ومسلم: 2637 واللفظ له.. نسألُ اللهَ العفوَ والعافية. هذا هو الذمُّ الشينُ -والعياذُ باللهِ تعالى-.
حكم التشبه بغير المسلمين
لا شكَّ أنَّ التشبُّهَ بغيرِ المسلمين يُسبِّبُ الذنبَ الشَّيْنَ من اللهِ تعالى ومن رسولِه عليه الصلاةُ والسلام. والاقتداءَ بالنبيِّ عليه الصلاةُ والسلام فيما أمرَ به واتباعَه في أقوالِه وأفعالِه وتقريراتِه عليه الصلاةُ والسلام، والعملَ بسنَّتِه؛ يُسبِّبُ المحبةَ للعبدِ عند اللهِ تعالى، ويكونُ من الفائزين في الدنيا والآخرة.
ولا شكَّ أنَّ التشبُّهَ بغيرِ المسلمين خطيرٌ، وآثاره سيئةٌ على الأمة:
أولًا: التشبُّهُ بغيرِ المسلمين نهى اللهُ عنه، وحذَّرَ منه رسولُه عليه الصلاةُ والسلام، قال اللهُ : وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران:105-107].
الذين ابيضَّت وجوهُهم: أهلُ السُّنَّةِ والاتباع، اتِّباعِ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلام، قال اللهُ : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [الأنعام:159]، وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة:51-52].
وقال سبحانه: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:22]، وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54].
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [المائدة:55-56]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ [المائدة:57-58].
ولا شكَّ أنَّ المحبةَ للناسِ أو للإنسانِ تجلبُ المشابهةَ والمتابعة؛ فإذا أحبَّ إنسانٌ قومًا أو أحدًا من الناس أحبَّ أن يُشابهَه وأن يُماثلَه. وغيرُ ذلك من الآياتِ كثير.
وذمَّ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام مَن تشبَّه بغيرِ المسلمين في أحاديثَ كثيرةٍ لا تُحصَر، لكن منها قوله عليه الصلاة والسلام للصحابة عندما علموا بقدوم أبي عبيدة من البحرين بمالٍ كثير، فصَلَّوْا معه الفجر يلتمسون المال، فقال عليه الصلاة والسلام: أَبْشِرُوا، وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ. أخرجه البخاري ومسلم[3]رواه البخاري: 3158، ومسلم: 2961.. هذا يدلُّ على أن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أنَّ مَن كان قبلنا تنافسوا على الدنيا كما تنافسوها فهلكوا، وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يخشى ذلك علينا، صلوات الله وسلامه عليه.
وحذَّر النبي عليه الصلاة والسلام من الوقوع في الفتن التي وقع بها من كان قبلنا، ومن ذلكم قوله عليه الصلاة والسلام: فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ. رواه مسلم وغيره[4]رواه مسلم: 2742..
وقال عليه الصلاة والسلام: وَلَا تَخْتَلِفُوا؛ فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا. رواه البخاري[5]رواه البخاري: 2410.. هذا يدلُّ على عِظَم المخالفة والاختلاف.
وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن كثيرًا من أمته تقع بالتشبه بمن كان قبلها، فقال: لَتَأْخُذَنَّ أُمَّتِي مَأْخَذَ الْقُرُونِ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ. قالوا: فارس والروم؟ قال: فَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ؟. رواه البخاري[6]رواه البخاري: 3456، ومسلم: 2669.. هذا فيه أمر عظيم، يُبيِّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنه لا بد من ذلك. ولو قال قائل: فما الفائدة والناس لا يَتركون هذه المشابهة؟ فيُقال: الجواب إذا عَرف الإنسانُ المعروفَ وعرف المنكر؛ كان خيرًا من ميت القلب الذي لا يعرف معروفًا ولا يُنكر منكرًا.
وقد أوجب اللهُ تعالى على طائفةٍ من الأمة الدعوةَ إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104]. وقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ[7]رواه مسلم: 49..
وهذا الحديث يُبيِّن أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجِبَان على كلِّ أحدٍ على حسب هذه الدرجات، وعلى حسب علمه وما أعطاه الله تعالى من الفقه في الدِّين.
وعن عبدالله بن مسعود : أن رسول الله قال: مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ. رواه مسلم[8]رواه مسلم: 50.. وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ. رواه الترمذي، وصححه الألباني رحمه الله تعالى[9]رواه أبو داود: 3658، والترمذي: 2649، وابن ماجه: 266، وأحمد: 8638، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 120..
أضرار التشبه بالكفار
لا شك أن التشبه بالكفار وتقليدهم من أعظم ما يُحدِث البدع بين المسلمين، ومما يدلُّ على ذلك حديث أبي واقدٍ الليثي قال: خرجنا مع رسول الله إلى حُنَيْنٍ، ونحن حديثو عهدٍ بكفر. وكانوا أسلموا يوم الفتح، قال: فمررنا بشجرةٍ فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذاتَ أنواطٍ كما لهم ذاتُ أنواطٍ. وكان للكفار سِدْرةٌ يَعْكُفون حولها، ويُعلِّقون بها أسلحتهم، يَدْعونها: "ذات أنواط"، فلما قلنا ذلك للنبيِّ قال: الله أكبر، قُلْتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، لتركبن سنن من كان قبلكم[10]رواه الترمذي: 2180، وأحمد: 21897، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5408..
وهذا الحديث فيه دلالة واضحة على أن التشبه بالكفار هو الذي حَمَل بني إسرائيل على أن يطلبوا هذا الطلب القبيح، وهو الذي حمل أصحاب النبي محمد أن يسألوه أن يجعل لهم شجرةً يتبركون بها من دون الله . وهكذا غالبُ الناس من المسلمين قلَّدوا الكفار في عمل البِدَع والشِّرْكيات، كأعياد المواليد، وبدع الجنائز، والبناء على القبور.
ولا شك أن اتِّباعَ السَّننِ أسبابٌ من أبواب الأهواء والبدع، ويزيد ذلك وضوحًا حديث أبي سعيد الخُدْري عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أي: طُرُقَه شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فَمَنْ؟[11]رواه البخاري: 7320، ومسلم: 2669..
قال الإمام النَّوَويُّ رحمه الله: "السَّنَن بفتح السين والنون: وهو الطريق. والمراد بالشبر والذراع وجحر الضب التمثيلُ بشدة الموافقة في المعاصي والمخالفات لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله عليه الصلاة والسلام؛ فقد وقع ما أخبر به النبي ".
وقد ذكر أن الشِّبر والذِّراع والطريق ودخول الجُحْر تمثيلٌ للاقتداء بهم في كلِّ شيء مما نهى الشرعُ عنه وذمَّه، وقد حذَّر النبي عليه الصلاة والسلام عن التشبه بغير أهل الإسلام، فقال: بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ، حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وقال: وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ. رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى[12]رواه أبو داود: 4031، وأحمد: 5114، واللفظ له، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 1269..
وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ من كان قبلنا هلكوا بأعمال محرَّمة عملوها، وحذَّرَنا مِن ذلك، ومما قاله عليه الصلاة والسلام لأسامة بن زيد عندما شَفَع في عدم قطع امرأة مخزومية، فقال له: أتشفع في حَدٍّ مِن حدود الله؟ إنما هلك بنو إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحَدَّ. والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سَرقَتْ لَقطعتُ يدها. رواه البخاري[13]رواه البخاري: 3475، ومسلم 1688..
هذا أمرٌ عظيم يدلُّ على عدم مشابهة المشركين، ويدلُّ على عَدْلِ النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الخُلُقِ العظيم.
أمثله للتشبه المنهي عنه
التشبه بلباس الكفار
ومن التشبُّه المَنْهيِّ عنه: التشبه بلبس اللباس المخصص للكفار، فعن عبدالله بن عمرو قال: رأى رسولُ الله عليَّ ثوبين مُعَصْفَرَيْن، فقال: إنَّ هذه ثيابُ الكفار؛ فلا تَلْبَسْها[14]رواه مسلم: 2077..
ومن ذلك: التشبُّه بالشياطين، فأمَر النبيُّ عليه الصلاة والسلام بمخالفة الشياطين كما أمر بمخالفة الكافرين، ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشرب؛ فإن الشيطان يأكل ويشرب بشماله[15]رواه مسلم: 2020..
ومنه: التشبه بأهل الجاهلية؛ فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام ينهى عن أمور الجاهلية، قال: أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الناس: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت[16]رواه مسلم: 934.، وقال عليه الصلاة والسلام: مَن تَشبَّه بقومٍ فهو منهم[17]رواه أبو داود: 4031، وأحمد: 5114، وصححه الألباني في "تخريج مشكلة الفقر": 24..
واستدلَّ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" بأثرٍ عظيمِ المعنى عن عبدالله بن عمرو موقوفًا: مَن بنى بأرضِ المشركين وصنع نَيْرُوزهم ومهرجانهم وتشبَّه بهم حتى يموت؛ حُشر معهم يوم القيامة[18]رواد الدولابي في "الأسماء والكنى": 1843، والبيهقي في "السنن الكبرى": 18895..
ونهى النبي عليه الصلاة والسلام عن مشابهتهم في أمور كثيرة، ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى[19]رواه البخاري: 5892، ومسلم: 259 واللفظ له.، وقال: جُزُّوا الشَّوَارب وأرخوا اللِّحَى؛ خالفوا المجوس[20]رواه مسلم: 260.، وقال: إنَّ اليهود والنصارى لا يَصْبُغون؛ فخالفوهم[21]رواه البخاري: 3462، ومسلم: 2103.، وقال: فَصْلُ ما بين صيامِنا وصيامِ أهل الكتاب أَكْلةُ السُّحور[22]رواه مسلم: 1096..
ونهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الغلو في الدِّين، فقال: إنما أَهْلكَ مَن كان قبلكم الغُلُوُّ في الدِّين[23]رواه النسائي: 3057، وابن ماجه: 3029، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 1283.، وهو عامٌّ في جميع الاعتقادات وفي جميع الأعمال.
وقد حذَّر النبيُّ عليه الصلاة والسلام مِن كلِّ ما يُوصل إلى الشرك وإلى أعمال المشركين ومشابهتهم، ويُسبِّب الوقوع في مشابهتهم، وبيَّن بيانًا واضحًا، ومن ذلك على سبيل الإيجاز ما يأتي:
- أولًا: الغلو في الصالحين، وهو سبب الشِّرك بالله تعالى.
فقد كان الناسُ منذ أُهبِط آدم إلى الأرض على الإسلام، قال ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما: "كان بين آدم ونوح عشَرة قرونٍ كلُّهم على الإسلام"[24]رواه الطبري: 3/ 621، وابن أبي حاتم: 15184، والحاكم: 3654، وصححه ووافقه الذهبي.. وبعد ذلك تعلَّق الناس بالصالحين، ودبَّ الشرك في الأرض، فبعث الله نوحًا يدعو إلى عبادة الله وحده، وينهى عن عبادة ما سواه، وردَّ عليه قومه فقالوا: لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23]، وهذه أسماءُ رجالٍ صالحين مِن قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن ينصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العِلم عُبدت.
وهذا سببُه الغلو في الصالحين؛ فإن الشيطان يدعو إلى الغلو في الصالحين، وإلى عبادة القبور، وهذا من صفات المشركين، ومن أعمال المشركين، ثم يُلقي في قلوب الناس أن الدعاء عندها من محبة أهلها ومحبة الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بها والإقسام على الله بها، وشأن الله أعظم من أن يُسأل بأحدٍ مِن خَلْقه.
فإذا قرَّر ذلك عندهم نَقَلهم إلى دعاء أصحاب القبر، وهو دعاءُ الناس إلى عبادتِه، واتِّخاذِه عِيدًا، وعن الشفاعة من دون الله، واتِّخاذ قبره وَثَنًا تُعلَّق عليه السُّتُور ويُطاف به، ويُستلَم ويُقبَّل ويُذبَح عنده -والعياذ بالله تعالى-.
ثم ينقلهم الشيطان من ذلك إلى مرتبةٍ رابعة، وهي دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيدًا، ثم ينقلهم إلى أنَّ مَن نهى عن ذلك فقد تنقَّص أهلَ هذه الرتب العالية من الأنبياء والصالحين، وعند ذلك يغضبون.
ولهذا حذَّر اللهُ عبادَه من الغلو في الدِّين، والإفراط في التعظيم، بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، ورَفْعِ المخلوق عن منزلته التي أنزله الله تعالى إياها، كما قال الله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء:171]، ثم الإفراطِ في المدح والتجاوز فيه -والغلو في الدِّين من صفات غير المسلمين في الغالب- حذَّر رسولُ الله عليه الصلاة والسلام من الإفراط في المدح، قال: لا تُطْروني كما أَطْرَتِ النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله[25]رواه البخاري: 3445.، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: إياكم والغلوَّ في الدِّين؛ فإنما أهلك مَن كان قبلكم الغلو في الدِّين[26]سبق تخريجه قريبًا..
- بناء المساجد على القبور وتصوير الصُّور فيها من أعمال المشركين، وقد حذَّر من ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، عن اتخاذ المساجد على القبور؛ لأن عبادة الله عند قبور الصالحين وسيلة إلى عبادتهم.
ولهذا لما ذكرَتْ أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما لرسول الله عليه الصلاة والسلام كنيسة في الحبشة فيها تصاوير، قال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة[27]رواه البخاري: 427، ومسلم: 528..
ومِن حرص النبي عليه الصلاة والسلام على أمته: أنه لمَّا نزل به الموت قال: لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد[28]رواه البخاري: 435، ومسلم: 531.. قالت عائشة رضي الله عنها: يُحذِّر ما صنعوا؛ لئلا يُتخذ قبره مسجدًا. وقال قبل أن يموت: إنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتَّخِذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك[29]رواه مسلم: 532..
اتخاذ القبور مساجد من أعمال غير المسلمين في الغالب، حذَّر النبي عليه الصلاة والسلام أمَّته مِن اتخاذ قبره وثنًا يُعبد من دون الله، ومن بابٍ أولى غيرُه من الخلق، فقال: اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد[30]رواه مالك: 85، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 750..
- إسراج القبور وزيارة النساء لها من التشبه بغير المسلمين، حذَّر النبي عليه الصلاة والسلام من إسراج القبور؛ لأن البناء عليها وإسراجها وتجصيصها والكتابة عليها واتخاذ المساجد عليها من وسائل الشرك ومن أعمال المشركين.
فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لعن رسول الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج[31]رواه أبو داود: 3236، والترمذي: 320، والنسائي: 2043، وأحمد: 2030، وقال الترمذي: حديث حسن. وورد أيضًا بلفظ: «زوارات» على … Continue reading.
- الجلوس على القبور والصلاة إليها، لم يترك النبي عليه الصلاة والسلام بابًا من أبواب الشرك التي توصل إليه إلا سَدَّه، ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: لا تجلسوا على القبور، ولا تُصَلُّوا إليها[32]رواه مسلم: 972.
- اتخاذ القبور عيدًا، وهجر الصلاة في البيوت، بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن القبور ليست مواضع للصلاة، وأن مَن صلى عليه وسلم فستبلغه صلاته سواءٌ كان عند قبره أو بعيدًا؛ فلا حاجة لاتخاذ قبره عيدًا: لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصَلُّوا عليَّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم[33]رواه أبو داود: 2042، وأحمد: 8804، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1665.، قال النبي الرحيم عليه الصلاة والسلام: إن لله ملائكة سَيَّاحين يُبلِّغوني عن أمتي السلام[34]رواه النسائي: 1282، وأحمد: 3666، والدارمي: 2816، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 2853.. فإذا كان قبر النبي عليه الصلاة والسلام أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدًا؛ فغيره أولى بالنهي كائنًا من كان.
- الصُّور وبناء القِبَاب على القبور، النبي عليه الصلاة والسلام يُطهِّر الأرضَ مِن وسائل الشرك، فيبعث بعضَ أصحابه إلى هَدْم القباب المُشْرِفة على القبور، وطمس الصور؛ فعن أبي الهيَّاج رضي الله عنه قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ ألا تَدَع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته[35]رواه مسلم: 969..
- شَدُّ الرِّحال إلى غير المساجد الثلاثة من أسباب الوقوع في الشرك، ومن أسباب الوقوع في الشرك أو الوقوع في البدع، وكما سَدَّ النبي عليه الصلاة والسلام كل باب يُوصل إلى الشرك؛ فقد حَمَى حِمَى التوحيد عما يقرب منه ويخالطه من الشرك وأسبابه، فقال عليه الصلاة والسلام: لا تُشد الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى[36]رواه البخاري: 1995، ومسلم: 1397.. فدخل في هذا النَّهْيِ شدُّ الرحال لزيارة القبور والمَشاهد، وهو الذي فهمه الصحابة من قول النبي عليه الصلاة والسلام.
ولهذا عندما ذهب أبو هريرة إلى الطُّور فلَقِيَه بَصْرة بن أبي بصرة فقال: مِن أين جئتَ؟ قال: مِن الطور. فقال: لو أدركتُكَ قبل أن تخرج إليه ما خرجتَ إليه، سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: لا تُعمَل المَطِيُّ إلا إلى ثلاثة مساجد[37]رواه النسائي: 1430، وأحمد: 23848، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7371..
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره عليه الصلاة والسلام أو غيره من الأنبياء والصالحين؛ لم يكن عليه أن يُوفي بنذره، بل يُنهى عن ذلك".
- الزيارة البدعية للقبور من وسائل الشرك ومن أعمال المشركين؛ لأن زيارة القبور نوعان:
- النوع الأول: زيارة شرعية يُقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم، كما يُقصد الصلاة على أحدهم إذا مات، وصلاة الجنازة، ولتذكُّر الموت، بشرط عدم شد الرحال، واتباعُ سنة النبي عليه الصلاة والسلام.
- أما الزيارة الشركية أو البدعية، فهي ثلاث أنواع:
- من يسأل الميت حاجته. وهؤلاء من جنس عباد الأصنام.
- من يسأل الله تعالى بالميت، كمن يقول: أتوسل إليك بنبيك، أو بحق الشيخ فلان. وهذا من البدع المحدثة في الإسلام، ولا يصل إلى الشرك الأكبر، فهو لا يخرج عن الإسلام كما يخرج الأول.
- من يظن أن الدعاء عند القبور مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد. فهذا من المنكرات بإجماع العلماء.
- والصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها من وسائل الشرك، ومن أعمال المشركين؛ لما في ذلك من التشبه بالذين يسجدون لها في هذين الوقتين، قال النبي : لا تَحَرَّوْا بصلاتكم طلوعَ الشمس ولا غروبَها؛ فإنها تطلع بين قَرْنَيْ شيطان[38]رواه البخاري: 582، ومسلم: 828..
والخلاصة: وسائل الشرك التي توصل إليه: هي كلُّ وسيلةٍ وذريعةٍ تكون طريقًا إلى الشرك الأكبر.
ومن الوسائل التي لم تُذكر هنا: تصوير ذوات الأرواح، والوفاء بالنذر في مكانٍ يُعبد فيه صنم أو يُقام فيه عِيدٌ من أعياد الجاهلية، ونحو ذلك.
ملخص كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم"
ومن ذلك.. مَن كتب في هذا الموضوع قديمًا -لم يُؤلف قبله مثله ولن يؤلف بعده مثله- شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، متوفى عام سبعمئة وثمانية وعشرين، قد ألَّف كتابًا عظيمًا جامعًا لما يحتاجه المسلمون في هذا الموضوع، سماه: "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم"، لم يُؤلف قبله كما سمعتم مثله، ولن يُؤلف بعده مثله.
هذا الكتاب يشتمل على ما يحتاجه المسلمون، وملخصُ ما في هذا الكتاب أنه بجملته يعبر عن دراسةٍ تفصيليةٍ لهذا الموضوع المهم والخطير في حياة المسلمين، الذي يُعتبر أصلًا من أصول العقيدة الإسلامية، فإن المؤلف رحمه الله تعالى استوفى مسألة النهي عن التشبه بالكفار من أصولها وفروعها، وأدلتها العقلية والنقلية، وما ورد فيها من آثارٍ ومواقفَ عن سلف الأمة، بأسلوب علمي رصين يُشبع القارئ، ويجعله يشعر أنه أمام قضية واضحة المعالم، بيَّن فيها المسالك جلية الدليل، فلا يخرج مِن مسألةٍ بَحَثَها المؤلف إلا وقد فهمها واقتنع بأدلتها وما توصَّل إليه فيها من حكم.
الأمر الثاني: أن هذه القاعدة التي أصَّلها المؤلف، رغم أنها من أهم أصول عقيدة السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة، وأن الصحابة والتابعين وتابعيهم يُحذِّرون الأمة من التهاون بها والوقوع فيما نهى الله عنه ورسوله ؛ من مشابهة الكفار والأعاجم ونحوهم، وبرغم وضوح أدلة هذا الأصل في الكتاب والسُّنَّة، وتحذير الرسول من الوقوع في ذلك؛ رغم هذا كله كاد هذا الأصل العظيم أن يُمحَى من أذهان أكثر المسلمين بعد القرون الثلاثة الفاضلة، فوقعوا في المحظور، وأخذوا بسَنَن الأمم حَذْوَ القُذَّة بالقذة.
فمما وقعوا فيه على سبيل المثال: البناء على القبور كما تقدم، واتخاذ المساجد عليها. هذا ملخص ما في الكتاب، وهذه المسألة واضحة في النبي ، ويتضح لنا ذلك لو استعرضنا أهم الموضوعات التي بحثها المؤلف رحمه الله تعالى شيخ الإسلام، وهي موجودة في زمنه، وتجدها أيضًا بين المسلمين اليوم؛ من التشبه بالكفار والأعاجم غير المسلمين في الزي واللباس، والعادات والتقاليد، واللغة، والأعياد والاحتفالات، ونحوها من الأمور الأخرى.
وذلك أنه رحمه الله تعالى نبَّه على أصلين من أصول الدِّين لا غنى للمسلم عن فهمهما، ولكل واحدةٍ منهما علاقة بالأخرى:
- الأصل الأول: أن إخبار الرسول القاطع المُؤكَّد بأن أمته ستتبع سَنَن الأمم التي سبقتها من اليهود والنصارى وفارس والروم ونحوهم، شبرًا بشبر وذراعًا بذراع[39]سبق تخريجه.، وهذا يعني أن طوائفَ مِن هذه الأمة سوف تتشبه بالكفار قطعًا.
- الأصل الثاني: إخباره القاطع والمؤكد أيضًا بأن الله تعالى تكفَّل بحفظ الدِّين، وأنه لا تزال طائفة من المسلمين على الحق ظاهرين حتى قيام الساعة[40]رواه البخاري: 7311، ومسلم: 1923.، وأن الأمة لا تجتمع على ضلالة[41]رواه أبو داود: 4253، والترمذي: 2167، وابن ماجه: 3950، عن عدد من الصحابة ، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 1786.، فرحمه الله تعالى.
ثم بيَّن رحمه الله تعالى من أنواع هذه الأمور، فبيَّن وشخَّص المؤلف رحمه الله تعالى أكثر الأمراض وأنواع الشُّبَه والتشبه والتقليد بالكافرين التي وقع فيها المسلمون: فذكَر طائفةً من ذلك في العبادات، وأخرى في السلوك والأخلاق والعادات، وثالثة في الاعتقادات والإيرادات.
- فمِن البدع في العبادات: إحداث أعيادٍ واحتفالات لم يشرعها الله ولا رسوله ، إنما فعلتها الأمم الأخرى كاليهود والنصارى أو فارس والروم ونحوهم، فالاحتفال بيوم عاشوراء، والمولد النبوي، وليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وإحدى الصلوات إن لم يشرعها الله تعالى كصلاة الرغائب، وتخصيص ليالٍ وأيامٍ بعينها بعبادةٍ معتادة كأول خميس من رجب، وليلة أول جمعة، وليلة النصف منه، والرهبنة، والسياحة لغيرِ قصدٍ مشروع أو مُبَاحٍ، والغلو في الدِّين.
- وأما ما وقع فيه المسلمون كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في الأخلاق والعادات: الحسد، والبغي، والبخل بالمال والعلم، وجحود ما مع الآخرين من الحق عند الخصومات، والتشبه بالكافرين باللباس، والرَّطَانة بلُغَاتهم لغير ضرورة.
- وما وقعوا فيه من الاعتقادات والإيرادات: أي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى ذلك وبينَّه بيانًا واضحًا، كالغلو في الأنبياء والصالحين كما تفعل طوائفهم من المتصوفة والمبتدعة، وتحريف الكَلِم عن مواضعه كما فعلت الفِرَق الجَهْمية والمعتزلة والخوارج والروافض وبعض الأشاعرة ونحوهم، وكبناء المساجد على القبور والطواف بها ودعاء أهلها من دون الله، والتمسح والتبرك بها، ونحو ذلك من البدع والشركيات التي وقع فيها كثيرٌ من الجُهَّال والمبتدعين وأصحاب الطرق الصوفية والشيعة وغيرهم، وكالتعبد بالأصوات والسماع والطَّرَب والرقص والصور الجميلة بما يُسَمُّونه بإصلاح الأحوال كما تفعل الطرق الصوفية التي ابتُلي المسلمون بها وقد تفرَّقوا، والاختلاف في الدِّين، وقسوة القلب.
وقد استقصى المؤلِّفُ رحمه الله تعالى هذه الأمورَ على نحوٍ لا يَدَع لأحدٍ يطَّلِع على هذا الكتاب عذرًا في جهلها أو جهل أحكامها، فرحمه الله تعالى.
ثم بيَّن المؤلف رحمه الله تعالى من ناحيةٍ أخرى، يشير إلى أن التشابه الظاهر في الزي والشكل والسلوك والعادات لا بد أن يُورِّث نوعَ مودةٍ ومحبة، كما سَمِعْتَ! المحبة: إذا اتَّبَع الإنسانَ وتَشبَّه بالإنسانِ وتشبه بأناسٍ؛ أحبهم، تشبَّه بهم، والموالاة بين المُتَشابهين في الباطل.
وبيَّن رحمه الله تعالى في ذلك قواعد أساسية في التشبه، استطاع المؤلف من خلالها استعراض الأدلة من القرآن الكريم، ثم من السُّنَّة المطهرة الواردة في النهي عن تشبه المسلمين بالكفار، وإجماع المسلمين في العصور الفاضلة على ذلك، ليصلنا إلى النتائج الآتية:
- أن جنس المخالفة للكافرين والأعاجم ونحوهم أمرٌ مقصود للشارع.
- وأن التشبه بهم نُهي عنه في الجملة في عامة أمورهم الدينية والدنيوية، وأن هناك أمورًا خُصَّت بالنهي وردت بها السُّنَّة بعينها، كالبناء على القبور، واتخاذها مساجد، وحلق اللِّحى، وإعفاء الشوارب، والأكل والشرب بالشمال، ونحو ذلك كما بيَّن رحمه الله تعالى.
- وبيَّن أن مخالفتهم في عامة أمورهم أصلح لنا نحن المسلمين في ديننا ودنيانا.
- وبين أن تشبُّهَ فئةٍ من المسلمين بالكفار أمر لا بد أن يقع؛ مصداقًا لإخبار الرسول بذلك[42]سبق تخريجه.، وأن الله تعالى حذَّر من ذلك، وأمر المسلمين بالاستمساك بالحق، والثبات والصبر رغم وقوع طوائف منهم بالمحظور.
إنه ليس شيءٌ من أمور الكفار في دينهم: إما فاسد أو ناقصٌ في عاقبته، حتى ما هم عليه من إتقانِ أمور دنياهم قد يكون اتباعُنا لهم فيه مَضَرَّةً: إما بديننا وآخرتنا أو أحدهما، وإن لم نُدْرك ذلك.
أما ما عند الكفار اليوم من صناعاتٍ وعلوم تطبيقية ونحوها، فهذا أمر آخر لا علاقة له بموضوع التشبه؛ لأن هذا العلم وهذه العلوم والصناعات ليست من خصوصيات الكفار وإن احتكروها؛ لأنها إمكانات بشرية لا بد أن تتوفر عند من يحرص عليها ويُنمِّيها ويَجِدُّ في تحصيلها، سواء كان مسلمًا أو كافرًا.
كما أن السير في الصناعات وعلومها منهم لا يُعَد من قبيل التشبه والتقليد؛ لأن الرسول كان يَستعمل ما يصنعه الكفار من لباسٍ ونحو ذلك. إنما طريقة الإفادة من الصناعات إذا صاحَبها نقلُ عاداتهم وتقاليدهم ونظمهم وكل ما هو من خصائصهم؛ فهذا هو المحظور.
وفئاتٌ من الناس نُهينا عن التشبه بهم كما تقدم، وذَكَر المؤلف أن التشبه المنهي عنه لم يكن قاصرًا على التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى والأعاجم من الروم والفرس والمجوس، بل النهي عن التشبه يشمل أمورًا أخرى؛ فقد ورد النهي عن التشبه بالشيطان كما تقدم وأحواله وأعماله[43]سبق تخريجه.؛ فيجب على المسلم المتمسك بدينه أن يتجنب كلَّ ما هو من شعارات هؤلاء: أتباع الشيطان وحزبه، وأن يحذر معاشرتهم، ويبتعد عن أماكن تجمعاتهم؛ لأنها مواطنُ شُبَهٍ، وقُرْبها يُزْري بالمسلم. ومن شعارات هذه الأصناف في عصرنا: الملابس الضيقة، واتخاذ الذهب، وحلق اللحى، وإسبال الثياب، وحمل الصور، واصطحاب الكلاب.
كما نبَّه المؤلف رحمه الله كذلك على صنفٍ آخر ورد النهي في السُّنَّة عن بعض خصاله، وهم الأغرار الذين لم يكمل دينهم، فمِن جهلهم مثلًا تسميتهم العشاء بالعَتَمة كما ورد ذلك في السُّنَّة[44]رواه مسلم: 644.، وفِعل المُعاقرة خُيَلاءَ وفخرًا، وهم أسرع من غيرهم إلى العصبية والجاهلية والفخر بالأحساب والطعن في الأنساب، كما أنهم أبعد عن الجمعة والجماعات، ونحو ذلك. والمؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذا كله.
وهذا في الحقيقة اختصارٌ لما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى. ومما ذَكَر: الأعياد والاحتفالات البدعية: مِن أشد وأخطر ما تساهل فيه المسلمون بعد القرون الفاضلة؛ لذلك نجد أن المؤلف رحمه الله تعالى أطال في مسألة الأعياد البدعية، فقد بيَّن أنَّ اللهَ تعالى لم يَشْرع للمسلمين إلا عيدين، هما: عيد الأضحى وعيد الفطر، وأن الرسول نهى عن اتخاذ الأعياد[45]رواه البخاري: 952، ومسلم: 892، ولفظه: «يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا».، سواء كانت أعيادًا جديدة أو أعيادًا قديمة، وذلك مما يُحْيى.
كما بيَّن أن مسألة الأعياد من المسائل الشرعية التعبدية التي لا يجوز الابتداع فيها، ولا الزيادة ولا النقص، فلا يجوز إحداث أعيادٍ غير ما شرعه الله تعالى ورسوله . وهذا مما بيَّنه المؤلف رحمه الله تعالى بيانًا واضحًا.
وبيَّن رحمه الله تعالى حول مفهوم البدعة: أن كل بدعة ضلالة بصريح السُّنَّة ومنطوقها، حيث ذكر الرسول : كل بدعة ضلالة، وأن شر الأمور محدثاتها[46]رواه مسلم: 867.، وأن كل مُحْدَثة بدعة[47]رواه أبو داود: 4607، والنسائي: 1578، وابن ماجه: 46، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 2455..
والبدع التي محلُّ الكلام هنا: ما أحدثه الناس في العبادات وشعائر الدِّين وشرائعه، كالأعياد المحدثة، والبدع التي أحدثها الناس حول القبور والمزارات والمشاهد، والصلوات المحدثة مثل صلاة الرغائب، والصلاة الألفية، والصيام المحدث كصيام أول خميس من رجب، ونحو ذلك.
وأما العادات فتدخل فيها الإباحة إلا ما حرمه الله تعالى، ومسألة أن كلَّ بدعة في الدِّين ضلالة محرمة هذا مما أجمع عليه الصحابة والسلف الصالح، ولم تنتشر البدع إلا بعد القرون الثلاثة الفاضلة، حين صارت للروافض والقرامطة دولة، وكثرت الطرق الصوفية النكدة، ما اعتاده بعض الناس أو حتى أكثرهم في بلاد المسلمين من الإقرار ببعض البدع وعملهم لها، وسكوت بعض العلماء عنها، وعمل بعضهم لها ودعوة آخرين إليها، كل هذا لا يصلح دليلًا على أنها من البدع الحسنة التي يذكرها بعض الناس. بل من أكثر البدع المبتدعات الشركية وأخطرها على المسلمين وأكثرها انتشارًا: تقديس الموتى وقبورهم، والبناء عليها، وتخصيص النذر لها، والذبح عندها، ودعاء أصحابها من دون الله، والتمسح بها، وشد الرحال إليها، والعكوف والمجاورة عندها، والصلاة عندها وفيها، واتخاذ الآثار -آثار الأنبياء والصالحين- ونحوها مزارات ومشاهد، والتبرك بها، واتخاذها أعيادًا، ونحو ذلك مما هو معروف ومنتشر بين المسلمين منذ القرن الرابع.
فالمؤلف يشير إلى أن أول مَن فَتَن المسلمين وأحدث فيهم هذه البدعَ الروافضُ، وما تفرَّع عنهم من فرق الباطنية التي انتشرت بين المسلمين، والطرق الصوفية، ثم الفرق الحاقدة كالإسماعيلية والقرامطة والنصيرية والاتحادية والحلولية.
وهذا ملخص لما في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
تحذير العلماء من التشبه بالكفار
ثم العلماء رحمهم الله تعالى بعده وقبله ذكروا ذلك وحذروا منه، فهذا العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى، مفتي الديار السعودية في عهده، قال رحمه الله تعالى: "واعلم أن التشبه بالكفار يكون بمجرد عمل ما يعملون، قَصَد المشابهة أو لا".
هذا كلام الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى، قال: قال الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وقد نهى النبيُّ عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، معللًا ذلك النهي بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان[48]رواه البخاري: 3272، ومسلم: 828.، وحينئذٍ يسجد لها الكفار. ومعلوم أن المؤمن لا يقصد بالسجود إلا الله، وأكثر الناس قد لا يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أن الكفار يسجدون لها، ثم إن النبي نهى عن الصلاة في ذلك حسمًا لمادة المشابهة من كل الطرق... ومن ذلك: حلق اللحى، وإعفاء الشوارب، ولا شك في قبح ذلك وتحريمه، وإنما يستحسنه منكوس القلب، فاسد الفطرة قليل المبالاة بأوامر الدِّين ونواهيه، وهذا من تسويل الشيطان وتحسينه القبيح، أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا [فاطر:8]". إلى غير ذلك مما ذكر رحمه الله تعالى، وقد ذكر من ذلكم الشيء الكثير.
والعلامة الإمام ابن باز رحمه الله تعالى، قال: "قد دلَّت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على ذم مشابهة المسلمين للكفار والتحذير من ذلك، ولم تخص شيئًا من شؤونهم دون شيء؛ فتخصيص النهي بما هو من شعائر دينهم يحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل يدلُّ على أن ذلك... على ذلك، بل الأدلة الشرعية كلها تقتضي ذمَّ المشابهة بالمشركين فيما هو من شعائر دينهم وفي غيره، وقد أسلفنا بالأدلة ما يدلُّ على ذلك، وهو قوله : لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن كان قبلكم حَذْو القُذَّة بالقذة، حتى ولو دخلوا جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه الحديث[49]سبق تخريجه.، ولم يَقُلْ: في شعائر دينهم. وقوله : من تشبه بقوم فهو منهم[50]سبق تخريجه.، ولم يقل في شعائر دينهم. ومنها أحاديث الأمر بمخالفة المشركين والمجوس في جَزِّ الشوارب وإرخاء اللحى[51]سبق تخريجه.، وليس حلق اللحى وإطالة الشوارب من شعائر دينهم، أمر النبيُّ بمخالفة المشركين في ذلك. ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صِحَافِهما؛ فإنها لهم في الدنيا أي: يعني الكفار ولكم في الآخرة. متفق على صحته[52]رواه البخاري: 5426، ومسلم: 2067.. ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون قبلها. قالوا: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا أولئك؟. خرجه البخاري[53]سبق تخريجه. والأدلة في هذه كثيرة، ولا يجوز لأحد أن يدَّعي الأدلة الشرعية إلا بدليل شرعي يقتضي التخصيص. ولا ريب أن التشبه بالكفار في شعائر دينهم كأعيادهم ونحوها أشد في الإنكار وأعظم في الإثم، ولكن ليس النهي عن ذلك وتحريمه مختصًّا بما يتعلق بشعائر دينهم ونحو ذلك". أو كما ذَكَرَ رحمه الله تعالى.
وذكر العلامة محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى أن تهنئة الكفار بعيد الكريسماس أو غيره من الأعياد الدينية حرام بالاتفاق؛ كما نقل ذلك بن القيم رحمه الله في كتابه "أحكام أهل الذمة" حيث قال:
"وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنئة بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة التهنئة بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله تعالى وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدِّين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبدًا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله تعالى وسخطه". انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
"وإنما كانت تهنئة الكفار بأعيادهم -هذا قول ابن عثيمين رحمه الله تعالى- الدينية حرامًا، وبهذه المثابة التي ذكرها ابن القيم؛ لأن فيها إقرارًا لما هم عليه من شعائر الكفر ورِضًا به لهم، وإن كان هو لا يرضى بهذا الكفر لنفسه، ولكن يَحرُم على المسلم أن يرضى بشعائر الكفر أو يُهنِّئ بها غيره؛ لأن الله تعالى لا يرضى بذلك، كما قال الله تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7]".
ثم قال رحمه الله تعالى: "مقياس التشبه أن يفعل المُتشبِّه ما يختص به المُتشبَّه به؛ فالتشبه بالكفار: أن يفعل المسلم شيئًا من خصائصهم. أما ما انتشر بين المسلمين وصار لا يتميز به الكفار فإنه لا يكون تشبهًا، فلا يكون حرامًا من أجل أنها تشبُّه إلا أن يكون مُحرَّمًا من جهة أخرى. وهذا الذي قلناه هو مقتضى مدلول هذه الكلمة".
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعلنا من أتباع النبي ، المتمسكين بهديه عليه الصلاة والسلام، وعلى ما يحبه الله تعالى ويرضاه.
وهذا الموضوع موضوع عظيم، لا يتكلم فيه مثلي، لكن نقلت لكم أقوال الأئمة العلماء الأعلام أهل الإسلام في هذا الموضوع؛ لأنه موضوع أكبر مني وأكبر من كلامي.
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يتقبل مني ومنكم وجميع المسلمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
شكر الله لكم فضيلة الشيخ سعيد؛ على هذه الكلمات، وجعل ذلك في موازين حسناتكم.
تعليق سماحة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ
المقدم: أيها الإخوة والأخوات، نستمع الآن إلى تعليقٍ من سماحة شيخنا ووالدنا الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، مفتي عام المملكة؛ على هذه المحاضرة. فليتفضل مشكورًا مأجورًا، بارك الله فيه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
ثم أما بعد:
الشيخ سعيد تكلم عن موضوع مهم جدًّا، وهو مشابهة المشركين، مشابهة أعداء الدِّين من الوثنيين وأهل الكتاب وغيرهم، في موضوع مهم جدًّا أتى على كثيرٍ من فقراته، بيَّن قواعدَ في ذلك وأدلةً شرعية على هذا كلِّه، فجزاه الله عما قدم خيرًا.
لا شك أن الله جل وعلا اختار أمة محمد فجعلهم خير الناس: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، اختار لهم أكملها: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3]. واختار محمدًا أشرف الأنبياء، واختار لهم الكتاب العزيز الذي جعله -وهو علا مَن سبقه- جامعًا لكل خير: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة:48].
فشريعة الإسلام كاملة في أصولها وفروعها؛ فالواجب التمسك بها، وأن يعلم أن هذه الشريعة ناسخة لجميع الشرائع؛ فان الله جل وعلا ختم الرسائل كلها: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ[الأحزاب:40]، وجعل شريعته ناسخة لجميع الشرائع كلها؛ فإن شريعة الإسلام هي العدل والخير كله، فجميع شرائع الإسلام السابقة قد احتوتها هذه الشريعة المطهرة الكاملة.
فواجب المسلمين التخلق بها والعمل بها، وأن يعلموا أن الخروج عنها والتشبه بغيرهم من الكفار يدلُّ على ضعف الإيمان؛ فإن عنوان قوة الإيمان بهذه الشريعة والثبات على الحق أن يكون مُتَّبِعًا لا مخالفًا إلى غيرها، يقول : مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ[54]رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718.، وفي لفظ: مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ[55]رواه مسلم: 1718..
فالمُسلِم إذا عرف... إذا علم أن الله شرَّفه بالإسلام وأعزَّه بالإسلام ورفعه بالإسلام، ومنَّ عليه بهذا الدِّين القَوِيم واختاره له؛ فَلْيحمد الله على هذه النعمة، وليتمسك بهذا الدِّين، وليبتعد عن كل المخالفين؛ فإنَّ مَن خالف هذه الشريعة ومَن انتسب لأيِّ مذهب أو لمبدأ لا يجوز أن يُسمَع له ولا أن يُقبَل قوله، بل كل عمل حُذِّرنا منه لكونه من أعمال غيرنا فالواجب أن نبتعد عنه ونَحْذر منه، ونتمسَّك بهذه الشريعة، ونثبت، ونسأل الله الثبات عليها والاستقامة عليها.
فالحقيقة أنَّ المسلمين بتَمسُّكِهم بدينهم هو عزهم وشرفهم وكرمهم ورفعتهم، وتخلفهم عن دينهم بتقليد أعدائهم يدلُّ على ضعف التمسك وقلة اليقين، فلو كان هناك إيمان صادق لَأدى إلى اتباع هذه الشريعة والبعد عن كل ما يخالفها وعدم التشبه بأعداء الدِّين، لا سيما في المعتقد: في البناء على القبور، في الصلاة إلى القبور، في عبادة غير الله والشرك به، في تحكيم غير شريعة الله، في تعطيل حدود الله، إلى غير ذلك مما ذَكَرَه الشيخ -وفقه اللهُ في مواضع كثيرةٍ من التشبه بغير المسلم في العادات والأخلاق والتقاليد- ويَصعُب. وأعظمُ شيءٍ التشبهُ بالاعتقادات ومسائل العقيدة؛ فإن التشبه بهم مصيبة؛ لقوله : لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن كان قبلكم حَذْوَ القُذَّة بالقذة، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟[56]سبق تخريجه..
فعلينا أن نتقي الله ، وأن نستقيم على الشريعة، وأن نحذر من التشبه بغيرنا، وأن نعلم أن تشبهنا بغيرنا نقص في إيماننا، وقدح في عقيدتنا.
نسأل الله الثبات على الحق والاستقامة عليه.
المقدم: أحسن الله إليكم سماحة الشيخ، وجزاكم الله خيرًا على ما تفضَّلتم به من تعليق، كما أتوجه لكم أيها الإخوة والأخوات بالشكر على حسن استماعكم وإنصاتكم لهذه المحاضرة ثم تعليق سماحة الشيخ.
وفقنا الله جميعًا لما يحب ويرضى من العلم النافع والعمل الصالح، وأصلي على نبينا محمد .
| ^1 | رواه الترمذي: 3267، والنسائي في "السنن الكبرى": 11451، وقال الترمذي: حديث حسن غريب. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 6040، ومسلم: 2637 واللفظ له. |
| ^3 | رواه البخاري: 3158، ومسلم: 2961. |
| ^4 | رواه مسلم: 2742. |
| ^5 | رواه البخاري: 2410. |
| ^6 | رواه البخاري: 3456، ومسلم: 2669. |
| ^7 | رواه مسلم: 49. |
| ^8 | رواه مسلم: 50. |
| ^9 | رواه أبو داود: 3658، والترمذي: 2649، وابن ماجه: 266، وأحمد: 8638، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 120. |
| ^10 | رواه الترمذي: 2180، وأحمد: 21897، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5408. |
| ^11 | رواه البخاري: 7320، ومسلم: 2669. |
| ^12 | رواه أبو داود: 4031، وأحمد: 5114، واللفظ له، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 1269. |
| ^13 | رواه البخاري: 3475، ومسلم 1688. |
| ^14 | رواه مسلم: 2077. |
| ^15 | رواه مسلم: 2020. |
| ^16 | رواه مسلم: 934. |
| ^17 | رواه أبو داود: 4031، وأحمد: 5114، وصححه الألباني في "تخريج مشكلة الفقر": 24. |
| ^18 | رواد الدولابي في "الأسماء والكنى": 1843، والبيهقي في "السنن الكبرى": 18895. |
| ^19 | رواه البخاري: 5892، ومسلم: 259 واللفظ له. |
| ^20 | رواه مسلم: 260. |
| ^21 | رواه البخاري: 3462، ومسلم: 2103. |
| ^22 | رواه مسلم: 1096. |
| ^23 | رواه النسائي: 3057، وابن ماجه: 3029، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 1283. |
| ^24 | رواه الطبري: 3/ 621، وابن أبي حاتم: 15184، والحاكم: 3654، وصححه ووافقه الذهبي. |
| ^25 | رواه البخاري: 3445. |
| ^26 | سبق تخريجه قريبًا. |
| ^27 | رواه البخاري: 427، ومسلم: 528. |
| ^28 | رواه البخاري: 435، ومسلم: 531. |
| ^29 | رواه مسلم: 532. |
| ^30 | رواه مالك: 85، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 750. |
| ^31 | رواه أبو داود: 3236، والترمذي: 320، والنسائي: 2043، وأحمد: 2030، وقال الترمذي: حديث حسن. وورد أيضًا بلفظ: «زوارات» على المبالغة. |
| ^32 | رواه مسلم: 972 |
| ^33 | رواه أبو داود: 2042، وأحمد: 8804، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1665. |
| ^34 | رواه النسائي: 1282، وأحمد: 3666، والدارمي: 2816، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 2853. |
| ^35 | رواه مسلم: 969. |
| ^36 | رواه البخاري: 1995، ومسلم: 1397. |
| ^37 | رواه النسائي: 1430، وأحمد: 23848، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7371. |
| ^38 | رواه البخاري: 582، ومسلم: 828. |
| ^39, ^42, ^43, ^49, ^50, ^51, ^56 | سبق تخريجه. |
| ^40 | رواه البخاري: 7311، ومسلم: 1923. |
| ^41 | رواه أبو داود: 4253، والترمذي: 2167، وابن ماجه: 3950، عن عدد من الصحابة ، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 1786. |
| ^44 | رواه مسلم: 644. |
| ^45 | رواه البخاري: 952، ومسلم: 892، ولفظه: «يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا». |
| ^46 | رواه مسلم: 867. |
| ^47 | رواه أبو داود: 4607، والنسائي: 1578، وابن ماجه: 46، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 2455. |
| ^48 | رواه البخاري: 3272، ومسلم: 828. |
| ^52 | رواه البخاري: 5426، ومسلم: 2067. |
| ^53 | سبق تخريجه |
| ^54 | رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718. |
| ^55 | رواه مسلم: 1718. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط