تخطى إلى المحتوى

أعظم أسباب دخول الجنة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يَهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أعظم المطالب بعد رضا الله تبارك وتعالى

أما بعد:

أيها الإخوة، لا شكَّ أن أعظم ما تمنَّاه المؤمنون الصادقون، وأعظم ما تمناه الراغبون فيما عند رب الأرض والسماوات، هو دخول الجنة والنجاة من النار؛ ولهذا قال الله ​​​​​​​: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]؛ لأن هذا هو الفوز.

وثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام أتى إليه رجلٌ، فسأله النبي عليه الصلاة والسلام فقال له: ما تقول في صلاتك؟. قال: "أسأل اللهَ الجنة وأعوذ به من النار، أمَّا دَنْدَنَتُكَ ودندنة معاذٍ فلا أُحسِنها". فقال النبي عليه الصلاة والسلام: حَوْلها نُدَنْدِنُ[1]رواه أبو داود: 792، وابن ماجه: 910، وأحمد: 15898، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 757..

إذن، هذا يدل على عظم الأمر، وأن الدندنة حول النجاة من النار والفوز بالجنة هي أعظم المطالب، أعظم المطالب بعد رضا الله تبارك وتعالى: أن يفوز الإنسان بهذه النعمة العظيمة.

أعظم أسباب دخول الجنة

ولهذا، فإن هذا العنوان -كما سمعتم من الشيخ صالح جزاه الله خيرًا- هو: "أعظم أسباب دخول الجنة".

التوحيد

ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، عن عُبَادةَ بن الصامت في "الصحيحين": أنه قال عليه الصلاة والسلام: مَن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبدُالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه، وأن الجنة حقٌّ والنار حقٌّ؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل[2]رواه البخاري: 3435، ومسلم: 28..

هذا هو أعظمُ أسباب دخول الجنة: مَن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أن لا إله إلا الله: الاعتقاد الجازم أن الله تعالى هو الواحد الأحد، في أسمائه وصفاته، واستحقاقه للعبادة وحده لا شريك له.

وأن محمدًا عبده ورسوله، عليه الصلاة والسلام، يعني: يشهد أن محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، الهاشميَّ القرشيَّ، هو رسولُ الله حقًّا، لا نبيَّ بعده عليه الصلاة والسلام.

وأن عيسى عبدُالله ورسوله، وليس بثالثِ ثلاثةٍ، وإنما هو عبدُالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريمَ، كلمته: هي "كُنْ": إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، هذا معنى كلمة وكلمته، معنى "كلمته": أي كان بـ"كُنْ"، ولم يكن هو "كُنْ"، وإنما هو كان بـ"كُنْ".

وكلمته ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه، معنى "روح منه": أي روحٌ من جملة الأرواح، وليس معناه أنه روح الله، معنى ذلك: أنه روحٌ من جملة الأرواح التي خلق الله تعالى.

وأن الجنة حقٌّ، يشهد بأن الجنة حقٌّ؛ لأنه آمَنَ وصدَّق بما أخبره الله تعالى به وأَخْبَر به النبيُّ عليه الصلاة والسلام عن الجنة من أمورٍ غيبيةٍ؛ يؤمن بالغيب.

وأن النار حقٌّ؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل.

هذا يدل على عِظَم شأن التوحيد، وأن الإنسان في هذا يفوز بدخول الجنة إذا حقَّق ما أخبر به النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام مِن حديث عِتْبانَ  أنه قال: إن الله حرَّم على النار مَن قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله[3]رواه البخاري: 6422، ومسلم: 33.، وثبت من حديث جابرٍ  عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومَن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار[4]رواه مسلم: 93.. رواه مسلم.

وهذا يدل على عِظَم هذه الجنة، وأنها في الحقيقة هي المطلوبة وأعلى المطالب بعد رضا الله تعالى؛ ولهذا قال الله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة:71- 72].

هذا أكبرُ، رضوانُ الله تعالى أكبرُ من الجنة؛ فإذا رضي الله عن العبد يكون أعظم المطالب: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:72]. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الفوز العظيم.

ولا شكَّ أن هذا الأمر حينما يعلمه الإنسان لا بُدَّ أن يعلم تفصيل هذا التوحيد؛ ما دام أنه أعظمُ أسبابِ دخول الجنة ومَن حقَّقه دخل الجنة، فلا بُدَّ أن يعرف ما هو التوحيد.

فالتوحيدُ تحقيقُه: هو تخليصه وتصفيته من شوائب الشِّرك والبدع والمعاصي، يعني: مُصفًّى، عَسَلٌ مُصفًّى.

وهو في اللغة -كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى- مُشتقٌّ من: وَحَّدَ يُوَحِّدُ تَوْحِيدًا؛ أي: جَعَلَ الشيءَ واحدًا.

وفي الاصطلاح: إفراد الله تعالى بما يختص به من الأقوال، وبما يختص به من الأسماء والصفات، والألوهية والربوبية.

لا شكَّ أن هذا أمر عظيم ينبغي للمسلم أن يعلمه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذٍ  حينما أرسله إلى اليمن: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأَعْلِمْهم أن الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في اليوم والليلة[5]رواه البخاري: 1395، ومسلم: 19..

هذا يدل على أن التوحيد أولُ ما يُدعَى إليه؛ لأنه أعظم أسباب دخول الجنة: فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وفي روايةٍ: إلى أن يوحِّدوا الله[6]رواه البخاري: 7372.. هذا هو في الحقيقة أعظم المطالب: أن يُوحِّدوا الله تعالى، وبما أوجب الله تعالى عليه في هذا الأمر.

ولا شكَّ أن التوحيد هو تحقيق هذه الكلمة شهادة أن لا إله إلا الله: أنه لا معبود حقٌّ إلا الله؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام كما ذُكر عنه أنه كان يقول لقريشٍ: قولوا لا إله إلا الله؛ تُفْلحوا[7]رواه أحمد: 16023، وابن حبان: 6562، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 6528.، ولكنهم يعرفون معنى "لا إله إلا الله" فلم ينقادوا لها، يعرفون بأنهم إذا قالوا "لا إله إلا الله" تركوا جميع المعبودات التي يعبدونها من دون الله، فقالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]؛ فامتنعوا من هذا.

لكن للأسف! هناك مِن الناس مَن يعرف، بل مَن يقول: "لا إله إلا الله"، لكنه لا يعرف معناها؛ فالمشركون يعرفون أكثر منه، فهو يقول "لا إله إلا الله"، ويدعو غير الله! هذا في بعض البلدان، في بلدانٍ كثيرةٍ: الشرق والغرب والشمال والجنوب، في جميع أقطار الأرض إلا مَن عصم الله، يَدْعون الأولياء ويستغيثون بهم مِن دون الله.

ونحن في هذه البلاد في نعمةٍ عظيمةٍ، لكن عن طريق الوسائل تُنشر في بيوتنا -ما يعمله هؤلاء المشركون في بلادهم- داخل البيوت عن طريق هذه الوسائل، عن طريق هذه الاتصالات الحديثة؛ يجب على الجميع أن يحذروا من هذا وأن يعلموه؛ ولهذا بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه ذلك بيانًا واضحًا؛ ولهذا قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5].

ولا شكَّ أنَّ القرآن من أوله إلى آخره، كلام الله "المصحف" من أوله إلى آخره في التوحيد، وهذا يدل على عظمة التوحيد؛ أعظم أسباب دخول الجنة، "أعظم" يعني: ما هناك سببٌ أعظمُ من هذا السبب، بل إذا فُقد فلا دخول للجنة، إذا فُقد التوحيد والإخلاص لله تعالى. فلو أتى الإنسانُ بأعمالٍ كالجبال، تُصبح يوم القيامة هباءً منثورًا، كما قال الله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]؛ لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم.

الأمور التي اشتمل عليها القرآن الكريم

لهذا، هذا القرآن العظيم الذي بين أيدينا كله بالتوحيد، كيف ذلك؟ لا بُدَّ من البراهين على أن هذا القرآن من أوله إلى آخره بالتوحيد، كيف؟

جميع ما في القرآن لا يخرج عن خمسة أشياءَ أو عن خمسة أمورٍ:

  • إما خبرٌ عن أسماء الله وصفاته وأفعاله وأقواله، فهذا توحيد الربوبية والأسماء والصفات. هذا واحد.
  • الأمر الثاني: إما دعوةٌ إلى عبادة الله وحده، وخلع ما يُعبَد من دونه؛ فهذا توحيد الألوهية، توحيد العبادة.
  • الأمر الثالث: وإما أمرٌ ونهيٌ وإلزامٌ بطاعة الله تعالى، فهذا من حقوق التوحيد ومكملاته، لا بُدَّ من هذا.
  • الأمر الرابع: وإما خبرٌ عن أهل الشرك، فِعْل الله بهم في الدنيا والآخرة، وهذا جزاءُ مَن خرج عن التوحيد.
  • وإما خبرٌ عن أهل طاعة الله تعالى وإكرامهم وسعادتهم في الدنيا والفوز في الآخرة بجميع المطالب التي يرغبون فيها، قال: وهذا جزاءُ مَن عمل بالتوحيد.

فالقرآن كله في التوحيد: في حقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم. هذا يدل على أن هذا القرآن كله في التوحيد: في الحقوق والمُكملات، وجزاء من أطاع الله، وجزاء من عصى الله تعالى. هذا يدل على أن التوحيد هو أعظم أسباب دخول الجنة.

فإن فُقد هذا السبب، فلو عمل الإنسان بجميع الأسباب: صلَّى وصام وحجَّ وزكَّى، وبَرَّ والديه، وقام بالواجبات، وأنفق وجاهد في سبيل الله، وعمل جميع الأعمال، لكن فَقَد التوحيد؛ فهذه الأعمال كلها غير مقبولةٍ، كما سمعتم في الآية: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88].

هذا يدل على أن التوحيد هو أعظم أسباب دخول الجنة، مَن أتى به فاز، فإن كان قد كمَّله وكمَّل حقوقه وابتعد عما يضاده وما ينقصه؛ دخل الجنة مِن أول وهلةٍ، وإن قصَّر فيه لكن قام به دخل الجنة، وإن عوقب وإن طُهِّر لكن منتهاه إلى الجنة، إلا أن يعفو الله عنه؛ ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، ولا شكَّ أن هذا الأمر أمرٌ عظيم.

ثمار التوحيد وفوائده

التوحيد له ثمراتٌ يجنيها العبد، ثمراتٌ يحصل عليها العبد في الدنيا والآخرة، يعني: هذه الثمرات ثمرٌ يجنيه، والشجرة التي ليس فيها ثمرٌ لا فائدة فيها. فالتوحيد له ثمرةٌ، بل ثمارٌ كثيرةٌ، ومن هذه الثمرات:

مغفرة جميع الذنوب

أن الله تعالى يغفر بالتوحيد جميع الذنوب، جميع الذنوب يغفرها الله تعالى بالتوحيد، فهو يكون سعيدًا في الدنيا والآخرة؛ وهذا يدل عليه حديث عُبادةَ  كما سمعتم[8]سبق تخريجه.، وحديث عِتْبان : إنَّ الله حرَّم على النار مَن قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله[9]سبق تخريجه..

تفريج الكربات والعقوبات

والتوحيد هو السبب الأعظم في تفريج الكربات، في الدنيا والآخرة، وفي دفع العقوبات. هذا هو التوحيد، السبب الأعظم في تفريج الكربات، جميع الكربات، في الدنيا والآخرة. والكربات كثيرةٌ في الدنيا وكثيرةٌ في الآخرة؛ ولهذا بيَّن النبي أن: مَن فرَّج عن مُسلمٍ كربةً، فرَّج اللهُ عنه كُرْبةً من كُرَب يوم القيامة[10]رواه البخاري: 2442، ومسلم: 2580.. إذن؛ يدل على أن الكُرُبات كثيرة، لكن الله تعالى يُذهب هذه الكربات بالإخلاص له تعالى بالتوحيد.

المنع من دخول النار

من فوائد التوحيد أو من ثمرات التوحيد: يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبةٍ من خردلٍ، يمنع الخلود في النار؛ ولهذا ثبت أن النبي يشفع عليه الصلاة والسلام في أهل النار مِن المُوحِّدين الذين دخلوها بالذنوب: يصلِّي ويصوم ويزكِّي ويحجُّ ويطيع الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، ويقوم بالواجبات ويبتعد عن المُحرَّمات؛ لكن عنده كبيرةٌ من كبائر الذنوب، أو كبائرُ ما تاب منها ولم يَعفُ الله عنها[11]رواه البخاري: 7510، ومسلم: 193.؛ لأن الأصل عند أهل السُّنَّة والجماعة قولُه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:116]، وفي الآية الأخرى: فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]. إذن؛ مات على معصيةٍ، على جريمةٍ، ولم يغفر الله له ولم يَعْفُ عنه؛ يدخل النار لكنه يخرج منها.

ومن أسباب الخروج: شفاعةُ النبي عليه الصلاة والسلام، يشفع أربعَ شفاعاتٍ: فيُحَدُّ له حَدٌّ، فيُخرِجهم من النار من أهل التوحيد لكن عندهم كبائرُ، ثم يشفع مرةً أخرى فيُحَدُّ له حَدٌّ فيُخرِجهم، ثم ثالثةً ثم رابعةً، كلما يأتي يُحَدُّ له حَدٌّ، ثم لم يَبْقَ إلا مَن حبسه القرآن[12]رواه البخاري: 4476، ومسلم: 193.، أي: لم يأتِ بشيءٍ من التوحيد فكان من الكافرين.

هذا، إن لم يأتِ بناقضٍ من نواقض الإسلام؛ قد يصلِّي ويصوم ويزكِّي ويقوم بجميع أوامر الإسلام ويعمل بالتوحيد كذلك، لكنه أتى بناقضٍ من نواقض الإسلام: سبَّ الله أو سبَّ النبي عليه الصلاة والسلام، أو استهزأ بالدين، أو ظاهَرَ المُشركين على المسلمين، أعانهم، أو عمل عملًا أخرجه من الإسلام: استهان بدين الله تعالى، أو غير ذلك من نواقض الإسلام، ماذا يكون؟ مع الكافرين وإن جاء بالتوحيد، حتى لو جاء بالتوحيد؛ لأنه جاء بناقضٍ.

في الصلاة: إذا صلَّى الإنسان تَطهَّر وقام بالصلاة، مِن إحسان القيام وإحسان الصلاة على الوجه الأكمل، لكنه حصل له حدثٌ في الصلاة، حتى لو قام بأركان الصلاة وشروطها وواجباتها وخشع فيها لكنه أحدث حدثًا نقض الطهارة؛ فهذا صلاته غير مقبولةٍ؛ أحدث، ففَسَدت الصلاة. كذلك الدِّين يَفسُد إذا دخله ناقضٌ من نواقض الإسلام. نسأل الله العفو والعافية.

إذا كَمُل التوحيد في القلب منع الدخول إلى النار بالكليةً، ما يدخلها أبدًا؛ فكمَّل اللهُ التوحيدَ حتى يعلم الإنسان أن الأحاديث التي جاء في التوحيد لها شروطٌ ولها قيودٌ عظيمةٌ، فإن كمَّل التوحيد كمالًا تامًّا دخل الجنة من أول وهلةٍ، وقد يدخلها بغير حسابٍ ولا عذابٍ. فقد ثبت أن النبي رأى سوادًا عظيمًا، فقيل: من هؤلاء؟، قال: فظننتُ أنهم أمتي، قالوا: هذا قوم موسى، ثم رأى سوادًا عظيمًا قد سدَّ الأفق، فقيل: من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أُمَّتُك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذاب[13]رواه البخاري: 5705، ومسلم: 220.. وثبت في الحديث الآخر أن مع كلِّ واحدٍ من السبعين ألفًا سبعون كذلك: يعني: سبعون ألفًا ضَرْبَ سبعين ألفًا[14]رواه أحمد: 22، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 1057.، هؤلاء يدخلون الجنة بغير حسابٍ. هذا من فضل الله تعالى على أُمة محمدٍ .

والأمم كثيرةٌ، أصحاب النار أكثر بكثيرٍ، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه بيَّن أن أصحاب النار... بيَّن في حديث الإسراء والمعراج: حينما عُرج به إلى السماء رأى آدم، فإذا نظر إلى يمينه ضحك، وإذا نظر إلى شماله بكى، فهؤلاء الذين عن يمينه هم أهل الجنة من ذريته، والذين عن شماله أهل النار[15]رواه البخاري: 349، ومسلم: 163..

ويومَ القيامةِ يقولُ اللهُ تعالى: يا آدمُ، أَخرجْ بعثَ النار. فيقولُ: مِن كم يا ربِّ؟ قال: من كلِّ ألفٍ تسعُمئةٍ وتسعةٌ وتسعونَ إلى جهنم، وواحدٌ إلى الجنة. فعَظُمَ ذلك عندَ الصحابةِ ، أي: واحدٌ يدخلُ الجنة، وتسعُمئةٍ وتسعةٌ وتسعونَ إلى جهنم؛ قال اللهُ تعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116]، وقال تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13]، فعَظُمَ ذلك على صحابةِ أصحابِ النبيِّ ، فقال: إني لأرجو أن تكونوا ربعَ أهلِ الجنة، فكَبَّروا: اللهُ أكبر! يعني: فرحوا بهذا.

وهذا يدلُّ على أن السُّنَّةَ للمسلم إذا سُرَّ ودخلَه السرورُ لا يُصفِّق، وإنما يقول: اللهُ أكبر، إذا دخل عليه أمرٌ يسرُّه أو أُعجب بشيءٍ قال: سبحانَ الله، أو اللهُ أكبر. وقال : إني لأرجو أن تكونوا ثُلثَ أهلِ الجنة، فكبَّروا، فقال : إني لأرجو أن تكونوا شطرَ أهلِ الجنة. ثم بيَّن أن يأجوجَ ومأجوجَ هم مِن هؤلاء، ما كانوا في شيءٍ إلا كثَّروه[16]رواه البخاري: 3348 و6530، ومسلم: 222.. فهؤلاء.. الواحدُ من هؤلاء -من الألفِ الذين يدخلون الجنة- هو مِن أهلِ التوحيد، أمَّا البقيةُ فإلى النار، والعياذُ باللهِ تعالى، نسألُ اللهَ العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرة.

فلا شكَّ أن التوحيدَ إذا كَمُلَ في قلبِ العبدِ أدخله اللهُ الجنة من أول وهلةٍ؛ يحصلُ لصاحبِ التوحيدِ الهدى الكامل والأمنُ التامُّ في الدنيا والآخرة. هذا من ثمراتِ التوحيد، من ثمراتِ أعظمِ أسبابِ دخولِ الجنة: أنه يحصلُ على هذه الثمرة: الأمن، وكلٌّ منا يحبُّ الأمنَ في الدنيا والآخرة، كما قال اللهُ تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، الأمنُ الكامل، فإذا أتى بالتوحيد كاملًا حصل له الأمنُ التام، وإذا خرمه أو نقصه بالمعاصي حصل له الأمن لكنه ليس بتامٍّ، لا بدَّ أن يعفوَ اللهُ عنه أو يُطهَّر إن لم يتُبْ قبل موته. هذا مما يدلُّ على عِظَم أعظمِ أسبابِ دخولِ الجنة.

من أعظم.. من فوائد أو من أسباب أو من أمارات أعظمِ أسبابِ دخولِ الجنة: أنه السببُ الوحيدُ الواحدُ الأعظم، السببُ الوحيدُ لنيلِ رضا الله وثوابه؛ ولهذا قال النبيُّ لأبي هريرةَ  حينما قال: يا رسولَ الله، مَن أسعدُ الناسِ بشفاعتك يا رسولَ الله؟ قال: أسعدُ الناسِ بشفاعتي مَن قال: لا إلهَ إلا الله، خالصًا من قلبه أو نفسه. قال في الحديث: لقد ظننتُ أنه لا يسألني أحدٌ قبلك يا أبا هريرةَ هذا السؤال، ثم قال: أسعدُ الناسِ بشفاعتي من قال: لا إلهَ إلا الله، خالصًا من قلبه أو نفسه[17]رواه البخاري: 99..

هذا يدلُّ على أن السببَ الأعظم هو التوحيد، هو أعظمُ الأسباب في نيلِ رضوانِ اللهِ تعالى في الدنيا والآخرة، وإذا رضيَ اللهُ عنك كنتَ سعيدًا في الدنيا والآخرة؛ قال اللهُ تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المجادلة:22]، وقال تعالى: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:8]، وقال تعالى: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة:72]، فإذا رضيَ اللهُ عنك سعدتَ بالدنيا والآخرة.

قبول الأقوال والأعمال

وكذلك التوحيدُ هو في الحقيقة: جميع الأعمالِ والأقوالِ الظاهرة والباطنة متوقفٌ قبولُها على إخلاص العبادة لله تعالى، لا يَقبلُ اللهُ أيَّ عملٍ من الأعمال إلا بالتوحيد، الإخلاص لله تعالى، يرجو ثوابَ الله ويخشى عقابَه ويطمعُ في رضاه.

إذن؛ هذا من ثمرات التوحيد التي يحصل عليها العبدُ في الدنيا والآخرة، وكذلك في علوِّ الدرجات، وما يترتبُ على ذلك من الثواب.

تيسير فعل الخيرات وترك المُنكَرات

من هذه الثمرات لهذا التوحيد: أن الله تعالى يُسهِّل على العبد به فعل الخيرات، وترك المُنكَرات، ويُسلِّيه عن المُصيبات؛ فالمُخلِص لله تعالى في إيمانه وتوحيده تتحقق له الطاعة، ويحصل على ما يحبه الله تعالى، فيُحبِّبُ اللهُ تعالى له الإيمان، ويُزيِّنه في قلبه، ويُكرِّهُ اللهُ تعالى إليه الكفرَ والفسوقَ والعصيان؛ لأن هذا يدلُّ على أن للتوحيد ثمراتٍ عظيمةً لا تُحصَر في هذا المقام. إذا كَمُل التوحيدُ في القلب حبَّبَ اللهُ تعالى لصاحبه الإيمان، وكرَّهَ إليه الكفرَ والفسوقَ والعصيان، وجعله من الراشدين.

تهوين المكاره والمشقات

ومن ثمراتِ التوحيد: يُخفِّف الله تعالى على عبده المكاره ويُهوِّن عليه الآلام بحسب ما عنده من التوحيد، فإذا حصلت له مصيبةٌ لا قدَّرَ الله -نسألُ اللهَ لنا ولكم العفوَ والعافيةَ- في الدنيا والآخرة، وكان عنده توحيدٌ؛ خفَّفَ اللهُ عنه هذا الألم، وكذلك المكاره؛ يعلمُ بأن هذه الأمورَ بيدِ اللهِ تعالى، وأنه سيُعوِّضه، وأنه يُذهِبُها ويرفعُ درجاتِه بهذا الذي حصل له، فيحصل على هذا الخير الكثير، فينشرح صدرُه، وتطمئن نفسُه للإيمان بقضاء الله تعالى وقدره.

التحرر من رقِّ المخلوقين

ومن ثمرات التوحيد: يُحرِّرُ العبدَ من رقِّ المخلوقين، فلا يخضعُ ولا يذلُّ إلا لله، ولا يطمعُ إلا فيما عند الله، ولا يحبُّ إلا لله، ولا يمنعُ إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يصرفُ أيَّ عملٍ من أعماله إلا لله؛ ولهذا قال النبيُّ : مَن أحبَّ لله، وأبغضَ لله، وأعطى لله، ومنعَ لله؛ فقد استكمل الإيمان[18]رواه أبو داود: 4681، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3029.، إذا لم يُحرِّر العبدُ نفسَه.

أمَّا مَن أشرك بالله أو علَّق قلبَه بغير الله؛ كان عبدًا لغير الله تعالى، وذها دليلٌ على أنه غيرُ مُحرَّرٍ، مملوكٌ؛ ولهذا بيَّن النبيُّ في الحديث الصحيح: تَعِسَ عبدُ الدينار، تعِسَ عبدُ الدرهم، تعِسَ عبدُ الخميصة، تعِسَ عبدُ القطيفة[19]رواه البخاري: 2886.؛ لأنه عبدٌ لهذه الأشياء، وليس عبدًا خالصًا لله تبارك وتعالى.

مضاعفة ثواب الأعمال

كذلك إذا كمل التوحيدُ في القلب، وتحقَّق تحقُّقًا بالإخلاص التام؛ فإن العملَ القليل يصيرُ كثيرًا، عملٌ قليل لكن اللهَ يجعلُ هذا العملَ كثيرًا مُباركًا؛ ولهذا قال النبيُّ لرجلٍ أسلم، يقول: يا رسولَ الله، أُسْلِمُ فأُقاتل، أو أُقاتِل؟ قال: أَسْلِمْ، ثم قاتِل. أَسْلِم أولًا ثم قاتِل؛ لأنه لا ينفع القتال إلا بالتوحيد. فأسلَمَ ثم قاتَلَ فقُتِل قبل أن يسجدَ للهِ ركعةً واحدةً، فقال النبيُّ : عَمِلَ قليلًا وأُجِرَ كثيرًا[20]رواه البخاري: 2808..

وقال في قصةٍ أخرى: جاءه رجلٌ فعلَّمه الإسلام، فأقرَّ بالإسلام وهو على راحلته، فسقط خُفُّ البعير في جُحْرِ يربوعٍ فسقط الرَّجلُ، فقيل: عليكم بالرجل، فوجدوه قد مات. فقال النبيُّ : عَمِلَ قليلًا وأُجِرَ كثيرًا. قال الراوي حمَّاد: كرَّرها ثلاث مراتٍ، قال : عَمِلَ قليلًا وأُجِرَ كثيرًا[21]رواه أحمد: 19158..

سبحانَ الله! ما عمل أيَّ عملٍ إلا أنه انقاد لله تعالى بقلبه، دخل الإيمان في قلبه، وأقرَّ بلسانه على أنه يقوم بجميع أمور الإسلام، فمات قبل أن يعمل، فعمل قليلًا وأجرُه كثيرٌ، بهذه النية، كما قال النبيُّ : إنما الأعمالُ بالنيات[22]رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.. ولا شكَّ أن هذا من الفضل العظيم.

التسديد في الأقوال والأفعال

إذا قام العبدُ بالتوحيد تكفَّل الله تعالى لأهل التوحيد بالفتح والنصر، والعزِّ والشرف، وحصول الهداية، والتيسير لليسرى، وكذلك إصلاح الأحوال، والتسديد في الأقوال والأفعال لمن قام بالتوحيد. هذه من الثمرات التي يجنيها العبد المسلم من توحيد الله تعالى.

يدفع الله تعالى عن أهل التوحيد، المُوحِّدين أهلِ الإيمان، شرورَ الدنيا والآخرة، ويمنُّ عليهم بالحياةِ الطيبة، كما قال اللهُ تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38]: أي يدفعُ عنهم شرورَ الدنيا والآخرة. هذا من فضل الله تعالى على عباده أهلِ التوحيد.

التحذير مما يضاد التوحيد

ولعِظَم هذا التوحيد، حذَّرَ اللهُ من ضدِّه مما يُبطله؛ لأن الإنسان إذا صلى فالطهارةُ لها نواقضُ، فإذا توضأ الإنسان وكان على طهارةٍ فصلاتُه مقبولةٌ ما لم يُحدِث.

فكذلك اللهُ تعالى ورسولُه قد بيَّنَا لنا ما يَنْقُض هذا التوحيد، ما يُفسده، ما يُبطله، وهو الشركُ باللهِ تعالى، وهو أن يصرفَ العبدُ نوعًا من أنواعِ العبادة لغيرِ اللهِ تعالى؛ الخوفُ والرجاءُ العبادةُ للهِ تعالى، هذه من أعظمِ العبادات: الخوفُ، والرجاءُ، والتوكُّلُ، والرغبةُ، والرهبةُ، وغيرُ ذلك من أنواعِ العبادة لا تُصرَفُ إلا لله. فإن صُرِفَ شيءٌ منها لغيرِ الله بَطَلَ التوحيدُ، انتقضَ التوحيدُ بالناقض.

نواقضُ الطهارة هذه في الحقيقة من أعظمِ النواقض؛ ولهذا قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام لعبدِالله بن مسعودٍ ، قال: يا رسولَ الله، أيُّ الذنبِ أعظم؟ يعني أكبر الذنوب، ما هو؟ فقال : أن تجعلَ للهِ نِدًّا وهو خلقك: نِدًّا: أي مثيلًا وشبيهًا ونظيرًا، قال : أن تجعلَ للهِ نِدًّا وهو خلقك. قال: قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال : أن تقتلَ ولدَك خشيةَ أن يطعمَ معك: هذا جمعٌ بين القتل وبين قطيعةِ الرحم. قال: قلتُ: ثم أيٌّ؟ ثالثة. قال: أن تُزانيَ بحليلةِ جارِك[23]رواه البخاري: 4477، ومسلم: 86..

هذه الذنوبُ أعظمُ الذنوب، هذا الزنا حرَّمَه اللهُ تعالى في كتابه، وحرَّمَه النبيُّ عليه الصلاة والسلام؛ قال اللهُ تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ۝ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ۝ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68- 70].

هذا الزنا من أعظمِ الجرائم، لكن مع ذلك أضاف إليه الغدرَ والخيانةَ للجار، بدلَ أن يقومَ بحمايةِ عِرْضِه، وقع في عِرْضِه وأفسدَ عليه أهلَ بيته، فهو يكون من أعظمِ الجرائم، وليس معنى ذلك أنه به التخفيف عن الزنا -والعياذُ بالله-، لكنه ذنبٌ عظيمٌ، وتَضاعَف حينما كان في جارِه، في أهلِ بيت جارِه.

قال : أيُّ ذنبٍ أعظم؟ قال : أن تجعلَ للهِ نِدًّا وهو خلقك. قال: قلتُ: ثم أي؟ قال : أن تقتلَ ولدَك خشيةَ أن يطعمَ معك. قال: قلتُ: ثم أي؟ قال : أن تُزانيَ بحليلةِ جارِك[24]سبق تخريجه.. نسألُ اللهَ العفوَ والعافية.

وهذا الشركُ كذلك يُقالُ له: مساواةُ الله فيما هو بغيرِ الله، فيما هو من خصائصِ الله تعالى؛ ولهذا قال اللهُ تعالى عن المشركين إنهم قالوا يومَ القيامة: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ۝ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:97- 98]؛ تسوية!

فلا بدَّ أن يعلمَ الإنسانُ هذه الأمور؛ حتى يعلمَ بأنَّ اللهَ تبارك وتعالى هو المُستحقُّ للعبادة؛ ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:116]، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48].

والخلاصةُ: أن هذا التوحيد -في الحقيقة- مَن حقَّقه وقام بما يجبُ نحوه؛ كان من الفائزين في الدنيا والآخرة.

وعلى المسلم أن يُكثِر: كيف يكون الإنسانُ مُوحِّدًا؟ أَكْثِرْ من سماعِ دروسِ التوحيد، أَكثِرْ من سماعِ قراءةِ التوحيد، أَكثِرْ من حضورِ دراسة -يعني: مجالس- التوحيد؛ ولهذا العملُ القليلُ يصبحُ كثيرًا، يصبحُ كالجبال مع الإخلاصِ لله تعالى، والأعمالُ التي تكونُ كالجبال لكنها فقدت توحيدًا تكونُ هباءً منثورًا.

وأسألُ اللهَ تعالى، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا، أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

وأسأله بوجهه الكريم أن يجعلني وإياكم من الموحِّدين المخلصين لله ربِّ العالمين، الذين لا يرجون إلا هو، ولا يتوكَّلون إلا عليه، ولا يستغيثون إلا به، ولا يعملون أيَّ عملٍ إلا من أجله ، وأن يُعيذَنا وإياكم من شرور أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا؛ إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الأسئلة

المُقدِّم: اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبِه أجمعين.

جزى اللهُ فضيلةَ الشيخ عنَّا خيرَ الجزاء من الله ؛ أن يُعظِمَ له الأجر، ويُجزلَ له المثوبة، وأن يُسدِّدَ الجميع على طاعته ومرضاته في الأقوال والأفعال. أَصْلِح دينَنا ودنيانا ومحيانا ومماتَنا.

نعرض ما تيسَّر من الأسئلة:

س: يقول السائل: فضيلةَ الشيخ، جزاكم اللهُ خيرَ الجزاء على ما بيَّنتم، سؤالي: نأملُ منكم التعليقَ والتوجيهَ حول تناقل بعض الناس لمقاطع الشرك الأكبر للرافضة ونحوِهم، ويقول بعضُهم: إنه ينقلها أو يُرسلها في الأجهزة على سبيل السخرية، مع أن هذا قد يُهوِّن صورَ الشركِ الأكبر في النفوس، الاستغاثة بغير الله ودعاء غير الله.

ج: هذا في الحقيقة من أعظم الأسئلة، ومما يدلُّ على رجاحة عقل السائل، وعليه أن يحمد الله على هذا الخير الذي أعطاه بقلبِه؛ لأن بعض الناس للأسف يقول: التوحيدُ عندنا الحمد لله، ما يحتاج أن نسمع التوحيد؛ نحن أهلُ التوحيد. قد يُقال بأن هذا في سنينَ ماضيةٍ قبل خمسين سنةً وما يقاربها، لكن ليس على ظاهره، لكن قد يُقال: لأن وسائل الاتصال لم تنتشر في ذاك الوقت كما انتشرت الآن.

أما الآن، فالشرك يدخل كلَّ بيتٍ، مَن لم يُشرِك يُشاهد أهلَ الشرك كالرافضة وغيرِهم، فالذي ينشر هذا الشرك يكون مشاركًا -والعياذ بالله تعالى- في الشرك؛ لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام قال: مَن دعا إلى هُدًى كان له من الأجر مثلُ أجورِ من تَبِعَه من غيرِ أن ينقصَ من أجورِهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثمِ مثل آثام مَن تَبِعَه[25]رواه مسلم: 2674..

هذا ما دعا إلى ضلالةٍ بلسانِه، وإنما دعا لنشر الباطل بين الناس، ثم قد يقول بأنه مِن أجل الشرك، من أجل السخرية بهم، فيأتي ينظر إليه ضعفاء النفوس من النساء والأطفال وغيرِهم فيستحسنون هذا العمل، فإذا استحسنوه فإنهم يقعون في الردة، والعياذ بالله تعالى!

فلا يجوز نشر الباطل بين الناس، انشر التوحيد، انشر تحذيرًا من الشرك، ولا تنشرْ أعمال هؤلاء.

فعليك يا عبدَالله أن تتقيَ الله تعالى، وألا تُشارك في هذا الشر -نسألُ اللهَ العافية-؛ ولهذا قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: مَن دلَّ على خيرٍ فله مثلُ أجرِ فاعله[26]رواه مسلم: 1893.، حتى الدلالة على الخير، لا تنشر الخير إلا إذا علمتَ بأنه من الخير.

كثيرٌ من الناس ينشر المقاطع التي يرسلُها بعضُ الناس: إما أن يكون حديثًا ضعيفًا، وإما أن تكون بدعةً، وإما أن تكون... لا تَقْبلْ أيَّ عملٍ ولا تَنْشُرْه إلا إذا تيقَّنتَ بأنه صحيحٌ، وأن الحديث الوارد فيه صحيحٌ عن أهل العلم، أو لا تنشر، لا تُشارك في الباطل: لا في الشرك ولا في غيرِه، ولا في البدع ولا في المعاصي. نسألُ اللهَ العفوَ والعافية.

س: يقول السائل: ما حكم من يقول إذا فعل شيئًا: فعلتُ الذي عليَّ، والباقي على الله؟

ج: الذي يظهر -واللهُ أعلم- أن هذا كلامٌ لا ينبغي أن يُقال؛ لأن الأمور كلها بيد الله. يقول: فعلتُ ما فعلتُ، وأسألُ اللهَ التوفيقَ والتسديدَ والإعانةَ والقبول.

الباقي على الله... فكلُّ الأمور بيدِ الله تعالى، إنما الأفضل أن يقول: هذا العملُ عملتُه، نسألُ اللهَ القبول، نسألُ اللهَ التوفيقَ والتسديدَ والإعانة.

س: نختمُ بهذا السؤال، يقول السائل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جزاك اللهُ خيرًا، ما صحةُ ما جاء في السُّنَّة من الأمر بكفِّ الصبيان عن الخروج عند غروب الشمس؟ وهل هذا يشمل كفَّهم عن اللعب خارجَ المنزل فقط، أو يشمل الأمر ما في داخل البيت وخارجه؟

ج: النبيُّ عليه الصلاة والسلام ما ترك خيرًا إلا دلَّ أُمتَه عليه، ولا شرًّا إلا حذَّرها منه عليه الصلاة والسلام، هو أَمَر بكفِّ الصبيان في وقت العشاء، أي: عند غروب الشمس، حتى يذهبَ الليل أو معظم الوقت، يعني: بعد غروبِ الشمس[27]رواه البخاري: 3280، ومسلم: 2012.؛ لأن الشياطين تنتشر كما بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام.

وقد ثبت بالتجارب أن كثيرًا من الناس حصل له جنونٌ أو حصل له أمراضٌ، من الأطفال، أثناء اللعب في هذا الوقت بعد غروب الشمس؛ فلهذا النبيُّ عليه الصلاة والسلام دلَّ الأمةَ على ذلك، وهو حديثٌ ثابتٌ عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام في مسلمٍ وفي غيرِه؛ فالمسلمُ عليه أن يُعنَى بهذه السُّنَّة ويجتهد، والتوفيق بيدِ الله تعالى.

ثم أنبِّه في آخرِ كلمتي هذه إلى أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام حثَّ على صيامِ شعبانَ، وكان يصوم عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام حينما سُئل عن صيامِه لشعبان، قالوا: نراك تُكثرُ من الصيام في شعبان؟ فقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ذاك شهرٌ يغفلُ عنه الناس، بين رجبَ ورمضانَ، وتُعرَضُ الأعمالُ فيه على ربِّ العالمين، وأحبُّ أن يُرفَع عملي وأنا صائم[28]رواه النسائي: 2357، وأحمد: 21753، وحسَّنه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2221..

وثبت عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت: "كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام يصومُ شعبانَ كلَّه إلا قليلًا"[29]رواه مسلم: 1156.. كان يصومُه إلا قليلًا، وفي روايةٍ: "كان يصومُه كلَّه"[30]رواه البخاري: 1970، ومسلم: 1156..

وحديثُ أمِّ سلمةَ رضي الله عنها أنها قالت: "ما صام نبيُّ الله عليه الصلاة والسلام شهرًا تامًّا إلا شعبانَ، يصله برمضانَ"[31]رواه أبو داود: 2336، والنسائي: 2353، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2217.. وفي روايةٍ قالت: كان يصلُ بين شعبانَ ورمضان، الرواية قالت: "ما صام شهرين متتابعين إلا رمضانَ وشعبان"[32]رواه الترمذي: 736، والنسائي: 2175، وأحمد: 26562، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2055..

والجمعُ بين هذه الأحاديث -كما ذكر العلماءُ المُحقِّقون-: أنه كان عليه الصلاة والسلام يصوم أكثرَ شعبان، ويُفطِر قليلًا، هذا في غالب أحواله، وكان أحيانًا يَصِلُ شعبانَ برمضان، كان أحيانًا كما قالت أمُّ سلمة: "يصلُ شعبانَ برمضان"، أما غالبُ الأحوال فكان عليه الصلاة والسلام يصومُ شعبانَ ويُفطر بعضَه، يصومُه إلا قليلًا.

هذا هو هَدْيُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام في ذلك، وهذا سُنَّةٌ مؤكدةٌ وليس بواجبٍ، لكن هذا من أعمال أهل الغُرَف في جناتِ النعيم؛ فالنبيُّ عليه الصلاة والسلام بيَّن أن أهل الجنة يتراءون أصحابَ الغُرَف كما تَرَاءَوْنَ الكوكبَ الغابرَ في المشرق والمغرب[33]رواه البخاري: 6555، ومسلم: 2831.. فالجنةُ كذلك، هم في الجنة يرون النجومَ كالنجوم، أصحابُ الغُرَف التي يُرى ظاهرُها من باطنِها، وباطنُها من ظاهرِها.

فقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: إن هذه الغُرَف أعدَّها اللهُ لمن أَلَانَ الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام[34]رواه الترمذي: 1984، وأحمد: 22905، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 2123..

تابع الصيام بمعنى: المشروع الذي شرعه الله: الاثنين والخميس، وثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، وستة أيامٍ من شوَّال، وغير ذلك على حسب ما تيسَّر، وصيام عشرِ ذي الحجة، وكذلك شعبان، وكذلك عاشوراء، وغير ذلك. هذا معنى تابع الصيام: أي المشروع.

وتابع الصيام، وصلَّى بالليل والناس نيام، هذه الغُرَف أعدَّها الله تعالى لهؤلاء.

أسأل الله لي ولكم التوفيق والتسديد، والعلم النافع، والعمل الصالح.

وأسأله بوجهه الكريم أن يتقبَّل منَّا ومنكم. وجزاكم الله خيرًا.

وصلَّى الله وسلَّم على سيدنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

^1 رواه أبو داود: 792، وابن ماجه: 910، وأحمد: 15898، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 757.
^2 رواه البخاري: 3435، ومسلم: 28.
^3 رواه البخاري: 6422، ومسلم: 33.
^4 رواه مسلم: 93.
^5 رواه البخاري: 1395، ومسلم: 19.
^6 رواه البخاري: 7372.
^7 رواه أحمد: 16023، وابن حبان: 6562، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 6528.
^8, ^9, ^24 سبق تخريجه.
^10 رواه البخاري: 2442، ومسلم: 2580.
^11 رواه البخاري: 7510، ومسلم: 193.
^12 رواه البخاري: 4476، ومسلم: 193.
^13 رواه البخاري: 5705، ومسلم: 220.
^14 رواه أحمد: 22، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 1057.
^15 رواه البخاري: 349، ومسلم: 163.
^16 رواه البخاري: 3348 و6530، ومسلم: 222.
^17 رواه البخاري: 99.
^18 رواه أبو داود: 4681، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3029.
^19 رواه البخاري: 2886.
^20 رواه البخاري: 2808.
^21 رواه أحمد: 19158.
^22 رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.
^23 رواه البخاري: 4477، ومسلم: 86.
^25 رواه مسلم: 2674.
^26 رواه مسلم: 1893.
^27 رواه البخاري: 3280، ومسلم: 2012.
^28 رواه النسائي: 2357، وأحمد: 21753، وحسَّنه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2221.
^29 رواه مسلم: 1156.
^30 رواه البخاري: 1970، ومسلم: 1156.
^31 رواه أبو داود: 2336، والنسائي: 2353، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2217.
^32 رواه الترمذي: 736، والنسائي: 2175، وأحمد: 26562، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2055.
^33 رواه البخاري: 6555، ومسلم: 2831.
^34 رواه الترمذي: 1984، وأحمد: 22905، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 2123.