محاذاة النص
حجم الخط
جدول المحتويات
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70- 71].
مكانة الصلاة في الإسلام
أيها الإخوة في الله، لا شكَّ أن الصلاة هي الركن الأعظم بعد الشهادتين؛ فبعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله عليه الصلاة والسلام، تأتي الصلاة، فهي الركن الثاني من أركان الإسلام، والدِّعامة العظيمة التي تَفصِل بين المسلم والكافر.
فلا شكَّ أن هذه الصلاة لها مكانةٌ ولها منزلةٌ ولها عظمةٌ، فينبغي للمسلم أن يعلم ذلك؛ حتى يعتنيَ بأمرٍ عظَّم الله شأنه، وعظَّم شأنَه النبيُّ صلوات الله وسلامه عليه.
ولا شكَّ أن الصلاة في اللغة: هي الدعاء، كما قال الله : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103].
فلا شكَّ أن معنى الصلاة الدعاء؛ لأنها تشتمل على أنواع الدعاء: على دعاء العبادة ودعاء المسألة..
- فدعاء المسألة: كأن يسأل الإنسان ربَّه: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار؛ هذا دعاء المسألة.
- ودعاء العبادة: هو الأعمال التي يقوم بها الإنسان ابتغاءَ مرضاة الله، يطلب الجنة، ويطلب الهروب من النار؛ هذا معناه دعاء العبادة، أي: أن الإنسان يعمل العمل طلبًا لمرضاة الله تعالى، ورغبةً في ما عنده، فهي تشتمل على النوعين.
وهي في الشرع -كما تعلمون- عبادةٌ ذات أقوالٍ وأفعالٍ مخصوصةٍ معلومةٍ، مُفتتَحةٌ بالتكبير، مُختتَمة بالتسليم، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام ذلك في أحاديث: مِفتاحُ الصلاةِ الطُّهور، وتحريمُها التكبير، وتحليلُها التسليم[1]، وهذا معلومٌ.
حكم الصلاة
ولا شكَّ أنَّ الصلاة حُكمها: فرضُ عينٍ على كل مسلمٍ عاقلٍ بالغٍ، هي فرضُ عينٍ، وركنٌ من أركان الإسلام، فقد قال الله : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ [البينة:5]، وقال تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103].
وقد أوصى النبي عليه الصلاة والسلام مُعاذًا حينما بعثه إلى اليمن، فقال : إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، فإن أطاعوا لذلك؛ فأعلِمْهم أن الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في كل يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوا لذلك؛ فأعلِمْهم أن الله افترض عليهم صدقةً تُؤخَذ من أغنيائهم فتُرَدُّ في فقرائهم، وقال عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: واتَّقِ دعوةَ المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجابٌ[2]. هذا بيانٌ منه عليه الصلاة والسلام أن الصلاة هي أعظم دعائم الإسلام بعد الشهادتين.
وثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام، من حديث عبدالله بن عُمَرَ رضي الله عنهما، أنه قال: بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، وصومِ رمضان، وحجِّ البيت[3].
وقد أجمعت الأُمة على أنَّ الصلاة فريضةٌ، خمس صلواتٍ في اليوم والليلة على كل مسلمٍ.
الأدلة على منزلة الصلاة ومكانتها
ولا شكَّ أن منزلة الصلاة ومكانة الصلاة تتبيَّن من أدلةٍ من كتاب الله وسُنة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فهي عماد الدين، ورأس الدين، عمود الدين، فإذا سقط العمود سقط ما بُنِيَ عليه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: رأسُ الأمرِ الإسلامُ، وعمودُه الصلاةُ، وذُرْوَةُ سَنَامِه الجهادُ[4]، هكذا يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه. فإذا كانت الصلاة هي عمود الإسلام، فإذا سقطت سقط الإسلام، لا شكَّ في ذلك.
وهي أول ما يُحاسَب به العبد يوم القيامة، فإنْ صَلَحَت فقد أفلحَ وأنجحَ -كما ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام- وإنْ فَسَدَت فقد خابَ وخَسِرَ[5].
وثَبَتَ في روايةٍ أخرى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الإسلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فكلما انْتَقَضَت عُرْوَةٌ تشبَّثَ الناسُ بالتي تَلِيها، وأولهنَّ نقضًا الحكمُ، وآخِرُهنَّ الصلاةُ[6]. وفي روايةٍ أخرى: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة[7].
والخلاصة: أن الصلاة إذا سقطت وتُركت، فلا دينَ ولا إيمانَ ولا إسلام؛ لأنه قد ذهب الإسلام كله، إذا تركها مُتعمدًا وجاحدًا لوجوبها.
وثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام، في حديثٍ آخرَ، أنه بيَّن أن أول ما يُحاسَب به العبد يوم القيامة من عمله: صلاتُه، فإن صلحت فقد أفلحَ وأنجحَ، وإن نقصت قال الله لملائكته: انظروا هل لعبدي من تطوُّعٍ فيُكمَّل بها ما انتقص من الفريضة؟، ثم تكون العبادات على نحو ذلك[8]؛ الزكاة وغيرها من أمور الإسلام. يُنظَر إلى الفرائض، فإن كمُلت وتمَّت، وإلا نُظِر إلى النوافل تُكمَّل بها الفرائض.
ولا شكَّ أن النبي عليه الصلاة والسلام أوصى بهذه الصلاة، ومما يدلُّ على عِظَم منزلتها: أنها كانت آخر كلمةٍ تكلَّم بها النبي عليه الصلاة والسلام في وصيته عليه الصلاة والسلام للناس، آخر ما كان يقول عليه الصلاة والسلام: اللهم الرفيقَ الأعلى[9]، لكن من آخر وصاياه التي أوصى بها عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: الصلاةَ... -أي: الزموا الصلاة- الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكَت أيمانُكم، حتى كان عليه الصلاة والسلام يُلَجْلِجُلها في صدره، وما يُفِيص بها لسانُه صلوات الله وسلامه عليه[10]. وهذا يُبيِّن عِظَم الصلاة، وأن لها الشأن العظيم الذي بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه، حتى كانت من آخر وصاياه.
وهي كذلك من آخر وصايا أهل العلم والإيمان والتقوى؛ فقد كانت من آخر وصيةٍ لعُمَرَ حينما طُعِنَ وهو يُصلي بالناس، أُغمِيَ عليه ، وحينما أفاق، هل تدرون ماذا قال؟ حينما أفاق لم يقل: مَن قتلني؟ وإنما قال: "أصلَّى الناس؟"، قالوا: نعم، فقال: "أما إنه لا حظَّ في الإسلام لأحدٍ ترك الصلاة"، ثم بعد ذلك سأل عمَّن قَتَلَه رضي الله عنه وأرضاه. وقد دلَّ ذلك على أنَّ الصلاة كانت من أهم الأمور عند أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، حتى من لحومهم ودمائهم. فكان أول ما سأل عن الصلاة: "هل صلَّى الناس؟"، ثم قال: "من قتلني؟"، فقالوا: أبو لؤلؤة، فقال: الحمد لله الذي لم يُلوِّث يدَ مسلمٍ بدمي. وهذا يدل على أنَّ الصلاة من أعظم الأمور التي ينبغي للإنسان أن يعتنيَ بها، كما اعتنى بها النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه.
والصلاة مَدَحَ الله القائمين بها وأثنى عليهم ، فقال سبحانه: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم:54- 55]، فمدحهم الله تعالى.
وقال : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59]، فذمَّ الله المُضيِّعين لها كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4- 5]، وقال سبحانه: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142]، فذمَّهم الله تعالى على كسلهم، ولم يقل: لم يُصلُّوا، وإنما بيَّن أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142].
وبيَّن الله ، عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، أنها أعظم دعائم الإسلام كما تقدَّم. افتتح الله بها أعمال المؤمنين واختتمها بها، فقال سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1- 2] الآيات، حتى قال: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:9- 11].
فرضها الله تعالى في السماء، فوق سبع سماواتٍ، هذا يدل على عِظَم شأنها. فجميع الفرائض والأركان فُرضت في الأرض عن طريق جبريل، عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، يأتي جبريل بالوحي ويُلقيه إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ إلا الصلاة، فرضها الله مباشرةً، وكلَّم الله النبي عليه الصلاة والسلام تكليمًا، وأمره بالصلاة فوق سبع سماواتٍ.
فرض الله الصلاة خمسين صلاةً في اليوم والليلة على نبيِّنا محمدٍ في أول الأمر، فما زال يُراجع موسى ، بين موسى وبين الله ، فحينما أتى إلى موسى سأله عن الصلاة، فقال : فرض خمسين صلاةً في اليوم والليلة، قال موسى : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك؛ فرجع إلى الله وسأله، فخفَّف خمسًا، ثم رجع إلى موسى فقال: ارجع فاسأله التخفيف، فرجع مراتٍ حتى قال: فرض خمس صلواتٍ في اليوم والليلة، فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإني قد جرَّبتُ بني إسرائيل -أو كما قال موسى عليه الصلاة والسلام- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: قد واللهِ استحييتُ من ربي، فسمع مناديًا يقول: قد أمضيتُ فريضتي، وخفَّفتُ عن عبادي[11].
وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن مَن حافظ على هذه الصلوات الخمس فهي تكون له خمسين صلاةً، تكون في الأعمال خمس صلواتٍ وفي الميزان خمسين صلاةً، من فضل الله تعالى. فمَن حافظ على هذه الصلوات الخمس في اليوم والليلة، كُتِبَ في موازين حسناته خمسون صلاةً في اليوم والليلة. هذا من فضل الله تعالى على عباده تبارك وتعالى[12].
أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقضاء هذه الصلاة للنائم والناسي، هذا يدل على عِظَمها، وأن الناسي لا شيء عليه، لكنه يقضي الصلاة. فلو نسيَ الإنسان الصلاة أُمِر بقضائها، كما ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام: مَن نسيَ صلاةً أو نام عنها، فكفَّارتُها أن يُصَلِّيَها إذا ذَكَرها[13]. وهذا يدل على عِظَمها، وأن الإنسان يُصلِّيها حتى لو نسيها. وكذلك لو أُغمِيَ عليه يقضيها، إذا كان الإغماء ثلاثة أيامٍ -كما ذكر المُحقِّقون من أهل العلم- فأقل؛ لأنهم ألحقوا الإغماء ثلاثةَ أيامٍ فأقل بالنوم. أما إذا كان أكثر من ثلاثة أيامٍ، فأُلحِقَ بزوال العقل، بالجنون. فإذا أُغمِيَ على الإنسان، فإنه يُصلِّيها.
ومن مكانتها: أنه يُصلِّيها الإنسان على أي حالٍ كان، سواءٌ أكان جالسًا أو قاعدًا أو مُضطجعًا، على حسب حاله، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة المريض: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ[14]، فإن لم تستطع فمُستلقيًا في رواية النسائي؛ فهو يُصلِّيها على أي حالٍ كان. ولا تسقط الصلاة عن الإنسان المسلم ما دام عقله ثابتًا، يُصلِّيها على أي وجهٍ كان.
ولكن بعض الناس يؤخِّر الصلاة إذا كان مريضًا حتى يُشفى، وهذا خطأٌ واضحٌ؛ لأن الإنسان قد يموت، فإذا مات كان تاركًا للصلاة. وهذا يدل على عِظَم شأنها، وأنَّ الإنسان يُصلِّيها حتى لو كان مريضًا، أو كان ناسيًا قد أُنسيها فإنه يقضيها.
حكم تارك الصلاة
ولا شكَّ أنَّ الصلاة قد بيَّن الله حُكم من تركها، فلو تركها الإنسان مُتعمدًا جاحدًا لوجوبها؛ فهذا الإنسان يكون كافرًا مُرتدًّا عند جميع العلماء. يقول: الصلاة ليست بواجبةٍ؛ فهذا يكون كافرًا. أما إذا تركها كسلًا وتهاونًا وتفريطًا حتى يخرج وقتها، فاختلف أهل العلم في ذلك؛ منهم من قال: يكون كافرًا، ومنهم من قال: لا. يكون عاصيًا مُجرِمًا يستحق العقوبة، ولا يَخرُج من الإسلام؛ لأنه قال: لا إله إلا الله.
ولا شكَّ أن الصواب مع مَن قال بأنه يَكفُر كفرًا أكبر يُخرِجه عن الإسلام؛ لقول الله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم:42- 43]. يوم القيامة يتجلى الله لأهل الموقف ممن يدَّعي الإسلام، من المؤمنين والمنافقين، فيرونه ، فإذا رآه المؤمنون الذين قد أخلصوا في عبادتهم لله تعالى خرُّوا سُجَّدًا، وسجدوا لله تعالى. أما المنافقون فإنهم يحاولون أن يسجدوا، ولكن لا يستطيعون السجود، تُصلَّب ظهورهم وتتعمد فلا يستطيعون السجود، فيبقون على حالة الوقوف ولا يسجدون مع الناس، فبيَّن الله ذلك؛ فدلَّ ذلك على أن تارك الصلاة يُلحَق بالمنافقين، الذين قد خادعوا الله ورسوله عليه الصلاة والسلام.
ومما يدل على ذلك قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر:38- 46]، فقَرَنَ الله تارك الصلاة بهؤلاء، وبيَّن أنَّ مِن أسباب دخولهم النار ترك الصلاة؛ فإنهم من المُجرِمين، بيَّن الله أنهم من المُجرِمين.
وبيَّن الله أنَّ مَن ترك الصلاة لا يكون أخًا للمؤمنين، ولا يُخلَّى سبيلُه، فقال سبحانه: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5]، دلَّت هذه الآية على أنَّ مَن ترك الصلاة فإنه لا يُخلَّى سبيله. وقال : فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11]، في الإسلام، دلَّ ذلك على أنَّ مَن ترك الصلاة لا يكون أخًا للمؤمنين في الله تعالى ولا في الدين، بل يكون من الكافرين كما دلَّت عليه الآية.
وثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الكثيرة أنه يكون كافرًا، منها: ما رواه مسلمٌ أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: بينَ الرَّجُل وبينَ الشِّرْكِ والكُفرِ تركُ الصلاة[15] هذا الحديث رواه مسلمٌ. وهذا يدلُّ على أن الفرق بين المسلم وبين المُشرِك الصلاة. ذكر ابن تيمية رحمة الله عليه أن "ال" إذا دخلت على الكلمة في التعريف فهي تدل على الكُفر الأكبر، فإذا قال: الكفر؛ فحينئذٍ يكون الأكبر. قال : بينَ الرَّجُل وبينَ الشِّرْكِ والكُفرِ تركُ الصلاة[16]، هذا يدل على أنَّ مَن تركها يكون كافرًا.
وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الفرق بيننا وبين الكفار الصلاة، فقال: العهدُ الذي بينَنا وبينَهم الصلاةُ، فمَن تَرَكها فقد كَفَرَ[17].
وعن عبدالله بن شقيق قال: "كان أصحابُ محمدٍ لا يَرَوْنَ شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ غيرَ الصلاة"[18]، أي: من الأعمال الظاهرة، ما يَرَوْنَ شيئًا من الأعمال المتروكة تركُه كفرٌ إلا الصلاة. وأجمع الصحابة -كما ذكر ابن القيم رحمة الله عليه في كتاب الصلاة- على كُفر تارك الصلاة؛ هكذا ذكر ابن القيم رحمة الله عليه، وذكر أكثر من اثنين وعشرين دليلًا على أنَّ مَن ترك الصلاة يكون كافرًا الكفر الأكبر لا الأصغر.
وهذا يدلُّ على عِظَم مكانة الصلاة، وأنَّ لها شأنًا عظيمًا عند الله تعالى، وأنَّ مَن تركها تركًا بالكُلية فإنه يكون كافرًا مُرتدًّا -على الصحيح من أقوال أهل العلم- إذا كان كسلًا وتهاونًا، أما إذا كان تاركًا للصلاة جاحدًا لوجوبها، فيكون كافرًا عند جميع أهل العلم.
لماذا لا يظهر الأثر الحقيقي للصلاة على بعض المُصلين؟
بيَّن الله فضلها، وبيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يدلُّ على مكانتها وعلى عِظَم شأنها، فقال الله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ [العنكبوت:45]. هذا يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّ مَن حافظ على الصلاة كما يُحبه الله ويرضاه، على هَدْي رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكمَّل أركانها وشروطها وواجباتها وغير ذلك من سُننها، وابتعد عن مكروهاتها؛ تنهاه عن الفحشاء والمُنكَر، فلا يعمل أي ذنبٍ في الظاهر أمام الناس.
لكن قد يُقال: نرى كثيرًا من الناس يُصلِّي في الصف الأول ويَحلِق لحيته، نرى كثيرًا من الناس يُصلِّي في الصف الأول ويُسبِل إزاره، نرى كثيرًا من الناس يُصلِّي في الصف الأول ويغتاب المسلمين، نرى كثيرًا من الناس يُصلِّي في الصف الأول أو غيره من الصفوف ويُدخِل آلات اللهو والطرب والمُجون في بيته؛ لماذا والله يقول: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ [العنكبوت:45]؟!
الجواب عن هذا: أن الصلاة التي صلَّاها لا تكون كاملةً، تكون ناقصةً، لو كمُلتِ الصلاة لا يُمكِن أن يعصيَ ربَّه طرفةَ عينٍ؛ لأن الله هو أصدق قيلًا وأحسن حديثًا: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ [العنكبوت:45]، فإذا عملتُ أنا أو أنتَ أو أي إنسان مسلمٍ معصيةً من المعاصي متعمدًا، فعليه أن ينظر إلى صلاته، وليعلم بأن صلاته ليست كاملةً، بل ناقصةً. لا أقول: باطلةٌ، فالكلام عن البطلان أمرٌ آخر، لكن هل تكون هذه الصلاة كاملةً؟ فكل إنسان يعصي ربه مُتعمِّدًا مُصِرًّا على ذلك من المعاصي التي دون الكفر، هذا يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّ صلاته ليست بكاملةٍ.
ولهذا أوصى النبي عليه الصلاة والسلام مَن أتى إليه وقال: "يا رسول الله علِّمني، وأوجِز"، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا قمتَ في صلاتك فصلِّ صلاةَ مُوَدِّعٍ، ولا تَكَلَّمْ بكلامٍ تعتذر منه، وأجمِعِ اليأسَ مما في أيدي الناس[19]. والشاهد من هذا: الوصية الأولى، وهي قوله عليه الصلاة والسلام: فصلِّ صلاة مُودِّعٍ.
صلاة المُودِّع: هو الذي إذا أتى إلى الصلاة صلَّى وكبَّر تكبيرةَ الإحرام وهو يدور في ذهنه أن هذه الصلاة ربما تكون هي آخر صلاةٍ يُصلِّيها على وجه الدنيا. قل لي بالله: هل يعصي ربَّه بعد هذه الصلاة؟ ما دام صلَّى صلاةَ مُودِّعٍ، هل يوسوس في صلاته؟ هل يخرج عقله وقلبه خارج الصلاة؟ لا؛ هذا لا شكَّ أنه إذا صلَّى صلاةَ مُودِّعٍ فإنه ينتظر الصلاة الأخرى لعله أن يُصلِّيَها، لعله أن يُدركها، فهذا لا شكَّ أنه لا يعصي ربَّه، وهذه الصلاة هي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام، والله أعلم.
ولعِظَم شأنها بيَّن الله -وحيًا للنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا ينطق عن الهوى- أنها أفضل الأعمال بعد الشهادتين. ففي حديث عبدالله بن مسعودٍ : "أي الأعمال أفضل؟"، بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ أفضل الأعمال الصلاة لوقتها. قال : "أي العمل أفضل؟"، قال : الصلاة لوقتها، وبِرُّ الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله[20].
ولعِظَم شأنها جعلها النبي عليه الصلاة والسلام -فيما أُوحيَ إليه- أنها تغسل الخطايا غسلًا، فقال عليه الصلاة والسلام: مَثَلُ الصلوات الخمس كمَثَلِ نهرٍ جارٍ غَمْرٍ على باب أحدكم، يغتسل منه كلَّ يوم خمسَ مراتٍ[21]، وفي روايةٍ: ... هل يبقى من دَرَنِه شيءٌ؟![22]، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. هل يبقى من أوساخه شيءٌ؟!
فإذا كان المسلم يغتسل كل يوم خمسَ مراتٍ، هل يبقى من ذنوبه شيءٌ؟ والمقصود الصغائر، أما الكبائر فلا بُدَّ من التوبة؛ للحديث الذي سيأتي، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: الصلواتُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ؛ مُكفِّراتٌ ما بينهنَّ، إذا اجتنبَ الكبائر[23]، بشرط أن تُجتنَب الكبائر. فإذا قام المسلم بالصلاة وقد اجتنب الكبائر، فذنوبه مُكفَّرةٌ، ذنوبه مغفورةٌ؛ لأن الله يقول: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31]. وهذا يدلُّ على خطر الصغائر.
فإذا كان الإنسان عنده صغائرُ من الذنوب، فيُخشَى عليه ألَّا تُكفَّر سيئاته، تُوقَف، لكن الله لا يظلمه مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء:40]، تُكتَب الحسنات في موازين الحسنات، والسيئات في موازين السيئات، ولا تُكفَّر الصغائر؛ لهذا الحديث ولهذه الآية، بل تبقى مع الكبائر حتى يتوب من الكبائر، فإذا تاب من الكبائر كُفِّرَت الصغائر والكبائر كما سمعتم.
من فضائل الصلاة
الصلاة نورٌ؛ نورٌ لصاحبها في الدنيا، ونورٌ له في قبره، ونورٌ له في حشره، ونورٌ له على الصراط حتى يدخل الجنة؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: والصلاة نورٌ[24]، وقال في الحديث الآخر: مَن حافَظَ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومَن لم يُحافِظْ عليها لم يكن له نورٌ ولا برهانٌ ولا نجاةٌ، وكان يومَ القيامةِ مع قارونَ وفرعونَ وهامانَ وأُبَيِّ بنِ خَلَفٍ[25]. وهذا يدلُّ على أن الصلاة نورٌ لصاحبها في الدنيا والآخرة.
والصلاة من أعظم الأسباب في دخول الجنة، وخاصةً إذا أكثر من النوافل مع الفرائض. فقد ثَبَتَ في حديث ربيعةَ بن كعبٍ الأسلميِّ أنه كان يَخدُم النبي عليه الصلاة والسلام، فيأتي إليه بوضوئه في آخر الليل أحيانًا، وفي يومٍ من الأيام أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يُحسِن إليه بأمرٍ من أمور الدنيا، فقال : سَلْ.. -أو كما قال عليه الصلاة والسلام- سل.. -اطلب، ماذا تريد؟- فقال ربيعةُ : "أسألك مرافقتك في الجنة"، قال : أوْ غيرَ ذلك؟ قال: "هو ذاك"، قال : فأعِنِّي على نفسك بكثرة السجود[26].
ولا شكَّ أن هذا يشمل الفرائض والنوافل، والفرائض هي أَحبُّ إلى الله تعالى من النوافل، لا شكَّ في ذلك، وقد جاء ذلك في الأحاديث الصحيحة الأخرى التي تدلُّ على أنها من أعظم أسباب دخول الجنة بعد الشهادتين.
هذه الصلاة مَن ذهب إليها فإنه يُعَدُّ له، أي: يُهيَّأ له، ضيافةٌ في جنات النعيم، وإذا رجع إلى بيته يُهيَّأ له ضيافةٌ في الجنة، وهذا يدلُّ على عُلوِّ منزلتها وعِظَم شأنها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن غَدَا إلى المسجد أو راحَ، أعدَّ اللهُ له في الجنة نُزُلًا كلما غَدَا أو راحَ[27]، ضيافةٌ تُعَدُّ لك في الجنة إذا ذهبت إلى المسجد، وإذا رجعت إلى البيت من المسجد. هذا يدلُّ على عِظَم شأنها، وأنَّ مَن ذهب إليها تُعَدُّ له الضيافة عند الله تعالى.
وانتظار هذه الصلاة هو رِباطٌ في سبيل الله، ألَا أَدُلُّكم على ما يمحو اللهُ به الخطايا ويرفعُ به الدرجاتِ؟، قالوا: بلى يا رسولَ الله، قال : إسباغُ الوضوءِ على المكاره، وكثرةُ الخُطَى إلى المساجد، وانتظارُ الصلاةِ بعدَ الصلاة؛ فَذَلِكُم الرِّبَاطُ[28]. هو الرباط الأكمل إذا عمل هذا العمل ابتغاءَ مرضاة الله تعالى.
تُصلِّي الملائكة على مَن صلَّى هذه الصلاة وانتظر في مكانه، بل ثَبَتَ في الحديث الآخر أنها تُصلِّي عليه إذا كان في انتظار الصلاة، وتُصلِّي عليه إذا انتهى من صلاته ما دام في مُصلَّاه ما لم يُؤذِ، ما لم يُحدِث، تقول: "اللهم اغفر له، اللهم ارحمه"[29]. الملائكة يدعون لك إذا أتيت إلى المسجد وصلَّيتَ تحية المسجد ثم انتظرت الصلاة، أو انتهيت من الصلاة ثم جلست في مُصلَّاك تذكر الله، فالملائكة يدعون لك بالمغفرة. ولا شكَّ أنَّ هذا من الفضائل العظيمة التي تدلُّ على فضل الصلاة وانتظار الصلاة، وعلى فضل البقاء في المُصلَّى الذي صلَّاها فيه الإنسان؛ فإن الملائكة يدعون له إذا لم يُؤذِ ولم يُحدِث، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.
هذه الصلاة لها شأنٌ عظيمٌ؛ فهي تُكفِّر السيئات، وتُرفَع بها الدرجات، وتُكتَب بها الحسنات. إذا توضأ المسلم في بيته ثم ذهب إلى الصلاة، فإنه لا يرفع خطوةً إلا كُتبت له حسنةٌ، ورُفعت له درجةٌ، ومُحيت عنه سيئةٌ، ثلاثة أشياء؛ هذا بشرط -كما شَرَطَ الحديث- أن يتوضأ في بيته[30]. وهذا يدلُّ على فضل الوضوء في البيت، فإذا توضأ في بيته ثم ذهب إلى مسجدٍ أو بيتٍ من بيوت الله تعالى، فإنه لا يخطو خطوةً إلا كُتبت له حسنةٌ، ومُحيت عنه سيئةٌ، ورُفعت له درجةٌ. وهذا يدلُّ على فضل هذه الصلاة.
ولا شكَّ أن الإنسان المسلم إذا ذهب إليها فله النور التام الكامل، والصلاة نورٌ[31] كما سمعتم، لكن النور التام الكامل هو لمَن ذهب إليها في الظُّلمات، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: بَشِّر المشَّائينَ في الظُّلَمِ إلى المساجدِ بالنورِ التامِّ يومَ القيامة[32]، رواه الترمذي وغيره.
هذه بُشرى من النبي عليه الصلاة والسلام. ولا شكَّ أن الإنسان إذا ذهب إليها، حتى لو كان في هذا النور وفي هذه الكهرباء لكن في أوقات الظُّلمة؛ فإنه يُرجَى له هذا الفضل العظيم، ولو لم تكن هناك ظُلمةٌ؛ لأنه لو كان في الظُّلمة لذهب إليها، وهذا من حُسن الظن بالله تعالى، وأنه تبارك وتعالى هو أكرم الأكرمين، وأنه يُعطي العبد ما لا يتصوَّره؛ فهو تبارك وتعالى له الفضل وله الكرم.
وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الصلاة -كما سمعتم- يحصل على فضلها إن كان صادقًا بسبعٍ وعشرين صلاةً، إنْ صلَّاها مع جماعة المسلمين، كما ثَبَتَ ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام[33].
حكم صلاة الجماعة
وأختم هذه الكلمات أو هذه الكلمة بمكان الصلاة؛ أين تُصلَّى الصلاة للرجال؟ لا شكَّ أنها تُصلَّى في المساجد؛ فالله قد بيَّن ذلك في كتابه: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]. فالصلاة مع جماعة المسلمين فرضُ عينٍ على كل مسلمٍ ذَكَرٍ قادرٍ بالغٍ، يستطيع أن يُصلِّي مع الجماعة حتى لو كان في السفر، سليمٍ من الموانع ومن المرض ومن العوائق؛ فإذا كان كذلك وَجَبَ عليه -وكان ذلك من الفرائض- أن يُصلِّي مع جماعة المسلمين في المساجد.
والنبي عليه الصلاة والسلام قد أمَر بها، وأمَر بها ربُّنا المجاهدين الذين يُجاهدون في سبيله، أمَرهم بصلاة الجماعة. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ولقد هممتُ أن آمُرَ بالصلاة فتُقام، ثم آمُرَ رجلًا فيُصلِّي بالناس، ثم أنطلق معي برجالٍ معهم حُزَمٌ من حَطبٍ إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة، فأُحرِّق عليهم بيوتهم بالنار[34]، فهَمَّ بإحراقهم عليه الصلاة والسلام، وهو لا يَهُمُّ إلا بالحقِّ، صلوات الله وسلامه عليه.
وقد جاء إليه رجلٌ أعمى، كبيرٌ في السن، دارُه بعيدةٌ عن المدينة، والمدينة كثيرةُ الهَوَامِّ، وليس له قائدٌ يُلائمه؛ أعذارٌ كثيرةٌ؛ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: هل تسمع النداء بالصلاة؟، قال: نعم، قال: فأجِبْ[35]. لم يُرخِّص له عليه الصلاة والسلام ما دام أنه يستطيع أن يُصلِّي، لم يمنعه إلا العمى وبُعد الدار وكثرة الأشجار والنخيل في المدينة والظُّلمة وعدم القائد الذي يُلائمه، لم يُرخِّص له النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك إذا كان يسمع النداء؛ ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام مِن حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال عليه الصلاة والسلام: مَن سمع النداء فلَمْ يأتِه، فلا صلاةَ له، إلا مِن عُذرٍ[36].
فعليك -يا عبدَالله- أن تعرف هذه المنزلة لهذه الصلاة، وتأمر بها غيرك من أولادك وأهل بيتك؛ فقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك فقال: مُرُوا أولادَكم بالصلاة وهم أبناءُ سبعِ سنينَ، واضربوهم عليها وهم أبناءُ عَشْرِ سنينَ، وفرِّقوا بينهم في المضاجع[37]. فتأمر بها أهلك، وتأمر بها جيرانك، تأمر بالمعروف وتنهى عن المُنكَر. والنبي عليه الصلاة والسلام هو قدوتنا، وقد أمره الله بذلك: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ [طه:132].
أسأل الله الذي لا إله إلا هو، بأسمائه الحُسنى وصفاته العلا، أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه.
كما أسأله لي ولكم ولجميع المسلمين العفوَ والعافية في الدنيا والآخرة.
ونسأله تبارك وتعالى أن يُصلح لنا دينَنا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشُنا، وآخرتَنا التي إليها معادُنا، وأن يجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، وأن يجعل الموت راحةً لنا من كل شر.
وأسأله تبارك وتعالى لي ولكم ولجميع المؤمنين العلمَ النافعَ، والعملَ الصالحَ، والتوفيقَ لما يُحبه ويرضاه.
وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الأسئلة
أما بقية الوقت، فيكون مع الأسئلة التي ستسمعونها إن شاء الله تعالى.
المُقدِّم: شكر الله لفضيلة الشيخ على ما قدَّم.
س: أختكم في الله تسأل عن قيام الليل، تُصلِّي أربع ركعاتٍ ووترًا بعد الساعة الثانية عشرة ليلًا، وهي مداومةٌ عليها؛ هل تُعتبَر صلاتها هذه من قيام الليل؟
ج: نعم، قيام الليل، تُعتبَر كل صلاةٍ يُصلِّيها الإنسان في الليل فهي من قيام الليل، ولكن الأفضل أن تكون بعد نومه، يعني: إذا نام ثم استيقظ يُقال عنه تهجُّد، لكن لو خشي ألَّا يستيقظ وصلَّى قبل النوم لا بأس. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يُصلِّي من الليل إحدى عشرة ركعةً[38]، عليه الصلاة والسلام. والأفضل أن يُصلِّي المسلم ركعتين ركعتين، ثم يُوتِر واحدةً.
هي تقول: توتر بأربع ركعات. والظاهر: أنها تقصد أنها تُصلِّي ركعتين ثم ركعتين، ثم تُصلِّي الوتر. أما كونها تُصلِّي أربع ركعاتٍ بسلامٍ واحدٍ؟ لا، تُصلِّي ركعتين ثم تُسلِّم، ثم ركعتين ثم تُسلِّم، وهكذا، فإذا أراد الإنسان أن يختم صلاته فلْيختمها بالوتر.
س: هذه أختٌ تسأل: ما حكم الصلاة للمرأة وهي تلبس القُفَّازات؟
ج: تغطية الكفَّين هي الأفضل للمرأة، وقد اختلف أهل العلم في تغطية الكفين:
- فمنهم من قال: لا بُدَّ من تغطيتها في الصلاة؛ لأن المرأة عورةٌ كلها إلا وجهها في الصلاة.
- ومنهم من قال: لا بأس أن تكشف كفَّيها.
أما القدمان فلا بُدَّ من سترهما، فإن صلَّت وقدماها مكشوفتان أعادت الصلاة. وأما الكفَّان فالأفضل أن تغطيهما، فإن صلَّت وكفاها مكشوفتان فلا بأس. ولا بأس أن تصلي بالقفازين، وإنما القفازان ممنوعان للمُحرِمة، أما الصلاة فلا بأس.
س: وهذه سائلةٌ أخرى تقول: هل من وصيةٍ يا فضيلة الشيخ لمن تُصلِّي من النساء وهي تتهاون في كشف الرقبة والصدر والأقدام؛ ظنًّا منها أن هذا الأمر أمرٌ عاديٌّ ومُباحٌ؟
ج: إذا صلَّت على هذه الصورة فصلاتها باطلةٌ. النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا يَقْبَلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلا بخِمار[39]، عليه الصلاة والسلام. دلَّ ذلك على أن المرأة لا بُدَّ أن تُغطِّيَ رأسها ورقبتها وصدرها وجميع جسدها، كل الجسد ما عدا الوجه، فالوجه إذا كانت في بيتها وليس يراها أحدٌ من الرجال تكشفه، أما إذا كانت بحضرة الرجال تغطي وجهها؛ إذا كانت تصلي بين الرجال وليس هناك حائلٌ يحول بينها وبينهم، ولا تستطيع أن تُصلِّي إلا على هذه الصورة. أما الكفان، تَقدَّم الكلامُ عليهما، لا بُدَّ من الستر الكامل للمرأة في صلاتها.
س: هذه سائلةٌ تقول: عندي أولادٌ في المرحلة الثانوية والمتوسطة، أُجبِرهم على صيام الاثنين والخميس والأيام البيض، ثلاثة أيام البيض؛ فهل عليَّ إثمٌ في ذلك يا فضيلة الشيخ؟
ج: والله يُجبَرون على الفرائض، أما صيام الاثنين والخميس فيُرغَّبون فيه، لا يُفرَض عليهم. صحيحٌ هذا من التربية الطيبة، لكن تستطيع أن تُشجِّعهم على ذلك بأمورٍ، يصومون باختيارهم. فالأفضل أن تشجعهم ولا تأمرهم بذلك؛ لأنهم إذا صاموا عن غير نيةٍ قد يُفطِرون، إذا ذهب يشرب، فيكون لا فائدة فيه. لكن كونها تُرغِّب وتقول: الأعمال تُعرَض يوم الاثنين والخميس، وهل تُحب أن يُعرَض عملك وأنت صائمٌ كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يحثُّ على ذلك[40]؟ تُرغِّبه في ذلك؛ حتى يصوم عن رغبةٍ. أما الفرائض فيُجبَرون عليها، يُلزَمون بالفرائض.
س: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ. هذا سائلٌ يقول: أنا كثير الوسواس في الصلاة، أرشِدني إلى الطريقة التي تُبعِد عني هذه الوساوس؛ إذ إني كثيرًا من الأوقات لا أعلم ماذا قرأ الإمام في الصلاة، وبارك الله فيكم.
ج: الذي يُعينك على ذلك :
- أولاً: مراقبة الله تعالى، وتعلم بأنك بين يدي الله تعالى، وتستحي من ربك. لو وقفتَ أمام بعض الناس من الكبراء أو العظماء ما فكرت في شيءٍ، فعليك أن تتَّقيَ الله وتعلم بأن الله قِبَل وجهك، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام[41]، وأن الله مُطَّلِعٌ عليك، وأن العبد إذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قال الله تعالى: حَمِدَني عبدي -تخاطب ربَّك ويرد عليك- فإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قال: مجَّدَني عبدي، وقال مرةً: فوَّضَ إليَّ عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل...[42]. فعليك أن تعلم بأنك تخاطب الله، وأن الله يرد عليك، كما ثَبَتَ في "صحيح مسلمٍ" في هذا الحديث. فإذا تيقَّنتَ بأن الله يراك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك[43].
- الأمر الثاني: عليك أن تنظر إلى نفسك، وأنك ربما لا تُصلِّي الصلاة الأخرى، فإذا متَّ وأنت غير مُحسِنٍ الصلاةَ السابقة؛ فهذا خطرٌ عليك. فعليك أن تذكر الموت أن يهجم عليك قبل الصلاة الأخرى، وهكذا.
- الأمر الثالث: عليك أن تتدبَّر ما تقرأ إذا كنتَ في الصلاة الجهرية، أو كان الإمام يقرأ في الصلاة الجهرية، وعليك أن تتَّقيَ الله.
- الأمر الرابع: عليك أن تسأل الله التوفيق والتسديد، وتلتزم بالآداب في الصلاة؛ الاستعاذة من الشيطان إذا دخلتَ المسجد، تقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم[44] إذا دخلت المسجد، وهكذا، تسأل الله التوفيق. أسأل الله لنا ولكم العافية.
س: من كان يُصلِّي فرضه ويعمل الصالحات، لكنه يطعن في مريمَ، ويقول: لا توجد جنةٌ أو نارٌ؛ فهل يجوز أن تؤكل ذبيحتُه؟
ج: هذا مُرتدٌّ، عمل ناقضًا من نواقض الإسلام. لو شهد الإنسان أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وصلَّى الصلوات الخمس، وصام رمضان، وحجَّ البيت، وعمل جميع الأعمال، إلا أنه يقول: إن الجنة ليست بحقٍّ؛ هذا يكون كافرًا مُرتدًّا، نسأل الله العافية. هذا كافرٌ من رِدَّةٍ؛ لأنه كذَّب الله ، وكذَّب النبي عليه الصلاة والسلام، بل كذَّب الرسل عليهم الصلوات والسلام جميعًا؛ لأنهم يدعون إلى التوحيد ويُبشِّرون بالجنة. فهذا مُكذِّب لله تعالى، مُتعدٍّ لحدود الله تعالى، يُستتاب إن كان صرَّح بذلك؛ فإن تاب، وإلا قُطع عُنقه كافرًا مُرتدًّا.
أما إذا كانت فيما بينه وبين الله ويخفيها عن الناس، هذا يكون كافرًا، حتى ولو شكَّ، فلو كان الإنسان يقوم بجميع أمور الإسلام، لكنه يشكُّ، يقول: "هل هناك جنةٌ ونارٌ؟ أنا والله ما أدري، أنا عندي شكٌّ، قد تكون هناك جنةٌ وقد لا تكون هناك جنةٌ، قد تكون هناك نارٌ وقد لا تكون هناك نارٌ"؛ هذا يكون كافرًا مُرتدًّا، نسأل الله العافية؛ لأنه كذَّب الله ، وشكَّ في تصديق الله تعالى. والله يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15]، يُصدِّق الله في أخباره، ويُصدِّق النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخبر صلوات الله وسلامه عليه. فعليك يا عبدَالله -إن كنت من الحاضرين- أن تتوب إلى الله تعالى.
لو كان الإنسان آمن بكل شيءٍ وعمل كل شيءٍ من أمور الإسلام، إلا آيةً واحدةً؛ كفر بها. فلو قال: هذه الآية ليست صحيحةً، آيةٌ واحدةٌ، حرفٌ واحدٌ من القرآن الكريم كفر به، نقص آية؛ هذا يكون كافرًا مُرتدًّا. لا بُدَّ أن يُصدِّق الله، ويُصدِّق النبي عليه الصلاة والسلام. أسأل الله لي ولكم العافية في الدنيا والآخرة.
س: هذا سائلٌ يقول: هل التخلف عن صلاة الجماعة من الكبائر؟
ج: نعم، من كبائر الذنوب، لا شكَّ في ذلك. الكبيرة عند أهل السُّنة والجماعة: هي كل ذنبٍ عَمِله الإنسان توعَّد الله عليه باللعنة أو بالغضب أو بالنار أو بنفي الإيمان، أو فيه حدٌّ في الدنيا، أو وعيدٌ في الآخرة؛ وهذا ينطبق على التخلف عن صلاة الجماعة. النبي عليه الصلاة والسلام قد قال: إنَّ أثقلَ صلاةٍ على المنافقين: صلاةُ العشاء وصلاةُ الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتَوهما ولو حَبْوًا، وبيَّن وهمَّ أن يُحرِّق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة[45]، ونفى الصلاة: لا صلاة لمن سمع النداء ثم لم يأتِ إلا من علةٍ[46]، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فالتخلف عن صلاة الجماعة من كبائر الذنوب.
س: هذا سائلٌ يقول: فضيلة الشيخ، ما معنى قول الله تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:5]؟
ج: ساهون: يؤخِّرونها عن أوقاتها، كما جاء ذلك عن بعض السلف[47]، هو الذي يؤخِّر الصلاة عن وقتها. وقد يدخل فيه من كان يسهو في صلاته، قد يدخل، لكن السلف فسَّروها بأنه الذي يؤخِّر الصلاة عن وقتها، يُصلِّيها لكن بغير وقتها، أو يؤخِّرها عن وقتها ويتكاسل فيها؛ فهذا قد سها وسها عن الصلاة.
س: فضيلة الشيخ، هذا سائلٌ يقول: هل هناك ركعتان تُصلَّيان بعد الوضوء؟
ج: نعم، هذه سُنةٌ؛ فقد ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن توضَّأ نحوَ وضوئي هذا، ثم صلَّى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نَفْسَه، غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه[48]، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. بل قال في حديثٍ آخر عليه الصلاة والسلام: ما من مسلمٍ يتوضأ فيُحسِن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مُقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه؛ إلا وجبت له الجنة[49]. هاتان الركعتان تُصلَّيان في أي وقتٍ، حتى في أوقات النهي. لو توضأ بعد الفجر فله أن يصلي ركعتين، لو توضأ بعد العصر فله أن يصلي ركعتين؛ حتى يحصل على هذا الثواب العظيم.
س: هذا سائلٌ يقول: أنا أجريتُ عمليةً في مكانٍ حسَّاسٍ، ولا يُسمَح بالوضوء فيها، فتركت الصلاة لقرابة يومين؛ ماذا عليَّ أن أفعل؟ علمًا أنني تركت الصلاة لأنها لا تجوز إذا لم أكن مُتوضئًا.
ج: عليك التوبة إلى الله تعالى والاستغفار؛ لأنه كان ينبغي لك أن تصلي الصلاة في وقتها على حالك، سواءٌ أكنتَ جالسًا أو مُستلقيًا أو على جنبٍ، حتى بقلبك. لو كان الإنسان مربوطًا أو مُكسَّرًا، وغير مُستقبِلٍ القبلة، فيصلي الصلاة على حسب حاله ما دام عقله ثابتًا، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك. فعليك التوبة أولًا، وعليك أن تقضيَ هذه الصلاة، والاستغفار لهذا الذنب.
س: هذه سائلةٌ تقول: فضيلة الشيخ، أخي يتهاون بالصلاة كثيرًا؛ حيث ينام وعندما يستيقظ يقضي ما فاته جمعًا، مثل المغرب والعصر، وبعض المرات تمرُّ عليه الأيام ولا يصلي، وإذا كلَّمناه في ذلك أجاب: لقد صليت، هل أقف فأُصلي أمامكم كلما جاءت الصلاة لكي تصدقوني؟ ونحن متأكدون أنه لم يُصَلِّ، فما حكم جلوسنا معه؟ وما حكم زوجته التي معه؟ مع أنها تصلي وتأمر أبناءها بالصلاة؟
ج: أنا أرى بأن هذا الرجل إذا كانت هذه حالته، أي: يترك الصلاة، أولًا: يُنصَح ويُوجَّه ويُعلَّم ويُحذَّر، فإن أبى تُبلَّغ الهيئة، يُكتَب عنه، ما يُسكَت، ويُبلَّغ عنه. أما بالنسبة لزوجته، فالصواب في ذلك: إذا ترك الصلاة أنها لا تَحِلُّ له؛ لأن تارك الصلاة إذا تركها كفر، فإذا كان كافرًا مُرتدًّا فلا يَحِلُّ لزوجته أن تبقى معه، عليها أن تذهب إلى أهلها حتى يتوب ويرجع إلى الله تعالى. فإن كان العقد وهو لا يصلي كذلك، كان قد عَقَدَ عليها وهو لا يصلي وهي تصلي، قد أفتى سماحة شيخنا رحمة الله عليه وغيره من المُحققين بأن العقد باطلٌ. فعليه أن يتَّقيَ الله ويُبلَّغ ويُحذَّر، وعلى زوجته أن تذهب إلى أهلها حتى يتوب إلى الله تعالى، أو تذهب إلى المحكمة.
س: فضيلة الشيخ، هذا سائلٌ يقول: في بعض الأيام قد يحصل مني التأخر عن صلاة الفجر، وأحيانًا أصليها في المنزل، فهل هناك أسبابٌ مُعِينةٌ على الاستيقاظ لصلاة الفجر؟
ج: نعم، الأسباب المُعِينة على صلاة الفجر منها:
- مراقبة الله ، والخوف من الله، والطمع في رضاه، والرغبة في ما عنده. لو قيل اليوم: من صلَّى صلاة الفجر غدًا إن شاء الله يوم الاثنين -وأنت تتأخر عن صلاة الجماعة- فإنه يحصل على مليون ريالٍ، يُعطَى كل إنسانٍ يصلي صلاة الفجر مليونًا، إذا تأخرت علمنا بأنك مُصابٌ بمرضٍ، وإذا لم تتأخر علمنا بأنك اتصفت بصفةٍ من صفات المُنافقين؛ لأن هذا يأتي للدنيا، أما للآخرة والأعمال الصالحة فلا. فعليك أولًا أن تراقب الله، وتعلم بأن الله مُطَّلِعٌ عليك، وتخشى من انتقامه.
- وثانيًا: عليك أن تعمل بالأسباب؛ أن تنام مبكرًا، وتجعل عندك من يوقظك، إما ساعةٌ مُنبِّهةٌ، أو ساعتان كذلك، أو تُنبِّه الجيران، أو تُنبِّه الأهل، أو غير ذلك. فعليك أن تعمل بالأسباب، وعليك أن تذكر الأذكار عند النوم حتى تُعينك على ذلك، وتنام على طهارةٍ؛ فهذه من الأسباب التي تُعين على صلاة الجماعة.
س: فضيلة الشيخ، هذا سائلٌ يقول: أحيانًا آتي من العمل بين صلاة العصر وصلاة المغرب، فأنام وأنا في نية قلبي أن أستيقظ لصلاة المغرب، ولكن أحيانًا -وهو الغالب- لا أستيقظ إلا مع صلاة المغرب، أو بعد الصلاة وأقضيها؛ فما حكم حالي هذه؟ وهل يُعتبر تأخيري عن الصلاة بسبب النوم من أسباب النفاق؟ وهل قضاؤها في البيت مُجزئٌ، أم لا بُدَّ من قضائها في المسجد؟
ج: مثل ما تقدَّم، عليك أن تأخذ بالأسباب. نمت بعد العصر، تعمل الأسباب التي تعملها وذكرتها لك في صلاة الفجر. أولًا: تعلم بأن الله مُطَّلِعٌ عليك، وثانيًا: تجعل من يُنبِّهك من الناس، أو تجعل عندك ساعةً مُنبِّهةً تُنبِّهك. ولا شكَّ أنك إذا كنت دائمًا على هذا الحال فأنت اتصفت بصفة المُنافقين. أما إذا كان بعض الأحيان، في السنة مرةً، هذا لا يضر. الإنسان ينام، قد ينسى، أما كونه دائمًا دائمًا، هذا يدل على أنه من المنافقين، فعليك بالتوبة إلى الله تعالى. وأنك لا تهتم بالصلاة ولا تعتني بها، فعليك أن تتوب إلى الله تعالى، وعليك أن تتقيَ ربك؛ فإن بعض الناس ربما ينام ولا يستيقظ إلا في الآخرة.
س: هذا سائلٌ يقول: فضيلة الشيخ، ما هي نصيحتكم لمن يجلبون (الدشوش)[50] لأهليهم ويشاهدون الأفلام والمسلسلات؟
ج: نصيحتي: اتقوا الله تعالى، وليُبعِدوا هذه القاذورات والمحذورات والمُحرَّمات عن بيوتهم، وأن يعلم بأنه إذا مات وهي في بيته فهو يجني الندامة والخسارة والذل، وليعلم بأنه يربي أولاده وزوجته على ما حرَّم الله؛ لأنه يأتي فيها الأمور القبيحة المعروفة عند من يشاهدها، ويدل على عدم غيرته لله تعالى وعلى دين الله. فعليه أن يتقيَ الله تبارك وتعالى قبل أن تَحُلَّ به العقوبة؛ إما في أهله -نعوذ بالله- وإما في دينه، نعوذ بالله ونسأل الله العافية.
س: هذا سائلٌ يقول: ما هي كيفية التعامل مع الأولاد والأقارب الذين لا يُصلُّون، ويُصِرُّون على ترك الصلاة؟
ج: التعامل مع الأولاد الذين لا يُصلُّون بالتي هي أحسن، إن نفع، وإن لم ينفع فبِالمِشعاب أو العصا. النبي عليه الصلاة والسلام قال: مُرُوا أولادَكم بالصلاة وهم أبناءُ سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناءُ عشر سنين، وفرِّقوا بينهم في المضاجع[51]. فبعض الناس لا سُلطة له على ولده، ولو كان عمره أربعين سنةً ولا يُصلي يبقى، لا بُدَّ أن يخرج من البيت يُصلي مع الجماعة، بأي طريقة إذا كان لك مكانةٌ وقوةٌ. الكلام الطيب واللين والرفق والحكمة مطلوبةٌ، لكن إذا لم ينفع فيه فبالقوة، ما دام من أولادك، من ذريتك، من أهل بيتك؛ زوجتك، بناتك.
أما إذا كانوا من أناس ليس لك عليهم سُلطةٌ، فما معك إلا الكلام الطيب والتوجيه والتبليغ، تبليغ المسؤولين. إذا كان مِن الجيران مَن لا يُصلي، فتأمره بالمعروف، بالكلام الطيب، بالإحسان، بالهدية، بالترغيب، بالترهيب، بالتخويف من الله. فإن لم ينفع فيه ذلك، ترفع أمره إلى ولي الأمر أو إلى الهيئة، أما كونك تسكت لا. فلو كسرت سيارتك، لك جارٌ أتى وكسر زجاج السيارة، وأخذ الغطاء، أو سرق من السيارة، هل تسكت؟ تقول: جارنا له حقٌّ علينا، أم تشتكي؟ لا، بل تشتكي. دلَّ ذلك على أن مالَك ودنياك أَحبُّ إليك من دينك. فعليك أن تُبلِّغ عنه إن لم يُصَلِّ وامتنع من ذلك.
س: فضيلة الشيخ، هذا سائلٌ يقول: ما حكم جمع الصلوات من أجل العمل أو الدراسة بحجة الضرورة؟
ج: لا يجوز ذلك. هذا من أعمال المنافقين، ومن أعمال الشيعة، ومن أعمال المُعتدين. فلا يجوز جمع الصلاة بغير عذرٍ، فالصلاة لا تُجمَع إلا للمسافر إذا كان مسافرًا أو في المطر الشديد الذي يشق على الناس، أو البرد الشديد مع المطر، أو المريض الذي لا يستطيع أن يُصلي وتَشُقُّ عليه الصلاة في وقتها، فله الجمع. أما السليم من أجل العمل، لا، لا يجمع الصلاة. فإن جمع الصلاة فهذا قد عصى الله وعصى النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله يقول: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا [النساء:103].
س: هذا سائلٌ يقول: نرجو منكم -فضيلة الشيخ- تبيين حكم من يُصلي في بيته، وهل تُقبَل صلاته؟ وكيف نرد على من يقول: لا تُقبَل؟
ج: صلاته في البيت ناقصةٌ، وقد تكون غير مقبولةٍ. اختار الإمام ابن القيم رحمة الله عليه أن صلاته لا تُقبَل مُطلقًا، وأن الصلاة مع الجماعة شرطٌ لصحتها؛ هذا خطرٌ عظيمٌ. واختار غيرُه غيرَ ذلك؛ فمنهم من قال: لا صلاة له، أي: صلاته ناقصةٌ. ومنهم من قال -ومنهم ابن القيم رحمة الله عليه في كتابه الصلاة- اختار أن صلاته باطلةٌ؛ هذا خطرٌ عظيمٌ، وأن الصلاة مع الجماعة شرطٌ لصحتها.
فعليك -يا عبدَالله- أن تتقيَ الله. إذا كان القول الثاني من الأقوال الصحيحة، عليك خطرٌ، فلا تُصَلِّ إلا مع الجماعة حتى تنجو، وإذا صليت في بيتك فهذا من علامات صلاة المنافقين، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام. قال عبدالله بن مسعود : "ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عنها إلا منافقٌ معلومُ النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتَى به يُهادَى بين الرَّجُلَين حتى يُقامَ في الصف" [52].
س: هذا سائلٌ يقول: فضيلة الشيخ، نرجو أن تُحدِّد لنا وقت صلاة التهجد؛ من أي ساعةٍ إلى أي ساعةٍ؟
ج: من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، قُبَيْل طلوع الفجر الثاني، هذا وقت صلاة الليل. لكن التهجد ذكروا أنه يكون بعد نومه: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]. فالتهجد يُقال له بعد النوم، وقيام الليل وصلاة الليل تبدأ من بعد صلاة العشاء إلى قُبيل صلاة الفجر.
س: هذا سائلٌ يقول: فضيلة الشيخ، أنا بعد أن أؤدي صلاة العشاء وسُنة العشاء أصلي ركعتين، وهي صلاة الوتر؛ فهل تكفيني هاتان الركعتان عن قيام الليل؟
ج: إذا صلى الإنسان صلاة العشاء، ثم صلى ركعتين، فهاتان الركعتان هما سُنة العشاء. أما إذا يقصد أنه يصلي ركعتين، ثم يصلي ركعتين أُخريَيْن، فهي من قيام الليل. والوتر لا بُدَّ أن يُصلي ركعةً واحدةً؛ لأنه ما قال صلى الوتر، قال: يصلي ركعتين. الوتر واحدة كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام[53].
س: فضيلة الشيخ، هذا سائلٌ يقول: نرجو من فضيلتكم الدعاء لإخواننا المجاهدين في الثغور.
ج: نسأل الله أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين، ويُذِلَّ الشرك والمُشركين، ويُدمِّر أعداء الدين.
المقدِّم: شكر الله لفضيلة الشيخ على ما قال وأتحفَ، وشكرًا لكم أيها الإخوان والأخوات على حضوركم وحُسن استماعكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
| ^1 | رواه أبو داود: 61، والترمذي: 3، وابن ماجه: 275، وأحمد في "المسند": 1006، وحسَّنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 55. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 1496، ومسلم: 19 واللفظ له. |
| ^3 | رواه البخاري: 8، ومسلم: 16. |
| ^4 | رواه الترمذي: 2616، والنسائي في "السنن الكبرى": 11330، وأحمد في "المسند": 22016، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2866. |
| ^5 | رواه الترمذي: 413، والنسائي: 465، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 540. |
| ^6 | رواه أحمد في "المسند": 22160، وابن حبَّان في "صحيحه": 4866، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 6680. |
| ^7 | أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": 38580، والطبراني في "المعجم الكبير": 9754، والحاكم في "المستدرك": 8789 بنحوه، والبيهقي في "السُّنن": 12821، وصحَّحه الألباني في "الصحيحة": 1739. |
| ^8 | رواه الترمذي: 413، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 540. |
| ^9 | رواه البخاري: 4463، ومسلم: 2444. |
| ^10 | رواه النسائي في "السنن الكبرى": 7061، وابن ماجه: 1625، وأحمد في "المسند": 26483، وصحَّحه محققو "المسند". |
| ^11 | رواه بألفاظٍ قريبةٍ: البخاري: 349، 3207، 3342، 7517، ومسلم: 162، 163. |
| ^12 | المصدر السابق. |
| ^13 | رواه البخاري: 597 بنحوه، ومسلم: 684 واللفظ له |
| ^14 | رواه البخاري: 1117. |
| ^15 | رواه مسلم: 82. |
| ^16 | سبق تخريجه |
| ^17 | رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وابن ماجه: 1079، وأحمد في "المسند": 22937، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 564. |
| ^18 | رواه الترمذي: 2622، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 565. |
| ^19 | رواه ابن ماجه: 4171، وأحمد في "المسند": 23498، والطبراني في "المعجم الكبير": 3987، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 742. |
| ^20 | رواه البخاري: 7534، ومسلم: 85 باختلاف يسير. |
| ^21 | رواه مسلم: 668. |
| ^22 | رواه مسلم: 667. |
| ^23 | رواه مسلم: 233. |
| ^24, ^31 | رواه مسلم: 223. |
| ^25 | رواه أحمد في "المسند": 6576، وابن حبَّان في "صحيحه": 2449، والبيهقي في "الشُّعب": 2565، وحسَّنه محققو "المسند". |
| ^26 | رواه مسلم: 489. |
| ^27 | رواه البخاري: 662، ومسلم: 669. |
| ^28 | رواه مسلم: 251. |
| ^29 | رواه البخاري: 659، 2119، ومسلم: 649. |
| ^30, ^52 | رواه مسلم: 654. |
| ^32 | رواه أبو داود: 561، والترمذي: 223، وابن ماجه: 781، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 315. |
| ^33 | رواه البخاري: 645، ومسلم: 650. |
| ^34 | رواه البخاري: 644 بنحوه، ومسلم: 651 واللفظ له. |
| ^35 | رواه مسلم: 653. |
| ^36 | رواه ابن ماجه: 793، والحاكم في "المستدرك": 812، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6300. |
| ^37, ^51 | رواه أبو داود: 495، وصحَّحه الألباني في "صحيح سن أبي داود": 509. |
| ^38 | رواه البخاري: 6310، ومسلم: 736. |
| ^39 | رواه أبو داود: 641، وابن ماجه: 655، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 648. |
| ^40 | رواه الترمذي: 747، وصحَّحه الألباني في "إرواء الغليل": 949. |
| ^41 | رواه البخاري: 753، ومسلم: 547. |
| ^42 | رواه مسلم: 395. |
| ^43 | رواه البخاري: 4777، ومسلم: 8. |
| ^44 | رواه أبو داود: 466، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 485. |
| ^45 | رواه مسلم: 651. |
| ^46 | رواه الدارقطني: 1552. |
| ^47 | ينظر: تفسير الطبري: 24/ 660. |
| ^48 | رواه البخاري: 164، ومسلم: 226 بنحوه. |
| ^49 | رواه مسلم: 234. |
| ^50 | الدِّشّ: طبقُ استقبالٍ للإرسال التليفزيوني. ينظر: "معجم اللغة العربية المعاصرة"، للدكتور/ أحمد مختار عمر: 1/ 745 |
| ^53 | رواه مسلم: 752. |