تخطى إلى المحتوى

لا إله إلا الله.. فضلها وشروطها

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70- 71].

أيها الإخوة، أشكر الله أن يَسَّر لي الوصول إلى هذا المكان، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبل منا جميعًا.

الحكمة من خلق الجنِّ والإنس

أيها الإخوة، لا شك أن الله تبارك وتعالى خلق الجنَّ والإنس لأمرٍ عظيمٍ، عَظَّم الله شأنه، وعَظَّم شأنه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو قوله تبارك وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۝ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ۝ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56- 58].

فالله خلق الثَّقلين من الجنِّ والإنس لعبادته وحده سبحانه، ولم يخلقهم ليأكلوا، ولا ليشربوا، ولا ليلعبوا، ولا ليعملوا للدنيا، وإنما خلقهم لعبادته، وتكفَّل بأرزاقهم، وتكفَّل بكل ما سألوه، فقال : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].

وبيَّن أن هذه الدنيا لا تُساوي شيئًا بالنسبة للآخرة، وإنما هي مَمَرٌّ، وهي مزرعةٌ للآخرة، ذكر ذلك في آياتٍ كثيرةٍ، ويُراقب الناس في ذلك حتى يُقْبِلوا على هذه العبادة: عبادة الله .

حقيقة العبادة ومعنى "لا إله إلا الله"

والعبادة: اسمٌ جامعٌ لكل ما يُحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

وموضوع هذه المحاضرة هو أصل الدين، أصل الإسلام.

موضوع هذه المحاضرة من أجله خلق الله الجنَّ والإنس، ومن أجله خلق الله الجنة والنار، ومن أجله خلق الله الدنيا والآخرة، ومن أجله رُفِعَتْ راية الجهاد، ومن أجله أُنْزِلَت الكتب على الأنبياء، ومن أجله أُرْسِل الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن أجله كل سعادةٍ في الدنيا والآخرة لمَن عمل به، وكل شقاوةٍ وتعاسةٍ وذلٍّ وهوانٍ لمَن خالفه.

وهذا هو معنى "لا إله إلا الله" الحق؛ لأن معناها الحق: لا معبود حقٌّ إلا الله، كما قال الله تبارك وتعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62]، فالله تبارك وتعالى خلق المخلوقات من أجل هذه الكلمة، وهذا أصل الدين كما ستسمع، إن شاء الله.

فمَن حقق هذه الكلمة: عرف معناها، وعمل بشروطها، وقام بمُقتضاها، ولم يقع في شيءٍ من نواقضها؛ كانت له السعادة في الدنيا والآخرة، وكان هو المُوفَّق، وكان هو الفائز السعيد.

ومَن قَصَّر في ذلك فحينئذٍ يأتي البيان لبعض ذلك.

هذا يدل على أهمية هذه الكلمة، ومما يدل على أهميتها: أن الله حينما بعث النبي عليه الصلاة والسلام يدعو ... بل دَعَت الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى هذه الكلمة، فما من نبيٍّ إلا ويدعو قومه إلى "لا إله إلا الله"؛ لأن دين الأنبياء واحدٌ، وشرائعهم مختلفةٌ، دينهم التوحيد، والشرائع تختلف.

فالإسلام ومعنى "لا إله إلا الله" هذا دين الأنبياء؛ ولهذا قال الله : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

والنبي عليه الصلاة والسلام حينما بُعِثَ دعا الناس إلى "لا إله إلا الله": يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تُفْلِحُوا[1]رواه أحمد: 19004، والطبراني في "المعجم الكبير": 4582، وصححه محققو "المسند".، فحينئذٍ قال بعض المشركين الذين لا يعرفون معنى هذه الكلمة: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5].

وهذا يدل على أن مَن لم يعرف معنى كلمة "لا إله إلا الله" فإن أبا جهل وأبا لهبٍ وغيرهما من المشركين أعرف منه بمعنى "لا إله إلا الله".

ولهذا نجد بعض الناس يدعون بعض الجنِّ أو بعض الأولياء، وهذا يدل على أنهم لا يعرفون معنى "لا إله إلا الله".

التَّحذير من صَرْف العبادة لغير الله

في بعض الأقطار يدعون الأولياء، وفي هذه البلاد -والحمد لله- لا يفعلون ذلك، لكن يعملون أشياء ربما تُخالف هذه الكلمة، وربما يكون أبو جهلٍ وأبو لهبٍ أعرف منهم بمعنى "لا إله إلا الله".

فمَن قال: "يا سبعة، خُذُوه"، أو مَن قال: "اخطفوه"، أو مَن قال: "اخطفوه يا جنّ الظهيرة"؛ هذا دعا غير الله، أشرك بالله، ونقض "لا إله إلا الله"، ولم يعرف معناها.

هذا يدل على أنه لا بد من معرفة معنى هذه الكلمة، وأن معناها: "لا معبود حقٌّ إلا الله"، فلا يُدْعَى إلا الله، ولا يُسْتَغَاث إلا بالله، ولا يُذْبَح إلا لله، ولا يُنْذَر إلا لله، ولا يُعْطَى إلا لله، ولا يُمْنَع إلا لله، ولا تُصْرَف جميع العبادة إلا لله .

فضائل كلمة التوحيد

لا شكَّ أن النبي عليه الصلاة والسلام قد بيَّن معنى هذه الكلمة، وبيَّن فضلها صلوات الله وسلامه عليه، فالمعنى سمعتُموه، والفضل بيَّنه في أحاديث كثيرةٍ.

كلمة التوحيد سبب دخول الجنة وثِقَل الميزان

من هذه الفضائل ما في حديث عبادة بن الصامت : أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: مَن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وأن الجنة حقٌّ، والنار حقٌّ؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل[2]رواه البخاري: 3435، ومسلم: 28..

إذا قام بهذه الكلمة بشروطها -التي ستسمعونها- وبأركانها وهي النَّفي والإثبات: "لا إله" أي: نفي الألوهية عما سوى الله تعالى، فلا يستحق العبادة إلا الله ، "إلا الله" إثبات العبادة لله .

ولهذا قال الله عن إبراهيم: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ [الزخرف:26] هذا معنى "لا إله"، يعني: نفي العبادة عما سوى الله، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف:27] هذا إثبات العبادة لله وحده .

وهذا يدل على أن مَن أتى بهذه الكلمة حصل على هذا الثواب العظيم.

وفي قصة موسى عليه الصلاة والسلام أنه قال: يا ربِّ، علِّمني شيئًا أذكرك به وأدعوك به. قال: يا موسى، قل: لا إله إلا الله. قال: يا ربِّ، كل عبادك يقول هذا. قال: قل: لا إله إلا الله. قال: لا إله إلا أنت، إنما أُريد شيئًا تَخُصُّني به. قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع -وعامرهنَّ غيري- والأَرَضين السبع في كِفَّةٍ أي: في كِفَّة الميزان ولا إله إلا الله في كِفَّةٍ، مَالَتْ بهنَّ لا إله إلا الله[3]رواه النسائي في "السنن الكبرى": 10602، والطبراني في "الدعاء": 1480، والحاكم: 1953..

يدل على أن هذه الكلمة لها شأنٌ عظيمٌ، ولها وزنٌ ثقيلٌ في ميزان العبد يوم القيامة إذا قام بشروطها وأركانها، وعمل بمُقتضاها وما دَلَّتْ عليه، ولم يَأْتِ بناقضٍ يَنْقُضها.

التوحيد عند الموت من علامات حُسْن الخاتمة

لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في فضلها: مَن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة[4]رواه أبو داود: 3116 واللفظ له، وأحمد: 22034، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6479..

هذا من علامات حُسْن الخاتمة إذا قالها، لكن إن لم يَقُلْها لا يُحْكَم عليه، فلا يُقال ... لكن من علامات حُسن الخاتمة أنه يُسْمَع وهو يقول: "لا إله إلا الله".

مشروعية التَّلقين وعلامات الفوز

إذا حُضِرَ المُحْتَضَر فإن من السُّنة أن يُلَقَّن، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: لَقِّنُوا موتاكم: لا إله إلا الله[5]رواه مسلم: 916.؛ لأن مَن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة.

وينبغي أن يُعلم أن المطلوب في لفظها عند الموت هذا اللفظ؛ لأن بعض الناس يُشدد، وربما وقع في الصعوبة والشِّدة فلا يستطيع أن ينطق بها.

بعض الناس يقول: "قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام ما قال: "مَن كان آخر كلامه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، ولا قال: "قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله عليه الصلاة والسلام"؛ لأن الإنسان قد دخل في الإسلام، وإنما المطلوب أن يقول: "لا إله إلا الله"؛ ليحفظ هذا الإنسان ويُردده بنفسه، لعل الله أن يختم له بهذه الكلمة.

بعض الناس حينما يقول: "أشهد" لا يستطيع، لكن يحاول أن يقول: "لا إله إلا الله"، يكفي هذا عند الموت، يقول: "لا إله إلا الله" أي: لا معبود حقٌّ إلا الله.

وقد يقولها الإنسان، وقد لا يقولها، قد تَثْقُل عليه عند الموت، نسأل الله لنا ولكم العافية.

قصةٌ وعبرةٌ في عُسْر النُّطق بالشهادة

أخبرني بعض الثقات أن هناك رجلًا كبيرًا في السنِّ في قريةٍ من القرى البعيدة حضرته الوفاة، فجاء إليه بعض الناس وقال: "يا فلان، قل: لا إله إلا الله"، فحاول أن يقولها فلم يستطع، فكرر عليه مراتٍ، فقال: "والله -يا فلان- لَهِيَ أثقل عليَّ من هذا الجبل".

ما استطاع أن يقول: لا إله إلا الله، واستطاع أن يقول: هي أَثْقَل عليه من الجبل! ولم يستطع أن يقول: لا إله إلا الله!

فقد يُحال بينه وبينها، وهذا يدل على أهمية "لا إله إلا الله"، ومعرفة معناها، وأنها قد تَثْقُل على اللسان -نسأل الله العافية- عند الغَرْغَرَة، ما يستطيع أن يقولها.

فبكى هذا الرجل الحاضر وتركه وذهب، ومات وما استطاع أن يقول: لا إله إلا الله.

فعليك يا عبدالله أن تَتَّقي الله في أمورك الخاصة والعامَّة، فقد تعمل عملًا يكون من الأسباب في الحيلولة بينك وبين هذه الكلمة التي مَن قالها في آخر حياته، وخُتِمَ له بها؛ دخل الجنة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: فإن الله حرَّم على النار مَن قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله[6]رواه البخاري: 425، ومسلم: 33.، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

حديث البطاقة وسعة رحمة الله

لا شك أن هذه الكلمة لها فضائل عظيمةٌ، ومن فضائلها: أن النبي صلوات الله وسلامه عليه بيَّن أن هذه الكلمة تَثْقُل وتكون أعظم الأعمال في الميزان كما سمعتُم وكما في حديث البطاقة.

ثبت في الحديث: أن رجلًا يأتي يوم القيامة، ويُمَدُّ له تسعةٌ وتسعون سِجِلًّا، كل سِجِلٍّ مَدَّ البصر من الذنوب والخطايا والسيئات، فينظر، فإذا ليس له من الحسنات شيءٌ، فَيُؤْتَى ببطاقةٍ مكتوبٍ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، كلمةٌ، فتُوضَع هذه البطاقة في كِفَّةٍ، وهذه السجلات التسعة والتسعون في كِفَّةٍ، وكل سِجِلٍّ مَدَّ البصر من السيئات والخطايا، فَطَاشَت السجلات، وثَقُلَت البطاقة، فلا يَثْقُل مع اسم الله شيءٌ[7]رواه الترمذي: 2639، وابن ماجه: 4300، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1533..

هذا يدل على أن هذا الرجل قد أكثر من السيئات والمُوبقات، وخُتِمَ له بهذه الكلمة التي أَحْرَقَتْ جميع المعاصي والسيئات؛ لأنها تحرقها.

فإذا وُفِّق العبد في حياته إلى العمل بهذه الكلمة فإنها تكون نجاةً له في الدنيا والآخرة: في قبره، وعند موته، وعند حَشْرِه، وعند وقوفه بين يدي الله ، وعند الميزان، وعند المرور على الصِّراط، وعند دخول الجنة، وعند النَّجاة من النار إذا أَتْقَنَ هذه الكلمة؛ ولهذا ينبغي للمسلم أن يعتني بهذه الكلمة.

الفضائل الخمس لمَن قالها مئة مرةٍ

قال النبي عليه الصلاة والسلام في فضلها: أن مَن قالها مئة مرةٍ حصل على الثواب العظيم، وهذه وصيةٌ لكل مسلمٍ.

من الفضائل والأعمال الصالحة أن يقولها المسلم كل يومٍ مئة مرةٍ ويحصل على خمسة أمورٍ.

بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمور الخمسة الواحد منها أعظم من الدنيا وما فيها، والدنيا كلها لا تُساوي ذَرَّةً من أعمال الآخرة، ذرةً واحدةً، فلا قيمة لها، وإنما هذا من باب الأمثلة.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحبُّ إليَّ مما طلعتْ عليه الشمس[8]رواه مسلم: 2695.، وهذا يدل على أن الدنيا لا قيمة لها في جانب الحسنات والأعمال الصالحة.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ في يومٍ مئة مرةٍ.

اسمع خمس فضائل عظيمةٍ، كل فضيلةٍ لا تُقارَن بالدنيا وما فيها.

مَن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ في يومٍ مئة مرةٍ كانت له عدل عشر رقابٍ كأنه أعتق عشر رقابٍ وكُتِبَتْ له مئة حسنةٍ، ومُحِيَتْ عنه مئة سيئةٍ، وكانت له حِرْزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يُمْسِي، ولم يَأْتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك[9]رواه البخاري: 3293، ومسلم: 2691.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث متفقٌ على صحته، أي: رواه البخاري ومسلمٌ.

هذا يدل على عِظَم هذه الكلمة مئة مرةٍ.

تصور لو قيل لبعض الناس: مَن قال: لا إله إلا الله مئة مرةٍ يحصل على مئة ألف ريالٍ، كل مرةٍ بألفٍ. هل يتركها أحدٌ؟

هذا فضلٌ لا يجب، لكنها من الفضائل العظيمة التي يُحْرَم منها الإنسان المؤمن حرمانًا، لا يُقال بأن عليه إثمًا، لكنه حُرِمَ هذا الخير الكثير: عدل عشر رقابٍ، ومئة حسنة، وتُمْحَى عنه مئة سيئةٍ، وتكون حِرْزًا له من الشيطان حتى يُمْسِي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به يوم القيامة إلا رجلٌ عمل أكثر منه.

هذا يدل على أن مَن قالها في أول اليوم يكون أفضل، ومَن قالها في آخره حصل على الفضل إلا أن الحِرْز من الشيطان لا يبدأ إلا بعد إكمالها مئةً.

في هذا الحديث قيَّدها قال: كانت له حِرْزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يُمْسِي، فإذا قالها بعد العصر حينئذٍ يحصل على هذه الفوائد كلها التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام، لكن الحِرْز من الشيطان يبدأ بعد العصر، وهكذا.

هذا يدل على أن مَن قالها أول النهار يكون أفضل، ولا حرج أن يقولها الإنسان في بعض الأوقات، لكن الحريص المُجِدَّ يقولها دفعةً واحدةً، ولا تستغرق عشر دقائق، إمَّا سِتّ دقائق أو سبع دقائق يقولها، الله أكبر!

هذا يدل على أن هذا الفضل العظيم لا يستطيعه إلا مَن وفَّقه الله .

وقد كنتُ أسمع أن رجلًا جاء إلى سماحة شيخنا الإمام عبدالعزيز بن باز رحمة الله عليه -وأنا أسمعه- وقال: يا شيخ، أنا أقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ في كل يومٍ مئة مرةٍ، فهل فيها "يُحيي ويُمِيت" أو ما فيها "يُحيي ويُمِيت"؟ قال: تقولها مئة مرةٍ؟! قال: نعم. قال: تقولها مئة مرةٍ؟! من أجل أن يُعَظِّمها في نفس هذا الرجل، قال: نعم.

فَعَظَّم هذا الأمر، ثم قال: إن شئتَ قل هذا، وإن شئتَ قل هذا.

هذا يدل على عِظَم هذه الكلمة، وكان رحمه الله يَحُثُّ عليها ويقولها رحمة الله عليه، يَحُثُّ على هذه الكلمة، وما تستغرق سبع دقائق: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ"، لكن تحتاج إلى رغبةٍ، إذا كانت عند الإنسان رغبةٌ فيما عند الله، يرجو ما عند الله من الثواب العظيم؛ حينئذٍ يُقْبِل.

أما إذا فُقِدَت الرغبة، وليست هناك رغبةٌ، وعنده أملٌ في الدنيا، ويُخَطِّط وعنده أشياء، وهو مشغول البال؛ فإنه يُشْغَل عنها.

فعليك يا عبدالله ألا يفوتك هذا الفضل العظيم الذي بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه، حتى مَن قالها عشر مراتٍ فكأنه أعتق أربعة أنفسٍ من ولد إسماعيل، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

كلمة التوحيد علامة الإسلام وسبب النَّجاة

هذه الكلمة لها شأنٌ عظيمٌ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يهجم على الأعداء ينتظر -إذا لم يعرف إسلامهم عليه الصلاة والسلام- فإذا سمع الأذان قبل الفجر لم يُغِرْ عليهم عليه الصلاة والسلام، يعلم أن فيهم مسلمين، وإذا لم يسمع أغار عليهم عليه الصلاة والسلام[10]رواه البخاري: 2943، ومسلم: 382..

فكان يومًا ينتظر حتى يُغِير، فسمع مُؤذِّنًا يُؤذِّن: "الله أكبر، الله أكبر"، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: على الفطرة، "أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله"، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: خرجتَ من النار، وحينما أتمَّ الأذان قال الراوي: "فنظروا فإذا هو راعي مِعْزًى"[11]رواه مسلم: 382.، يرعى مِعْزًى في البادية يُؤذِّن.

فقال النبي عليه الصلاة والسلام هذا الكلام، وهذا يدل على فضل هذه الكلمة.

فعليك أن تعتني بهذه الكلمة؛ تعتني بالأشرطة التي تتكلم عن "لا إله إلا الله"؛ لأنها أصل الدين، وتعتني بالكتب إن كنتَ تقرأ، وإن كنتَ داعيةً تُعَلِّم الناسَ الخيرَ، وتعتني بها دائمًا.

ولا تَقُل كما يقول بعض الناس: "لا إله إلا الله"، يعني: لا تستصغر شأنها؛ فَتُحْرَم الفضل العظيم؛ لأنها هي أصل الدين، أصل الإسلام.

شروط "لا إله إلا الله"

عليك يا عبدالله أن تعتني بهذه الكلمة، ولا شك أن هذه الكلمة لا تنفع القائل لها إلا بشروطٍ، لكنها ثقيلةٌ إلا على مَن يَسَّرها الله عليه.

هذا الفضل العظيم مُقيَّدٌ بقيودٍ ثِقَالٍ كالجبال، ولا يقوم بهذه القيود إلا مَن وُفِّق، فالمفتاح لا يفتح إلا بأسنانٍ، ولو كُسِرَتْ أسنانه لا يفتح، فكذلك "لا إله إلا الله" هي مفتاح الجنة، وكل مفتاحٍ له أسنانٌ، فلا بد لها من أسنانٍ، وأسنانها شروطها.

العلم

أعظم الشروط لهذه الكلمة هو العلم بمعناها -كما تقدم- وأن معناها: لا معبود حقٌّ إلا الله؛ ولهذا قال الله : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19]، هذا العلم بمعناها، فلا بد أن يعرف معناها، وأن معناها: لا معبود حقٌّ إلا الله.

اليقين

كذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في هذا؛ كان في غزوةٍ عليه الصلاة والسلام -غزوة تبوك- وقَلَّ الطعام عند الصحابة، فأشار بعض الصحابة بأن يَنْحَروا بعض الإبل، فأشار عمر ، وكان مُوَفَّقًا مُسَدَّدًا، كان يُوافق السُّنة، فأشار على النبي عليه الصلاة والسلام فقال: "يا رسول الله، إنك إن أَذِنْتَ بِنَحْر الإبل قَلَّ الظهر" يعني: قَلَّ الظَّهْر الذي يُرْكَب عليه، "ولكن ادْعُهُم بما عندهم من فائض الأطعمة، ثم ادعُ الله فيه، ويُبارك لهم فيه".

فدعا النبي عليه الصلاة والسلام الناس، فمنهم مَن أتى بتمرةٍ، ومنهم مَن أتى بِكِسْرَة خُبْزٍ، وغير ذلك، ثم جمعها أو جُمِعَتْ على نِطَعٍ -بمثابة السُّفْرَة- ثم دعا فيها النبي عليه الصلاة والسلام؛ فبارك الله فيها.

وجاء الناس بما عندهم من الأوعية، فَمَلَؤُوا هذه الأوعية، وبقي الطعام كما هو، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يَلْقَى الله بهما عبدٌ غير شَاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة[12]رواه مسلم: 27..

هذا يدل على أن من شروطها: اليقين المُخالف للشك، فلا بد من اليقين؛ لأن الشَّك لا ينفع، لا بد كما قال الله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15]، فلا بد من اليقين، يقولها وعنده اليقين بمعناها، لا يتردد؛ لأن الله هو المُستحقُّ للعبادة، ولا يتردد فيما أخبر الله به.

ولهذا مَن مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة؛ فلا شكَّ أن من أعظم شروطها: اليقين.

الإخلاص

الشرط الثالث: الإخلاص، فلا بد أن يقولها الإنسان عن إخلاصٍ مع الله ؛ ولهذا قال الله : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، فلا بد أن يقولها مُخْلِصًا، صادقًا.

ولهذا قال أبو هريرة : يا رسول الله، مَن أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لقد ظننتُ يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أول منك؛ لما رأيتُ من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه[13]رواه البخاري: 99.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث رواه البخاري.

يدل هذا على أن الإخلاص لا بد منه، فإذا قالها مُخْلِصًا نفعته، وكانت الأعمال القليلة مع هذه الكلمة كبيرةً مع الإخلاص؛ يرجو ثواب الله، ويخشى عقاب الله، يطمع في رضاه، ويخشى من عقوبته وسخطه في الدنيا والآخرة، هذا يُعِينه على الإخلاص.

ولهذا جاء رجلٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام فَعَلَّمه الإسلام، قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتُقيم الصلاة، وتُؤْتِي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت، فقال: "أقررتُ" يعني: أنا مُقِرٌّ بمعنى "لا إله إلا الله" وهذه الأركان، يعني: قالها صادقًا من قلبه.

وكان على بعيرٍ -كان على جملٍ- فسقط خُفُّ البعير في جُحْر يَرْبُوع -بعض الناس يُسَمِّيه: الجَرْبُوع- فسقط الرجل من فوق البعير فمات، فقال رسول الله : عليَّ بالرجل، فوجدوه قد مات بعد أن قال: "أقررتُ" وقبل أن يُصلي، وقبل أن يعمل أيَّ عملٍ، قال: "أقررتُ" ومات، ما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، لكنه قالها من قلبه صادقًا؛ قال: "أقررتُ"، وربما لا يعرف التعبير، فمات، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: عمل قليلًا، وأُجِرَ كثيرًا[14]رواه أحمد: 19177، والطبراني في "المعجم الكبير": 2330..

ماذا عمل؟

قال: "أقررتُ" صادقًا.

وجاء رجلٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا رسول الله، أُسْلِمُ أو أُقَاتِل؟ قال: أَسْلِمْ ثم قاتل، فقاتل قبل أن يُصلي لله ركعةً واحدةً، لكنه حينما أسلم وشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، قال ذلك عن صدقٍ، وعن إخلاصٍ، فَقُتِلَ قبل أن يركع ركعةً واحدةً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: عَمِلَ قليلًا، وأُجِرَ كثيرًا[15]رواه البخاري: 2808، ومسلم: 1900. رواه مسلمٌ.

هذا يدل على فضل هذه الكلمة، وعلى أن من شروطها: الإخلاص، فلا بد من الإخلاص.

الصدق

كذلك من شروطها -وهو الشرط الرابع-: الصدق، فلا بد أن يكون صادقًا في قولها، يقول الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، كونوا مع الصادقين بأقوالكم، وكونوا مع الصادقين بأفعالكم، وكونوا مع الصادقين بِنِيَّاتكم، وكونوا مع الصادقين بجميع أموالكم، وكونوا مع الصادقين في لفظكم لهذه الكلمة، كونوا مع الصادقين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.

تَذَكَّر هذه الآية في كل شيءٍ: في بيعك، وفي شرائك، وفي معاملتك، وفي مواعيدك مع الناس، وفي تربيتك، وفي صلاتك، وفي صيامك، وفي أعمالك كلها، وفي لفظك لهذه الكلمة كُنْ مع الصادقين، لا تكن مع الكاذبين -نسأل الله العافية- ولهذا من شروطها: الصدق، أن يقولها وهو صادقٌ.

فضل مُتابعة المُؤذِّن ودلالة الأذان على التوحيد

لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه مسلمٌ: إذا قال المُؤذِّن: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر هكذا التَّكبير، يقول: "الله أكبر"؛ لأن بعض الناس يقول: "الله أكبار"، وهذا خطأٌ.

معنى"أكبار": طبلٌ من آلات الطرب، فلو قال الإنسان: "الله أكبار" وصلَّى، فصلاته باطلةٌ، أو أذَّن: "الله أكبار" فأذانه باطلٌ، فلا بد بالجزم: "الله أكبر، الله أكبر"، بالجزم هكذا.

إذن قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا قال المُؤذِّن: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حيَّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، قال: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه؛ دخل الجنة[16]رواه مسلم: 385.، رواه مسلمٌ.

هذا الفضل العظيم لمُتابعة المُؤذِّن.

كم من الناس قد حُرِمَ هذا الخير العظيم؟!

يسمع الأذان ولا يُتابع الأذان، يسمع الأذان ولا يتكلم بهذا الحديث، هذا خطأٌ، هذا حرمانٌ عظيمٌ.

إذا قالها من قلبه، تابع المُؤذِّن من أول كلام المُؤذِّن إلى أن يقول: "لا إله إلا الله"، وقال هذه الكلمة من قلبه؛ دخل الجنة -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- فلا تُفَرِّط في هذا الفضل العظيم.

والسُّنة حينما يسمع الإنسان المُؤذِّن أن يقول مثلما يقول -كما سمعتُم- ويقول حينما يقول المُؤذِّن: "أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله"، بعد ذلك يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا "[17]رواه مسلم: 386.، فإذا قال: "حيَّ على الصلاة"، قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، هذه السُّنة الثانية.

السُّنة الثالثة أن يقول بعد أن يقول المُؤذِّن: "لا إله إلا الله"، يقول: "اللهم صلِّ على محمدٍ"، يُصلي على النبي .

بعد سكوت المُؤذِّن وقولك: "لا إله إلا الله" مع المُؤذِّن تُصلي بعد ذلك على النبي عليه الصلاة والسلام؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: قولوا مثلما يقول المُؤذِّن، ثم صلُّوا عليَّ، فإنه مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا[18]رواه مسلم: 384.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

الأمر الرابع: أن يقول: "اللهم ربِّ هذه الدعوة التَّامَّة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وَابْعَثْهُ مقامًا محمودًا الذي وعدتَه"، مَن قال ذلك إذا سمع المُؤذِّن حَلَّتْ له شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام[19]رواه البخاري: 614..

الأمر الخامس: أن يدعو بين الأذان والإقامة؛ فإن الدعاء لا يُرَدُّ بين الأذان والإقامة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[20]روى أبو داود: 521، والترمذي: 212 عن أنس بن مالكٍ  قال: قال رسول الله : لا يُرَدُّ الدعاء بين الأذان والإقامة، … Continue reading.

فيا عبدالله، لا تكن من المحرومين الذين يسمعون هذا النداء ولا يُتابعونه، فإذا أذَّن المُؤذِّن وأنت تتكلم قِفْ، وأنت تقرأ القرآن لا تقرأ، وأنت تقرأ الحديث لا تقرأ، وأنت تُحَدِّث الناس لا تُحَدِّث، وأنت تتكلم في الهاتف اعتذر وأَغْلِقْهُ، وأنت تعمل أي عملٍ: تبيع وتشتري، أوقف البيع والشراء وتابع المُؤذِّن؛ حتى تحصل على هذا الثواب العظيم، فهو ثوابٌ كبيرٌ.

ولو كانت عليه نقودٌ لرأيتَ الناس يُسارعون، فلو قيل: مَن تابع المُؤذِّن فله في آخر الشهر على كل أذانٍ يُتابعه مئة ريالٍ، على كل صلاةٍ مئةٌ × خمس صلواتٍ بخمسمئةٍ، 500 × 30 ... عليك أن تحسب.

ثم جاء في آخر الشهر فوجد أنه قد خُصِمَتْ عليه خمسة أيامٍ: 500 × 5 = 2500 خُصِمَتْ عليه، وقالوا: أنت ما قلتَ هذا الدعاء. فإنه لا يترك هذا الدعاء مرةً أخرى، لماذا؟

يريد الدنيا، والله يقول: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ۝ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:16- 17].

هو ينظر إلى جانب المادة، ولكن ما ينظر إلى جانب الثواب، وما هي إلا أيامٌ -يا عبدالله- ثم تنتقل إلى ما قدمتَ من أعمالٍ، أيامٌ قلائل، فما هي إلا أيامٌ.

كم عمرك الآن؟

كل إنسانٍ ينظر إلى عمره، فإذا رأى أنه من كبار السنِّ، فكم مضى من عمرك في نظرك؟

كأنه لا شيء، كأنها ساعةٌ.

ويوم القيامة يقول الله : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ [يونس:45]، هذا يوم القيامة: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [الروم:55].

فلا تُفَرِّط في العمل الصالح والخير، وارحم نفسك يا عبدالله، واغتنم أيامك؛ حتى تفوز في حياةٍ لا موت بعدها.

الانقياد والقبول

من شروطها كذلك التي لا بد منها: الانقياد والقبول، فَيَنْقَاد لها في جميع ما أمر الله به، كما قال الله ​​​​​​​: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء:59].

ويقول الله : فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

ويقول الله : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب:36] واضحًا.

فلا بد من الانقياد لهذه الكلمة، والتَّسليم والاستسلام لهذه الكلمة، والعمل بما دَلَّتْ عليه؛ حتى يكون قد قام بهذه الشروط وتُقْبَل.

المحبة

كذلك من الشروط -وهو الشرط السابع-: المحبة لهذه الكلمة ولِمَا دَلَّتْ عليه، ولِمَا يعمل من الأعمال؛ يُحب هذه الكلمة؛ لمحبة الله لها؛ ولأنها أصل الدين.

ولهذا بيَّن الله بقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165].

وبيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه في هذه الكلمة -بالمحبة- بقوله: ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحبَّ المرء لا يُحبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أَنْقَذَه الله منه كما يكره أن يُقْذَف في النار[21]رواه البخاري: 16، ومسلم: 43.، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ذاق طعم الإيمان الإيمان له طعمٌ، له راحةٌ نفسيةٌ، له حلاوةٌ: ذاق طعم الإيمان مَن رَضِيَ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا [22]رواه مسلم: 34..

ويقول عليه الصلاة والسلام: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين[23]رواه البخاري: 15، ومسلم: 44.، عليه الصلاة والسلام.

فلا بد من هذه الشروط.

الكفر بما يُعْبَد من دون الله

الشرط الثامن: هو الكفر بما يُعْبَد من دون الله ؛ ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن: مَن قال: لا إله إلا الله هذه الكلمة، ولم يُشْرِك بالله  وكفر بما يُعْبَد من دون الله؛ حَرُمَ ماله ودمه، وحسابه على الله[24]رواه مسلم: 23.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

ومعنى "الكفر بما يُعْبَد من دون الله" عدم التَّصديق؛ فتسمع أن هناك أناسًا يدعون الجنَّ، ولا تُصدِّقهم، وتسمع أن هناك أناسًا يأتون السحرة ويسألونهم ويُخبرونهم بأشياء، ولا تُصدِّق؛ لأن هذا يدخل في نواقض "لا إله إلا الله".

ولعلي أُعَرِّج على بعضها؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: مَن أتى كاهنًا أو عَرَّافًا فَصَدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنْزِلَ على محمدٍ [25]رواه أحمد: 9536، والحاكم: 15، وحسنه مُحققو "المسند"..

فإذا صدَّق الإنسان وقال: "هذا صحيحٌ" يكون كافرًا بهذه الكلمة؛ لأنه كذَّب الله، فالله يقول: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، فلا يعلم الغيب إلا الله، فكيف يعلم هذا؟!

إذن هذا هو الكفر بالطاغوت، فتكفر بما يُعْبَد من دون الله ، فتكون هذه الكلمة قد نفعتك.

شهادة أن محمدًا رسول الله  ومُقتضاها

كذلك الشقُّ الثاني من هذه الكلمة وهو شهادة: أن محمدًا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلا تُقْبَل "لا إله إلا الله" عند المسلمين في الإسلام الخاصِّ إلا بمحمدٍ رسول الله عليه الصلاة والسلام، قبل الإسلام، قبل محمدٍ ...

هذه شروط "لا إله إلا الله"؛ لأن دعوة الأنبياء واحدةٌ، "لا إله إلا الله" دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

والإسلام هو دين الأنبياء كلهم، الإسلام العام، وهو الخضوع؛ لأن الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، هذا دين جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

أما الإسلام الخاص فهو يقوم على خمسة أصولٍ -خمسة أركان-: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت.

هذا هو الإسلام الخاصّ، دين النبي عليه الصلاة والسلام الذي لا يقبل الله دينًا سواه، كما قال الله : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85].

فلا شكَّ أن معنى شهادة "أن محمدًا رسول الله" الاعتقاد الجازم أن محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم -وهاشمٌ من قريشٍ، وقريشٌ من العرب، والعرب من ذُرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام- هو رسول الله حقًّا، أرسله الله بشيرًا ونذيرًا.

بعثه الله بالتوحيد والإنذار عن الشرك.

بعثه الله تبارك وتعالى خاتمًا للأنبياء والمرسلين، فلا نبيَّ بعده عليه الصلاة والسلام.

بعثه الله تبارك وتعالى للجنِّ والإنس، فدعوته عامَّةٌ تشمل الجنَّ والإنس -جميع الثَّقلين من الجنِّ والإنس- كما بيَّن الله ذلك في كتابه، وأنه أرسله للناس كافَّةً عليه الصلاة والسلام.

فمَن اعتقد أن هناك نبيًّا بعده فهذا يدل على أنه لم يشهد أن محمدًا رسول الله، بل كفر بهذه الكلمة، فلا بد من اقتران "لا إله إلا الله" بشهادة "أن محمدًا عبده ورسوله عليه الصلاة والسلام".

ولا شكَّ أن مُقتضى هذه الشهادة -شهادة أن محمدًا رسول الله- مُقتضاها الذي لا بد منه: طاعته فيما أمر، وتصديقه بما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعْبَد الله إلا بما شرع عليه الصلاة والسلام، هذا مُقتضاها.

نواقض "لا إله إلا الله"

لا شكَّ أن هذه الكلمة -كلمة "لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله"- لها نواقض، ولها نواقص تنقصها، فيكون العمل ناقصًا، فنواقضها هي نواقض الإسلام، نواقض "لا إله إلا الله" هي نواقض الإسلام التي ذكرها أهل العلم.

ونواقض الإسلام كثيرةٌ، لكن منهم مَن جمعها في عشرةٍ؛ كالإمام المُجدد لما انْدَرَسَ من معالم الدين في النصف الثاني من القرن الثاني عشر للهجرة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمة الله عليه، فذكر عشرة نواقض، لكن هذه العشرة يجمعها أربعة أمورٍ، جميع النَّواقض يجمعها أربعةٌ.

نواقض قولية

الأمر الأول: أن يكون النَّاقض قولًا؛ كأن يَسُبَّ الله -أعوذ بالله- أو يَسُبَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام، أو يستهزئ بالدين، أو يسخر من الدين بلسانه، أو ينتقص شيئًا من الدين ولو بأيِّ شيءٍ -بلسانه- فهذا قد ارتدَّ عن دين الإسلام، وقد نقض "لا إله إلا الله".

معنى النَّقْض: الإفساد.

الإنسان لو صلَّى، قال: "الله أكبر" وصلَّى، كبَّر تكبيرة الإحرام، ثم نقض الوضوء -فَسَا أو حصل له ناقضٌ من نواقض الوضوء- هل صلاته صحيحةٌ؟

فَسَدَتْ من أولها إلى آخرها.

لو كان قبل أن يُسَلِّم في آخر التَّشهد الأخير أَحْدَثَ -نقض الوضوء- بَطَلَتْ صلاته من أولها إلى آخرها.

كذلك مَن قال كلمةً من نواقض الإسلام بالقول بَطَلَتْ أعماله من أولها إلى آخرها، ولو عمل مئة سنةٍ.

لو كان هناك إنسانٌ يُصلي ويصوم ويُزَكِّي، وفي يومٍ من الأيام استهزأ بالدين بلسانه، أو سَبَّ الدين -كما يعمل بعض المُجرمين الجهلة- أو سَبَّ الله، أو سَبَّ النبي عليه الصلاة والسلام، أو انتقص شيئًا من دين الله بلسانه؛ فهذا قد خرج عن دين الإسلام، ونقض "لا إله إلا الله"، لا تنفعه، نسأل الله العافية.

هذا النَّاقض بالقول، أو دعا غير الله، أو استغاث بغير الله، أو دعا الجنَّ، هذا ناقضٌ قوليٌّ.

نواقض فعلية

الأمر الثاني من هذه الأمور الأربعة: أن يكون بالفعل، نقض "لا إله إلا الله" بفعله -بالفعل- كأن يستهزئ بالدين بحركاته، ولو بعينه؛ غمز بعينه أو بلسانه لإنسانٍ -يعني- قد قَصَّرَ ثوبه، أو أعفى لحيته، ويقصد بذلك انتقاص الدين، وانتقاص مَن عمل هذا العمل، وأنه ناقصٌ، يعني: انظر إلى هذا الدين، وانظر إلى هذا الفعل.

إذا قصد ذلك بالقلب وبالحركة فقد جمع بين ناقضين: بالاعتقاد، وبالفعل، هَمَزَ يقصد الاستهزاء بالدين.

أما إذا قصد شكل الإنسان وصورة الإنسان فهذا من المعاصي.

أما إذا قصد الدين، وأن هذا لو كان فيه خيرٌ ما حصل -كما يقولون- فهذا من نواقض الإسلام.

فلو قال: "لو كانت اللحية فيها خيرٌ ما نَبَتَتْ في العانة"، لو قال هذا الكلام يخرج من دين الإسلام.

وهناك فتوى لسماحة إمامنا الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمة الله عليه مع اللجنة الدائمة بهذا النصِّ: أن مَن قال: "لو كان في الشعر خيرٌ ما نَبَتَ في العانة" فهذه رِدَّةٌ عن دين الله؛ لأنه استهزأ بدين الله، دين النبي عليه الصلاة والسلام.

فالاستهزاء قد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل.

فعليك يا عبدالله أن تنتبه.

بعض الناس يقع أو استهزأ ...

^1 رواه أحمد: 19004، والطبراني في "المعجم الكبير": 4582، وصححه محققو "المسند".
^2 رواه البخاري: 3435، ومسلم: 28.
^3 رواه النسائي في "السنن الكبرى": 10602، والطبراني في "الدعاء": 1480، والحاكم: 1953.
^4 رواه أبو داود: 3116 واللفظ له، وأحمد: 22034، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6479.
^5 رواه مسلم: 916.
^6 رواه البخاري: 425، ومسلم: 33.
^7 رواه الترمذي: 2639، وابن ماجه: 4300، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1533.
^8 رواه مسلم: 2695.
^9 رواه البخاري: 3293، ومسلم: 2691.
^10 رواه البخاري: 2943، ومسلم: 382.
^11 رواه مسلم: 382.
^12 رواه مسلم: 27.
^13 رواه البخاري: 99.
^14 رواه أحمد: 19177، والطبراني في "المعجم الكبير": 2330.
^15 رواه البخاري: 2808، ومسلم: 1900.
^16 رواه مسلم: 385.
^17 رواه مسلم: 386.
^18 رواه مسلم: 384.
^19 رواه البخاري: 614.
^20 روى أبو داود: 521، والترمذي: 212 عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله : لا يُرَدُّ الدعاء بين الأذان والإقامة، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 534.
^21 رواه البخاري: 16، ومسلم: 43.
^22 رواه مسلم: 34.
^23 رواه البخاري: 15، ومسلم: 44.
^24 رواه مسلم: 23.
^25 رواه أحمد: 9536، والحاكم: 15، وحسنه مُحققو "المسند".