تخطى إلى المحتوى

سلامة الصدر وخطر القطيعة

جدول المحتويات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فأشكر الله تعالى أن يسَّر الوصول إلى هذا المكان، يوم الخميس، الموافق الثامن والعشرين من شوَّال، لعام ألفٍ وأربعمئةٍ وإحدى وثلاثين، في محافظة "الخُرمة".

فأسأل الله تعالى أن يتقبَّل من الجميع، وأن يجعله لقاءً مباركًا، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، والتوفيق لما يحبه ويرضاه؛ إنه على كل شيءٍ قدير.

هذه المحاضرة كما حدَّدها الإخوان في هذه المحافظة بعنوان: "أسباب سلامة الصدر، وفضل سلامة الصدر، وخطر القطيعة".

فلا شك أن سلامة الصدر من أعظم النعم التي يُنْعِم الله تعالى بها على الخواص من عباده، والقطيعة من أعظم الجرائم ومن أعظم المصائب التي تحصل بين الناس؛ فأسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم سلامة الصدر، وأن يُعِيذَنا وإياكم من القطيعة.

معنى الهجر والقطيعة والشحناء وسلامة الصدر

ولا شك أن الإنسان إذا أراد أن يعرف هذه الأمور فلا بد أن يتفقه في معانيها، فالهجر والقطيعة والشحناء كلُّ واحدٍ منها له معنى يفهمه الناس في الغالب.

فالهجر: هو هجرُ القريب وتركُ وصله، ومنعُ الإحسان إليه؛ هذا هو الهجر.

والقطيعة: هي قطيعة القريب والانفصال عنه، ومنعُ الإحسان إليه.

والشحناء هي كذلك تُسَبِّب القطيعة، وهي: امتلاء الصدر بالعداوة والبغضاء والحقد والحسد، والعياذ بالله تعالى.

أما سلامة الصدر، فلا شك أنها خُلُوُّ الصدر من الحسد والحقد والعداوة والبغضاء والضغائن، فيكون صدرًا مملوءًا بالإيمان، ومملوءًا بالرغبة فيما عند الله تعالى.

التخلية قبل التحلية

ولا شك أن الخطر يُبدأ به قبل سلامة الصدر؛ لأن العلماء قالوا: "التخلية قبل التحلية"، فالإنسان لا بد أن يُطَهِّر ويتخلَّى عن الأمور التي ستُشَوِّش على التحلية التي يستفيد منها والعلم النافع وسلامة الصدر وأسبابه.

التحذير من الحسد وأنواعه المحرمة

فلا شك أن من هذه الأمور التي تُسَبِّب القطيعة: التحاسُد؛ لقول النبي صلوات الله وسلامه عليه: لا تَحَاسَدُوا، ولا تَنَاجَشُوا، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يَبِعْ بعضُكم على بيعِ بعضٍ، وكونوا عبادَ الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يَظْلِمُه، ولا يَخْذُلُه، ولا يَحْقِرُه، إلى آخر الحديث، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: التقوى ها هنا. أو كما قال عليه الصلاة والسلام[1]رواه مسلم: 2564..

فقوله عليه الصلاة والسلام: لا تَحَاسَدُوا، المعنى في هذا: أن الحسد له أنواع، ولا شك أن الحسد يحتاج إلى محاضرة، ولكن من باب البيان الخفيف أو اليسير يُبَيَّن؛ فالحسد لا شك أنه -كما ذكر العلماء- يكون ثلاثة أنواع، وهو من أسباب الشر ومن أسباب القطيعة ومن أسباب الهجر، هذا المرض الذي عمَّ كثيرًا من الناس إلا من عصم اللهُ ؛ فالحسد هو بُغض نعمة الله تعالى على المحسود وتَمَنِّي زوالها؛ وهو على أنواع:

  • نوع يقال له: بُغض نعمة الله على المحسود، وتَمَنِّي زوالها حتى ولو لم تكن له.
  • وبُغض نعمة الله على المحسود نوعٌ آخر، وتَمَنِّي زوالها وتكون له.
    والأول أعظم من الثاني، وأقبح من الثاني.
  • ونوع ثالث هو: تَمَنِّي استصحاب عدم النعمة للإنسان، فهو يكره أن يتغير حاله، ويكره أن يُشفَى من مرضه، ويريد أن يبقى في مرضه، ويريد ويرغب أن يبقى في جهله، ويريد ويرغب أن يبقى في حالته وفقره. هذا في الحقيقة من أنواع الحسد، وهو في الحقيقة من أنواع الحسد المذموم.

حسد الغِبْطة المشروع

  • والنوع الرابع هو: حسد الغِبْطة، وهو مشروع؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا حَسَدَ إلا في اثنتَيْن: رجلٌ آتاه الله القرآن، فهو يتلوه آناءَ الليل وآناءَ النهار، ورجلٌ آتاه الله مالًا، فهو يُنْفِقُه آناءَ الليل وآناءَ النهار[2]رواه البخاري: 7529، ومسلم: 815..

لا حَسَدَ، معنى ذلك: لا غِبطة على شيءٍ من الأمور إلا على هذا؛ فينبغي أن يُغبَط. والغِبْطة: هي أن يتمنى الخير، ولا يتمنى زوال هذا الخير من هذا الإنسان بل يحب أن يبقى له وأن يزيده الله تعالى من فضله، ويحب أن يكون له مثله. وهذا في الحقيقة من أصحاب الصدور السليمة الذين وفَّقهم الله تعالى للخير.

ولا شك أن مرض الحسد هو من الأمراض القديمة التي يتصف بها الشيطان والقُرَناء والزملاء وغير ذلك من الشركاء؛ فإن هذا لا يحصل إلا بين هؤلاء الناس -والعياذ بالله-، وله أسباب لا يمكن الكلام عنها؛ لأن الموضوع في الحقيقة في غير هذا.

الهجر المحرم وعقوبته

أما الهجر الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام فهو محرَّم؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يهجرَ أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يلتقيان فيُعرِض هذا ويُعرِض هذا، وخيرُهما الذي يبدأ بالسلام[3]رواه البخاري: 6077، ومسلم: 2560 واللفظ له.لا شك أن هذا من الأمور المحرمة، والأمور التي تُكَدِّر سلامة الصدر، والتي ربما تُزيل هذه السلامة وتُمرضها.

فالنبي عليه الصلاة والسلام أذِن في الهجر ثلاثة أيام، حتى يزولَ ما في النفس، وربما يكون الإنسان غضبانَ فيزول هذا الغضب، وهذا من رحمة الله تعالى: أنه أذِن في الهجر ثلاثة أيام على أمرٍ من أمور الدنيا، ولكن لا يتجاوز هذه الثلاثة، فإنْ تجاوَزَها فقد عصى الله وعصى النبي صلوات الله وسلامه عليه.

أما الهجر الذي لله تعالى، فسيأتي إن شاء الله بعضُ البيان في ذلك، فبيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام ذلك فقال: وخيرُهما الذي يبدأ بالسلام.

وبيَّن عليه الصلاة والسلام أنه إذا سلَّم الهاجر فلم يردَّ الآخر فقد باء بالإثم وخرج المُسَلِّم من الهجر، فقال عليه الصلاة والسلام: لا يَحِلُّ لمؤمنٍ أن يَهْجُرَ مؤمنًا فوق ثلاثٍ، فإنْ مَرَّتْ به ثلاثٌ فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلِّمْ عليه، فإنْ ردَّ عليه السلامَ فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يَرُدَّ عليه فقد باء بالإثم، زاد أحمد: وخرج المُسَلِّمُ من الهجر[4]رواه أبو داود: 4912..

هذا من فضائل الله تعالى على عباده؛ أن الهاجر إذا هجر أخاه ثم بدأ بالسلام، فإنْ ردَّ عليه الآخر اشتركا في الأجر، فإن لم يردَّ عليه فحينئذٍ خرج المُسَلِّم من الإثم، والثاني الذي لم يرد السلام يبوء بالإثم، والعياذ بالله.

وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن المسلم إذا هجر المسلم فوق ثلاثٍ، فمات قبل أن يعود دخل النار؛ ثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يَهْجُرَ أخاه فوق ثلاثٍ، فمن هَجَرَ فوق ثلاثٍ فماتَ دَخَلَ النار. رواه أبو داود بإسناد صحيح[5]رواه أبو داود: 4919، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2757.هذا فيه عقوبة والعياذ بالله، إذا تجاوز ثلاثة أيام في الهجر ولم يُسَلِّم على أخيه فمات قبل التوبة دخل النار، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

ولا شك أنه إذا هجر أخاه واستمر الهجر وقتًا طويلًا، فإنه يحصل على الإثم العظيم؛ فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن هَجَرَ أخاه سنةً، فهو كَسَفْكِ دمِه. كأنه سفك دمه! رواه أبو داود بإسنادٍ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أنه ثابت[6]رواه أبو داود: 4915، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2762..

ولا شك أن هذا من الأخطار العظيمة التي يقع فيها كثيرٌ من الناس، فإن بدأ الهاجر أو المهجور بالسلام ولم يرد عليه السلام؛ فإن الملائكة يردُّون عليه، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال -في الحديث-: وأولهما فيئًا فَسَبْقُهُ بالفيء كفَّارتُه، يعني: أول المتهاجرين رجوعًا إلى السلام وإلى عدم القطيعة فإنه يكون لهما كفارة، يكون لكل واحد، فإنْ سَلَّمَ عليه فلم يَرُدَّ عليه، وردَّ عليه سلامَه، يعني: لم يقبل سلامه، ردَّت عليه الملائكة، وردَّ على الآخر الشيطان، فإنْ ماتَا على صرَامِهِما، يعني: على المقاطعة، لم يجتمعا في الجنة أبدًا. رواه الإمام أحمد[7]رواه أحمد: 17257، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2759.، وثبَّته أهل الحديث من أهل العلم.

ولا شك أن هذا فيه خطر كبير؛ لا يجتمعان في الجنة، أما إذا رد عليه -سلَّم ولم يرد عليه- فالملائكة ترد عليه، كما ثبت ذلك عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام: تُفتَح أبوابُ الجنة يومَ الاثنين ويومَ الخميس، فيُغفَر لكل عبدٍ لا يُشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيُقال: أنظِروا هذين حتى يَصْطَلِحَا، أَنظِروا هذين حتى يَصْطَلِحَا، أو كما قال النبيُّ صلوات الله وسلامه عليه[8]رواه مسلم: 2565.. وفي لفظٍ: تُعرَض الأعمال في كل يوم خميسٍ واثنينِ... إلى آخر الحديث[9]رواه مسلم: 2565..

الهجر المشروع

ولكن الهجر قد يكون مشروعًا إذا كان لله تعالى؛ فلا بأس أن يهجر لله، لكن بشرطٍ كما ذكر العلماء -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى- وهو أن الهجر إذا كان ينفع المهجور العاصي فإنه لله، فإنه يُعمَل به، أما إذا كان الهجر يزيده شرًّا ويزيده إدبارًا ويزيده قطيعة ويزيده فسقًا فإنه لا يكون مشروعًا.

وقد ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام هجر قومًا ولم يهجر قومًا عليه الصلاة والسلام، بل تألَّفهم، وهذا يدل على حكمته صلوات الله وسلامه عليه؛ فإنه كان يتألَّف قومًا وكان يهجر آخرين للمصلحة. فإذا كانت المصلحة في الهجر لله تعالى، من أجل دين الله، أو من أجل ارتكاب المعاصي، أو ترك الواجبات التي أوجبها الله تعالى على عباده؛ فإن الإنسان يهجر إذا كان الهجر ينفع، أما إذا كان لا ينفع فإنه لا يهجر، بل يتألَّف كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام.

أسباب العداوة والشحناء

أما صلب الموضوع في الحقيقة، فهو أسباب العداوة والشحناء، قبل أسباب سلامة الصدر؛ لأن أسباب سلامة الصدر... لا بد أن تُعمَل تخلية قبل التحلية، تخلية لهذا الصدر من الأمراض والأدواء التي تَحُول بينه وبين السلامة.

تحريش الشيطان

فمن هذه الأسباب التي تُسَبِّب عدم سلامة الصدر، وتُسَبِّب الحسد، وتُسَبِّب الحقد والبغضاء، وتُسَبِّب الشحناء: تحريش الشيطان، كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: إنَّ الشيطانَ قد أَيِسَ أن يَعْبُدَهُ المُصَلُّون في جَزِيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم. رواه مسلم[10]رواه مسلم: 2812..

التحريش: أن يُسَبِّب العداوة، ويُسَبِّب الشحناء، ويُسَبِّب التنابز بالألقاب، ويُسَبِّب العِيَار، ويُسَبِّب الأمور التي تُوغِر الصدور. هذه من أسباب عدم سلامة الصدر، ومن أسباب العداوة والشحناء التي تحصل بين الناس: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6].

بعث الشيطان سراياه لِيُفسِد بين الناس

كذلك من أسباب عدم سلامة الصدر، ومن أسباب العداوة والشحناء: بَعْثُ الشيطان سراياه لِيُفسِد بين الناس؛ يبعث الشياطين جنوده لِيُفسِدوا بين الناس، ولِيُوغِروا صدورهم، ولتحصل بينهم العداوة والشحناء؛ ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إنَّ عَرْشَ إبليسَ على البحر، فيبعثُ سراياه: جنوده، سرايا جيوش يبعثهم فيَفتنون الناس؛ فأعظمُهم عندَه أعظمُهم فتنةً[11]رواه مسلم: 2813.، أعظمهم عنده وأقربهم عنده منزلةً أعظمهم فتنةً. وفي لفظٍ: فأدناهم منه منزلةً أعظمُهم فتنةً؛ يجيء أحدُهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئًا. ثم يجيء أحدُهم فيقول: ما تركتُه حتى فَرَّقْتُ بينه وبين امرأته. قال: فيُدنِيه منه ويقول: نِعْمَ أنت. قال الأعمش: أُراه قال: فيلتزمُه[12]رواه مسلم: 2813..

ذكر بعض العلماء أن يلتزمه أي: يُعانِقه؛ لأنه أتى بجريمة عظيمة، فرَّق بين زوجٍ وزوجته. فهذا من أعظم الأمور بعد الشرك بالله تعالى عند الشيطان؛ لأن هذا يُفَرِّق بين الزوج وزوجته، ويُفَرِّق بين الأبناء والبنات، ويُفَرِّق بين الأُسَر، ويزرع العداوة في قلوب الناس: أهل الزوجة وأهل الزوج وغير ذلك، فهو يلتزمه ويعانقه احترامًا له وتقديرًا لأنه أتى بجريمةٍ عظيمةٍ. هذا من أسباب العداوة، ومن أسباب الشحناء، ومن أسباب عدم سلامة الصدر.

قرين الإنسان من الجن

من أسباب عدم سلامة الصدر التي تُسَبِّب العداوة والشحناء: قرينُ الإنسان، ما منا إلا وله قرينٌ من الجن يُقارنه دائمًا لا يفارقه، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه ذلك: ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكِّلَ به قرينُه من الجن. قالوا: وإيَّاك يا رسول الله؟ قال: وإيَّايَ، إلا أنَّ الله أعانني عليه فأسلمَ، فلا يأمُرُني إلا بخيرٍ. رواه مسلم[13]رواه مسلم: 2814..

شيطان النبي عليه الصلاة والسلام -قرينه- أسلمَ، مِن فضل الله تعالى على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام أنه جعل قرينه يُسْلِم، فهو لا يأمره إلا بخير، صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا عصمه الله من الفسق والعصيان عليه الصلاة والسلام.

أما نحن فلا يزال القرين معنا دائمًا، لا يفكُّنا منه ولا يُنجينا من هذا القرين إلا الله ، بذكره، وبملازمة طاعته، وبالاستعاذة بالله تعالى منه؛ فإن هذه الأمور في الحقيقة هي من أسباب العداوة، ومن أسباب الحقد، ومن أسباب الحسد، ومن أسباب الشحناء بين الناس التي تُسَبِّب عدم سلامة الصدر.

النَّمِيمة وذو الوجهين

ومن هذه الأمور: النَّمِيمة، من أسباب زرع البغضاء والحقد بين الناس؛ ولهذا عظَّم النبي عليه الصلاة والسلام شأنها، فقال : لا يَدخُلُ الجنةَ نَمَّامٌ[14]رواه مسلم: 105.، وقال : لا يَدخُلُ الجنةَ قَتَّاتٌ[15]رواه مسلم: 105..

النَّمَّام -كما ذكر العلماء-: هو الذي يُحضِر الكلام وينقله على جهة الإفساد بين الناس. والقَتَّات: هو الذي يستمع بحيث لا يُشْعَر به ولا يُعْلَم مكانُه، ثم ينقله، وهذا في الحقيقة نَمَّام، بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى حرَّم عليه الجنة[16]سبق تخريجه.، وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن أعظم الفتن هي القالة بين الناس، فقال : ألَا أُنَبِّئُكُمْ ما العَضْهُ؟ هي النَّمِيمَةُ: القَالَةُ بين الناس[17]رواه مسلم: 2606..

قال يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى: يُفْسِد النَّمَّام والكذَّاب في ساعةٍ ما لا يُفْسِد الساحر في سنة[18]ينظر: "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" لأبي نعيم: 3/ 70.، في ساعة واحدة؛ لأن النمام يُفَرِّق بين المرء وزوجه، ويُفَرِّق بين الأحبة، ويُفَرِّق بين الجيران في ساعة واحدة. أما الساحر فهو خطره عظيم، لكن النمام يُفْسِد أكثر منه. نسأل الله العفو والعافية.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ شرَّ الناس ذُو الوجهين؛ الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ، وهؤلاء بوجهٍ[19]رواه البخاري: 7179، ومسلم: 2526.، وبيَّن عليه الصلاة والسلام أن: من كان له وجهان في الدنيا؛ كان له يومَ القيامة لسانان من نارٍ[20]رواه أبو داود: 4873، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2949.، من باب العقوبة له -نسأل الله العافية- يكون له لسانان من نار -والعياذ بالله- في جهنم. وهذا خطرٌ عظيمٌ على المسلم.

أسباب سلامة الصدر

أما صُلب المحاضرة، والذي هو في الحقيقة أسباب سلامة الصدر التي تُزيل الأحقاد وتجلب المحبة:

الأسباب الأولى هي التخلية من الأسباب التي تُعَكِّر الصدر، وتُمْرِض الصدر والقلب، وتُسَبِّب عدم سلامته.

أما هذه الأسباب، فهي أسبابٌ تُسَبِّب سلامة الصدر، وتُسَبِّب السعادة، وتُبْعِد الحقد والبغضاء:

الابتعاد عن الوقوع في المعاصي

أول هذه الأسباب: الابتعاد عن الوقوع في المعاصي؛ فالمعاصي في الحقيقة هي من أسباب كل شرٍّ في الدنيا والآخرة، والطاعات من أسباب كل خيرٍ في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97].

فمن الأسباب التي تُزيل هذه السلامة: الوقوع في المعاصي؛ ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ما تَوَادَّ اثنان في الله جلَّ وعزَّ أو في الإسلام، فيُفَرَّقُ بينهما؛ إلا بذنبٍ يُحْدِثُه أحدُهما. رواه الإمام البخاري في "الأدب المفرد"[21]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 401، وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 401/ 310..

إذا تَفَارَقَ اثنان كانا على طاعة الله وعلى طاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وكان بينهما محبةٌ في الله تعالى وغير ذلك من الألفة، فحصل بينهما فُرقة؛ فهذا يدل على أن أحدهما قد وقع في ذنبٍ سبَّب الفُرقة، وربما يكون الاثنان قد وقعا في ذنبٍ؛ ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه: ما تَوَادَّ اثنان في الله جلَّ وعزَّ -أو: في الإسلام- فيُفَرَّقُ بينهما؛ إلا بذنبٍ يُحْدِثُه أحدُهما.

دفعُ السيئة بالحسنة

دفعُ السيئة بالحسنة من أسباب سلامة القلوب؛ ولهذا قال الله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34]، وقال: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35]. فلا شك أن من أسباب سلامة الصدر مقابلةَ الناس بالإحسان إذا أساؤوا وحصل منهم إساءة وتعدَّوا، يُقابَلون بالإحسان وبالعفو؛ فهذا من أسباب سلامة الصدر التي تكون بين الناس، وتُسَبِّب الخير والبركات.

نور الإيمان الصادق مع العمل الصالح

ومن أسبابها كذلك: نور الإيمان الصادق مع العمل الصالح؛ ولهذا سمعتم في الآية قول الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، وقال الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]. ومن أعظم المخارج: أن يجعل له مخرجًا من الغل والحسد، ومن الفرقة بينه وبين إخوانه. ومن أعظم الخيرات ومن أعظم التقوى أن يُطَهِّرَ الله تعالى قلبه وصدره، ويجعل قلبه قابلًا لكل خير.

دوام ذكر الله تعالى

كذلك دوام ذكر الله تعالى، من أسباب سلامة الصدر، في كل حال، سواء كان ذكر الله تعالى في الصباح أو في المساء، أو عند دخول المسجد، أو عند الركوب، أو عند النزول، أو غير ذلك من جميع الأحوال، فإن هذا من أسباب سلامة الصدر؛ لأن ذِكر الله تعالى تطمئنُّ به القلوب كما قال الله تعالى: أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]. فلا شك أن صاحب الأذكار والذكر دائمًا يُعينه الله تعالى على سلامة صدره، ويُخْرِج ما في صدره من الغل والحقد والحسد والشحناء والبغضاء، وهذا من فضل الله تعالى على عباده.

ترك فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة والأكل والنوم

كذلك من أسباب السلامة: ترك فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة؛ فالنظر إلى ما يُلهي وما يشغل، والنظر إلى المحرمات، والنظر إلى المكروهات؛ هذا يؤثر في الصدر. لكن كونه يغض بصره عن كل ما حرَّم الله تعالى، وعن كل ما يُؤَثِّر في قلبه وصدره وسلامة صدره؛ هذا يكون من أسباب السلامة.

والكلام، كثرة الكلام كذلك تُسَبِّب عدم السلامة أو ربما تُقَلِّل منها؛ ولهذا جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا تُكْثِروا الكلامَ بغير ذكر الله؛ فإنَّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوةٌ للقلب، وإنَّ أبعد الناس من الله القلبُ القاسي، أو كما رُوي عن النبي صلوات الله وسلامه عليه[22]رواه الترمذي: 2411..

وكذلك الاستماع، يحفظ سمعه عن الاستماع إلى ما حرَّم الله، سواء كان ذلك من الغناء والمزامير، أو من الغيبة والنميمة، أو من غير ذلك مما لا فائدة فيه.

وكذلك المخالطة، مخالطة الفُساق، ومخالطة كثيرٍ من الناس بدون فائدة، هذا يُؤَثِّر في الصدور ويُؤَثِّر في السلامة؛ لأنه يُكْثِر المخالطة فيما لا فائدة فيه، أو فيما فيه ضرر. أما المخالطة في طاعة الله تعالى وطلب العلم والدروس وغير ذلك؛ فهذا يُسَبِّب سلامة الصدر كذلك.

والأكل والنوم، كثرة الأكل كذلك، بحيث يأكل الإنسان حتى يتكاسل عن طاعة الله تعالى، وعن القيام بالواجبات. أو النوم، ينام عن طاعة الله تعالى، أو ينام كثيرًا؛ لقلة رغبته في الخير، وربما فاته شيءٌ من الواجبات. هذا في الحقيقة -ترك هذه الأمور- من أسباب سلامة الصدر، كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى.

النظر إلى من هو دونك في أمور الدنيا

ومن أسباب سلامة الصدر: النظر إلى من هو دونك، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه فقال: انظروا إلى مَن هو أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقَكم؛ فإنه أجدرُ أنْ لا تَزْدَرُوا نعمةَ الله عليكم. أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[23]رواه مسلم: 2963..

فإذا كنتَ في نعمةٍ، وكنتَ في خيرٍ، وكنتَ في صحةٍ، وكان عندك مال وغيره، فانظر إلى من هو دونك في المال وفي الصحة والعافية والدنيا والأولاد وغير ذلك. أما في الدين، فانظر إلى من هو أعلى منك، في العلم انظر إلى من هو أعلى منك؛ حتى تقتديَ به، وحتى تنافسه في طاعة الله تعالى.

ومهما بلغ الإنسان في الدنيا والصحة والمال والولد والجاه وغير ذلك، مهما بلغ فإنه سيجد من هو فوقه؛ فعليه أن ينظر إلى من هو دونه؛ فإذا كان عنده جاه فلا بد أن يكون هناك من هو أعلى منه جاهًا، وإذا كان عنده جاه وليس هناك من هو أعلى منه فلا بد أن يكون هناك من هو دونه في الجاه وفي الصحة وفي غير ذلك من الأمور.

فعليك -يا عبدالله- أن تأخذ بهذه النصيحة التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام: انظروا إلى مَن هو أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقَكم؛ فإنه أجدرُ أنْ لا تَزْدَرُوا نعمةَ الله عليكم. أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

العلم النافع والعمل الصالح

العلم النافع والعمل الصالح؛ فطلب العلم، وقراءة القرآن، وتعلُّم الأحاديث ودراسة الأحاديث، وحضور حلقات العلم؛ هذا مما يُسَبِّب سلامة الصدر، ومما يُسَبِّب الخير في الدنيا والآخرة. العمل الصالح، العمل بما علم؛ ولهذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الإنسان لا يستفيد من علمه إلا إذا عمل به، إذا عمل بالعلم؛ ولهذا قال الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى: اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلُّم أربع مسائل والعمل بهن:

  • الأولى: العلم؛ وهو: معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
  • والثانية: العمل بالعلم.
  • والثالثة: الدعوة إليه.
  • والرابعة: الصبر على الأذى فيه.

فأول هذه الأمور العلم؛ وهو: معرفة الله تعالى، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. والعمل بالعلم، لا بد أن يعمل بهذا؛ فالعلم والعمل الصالح هذا يُسَبِّب سلامة الصدر، ويُسَبِّب الراحة النفسية، ويُسَبِّب النجاة من المعاصي، والنجاة من الظلمات، والدخول في النور في الدنيا والآخرة.

التوكل على الله تعالى

من أسباب سلامة الصدر كذلك: اعتماد القلب على الله تعالى في أموره كلها: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23].

إذن التوكل يقوم على ركنين:

  • الركن الأول: اعتماد القلب على الله، والثقة بالله، ومحبة الله، والثقة بوعد الله تعالى، والرغبة فيما عنده .
  • والركن الثاني: العمل بالأسباب.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لو أنكم تتوكَّلون على الله حقَّ تَوَكُّلِه، لَرَزَقَكُم كما يَرْزُقُ الطيرَ؛ تَغْدُو خِماصًا، وتَرُوحُ بِطانًا[24]رواه الترمذي: 2344، وأحمد: 205 واللفظ له، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 310..

إذن؛ توكَّلَتْ على الله لكن -مع ذلك- غَدَتْ، يعني بَذَلَتْ شيئًا يسيرًا من الأسباب؛ فراحَتْ بِطانًا.

إذن التوكل على الله يقوم على ركنين: الركن الأول: اعتماد القلب على الله: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [التوبة:51]. والركن الثاني: العمل بالأسباب. فإذا توكل على الله: عمل بالأسباب، وقام بالواجبات.

إذا أراد أن يبتعد عن النار توكَّلَ على الله ، واعتمد قلبه على الله تعالى، ثم عمل بالأسباب، فقام بالواجبات، وابتعد عن المحرمات، وأحسن إلى من طلب الله منه وأمره بالإحسان إليهم، وابتعد عن جميع ما نهاه الله عنه حتى يحصل على هذا.

إذن هو توكَّل على الله بقلبه، إذا أراد أن يعمل عملًا من الأعمال حتى الأعمال الدنيوية فعليه أن يتوكل على الله، وأن يعلم أن الأرزاق بيد الله، وعليه أن يعمل المباحات التي شرعها الله تعالى له، وهكذا.

إفشاء السلام

كذلك من أسباب سلامة الصدر: إفشاء السلام؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تدخلون الجنةَ حتى تُؤمنوا، ولا تُؤمنوا حتى تَحَابُّوا، أوَلَا أَدُلُّكُم على شيءٍ إذا فعلتموه تَحَابَبْتُم؟ أفشُوا السلامَ بينكم[25]رواه مسلم: 54..

إفشاء السلام هذا فيه سرٌّ عظيمٌ في محبة القلوب، وفي سلامة الصدور، وفي المحبة بين الناس: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، وهذا يقول: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"؛ هذا فيه خير كثير، وفيه من أسباب سلامة الصدرِ الشيءُ العظيم الذي بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

الهدية

من الأسباب التي تُسَبِّب سلامة الصدر: الهدية؛ فإنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قد قال: تَهَادُوا تَحَابُّوا[26]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 594، وحسنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 594/ 463.. الهدية لها سرٌّ عظيمٌ في المحبة بين الناس؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية ويُثيب عليها[27]رواه البخاري: 2585.، صلوات الله وسلامه عليه. فلا شك أن الهدية بين الجيران وبين الإخوان وبين الزملاء وبين الأهل تزيد في المحبة، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.

الصدقة والإحسان

الصدقة والإحسان ما أمكن، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: أفضلُ الصدقةِ على ذي الرَّحِم الكاشِح[28]رواه أحمد: 23530، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 894.، هذا حديثٌ ثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام، من أفضل الصدقة: الصدقة على ذي الرَّحِم الكاشح.

ذكر العلماء أنه الذي يُضْمِر العداوة في كَشْحِه في صدره، في داخله، يُضْمِرها. فأعظم الصدقة على هذا القريب الذي تعلم أن عنده لك حسدًا يحسدك به، عنده في قلبه غش، في قلبه عداوة، في قلبه حقد؛ فأنت تتصدق عليه، فهذا من أفضل الصدقة، ومن أفضل ما يُزيل ما في القلوب: في قلبك وفي قلبه كذلك.

هذا من أسباب سلامة الصدور، لكن هذا لا يفعله إلا صاحب الإيمان القوي؛ مَن منَّا أو مَن مِن الناس يتصدق على عدوه؟ من هو؟ الذي وفقه الله تعالى، وأعانه على نفسه، والذي ملأ الله تعالى قلبه بالإيمان، فهو يرجو ثواب الله؛ لأنه يتعامل مع الله، ويريد أن يُرضيَ الله، وليس له علاقة بالناس، فمعاملته مع ربه . هذا بيانٌ منه عليه الصلاة والسلام.

التوحيد والهدى

كذلك من أعظم أسباب سلامة الصدور: الهُدَى، تعلُّم الهدى والتوحيد، التوحيد لله، واعتقاد أن الله تعالى هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، والذي يستحق العبادة . هذا من أسباب سلامة الصدور، ومن أسباب الخير، ومن أسباب العلم النافع، ومن أسباب العمل الصالح، ومن أسباب انشراح الصدر. تعلُّم التوحيد والعلم النافع هو من الأسباب العظيمة التي بيَّنها العلماء رحمهم الله تعالى، ومنهم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في أسباب انشراح الصدر، تعلم التوحيد والهدى.

ألا يطلب العبد الشكر إلا من الله

كذلك من الأسباب التي تُسَبِّب سلامة الصدر: ألا يطلبَ العبدُ الشكر على المعروف الذي قدَّمه إلا من الله. إذا أحسنت إلى الناس، تصدقت أو أكرمت، أو ذبحت أو نحرت، أو قمت بالواجبات، أو وصلت ولم تقطع؛ فعليك أن تطلب هذه الأجور من الله؛ لأنك تتعامل مع الله، فلا تطلب من الناس شيئًا.

ولهذا جاء رجلٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ لي قرابةً أَصِلُهم ويقطعوني، وأُحسِن إليهم ويُسيئون إليَّ، وأحلُم عنهم ويجهلون عليَّ؟ أو كما قال هذا الرجل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لئن كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهُم المَلَّ: الرماد الحار ولا يَزال معك من الله ظهيرٌ عليهم يعني: عَوِين ما دمتَ على ذلك[29]رواه مسلم: 2558..

الله أكبر! ولهذا قال : ليس الواصلُ بالمكافئ، ولكنِ الواصلُ الذي إذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَها[30]رواه البخاري: 5991.. هذا ليس... الواصل لأنه يتعامل مع الله؛ رَحِمُه يقطعونه ويُسيئون إليه وهو مع ذلك يصلهم ويحسن إليهم ويكرمهم، لماذا؟ لأنه يتعامل مع الله، يرجو ثواب الله، ويخشى عقابه: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان:9].

هذا من أسباب سلامة الصدر، ومن أسباب التوفيق في الدنيا والآخرة، ومن أسباب الألفة بين الناس والمحبة بين الناس ما بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلا يطلب الإنسان المعروف الذي بذله إلا من الله.

ولهذا بعض الناس يقول: كم من خروفٍ ذبحته، وكم من إكرامٍ أكرمته، وكم من قرضٍ أقرضته، ولم يُقرضني، ولم يُكرمني! كم من إحسانٍ أحسنتُ إليه ولم يعمل معي شيئًا!

الله أكبر! هذا أولًا عمل سببًا من أسباب الضغينة والشحناء، وثانيًا أبطل عمله الذي عمِله إن كان لله؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح يُبَيِّن أن المنان هو ممن يُبطل عمله: ثلاثةٌ لا يُكلِّمهم اللهُ يومَ القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يُزكِّيهم، ولهم عذابٌ أليم؛ أربع عقوبات. قال: فقرأها رسول الله ثلاثَ مِرارٍ. قال أبو ذر: خابُوا وخسروا، مَن هُم يا رسول الله؟ قال: المُسبِل، والمنَّان، والمُنَفِّق سِلعَتَه بالحَلِفِ الكاذب. أو كما قال عليه الصلاة والسلام[31]رواه مسلم: 106..

فمِن هؤلاء: المَنَّان الذي يَمُنُّ بما أعطى، هذا له أربع عقوبات، وهذا من أسباب الحقد والعداوة، ومن أسباب إبطال هذا العمل الذي عمله؛ لأن الإنسان إذا منَّ وأتْبَعَ ما أنفق بالمن والأذى بَطَلَ عملُه، لا شك في ذلك.

فالإنسان يتعامل مع الله ، ولا يطلب الشكر إلا من الله. الناس يَنْسَون؛ إذا أكرمت أحدهم، إذا أقرضته، إذا أحسنت إليه ينسى، ينسى هذا المعروف، لكن عليك أن تتعامل مع الذي لا ينسى  لا شك، أكل حتى شبع ثم نسي، أخذ القرض ثم نسي، أخذ المعروف ثم أُنسِيَ، وهكذا؛ فعليك أن تتعامل مع الله، حتى يحصل لك الخير في الدنيا والآخرة.

تَرْك العتاب على ما مضى من الأخطاء

كذلك يعلم الإنسان أن من أسباب سلامة الصدر: تَرْك العتاب على ما مضى من الأخطاء؛ قد يحصل خطأ من إنسان على إنسان، في أزمنة ماضية بعيدة، ثم تأتي بعض المناسبات، فيقول: "أنت الذي عملت كذا وكذا، أنت الذي أخطأت وعملت كذا وكذا"، هذا يُسَبِّب عدم سلامة الصدر. ومن أسباب سلامة الصدر: ألا يَذْكُر هذا، بل ينساه، ينسى الأخطاء، وينسى الزلات، وينسى ما حصل بينه وبين أقربائه أو بينه وبين الناس؛ يرجو ثواب الله تعالى، فلا يعاتب على ما مضى.

العلم بأن أذية الناس لا تضرك، بل تضرهم

كذلك من الأسباب التي تُعين الإنسان على سلامة الصدر: أن يعلم أن أذية الناس لا تضره، بل تضرهم. أذية الناس لك لا تضرك، بالكلام أو بالاستهزاء أو بالسب أو بالغِيبة أو بالنميمة، لا تضرك حقيقة، بل تضرهم وتنفعك لو فكرت. فمن اغتابك غِيبة وسمعتَ هذا فلا شك أن الإنسان يؤثر فيه هذا، لكن لو نظر إلى الأجر والثواب الذي يحصل له، وأنه يحصل من الحسنات على الشيء العظيم مِن هذا الذي اغتابه أو مِن هذا الذي ظلمه، وأنه سيحصل على هذا الثواب من الله تعالى؛ فهذا يكون سهلًا عليه؛ لأنه يعلم أنه حصل على هذا العمل، فلا يضره هذا ولا يؤثر فيه، ويعلم أن هذا ضرر على الناس، أما أنت فلا يضرك كونهم آذَوك بألسنتهم أو بغير ذلك؛ فإن هذا الأذى يضرهم ولا يضرك.

العفو وكظم الغيظ

كذلك من الأمور التي تُعين الإنسان على سلامة الصدر: العفو عن الناس، كما قال الله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ۝ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:133-134]، فإذا عفا وعلم أن العفو فيه خير وفيه ثواب، وفيه أن الله تعالى قد وصفه فقال: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، هذا من صفاتهم، من صفات الذين يسارعون إلى الخيرات: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ... إذا ذكر ذلك فإنه في الحقيقة يكون من أسباب سلامة الصدر. وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ: كظمُ الغيظ ألا يُظهره ولا يُبَيِّنه للناس.

ولكن مع ذلك ثبت في "سنن أبي داود": أن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أن: مَن كَظَمَ غيظًا وهو قادرٌ على أن يُنفِذَه، دعاهُ اللهُ على رؤوس الخلائق يومَ القيامة حتى يُخَيِّرَه اللهُ من الحُورِ العِينِ ما شاء. رواه أبو داود[32]رواه أبو داود: 4777، والترمذي: 2493 بنحوه، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2753.، وهو حديث ثابت. لا شك أن هذا فضلٌ عظيمٌ: مَن كَظَمَ غيظًا وهو قادرٌ على أن يُنفِذَه له هذا الثواب العظيم، يدعوه الله تعالى على رؤوس الأشهاد يوم القيامة حتى يُخَيِّرَه من الحور العين ما شاء.

هذا في الحقيقة من أسباب سلامة الصدر ومن أسباب المحبة بين الناس: الرغبة فيما عند الله تعالى من الخير ومن هذا الأجر العظيم الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام.

الدعاء بذهاب سخِيمة القلب

كذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بذهاب سخيمة القلب، سخيمة القلب يعني: الحقد في القلب؛ كان يقول : ربِّ أَعِنِّي ولا تُعِنْ عليَّ، وانصُرني ولا تنصُر عليَّ، وامكُر لي ولا تمكُر عليَّ، واهدِني ويسِّر الهُدى إليَّ، وانصُرني على من بغى عليَّ. ربِّ اجعلني لك شكَّارًا، لك ذكَّارًا، لك رَهَّابًا، إلى أن قال: واسلُلْ سَخِيمةَ قلبي[33]رواه أحمد: 1997، وصححه محققو المسند، والألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1353.واسلُلْ سَخِيمةَ قلبي: أخرِجْ ما في قلبي من الحقد والبغضاء والحسد، واسلُلْ سَخِيمةَ قلبي: طهِّرْه. هذا رواه الإمام أحمد[34]سبق تخريجه.، وهو حديث ثابت.

فينبغي للمسلم أن يدعوَ بهذا الدعاء؛ لأنه دعاءٌ عظيمٌ كما بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام.

صيام شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر

من أسباب سلامة الصدر: صوم ثلاثة أيام من كل شهر مع رمضان، كل شهر يصوم ثلاثة أيام، هذا من أسباب سلامة الصدر؛ فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: صومُ شهر الصبر، وثلاثةِ أيامٍ من كل شهر، يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدر. رواه الإمام أحمد[35]رواه أحمد: 23070، وصححه محققو المسند.. يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدر أي: يُذْهِبن غِلَّ الصدر والحسد والبغضاء والحقد، وهذا من فضل الله تعالى.

فإذا حافظتَ على صيام ثلاثة أيام من كل شهرٍ استفدت فوائد:

منها: أن من صام ثلاثة أيام من كل شهر مع رمضان فكأنما صام الدهر، هذا من فضل الله تعالى؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فإذا صام ثلاثة أيام من الشهر فالحسنة بعشر أمثالها، فكأنه صام الشهر كاملًا.

ومن هذه الفوائد: أن من صام ثلاثة أيام من كل شهر يحصل على ذهاب وَحَرِ الصدر -غِلِّه- والحقد وغير ذلك بإذن الله تعالى؛ فإذا حافظ عليها دائمًا رغبةً فيما عند الله تعالى حصل له الثواب بوعد النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الصحيح.

طهارة القلب

طهارة القلب من أسباب سلامة الصدر؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام ثبت أن بعض الصحابة سأله، قال: أيُّ المؤمنين أفضل؟ فقال : أحسنُهم خُلُقًا[36]رواه ابن ماجه: 4259، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3335.؛ فأفضل المؤمنين أحسنهم خلقًا.

وبيَّن عليه الصلاة والسلام حينما سُئل في هذا الحديث: أيُّ الناس أفضل؟ قال: كلُّ مَخْمُومِ القلب صَدُوق اللسان. وهذا الحديث رواه ابن ماجه، وهو حديث ثابت[37]رواه ابن ماجه: 4216، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2889.. قالوا: صدوقُ اللسان نَعرفه، فما مخمومُ القلب؟

مخموم القلب: يعني القلب مُطَهَّر، القلب مَكْنُوس. بيت مخموم: أي بيت مكنوس مُنَظَّف، يعني: قلب طاهر.

كلُّ مخموم القلب صدوق اللسان. قالوا: صدوقُ اللسان نَعرفه، فما مخمومُ القلب؟ قال: هو التقيُّ النقيُّ، لا إثمَ فيه، ولا بَغْيَ، ولا غِلَّ، ولا حَسَدَ[38]سبق تخريجه..

الله أكبر! خمسة أشياء، خمس فوائد، خمس نِعَم عظيمة لصاحب هذا القلب: هو التقيُّ النقيُّ، لا إثمَ فيه، ولا بَغْيَ، ولا غِلَّ، ولا حَسَدَ، رواه ابن ماجه. وهذا يدل على فضل طهارة القلب.

كان النبي عليه الصلاة والسلام جالسًا -كما جاء في "مسند الإمام أحمد"- فدخل عليه رجل تَقْطُر لحيته من الوضوء، وقبل الدخول قال : يَطْلُعُ عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة. فانتظَروا، فدخل هذا الرجل الذي تقطر لحيته من الوضوء، ثم في اليوم الثاني قال : يَطْلُعُ عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة، فدخل، فإذا هو الرجل الأول. واليوم الآخر قال : يَطْلُعُ عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة، فإذا هو الأول.

فكان بعض الصحابة يريد أن ينظر إلى هذا الرجل وإلى أعمال هذا الرجل كيف هي، فذهب وقابله وقال: إنه حصل بيني وبين والدي بعض الشيء، فهل تسمح لي أو تأذن لي أن أبقى عندك ثلاثة أيام؟ يريد أن ينظر إلى أعماله التي جعلَتْه من أهل الجنة.

فذهب وبقي عنده ثلاثة أيام يراقبه في مدخله ومخرجه وأعماله، لعله أن يستفيد، فوجده رجلًا من المسلمين، يقوم بالواجبات ويبتعد عن المحرمات، حتى قيام الليل ما كان يقوم الليل، إلا أنه إذا تقلَّب على فراشه في آخر الليل يذكر الله تعالى.

فكاد يَحْقِرُ عمله، فقال: أُخبِرُه، وقال: إنه لم يحصل بيني وبين والدي شيء، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام قال هذا القول ثلاثة أيام، فما هو العمل الذي تعمله؟ قال: ما هو إلا ما رأيتَ، غير أني لا أجد في نفسي لأحدٍ من المسلمين غِشًّا، ولا أَحْسُدُ أحدًا على خيرٍ أعطاه اللهُ إياه. فقال: هذه التي بلغَتْ بك، وهي التي لا نُطِيقُ[39]رواه أحمد: 12697، وصححه محققو المسند..

يقول: أنا أبيت وليس في قلبي حسدٌ ولا غلٌّ لأحدٍ من عباد الله تعالى، ولا حسدٌ على نعمةٍ أنعم الله بها عليه، أو كما جاء فيه الحديث، فقال: هذه التي بلغَتْ بك، وهي التي لا نُطِيقُ. فكون الإنسان يُنجيه الله تعالى من الحسد للناس والبغضاء، هذا من أسباب دخول الجنة كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه لهذا الرجل.

إصلاح ذات البين

كذلك من أسباب سلامة الصدر: إصلاح ذات البين، الإصلاح بين الناس، والله قال: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114]. هذا من أسباب البركات، ومن أسباب الخير، ومن أسباب التوفيق لكل خير.

ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن إصلاح ذات البين من الأمور العظيمة، فقال: ألَا أُخْبِرُكم بأفضلَ من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟، قالوا: بلى يا رسول الله. الصيام: المقصود صيام التطوع. وكذلك الصلاة: أي صلاة التطوع، والصدقة؛ لأن صلاة الفرائض والقيام بالفرائض من أعظم الواجبات ومن أفضل الأعمال، لكن هذا المقصود.

ألَا أُخْبِرُكم بأفضلَ من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إصلاحُ ذات البين؛ فإنَّ فساد ذات البين هي الحالقة[40]رواه أبو داود: 4919، والترمذي: 2509 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2814..

هي الحالقة كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام وقال : دبَّ إليكم داءُ الأُمَم قبلَكم: الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول: تَحْلِقُ الشعر، ولكن: تَحْلِقُ الدينَ. رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى[41]رواه الترمذي: 2510، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2888..

فلا شك أن إصلاح ذات البين من أسباب سلامة الصدور، ومن أسباب السلامة من الشحناء والحقد والبغضاء.

الإخلاص لله تعالى

إخلاص العمل لله تعالى من أسباب سلامة الصدور، ومناصحة ولاة الأمور فيما يحبه الله تعالى من أسباب هذه الأمور؛ فالإخلاص لله تعالى من أعظم ومن أجَلِّ الأعمال: أنه لا يعمل هذا العمل إلا ابتغاء مرضاة الله تعالى، يرجو ثوابه ويخشى عقابه ويطمع في رضاه؛ ولهذا ثبت أن النبي صلوات الله وسلامه عليه حثَّ على ذلك.

وهو من شروط قَبول الأعمال؛ لأن العمل لا يُقبَل إلا بشرطين:

الشرط الأول: الإخلاص لله، وهو صرفُ العبادة لله ابتغاء مرضاة الله، يرجو ثواب الله ويخشى عقابه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الثابت الصحيح -فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى-: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عَمِلَ عملًا أشرك فيه معي غيري، تَرَكْتُهُ وشِرْكَه[42]رواه مسلم: 2985.. الله غنيٌّ عنا وعن عبادتنا.

فالإخلاص من أعظم الأمور التي تُعين على سلامة الصدر، وعدم الإخلاص -والعياذ بالله- والرياء وحب الشهرة وغير ذلك من أسباب الحقد والبغضاء والمصائب التي تحصل بين الناس.

الدعاء عمومًا وسؤال الله صلاح الصدر

ومن الأسباب العظيمة التي ينبغي ألا تُغفَل: الدعاء، أن يدعوَ الله تعالى أن يُصلِح قلبه، ويُصلِح أعماله، ويُصلِح ما بينه وبين الناس، ويُصلِح أموره؛ فالله تعالى قال: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].

لأن هذا في الحقيقة -الحقد والبغضاء والحسد والعداوة والشحناء- من الأمور الخطيرة، ومن الأمور العظيمة، فكون الإنسان يدعو ربه أن يُصلِح قلبه ويُصلِح صدره ويُطَهِّرَه من هذا الإثم العظيم؛ هذا من أسباب السلامة من ذلك؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ما مِن مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رَحِمٍ إلا أعطاه اللهُ بها إحدى ثلاث: إما أن تُعَجَّلَ له دعوتُه، وإما أن يَدَّخِرَها له في الآخرة، وإما أن يَصرف عنه من السوء مِثلَها. أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام[43]رواه أحمد: 11133، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1633..

هذا يدل على أن الإنسان إذا سأل الله تعالى بقلبٍ حاضرٍ، وابتعد عن موانع الإجابة، وقام بشروط الدعاء؛ فإن دعوته مُجابة، إن عُجِّلت له دعوته، وإلا صُرف عنه من الشر مثلها، وإلا ادُّخِرَت له إلى يوم القيامة.

فأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى أن يرزقني وإياكم سلامة الصدر، وطهارة القلب، وسلامة القلب الذي بيَّن الله تعالى أنه لا يأتي ولا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به.

وأسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، والتوفيق لما يحبه ويرضاه، كما أسأله لي ولكم اليقين والعفو والعافية في الدنيا والآخرة؛ إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

^1 رواه مسلم: 2564.
^2 رواه البخاري: 7529، ومسلم: 815.
^3 رواه البخاري: 6077، ومسلم: 2560 واللفظ له.
^4 رواه أبو داود: 4912.
^5 رواه أبو داود: 4919، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2757.
^6 رواه أبو داود: 4915، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2762.
^7 رواه أحمد: 17257، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2759.
^8, ^9 رواه مسلم: 2565.
^10 رواه مسلم: 2812.
^11, ^12 رواه مسلم: 2813.
^13 رواه مسلم: 2814.
^14, ^15 رواه مسلم: 105.
^16, ^34, ^38 سبق تخريجه.
^17 رواه مسلم: 2606.
^18 ينظر: "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" لأبي نعيم: 3/ 70.
^19 رواه البخاري: 7179، ومسلم: 2526.
^20 رواه أبو داود: 4873، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2949.
^21 رواه البخاري في "الأدب المفرد": 401، وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 401/ 310.
^22 رواه الترمذي: 2411.
^23 رواه مسلم: 2963.
^24 رواه الترمذي: 2344، وأحمد: 205 واللفظ له، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 310.
^25 رواه مسلم: 54.
^26 رواه البخاري في "الأدب المفرد": 594، وحسنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 594/ 463.
^27 رواه البخاري: 2585.
^28 رواه أحمد: 23530، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 894.
^29 رواه مسلم: 2558.
^30 رواه البخاري: 5991.
^31 رواه مسلم: 106.
^32 رواه أبو داود: 4777، والترمذي: 2493 بنحوه، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2753.
^33 رواه أحمد: 1997، وصححه محققو المسند، والألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1353.
^35 رواه أحمد: 23070، وصححه محققو المسند.
^36 رواه ابن ماجه: 4259، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3335.
^37 رواه ابن ماجه: 4216، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2889.
^39 رواه أحمد: 12697، وصححه محققو المسند.
^40 رواه أبو داود: 4919، والترمذي: 2509 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2814.
^41 رواه الترمذي: 2510، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2888.
^42 رواه مسلم: 2985.
^43 رواه أحمد: 11133، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1633.