تخطى إلى المحتوى

الدعوة إلى الله

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهَدْي هَدْي محمدٍ ، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتها، وكل مُحْدَثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار.

أيها الإخوة، أشكر الله ​​​​​​​ وأُثْنِي عليه كما يُحب ويرضى على هذه النعمة التي يَسَّرها لي ولكم، وهي اللقاء في هذا المكان، فإنَّ هذا من النعم العظيمة التي بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن من فضلها قوله عليه الصلاة والسلام: مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة[1]رواه مسلم: 2699..

فضيلة مجالس الذكر

ثبت في البخاري في حديثٍ طويلٍ باختصارٍ: أن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أن الملائكة يجتمعون يلتمسون حِلَق الذكر، حتى إذا وجدوا بُغْيَتَهم حَفُّوا هذه الحلقات -حلقات العلم- إلى السماء، ثم يصعدون، فيسألهم الله ​​​​​​​ -وهو أعلم سبحانه-: ما يقول عبادي؟ فيقولون: يُسَبِّحونك ويُكَبِّرونك ويَحْمَدونك ويُمَجِّدونك، فيقول الله ​​​​​​​ لهم: فما يسألوني؟ قالوا: يسألونك الجنة، جنتك، يقول: وهل رأوها؟ يقولون: لا -والله- يا ربِّ ما رأوها، قال: فكيف لو أنَّهم رأوها؟ يقولون: لو أنَّهم رأوها كانوا أشدَّ عليها حرصًا، وأشدَّ لها طلبًا، وأعظم فيها رغبةً.

قال: فَمِمَّ يَتَعَوَّذون؟ يقولون: من النار. يقول: وهل رأوها؟ يقولون: لا -والله- ما رأوها. يقول: فكيف لو رأوها؟ يقولون: لو رأوها كانوا أشدَّ منها فرارًا، فيقول الله ​​​​​​​: فأُشهدكم أني قد غفرتُ لهم، فيقول مَلَكٌ من الملائكة: فيهم فلانٌ ليس منهم، إنما جاء لحاجةٍ، فيقول الله ​​​​​​​: وله غفرتُ، هم القوم لا يَشْقَى بهم جليسهم[2]رواه البخاري: 6408، ومسلم: 2689..

فلو لم يحصل الإنسان إلا على هذا الفضل لكان كافيًا، فهي غنيمةٌ أن يُقال له: "قُمْ مغفورًا لك"، هذه غنيمةٌ، والله ​​​​​​​ قال: فأُشهدكم أني قد غفرتُ لهم، هذا من فضل الله ​​​​​​​ على مَن حضر حلقات العلم واعتنى بها، فإنه يحصل على الثواب العظيم: العاجل والآجل.

الدعوة إلى الله فضلها وآدابها

أما موضوع الكلمة في هذه الليلة كما حدَّدتُموه فهو: الدعوة إلى الله ​​​​​​​ فضلها وآدابها.

وهذا موضوعٌ طويلٌ -في الحقيقة- لكن أقتصر على بعض الفوائد حتى لا أُطيل؛ لأنَّ الدعوة إلى الله تبارك وتعالى هي وظيفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم، وهذا من أعظم فضائلها: أنها وظيفة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.

ولا شكَّ أن الدعوة هي: الدلالة على الخير، والتَّحذير من الشَّر.

وهي في الاصطلاح: الدعوة إلى الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر: خيره وشَرِّه.

وإلى معرفة معنى الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وإلى أن يعبد المسلمُ ربَّه ​​​​​​​ كأنَّه يراه.

هذا يُقال له: مفهوم الدعوة، موضوع الدعوة، فهذه الأشياء التي يدعو إليها، لماذا؟

لأنَّ المسلم لا بد أن يعرف أمورًا في دعوته إلى الله ​​​​​​​: يعرف موضوع الدعوة ما هو؟ ما الذي يدعو إليه؟ ومَن هو المَدْعُو؟ وما الآداب التي ينبغي للداعية أن يلتزمها؟ وما الأساليب والوسائل التي يسلكها في دعوته إلى الله ​​​​​​​؟

هذا ستسمعون بعضه، إن شاء الله تعالى.

فضائل الدعوة إلى الله

أعظم الفضائل -كما سمعتم-: أن الدعوة وظيفة الأنبياء، كما قال الله ​​​​​​​: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، فكفى بالدعوة فضلًا أن تكون من وظائف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

كذلك هي أعظم المهام التي قام بها النبي عليه الصلاة والسلام: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [الأحزاب:45- 46]، فهي وظيفته صلوات الله وسلامه عليه.

فأنت لو دعوتَ إلى الله ​​​​​​​ تكون قد سلكتَ طريق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.

ولا شكَّ أن الدعوة إلى الله ​​​​​​​ شعار أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لهذا قال الله تبارك وتعالى للنبي عليه الصلاة والسلام: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]، يقول: هذا طريقي، أدعو إلى الله على بصيرةٍ.

والبصيرة: هي اليقين، والفقه في الدين، والتزام ما يُحبُّه الله ويرضاه.

والبصيرة تكون في الدعوة، وتكون في المدعو، وتكون في الداعية، وتكون في الأساليب.

فتكون في الدعوة -البصيرة-: أن يعرف ما يدعو إليه، ما الأشياء التي يُقدِّمها، والأشياء التي يُؤخِّرها في دعوته؟ ما الأولويات التي يُقدِّمها في دعوته للناس؟

البصيرة في الدعوة إلى الله ​​​​​​​: معرفة أحوال المدعوين -كما سيأتي إن شاء الله- هل هذا يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو مسلم عاصٍ، أو مستقيم؟ حتى يُنزل الناس منازلهم، ويُعطيهم ما يُناسبهم، فلا بد من هذا، فالبصيرة في الدعوة إلى الله ​​​​​​​ تشمل هذا وغيره من الأمور.

كذلك الدعوة إلى الله من صفات أعظم الناس وأحسن الناس قولًا؛ ولهذا يقول الله ​​​​​​​: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33]، الجواب: لا أحد أحسن منه.

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ هل هناك أحسن منه قولًا؟

ما هناك أحسن، فهذا فضلٌ عظيمٌ وثوابٌ كبيرٌ بأنَّ الله ​​​​​​​ قال: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ، ليس هناك أحدٌ أحسن منه.

وَعَمِلَ صَالِحًا لا بد أن يعمل، فلا بد من العلم والدعوة والعمل وإلا يكون من المنافقين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف:2- 3].

وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ يعتزُّ بالإسلام، يعتزُّ بدين النبي عليه الصلاة والسلام، دين الإسلام، وأنه على الحقِّ، ويتشرف بأن فضَّله الله ​​​​​​​ بهذه الفضيلة العظيمة: الدعوة إلى الله تبارك وتعالى.

فلا شكَّ أن المسلم يفرح بذلك، ويدخل في هذا الفضل العظيم الذي بيَّنه الله تبارك وتعالى.

ولا شكَّ أن الدعوة إلى الله ​​​​​​​ مما يُغْبَطُ عليه الإنسان، فيُغْبَطُ على الدعوة إلى الله غِبْطَةً، كما ثبت في البخاري ومسلم: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله مالًا، فَسُلِّطَ على هَلَكَتِه في الحقِّ، ورجلٌ آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويُعلِّمها[3]رواه البخاري: 73، ومسلم: 816.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

وفي الرواية الأخرى: لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالًا، فهو يُنْفِقه آناء الليل وآناء النهار[4]رواه البخاري: 7529، ومسلم: 815.، لكن هذه روايةٌ أخرى.

لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله مالًا فَسُلِّطَ على هَلَكَتِه في الحقِّ يعني: في طاعة الله، في سبيل الله، فيما يُرْضِي الله.

ورجلٌ آتاه الله الحكمة القرآن والسنة، فهو يُعلِّمها للناس، ويقضي بها بين الناس.

هذا العلم النافع، والعمل الصالح، هذا الذي ينبغي أن يُحْسَد.

والحسد هنا بمعنى: الغِبْطَة؛ أن يتمنى أن يكون مثله من غير أن ينقص مما عنده شيءٌ.

هذا يدل على فضل تعليم الناس الخير، والدعوة إلى الخير، والعمل بالخير، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

كذلك من فضائل الدعوة العظيمة: أنها من صفات أهل العلم والإيمان؛ ولهذا فإن عباد الرحمن يسألون الله ​​​​​​​ أن يكونوا دُعاةً إلى الله، كما قال سبحانه: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74]، يسأل الله أن يجعله إمامًا للمتقين، يقتدون به، ويأخذون أقواله، ويقبلون أقواله، وهذه غنيمةٌ؛ لأنه يُريد أن يكون قدوةً للناس حتى يستفيدوا، يستفيد هو، ويُفيد الناس.

هذه غنيمةٌ: أن يكون الإنسان من الأئمة، يعني: القُدوات التي يقتدي بهم الناس، فيستفيدون من علمه، ويحصل على الثواب؛ لأنَّ بعض الناس قد يكون قدوةً بأعماله قبل أقواله، يكون دعوةً صامتةً بِخُلُقِه وأعماله الطيبة ومُعاملته مع الناس، فالناس يقتدون بأعماله.

بعض الناس يُوفَّق للعمل والاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا يُذْكَر أن من الناس مَن إذا رُئِيَ ذُكِرَ الله تعالى، حينما يُرَى مُقتديًا بالنبي عليه الصلاة والسلام، مُلتزمًا بدينه، يعني: حسن الأخلاق، خُلُقُه حسنٌ، يلتزم بالعمل بكتاب الله وسُنة النبي عليه الصلاة والسلام؛ فيكون قدوةً للناس في حركاته، وفي صلاته، وفي أعماله؛ ولهذا كثيرٌ من الناس -بل غالب الناس- يستفيدون من أعمال الإنسان قبل أقواله، يستفيدون، ينظرون إلى حياة الداعية، أو حياة المعلم للخير، ينظرون له، فيستفيدون من أقواله وأفعاله.

فهذه نعمةٌ عظيمةٌ: كون الإنسان يدعو إلى الله تبارك وتعالى على هَدْي النبي صلوات الله وسلامه عليه.

كذلك الدعوة إلى الله ​​​​​​​ من شروط الفلاح، أو من أركان السعادة.

لو سُئلتَ: كم أركان السعادة؟

فتقول: أربعةٌ، منها: الدعوة إلى الله.

أركان السعادة أربعةٌ، كما يقول سماحة الشيخ الإمام عبدالعزيز بن باز -رحمة الله عليه- قال هكذا: إن أركان السعادة أربعةٌ.

سَمِّها ما شئتَ: شروط السعادة، أركان السعادة، دعائم السعادة، عنوان الفلاح: وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1- 3]، فهي تكون الركن الثالث: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ الدعوة إلى الله.

فالناس كلهم خاسرون إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا قاموا بالإيمان، والإيمان: قولٌ وعملٌ واعتقادٌ؛ قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالقلب، وعملٌ بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.

هذا شمل الدين كله، لكن لِعِظَم الأعمال الصالحة جاءتْ عطفًا، يعني: عُطِفَتْ على الإيمان من باب عطف الخاصِّ على العامِّ، ثم التَّواصي بالحقِّ، والتَّواصي بالصبر، وإلا فهي تدخل في الإيمان، لكن لأهمية العمل الصالح، وأنَّه من الإيمان، والدعوة إلى الله ​​​​​​​، والصبر على ذلك؛ ذُكِرَتْ بعد ذلك، والله أعلم.

كذلك من أسباب السعادة: الدعوة إلى الله تبارك وتعالى؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى -يعني: من أسباب النصر في الدنيا، فَيُنْصَر الإنسان في الدنيا والآخرة-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ۝ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ ... الآية [محمد:7- 8].

فكيف ننصر الله؟

الله غنيٌّ عنَّا وعن نصرنا، لكن المقصود: العمل بأوامره، واجتناب نواهيه، والدعوة إلى دينه ، هذا من نُصْرَته، والجهاد في سبيل الله ​​​​​​​.

فلا شكَّ أن الدعوة إلى الله ​​​​​​​ بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم الناس الخير؛ هذا نُصرةٌ لدين الله، ونُصرة دين الله نُصرةٌ لله ​​​​​​​.

هذا من الفوائد، أو من الآداب العظيمة، ومن الفضائل العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يعتني بها، ويعرف فضلها؛ حتى يطمع ويرغب في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى.

ولا شكَّ أن الإنسان الذي يُعَلِّم الناسَ الخير يستغفر له مَن في السماوات، ومَن في الأرض، حتى الحيتان في البحر، والطير؛ ولهذا ثبت في الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين -حتى النملة في جُحْرها وحتى الحوت- لَيُصَلُّون على مُعلِّم الناس الخير[5]رواه الترمذي: 2685، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 4213.، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من فضل الله ​​​.

كذلك الدعوة إلى الله من أسباب السعادة ونور الوجه في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: نَضَّرَ الله امْرَأً سمع مقالتي فَوَعَاها، فَبَلَّغَها كما سمعها، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعى من سامعٍ[6]رواه الترمذي: 2657، 2658، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6764.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

دعوةٌ من النبي عليه الصلاة والسلام، والنُّضْرَة: السرور والوَضَاءة في الوجه والسعادة.

فهي دعوةٌ من النبي صلوات الله وسلامه عليه: نَضَّرَ الله امْرَأً سمع مقالتي فَوَعَاها، هذا يدل على أنَّه لا بد أن يَعِيَها ويفهمها، ثم يُبَلِّغها كما سمعها بدون تحريفٍ، وبدون زيادةٍ أو نقصٍ، فَبَلَّغها لغيره؛ ولهذا كان النبي يقول: فَلْيُبَلِّغ الشاهدُ الغائبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعى من سامعٍ[7]رواه البخاري: 1741. صلوات الله وسلامه عليه.

فلا شكَّ أن هذا من فضل الله ​​​​​​​ الذي جعله للدُّعاة الذين يدعون إلى الله تبارك وتعالى.

كذلك من الفضائل التي يَجْنِيها الداعية إلى الله تبارك وتعالى بصدقه مع الله تبارك وتعالى: أنه يدخل في الصادقين، ويدخل في المُخْلِصين؛ لأنَّ الله ​​​​​​​ أمر بذلك؛ أمر بالصدق في الدعوة، وأمر بالصدق في الأعمال، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى.

وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ الدعوة إلى الله صدقةٌ، فقال عليه الصلاة والسلام: وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ[8]رواه مسلم: 720.، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جزءٌ من الدعوة إلى الله ​​​​​​​.

يعني: صدقة يتصدق بها، فالكلمة الطيبة صدقةٌ، وهذا من فضائل الدعوة إلى الله تبارك وتعالى.

كذلك عِظَم الثواب لِمَن هدى الله ​​​​​​​ على يديه إنسانًا من البشر أو من الجنِّ؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لعليٍّ : لأن يَهْدِي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْر النَّعَم[9]رواه البخاري: 3701، ومسلم: 2406..

الله أكبر!

غنيمةٌ عظيمةٌ، وحُمْر النَّعَم هي: الإبل عند العرب، فكونه يُهْدَى على يديه رجلٌ واحدٌ يكون خيرًا له من حُمْر النَّعَم كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

كذلك يحصل له من الأجر مثل أجور مَن تَبِعَه؛ لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن دعا إلى هُدًى كان له من الأجر مثل أجور مَن تَبِعَه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومَن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثل آثام مَن تَبِعَه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا[10]رواه مسلم: 2674.، وهذا ثابتٌ في الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام.

وقال عليه الصلاة والسلام: مَن دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله[11]رواه مسلم: 1893..

هذه غنيمةٌ، فمن أعظم الفضائل: أن الإنسان إذا دعا الناس إلى الخير وعلَّمهم الخير يكون له مثل أجورهم.

تصور إنسانًا علَّم أُمَّةً من الناس كيفية صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، أو التوحيد، أو معنى: لا إله إلا الله، أو علَّم مسألةً، أو غير ذلك، فاستفادوا، يكون له من الأجر حتى يوم القيامة، فإن علَّم بعض الناس كذلك، يعني: الذي علَّمه علَّم ذُريَّته، وعلَّم أُناسًا آخرين، فكان له مثل أجورهم، وهكذا.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً فله أجرها وأجر مَن عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ[12]رواه مسلم: 1017..

هذا من فضل الله ​​​​​​​ على عباده المؤمنين، على الدُّعاة إلى الله تبارك وتعالى، ولا شكَّ أن هذا من الفضائل العظيمة.

ومن أعظم الفضائل، ومن أعظم الفوائد: قول الله تبارك وتعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114].

الله أكبر!

لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ؛ ولهذا قال: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا في آخر الآية.

هذا من الفضائل العظيمة التي يُعْطَاها المسلم على هذا الخير العظيم الذي بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه، والفضائل كثيرةٌ.

والدعوة إلى الله ​​​​​​​ تكون بالقول -كما سمعتُم- وتكون بالفعل، وتكون بالدلالة على الخير.

تكون بالفعل قُدوةً؛ فيفعل الأعمال الصالحات، ويبتعد عن المُحرمات، ويكون قدوةً لأهل بيته وللناس ولِمَن يعرفه؛ قدوةً في صلاته، وقدوةً كذلك في أعماله الصالحة: في صدقاته، في إحسانه، فالقدوة عظيمةٌ، فهي دعوةٌ صامتةٌ.

الدعوة إلى الله ​​​​​​​ ليست بالكلام والخُطَب -وإن كانت هذه من أعظمها- لكن الدعوة إلى الله ​​​​​​​ أنواعٌ؛ فقد تكون بالقدوة الصالحة -كما سمعتم- وتكون بالخُطَب، كما سيأتي -إن شاء الله- في وسائل الدعوة.

أخلاق الداعية

الآداب التي ينبغي للداعية أن يلتزم بها منها: آدابٌ واجبةٌ، وآدابٌ مُستحبةٌ، وقد يُقال لها: أخلاق الدُّعاة إلى الله ​​​​​​​، والتي منها:

العلم

فلا بد قبل الدعوة من العلم، لا بد أن يعلم؛ ولهذا قال الله ​​​​​​​: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19].

بعض الناس لا يدعو، بل يجب عليه ألا يدعو إلا بعد العلم، فيعلم حتى يُعلِّم الناس الخير، ولا يُضلُّهم: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ.

قال البخاري رحمة الله عليه: "بابٌ: العلم قبل القول والعمل"، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.

بعض الناس يظن أنه ليكون داعيةً إلى الله لا بد أن يتعلم، هناك أمورٌ قد يدعو إليها الإنسان العامِّي، وهي قد عُلِمَتْ من الدين بالضرورة؛ كأن يدعو إلى الصلاة بحيث مَن ترك الصلاة قال له: هذا لا يجوز، صَلِّ. وينهى عن المُحرمات: كالزنا، وشرب الخمر، فهذا مُنتشرٌ بين الناس؛ لأنه عُلِمَ من الدين بالضرورة.

قد يكون الإنسان الأُمِّي عاميًّا، لكن هناك ما يعرفه؛ ولهذا فإن الدعوة واجبةٌ على الصحيح على كل إنسانٍ بحسبه؛ لأنَّ الله أمر بها سبحانه: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104]، وأمر بها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: بَلِّغُوا عني ولو آية[13]رواه البخاري: 3461.، لكن لا بد من العلم؛ حتى لا يُضِلَّ الإنسانُ الناسَ، لا بد من العلم، فهو يدعو إلى الله على حسب حاله.

قد يقول بعض الناس: أنا لا أقرأ، ولا أكتب.

لا، أنت تستطيع أن تكون داعيًا إلى الله بحسب حالك، وحسب قُدرتك، فتدعو الناس، مثلًا: لو مررتَ في طريقٍ وأنت أُمِّي، ووجدتَ بعض الناس تأخَّر عن الصلاة فكن داعيةً وقل لهم: صلُّوا، بارك الله فيكم، الصلاة مع الجماعة واجبةٌ، صلُّوا.

فحينئذٍ تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، لكن على حسب الاستطاعة، وعلى حسب العلم، وعلى حسب القُدرة: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

فالدعوة واجبةٌ على كل إنسانٍ بحسب علمه وقُدرته ومكانته، وغير ذلك من الأمور، فالحمد لله: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: 286].

كذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: مَن يُرد الله به خيرًا يُفَقِّهه في الدين[14]رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037.، فلا بد أن يتعلم الداعية.

ولهذا بعض الناس ينشغل عن العلم النافع، وربما يأتي للناس بأحاديث ضعيفةٍ، أو منسوخةٍ، أو غير ذلك، أو قصص كذبٍ.

فلا شكَّ أن الذي يرغب في الثَّواب لا بد أن يتعلم، فقد يكذب على النبي عليه الصلاة والسلام -نعوذ بالله- إذا كان جاهلًا لا يعلم قد يكذب، يقول: قال رسول الله ؛ فيقع في الوعيد الشديد الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: مَن كذب عليَّ مُتعمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأ مقعده من النار[15]رواه البخاري: 1291، ومسلم: 4..

وجاء في الحديث الآخر: مَن يَقُلْ عليَّ ما لم أَقُلْ هذا حتى لو لم يكن مُتعمِّدًا يُخْشَى عليه: مَن يَقُلْ عليَّ ما لم أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأ مقعده من النار[16]رواه البخاري: 109.، مَن حدَّث عني بحديثٍ يُرَى أنَّه كذبٌ فهو أحد الكَاذِبِين أو الكاذِبَين[17]رواه مسلم في مقدمة "صحيحه": 1/ 9..

فالإنسان يتعلم، ويطلب العلم، فيحضر حلقات العلم حتى يستفيد ويُفيد الناس؛ حتى ينفع الناس، أما أن يأتي بأخبارٍ غير صحيحةٍ أو يكذب على النبي عليه الصلاة والسلام فهو يقع في الإثم العظيم -نسأل الله العافية- فلا بد من طلب العلم حتى يستفيد.

ما العلم؟

العلم: هو القرآن الكريم وسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام، هذا هو العلم النافع.

العلم: معرفة الله، ومعرفة نبيِّه عليه الصلاة والسلام، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، هذا هو العلم.

إذا قيل لك: ما العلم؟ فهذا هو العلم: معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه، وتوحيد الربوبية والألوهية وغير ذلك، ومعرفة نبيِّه عليه الصلاة والسلام، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، هذا هو العلم النافع.

إن عرف ذلك كان داعيةً، وكان من العلماء، إذا علم ذلك وأتقنه إتقانًا؛ لأنَّه يشمل الدين كله، فهذا هو العلم.

وأعظم العلوم القرآن الكريم؛ لأنَّه يدل على الله، وعلى النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى دين الإسلام.

والسُّنَّة تشرح القرآن الكريم وتُوضِّحه؛ لهذا قال بعض العلماء:

كل العلوم سوى القرآن مَشْغَلَةٌ  إلا الحديث وعلم الفقه في الدين
العلم ما كان فيه: قال، حدثنا  وما سوى ذاك وسواس الشياطين[18]البيتان للشافعي، ينظر: "ديوان الإمام الشافعي": ص152.

المقصود -والله أعلم- ما سوى ذاك مما يُخالف الكتاب والسُّنَّة، أما ما يدعم أو يُعِين على فهم الكتاب والسُّنة ويكون وسيلةً فهذا مطلوبٌ: كعلم التفسير، وعلم اللغة، وغير ذلك.

لكن المقصود: العلوم التي لا فائدة فيها، أو فيها ضررٌ على الدين، أو على الشخص نفسه، فلا بد من العلم، ولا بد للإنسان أن يسلك طرق العلم، فالعلم له طرقٌ، ومن أول الطرق -والله أعلم- عندي: أن يسأل الله ​​​​​​​ العلم النافع، والعمل الصالح، كما قال الله ​​​​​​​: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، فيسأل الله العلم النافع، والعمل الصالح.

وكذلك الاجتهاد في طلب العلم، فيجتهد في طلب العلم النافع؛ طلب علم الكتاب والسُّنة، ويصبر على ذلك.

هذه من أعظم الطرق في طلب العلم: يجتهد، يحفظ، يسأل الله التوفيق، ولا يَمَلّ، ولا ييأس؛ لهذا لا بد من صبرٍ، كما قال القائل:

أخي لن تنال العلم إلا بستةٍ سَأُنْبِيكَ عن تفصيلها ببيانِ
ذكاءٌ وحرصٌ واجتهادٌ وبُلْغَةٌ وصُحْبَةُ أستاذٍ وطولُ زمانِ[19]البيتان للشافعي، ينظر: "ديوان الإمام الشافعي": ص138.

لا بد أن يكون له أستاذٌ، وطولُ الزمان، والفقه، وسؤال الله ​​​​​​​ التوفيق.

كذلك التواضع من أسباب طلب العلم أو من طرق العلم: يتواضع.

قال مجاهد -كما في البخاري-: "لا ينال العلم مُسْتَحٍ ولا مُسْتَكْبِرٌ"، ما يحصل، فالمُستكبر ما يسأل الناس، يتكبّر؛ فيبقى جاهلًا حتى الموت، والمُستحي لا يسأل، يستحي من الناس؛ فيبقى جاهلًا.

فلا بد للإنسان أن يسلك هذه الطرق.

كذلك من الطرق العظيمة: تقوى الله ​​​​​​​، فيقوم بالواجبات، ويبتعد عن المُحرمات حتى يُوفَّق: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282]؛ ولهذا يقول الله ​​​​​​​: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال:29].

من أعظم طرق العلم: العمل بما علم الإنسان؛ حتى يُوفَّق، وحتى يُعَان؛ ولهذا يُذْكَر أن الإمام الشافعي رحمة الله عليه كان جالسًا أمام الإمام مالك، فأعجبه ذكاؤه -أعجبته فِطْنَة الإمام الشافعي- فقال الإمام مالكٌ: "إني أرى الله قد قذف في قلبك نورًا، فلا تُطْفِئْهُ بظلمة المعاصي".

والشافعي قال:

شكوتُ إلى وكيعٍ سُوءَ حفظي فَأَرْشَدَني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأنَّ العلم نورٌ ونور الله لا يُهْدَى لِعَاصِي[20]ينظر: "ديوان الإمام الشافعي": ص87.

فطالب العلم إذا أراد أن يطلب العلم عليه أن يُخْلِص لله، وعليه أن يبذل السبب، وعليه أن يقوم بالواجبات، ويبتعد عن المُحرمات؛ حتى يُوفَّق ويُعَان ويُسدَّد ويُشْرَح صدره للخير، وهذا من أهم الأمور التي ينبغي أن تُعلم.

الحلم

من الآداب أو من أخلاق الداعية التي لا بد أن يلتزمها بعد العلم: الحلم، فلا بد أن يكون حليمًا، وما يكون عجولًا -يعني: يستعجل الأمور- لا بد أن يكون حليمًا؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام من أحلم الناس صلوات الله وسلامه عليه، وهذا الحلم تكون له ثمراتٌ.

أمثلةٌ من حلم النبي عليه الصلاة والسلام

من هذا الحلم أو من الوقائع التي حصلتْ للنبي عليه الصلاة والسلام: أن الطُّفَيل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ودعاه النبي إلى الإسلام، ورجع إلى قومه ودعاهم، فلم يستجيبوا له إلا القليل، ثم رجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: "يا رسول الله، هلكتْ دوس"، وفي بعض الروايات: "طَغَتْ"، وفي بعض الروايات: "كَفَرَتْ"، "فَادْعُ الله عليهم"، فاستقبل القبلة عليه الصلاة والسلام ورفع يديه، فقيل: "هلكتْ دوس" حينما رفع يديه، فقال: اللهم اهْدِ دوسًا وَائْتِ بهم[21]رواه البخاري: 4392، ومسلم: 2524.، عليه الصلاة والسلام.

هذا يسأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو عليهم، فدعا النبي عليه الصلاة والسلام لهم، وأمره أن يرجع إليهم، فرجع إليهم ودعاهم، ثم هدى الله على يديه خلقًا كثيرًا، فجاء بسبعين بيتًا -أُسرةً- أو ثمانين أُسرةً في غزوة خيبر باستجابة دعوة النبي عليه الصلاة والسلام[22]"السيرة النبوية" لابن هشام: 1/ 384..

فالنبي عليه الصلاة والسلام حليمٌ، ما دعا عليهم فورًا حينما قال: "فَادْعُ الله عليهم"، وإنما دعا لهم عليه الصلاة والسلام.

فالإنسان لو غضب على بعض الناس لا يدعو عليه، بل يدعو له بالهداية والتوفيق والتَّسديد والصلاح، ولا يستعجل، فهذا من الحلم.

من ذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء إليه رجلٌ من اليهود، فقال له: "أَلَا تَقْضِينِي يا محمد حقِّي؟! فَوَاللَّهِ ما علمتُكم بني عبدالمطلب بِمَطْلٍ"، يعني: تُماطلون الناس وما تقضون.

وقيل: إن الدَّيْن كان شيئًا من الحبوب اقترضها النبي عليه الصلاة والسلام إلى أجلٍ، ثم أسرع هذا الرجل قبل أن يحلَّ الأجل، استعجل، فأمسك هذا الرجلُ النبيَّ عليه الصلاة والسلام بجيبه، وقال: "أَلَا تَقْضِينِي يا محمد حقِّي؟!".

وكان عمر موجودًا، فقال هذا الرجل: ونظرتُ إلى عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفَلَك المُسْتَدِير، ثم رَمَانِي ببصره وقال: "أَيْ عدو الله، أتقول لرسول الله ما أسمع وتفعل به ما أرى؟! فوالَّذي بعثه بالحقِّ، لولا ما أُحَاذِر فَوْتَهُ لَضَرَبْتُ بسيفي هذا عنقك".

فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّا كنَّا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر؛ أنْ تأمُرَني بِحُسْن الأداء، وتأمره بِحُسْن التِّبَاعَة[23]طلب الدَّين. ينظر: "مختار الصحاح" للرازي: ص44.، اذْهَبْ به يا عمر فَاقْضِهِ حقَّه، وزِدْهُ عشرين صاعًا من غيره مكان ما رُعْتَه، يعني: اقْضِهِ حقَّه، وأَعْطِهِ عشرين صاعًا مكان هذه الروعة التي دخلتْ في قلبه.

فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يُكافئ هذا الرجل على هذه الروعة التي وقعتْ في قلبه.

فذهب به عمر ، ثم أعطاه عشرين صاعًا زيادةً، فقال: "ما هذه الزيادة؟" قال: "أمرني رسول الله أن أزيدك مكان ما رُعْتُك"، فقال: "أتعرفني يا عمر؟" قال: "لا، فمَن أنت؟" قال: "أنا زيد بن سَعْنَة"، قال: "الحَبْر؟" قال: "نعم، الحَبْر"، قال: "فما دَعَاك أن تقول لرسول الله ما قلتَ وتفعل به ما فعلتَ؟" قال: "يا عمر، كل علامات النبوة قد عرفتُها في وجه رسول الله حين نظرتُ إليه إلَّا اثنتين لم أختبرهما منه: يسبق حلمُه جهلَه، ولا يزيده شدَّةُ الجهل عليه إلَّا حلمًا، فقد اختبرتُهما، فأُشْهِدُك يا عمر أنِّي قد رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا، وأُشْهِدُك أنَّ شطر مالي -فإنِّي أكثرها مالًا- صدقةٌ على أُمَّة محمدٍ "، فقال عمر : "أو على بعضهم؛ فإنك لا تَسَعُهم كلهم"، قال: "أو على بعضهم"[24]رواه ابن حبان: 288، والطبراني في "المعجم الكبير": 5147، والحاكم: 6728 وصححه، وذكر بعضه ابن حجر في "الإصابة": 2/ 501..

هذه القصة ذكرها ابن حجرٍ رحمة الله عليه في كتابه "الإصابة"، وحسَّنها بعض أهل العلم.

هذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام حلم على هذا الرجل، فكان ذلك من أسباب هدايته، فاهتدى وجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأسلم، وشهد: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله عليه الصلاة والسلام بسبب الحلم وعدم الغضب.

جاء ثمامة وكان سيد أهل اليمامة، وكان يقتل الصحابة ، فَجِيء به إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ورُبِطَ في سارية المسجد في المدينة.

فكان النبي عليه الصلاة والسلام يَمُرُّ عليه ويقول: ما عندك يا ثُمَامَة؟ أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فيقول: "عندي خيرٌ يا محمد، إنْ تقتلني تقتل ذا دمٍ، وإنْ تُنْعِم تُنْعِم على شاكرٍ، وإنْ كنتَ تريد المال، فَسَلْ منه ما شئتَ"، وهذا الحديث رواه البخاري.

فَمَرَّ عليه في اليوم الثاني فسأله، فَرَدَّ عليه كما ردَّ عليه، وفي اليوم الثالث رَدَّ عليه كما رَدَّ عليه.

"إنْ تقتلني تقتل ذا دمٍ" قيل: يعني: صاحب دمٍ، له مكانةٌ في قومه.

وقيل: إنَّ عنده دمًا؛ فقد قتل أُناسًا من الصحابة.

"وإنْ تُنْعِم تُنْعِم على شاكرٍ" يعني: يشكرك.

"وإنْ كنتَ تريد المال، فَسَلْ منه ما شئتَ"، فقال: أطلقوا ثُمَامَة، فأطلقه، وفعلًا كان شاكرًا ؛ فترك النبيَّ عليه الصلاة والسلام وانطلق إلى نخلٍ واغتسل، ثم جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه إليَّ، والله ما كان من دينٍ أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحبَّ الدين إليَّ، والله ما كان من بلدٍ أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحبَّ البلاد إليَّ".

فشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: "وإنَّ خيلك أخذتني وأنا أُريد العمرة، فماذا ترى؟" فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يعتمر على دين الإسلام، فذهب يطوف بالبيت فسمع بعض الناس يقول: "صَبَوْتَ" يعني: خرجتَ من الدين، فوقف وقال: "لا، ولكن أسلمتُ مع محمدٍ رسول الله ، ولا والله، لا يأتيكم من اليمامة حبَّةُ حِنْطَةٍ حتى يأذن فيها النبي ".

فرجع إلى اليمامة وأصدر أوامره إلى قومه بألا يَمُدُّوا أهل مكة بأي شيءٍ من الحبوب، وقطع الإمدادات عنهم، فكتب النبي عليه الصلاة والسلام إليه؛ فأطلق الحصار عنهم[25]رواه البخاري: 4372، ومسلم: 1764.، هذا الحديث رواه البخاري.

يدل هذا على فضل الحلم وعدم الغضب وعدم الانتقام، ويحصل به الثواب العظيم.

وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لا أُحبُّ الإطالة.

الأَنَاة

كذلك من الأمور التي ينبغي للداعية أن يلتزمها: الأَنَاة وعدم العجلة والتَّثَبُّت، كما قال الله ​​​​​​​: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6]، فلا يستعجل الإنسان، يَتَرَيث؛ لهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يُعلِّم الصحابة الأناة بفعله وقوله.

فمن الأمثلة على ذلك: أنه عليه الصلاة والسلام كان في غزوةٍ من الغزوات، وكان يُغِير قبل الفجر -في الغالب- وكان ينتظر، فإذا لم يسمع أذانًا أغار على القوم، وفي يومٍ من الأيام وهو ينتظر سمع مُؤذِّنًا يُؤذن: "الله أكبر، الله أكبر"، فقال عليه الصلاة والسلام: على الفطرة، ثم قال: "أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله" فقال النبي عليه الصلاة والسلام: خرجتَ من النار، فنظر الصحابة  فإذا هو راعي مِعْزًى[26]رواه مسلم: 382.، يرعاها، وهذا رواه مسلمٌ في "صحيحه".

هذا يدل على الأناة، فإنه كان يتأنَّى، ما يهجم على القوم -في الغالب- وإنما ينتظر حتى لا يهجم على بعض المسلمين عليه الصلاة والسلام، فإن سمع أذانًا وإلا أغار عليه الصلاة والسلام، وما يستعجل صلوات الله وسلامه عليه.

من هذه الأناة التي كان يُعلِّمها أصحابه عليه الصلاة والسلام: ما حصل لأسامة ؛ فكان في القتال -أسامة - ورأى رجلًا من المشركين قتل بعض الصحابة، وحينما قتل بعض الصحابة جاء إليه أسامة وأراد أن يقتله بِرُمْحِه، وقبل أن يقتله بالرمح قال الرجل: "لا إله إلا الله"، فقتله أسامة .

فَأُخْبِر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فاستدعى أسامة ، وقال له: يا أسامة، أقتلتَه بعدما قال: لا إله إلا الله؟ قال: "يا رسول الله، إنما كان مُتَعَوِّذًا"، إنما قال ذلك خوفًا، قال: أقتلتَه بعدما قال: لا إله إلا الله؟.

وفي بعض الروايات أنه قال: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءتْ يوم القيامة؟ قال: "يا رسول الله، استغفر لي"، قال: وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءتْ يوم القيامة؟ قال أسامة : "فما زال يُكررها عليَّ حتى تَمَنَّيْتُ أنِّي لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم"[27]رواه البخاري: 6872، ومسلم: 96، 97.، يعني: تمنَّى أنه أسلم يومئذٍ، يعني: كان بداية إسلامه.

هذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأمر بالأناة عليه الصلاة والسلام وعدم العجلة.

فعلى المسلم ألا يستعجل بمجرد أن يسمع خبرًا من الأخبار يَسُبّ ويبني عليه الأحكام وغير ذلك، لا، لا بد أن يتأنَّى، لا بد من الأَنَاة، ولا بد من عدم العجلة؛ لأن العجلة -في الحقيقة- لها سلبياتٌ عظيمةٌ.

الرفق واللين

كذلك من الأمور التي لا بد للداعية أن يلتزمها -من الآداب العظيمة-: الرفق واللين، فلا بد من الرفق، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنْزَعُ من شيءٍ إلا شانه[28]رواه مسلم: 2594.، فلا بد من الرفق.

ولهذا جاء بعض اليهود إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا: "السَّام عليك"، فقال: وعليكم، فقالت عائشة رضي الله عنها: "عليكم السَّام واللعنة"، أبناء القردة والخنازير -أو كما قالت رضي الله عنها والحديث في البخاري- فقال عليه الصلاة والسلام: يا عائشة، إن الله رفيقٌ، يُحبُّ الرفق في الأمر كله -أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- فقالت: "أولم تسمع ما قالوا؟" قال: أولم تسمعي ما قلتُ؟ لأنهم يقولون: "السَّام" يعني: يقصدون الموت، أو تَسْأَمُون دينكم، فقال: أولم تسمعي ما قلتُ؟ رددتُ عليهم[29]رواه البخاري: 6401، 6927، ومسلم: 2165..

ما قال: وعليكم السلام، وإنما قال: وعليكم عليه الصلاة والسلام، وهذه السُّنة إذا سلَّم أهل الكتاب -اليهود والنصارى- إذا سلَّموا على المسلم فإنه يرد عليهم: "وعليكم"، ولو قالوا: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، فأنت تقول: "وعليكم" فقط، بتوجيه النبي عليه الصلاة والسلام، تردّ عليهم لكن بهذه الصيغة، ترد عليهم: "وعليكم ما قلتُم".

وكذلك من الرفق: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يُصلِّي يومًا من الأيام في مسجده، فجاء رجلٌ من البادية -من الأعراب- فصلَّى، فَبَال، ما لبث أن رفع ثوبه أمام الناس ثم بال أمام الناس في المسجد!

فكاد الصحابة أن يضربوه، فقال عليه الصلاة والسلام: لا تُزْرِمُوه، دَعُوه، فتركوه حتى بال.

لا تُزْرِمُوه لا تقطعوا عليه بوله.

ثم دعاه النبي عليه الصلاة والسلام فقال: إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذا البول ولا القَذَر، إنما هي لِذِكْرِ الله ​​​​​​​ والصلاة وقراءة القرآن[30]رواه البخاري: 6025، ومسلم: 285 واللفظ له.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

ويُقال أنَّ هذا الرجل هو المقصود بحديث البخاري الآخر: أن رجلًا صلَّى ركعتين في المسجد، ثم دعا الله ​​​​​​​ وقال: "اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا"، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لقد حَجَّرْتَ واسعًا[31]رواه البخاري: 6010.، أو لقد تَحَجَّرْتَ واسعًا[32]رواه أبو داود: 380، والترمذي: 147.، يقصد عليه الصلاة والسلام: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156].

هذا من التأثير الذي أثَّر عليه، وقد أحبَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام لهذا الرفق به، فأثَّر ذلك في حياته فقال هذا الكلام، فرفق به النبي صلوات الله وسلامه عليه.

كذلك شابٌّ أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: "يا رسول الله، ائْذَنْ لي في الزنا"، أنا أعمل بجميع أوامر الإسلام إلا الزنا، فَأْذَنْ لي في الزنا، فأنا أُحبُّ أن أزني.

لو كان غير النبي عليه الصلاة والسلام لعمل شيئًا آخر.

فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أَتُحِبُّه لأمك؟ قال: "لا"، قال: وكذلك الناس لا يُحِبُّونه لأُمَّهاتهم، أَتُحِبُّه لابنتك؟ قال: "لا"، قال: وكذلك الناس لا يُحِبُّونه لبناتهم، أَتُحِبُّه لأختك؟ قال: "لا"، وهكذا إلى أن وضع رسول الله يده على صدره وقال: اللهم كَفِّرْ ذنبه، وطَهِّرْ قلبه، وحَصِّنْ فرجه[33]رواه أحمد: 22211، والطبراني في "المعجم الكبير": 7679، وصححه محققو "المسند".، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

فكان هذا الرجل بعد أن دعا له النبي عليه الصلاة والسلام كان الزنا أبغض إليه من كل شيءٍ.

هذا يدل على الرفق، فلو أعطاه كَفًّا بمجرد أن قال: "ائْذَنْ لي في الزنا"، وقال: قليل الدين ... وإنما قال هذا الكلام الذي سمعتُم، وهذا يدل على الرفق.

جاء معاوية بن الحكم وصلَّى معه عليه الصلاة والسلام في المسجد، فعطس رجلٌ في الصلاة فقال: "الحمد لله"، ولا حرج أن يقول الإنسان في الصلاة: الحمد لله، لكن بينه وبين نفسه، يُسْمِع نفسه فقط، فقال: "الحمد لله"، قال: "يرحمك الله"، فصار الناس ينظرون إليه، فقال: "وَاثُكْلَ أُمِّيَاه! ما شأنكم تنظرون إليَّ؟" فصار الناس يضربون على أفخاذهم، فقال : "لكنِّي سكتُّ".

وحينما سَلَّمَ النبي عليه الصلاة والسلام سأل عن هذا الرجل، فقيل له، فاستدعاه، وقال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التَّسبيح والتَّكبير وقراءة القرآن[34]رواه مسلم: 537.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

فانظر إلى هذه الأخلاق الجميلة.

تصور أن من الحِكَم في النهي عن قطع بول الرجل في المسجد: أنَّه لو قطع عليه بوله لحصلت أضرارٌ، منها: أن تتلوث أجزاء كثيرةٌ من المسجد، فبدل أن يتلوث جزءٌ صغيرٌ يقوم هذا الرجل ويُلَوِّث أجزاء كثيرةً من المسجد، ومنها: أن يُلَوِّث ثيابه، ومنها أن يحصل له الضَّرر.

فالنبي عليه الصلاة والسلام كان رفيقًا صلوات الله وسلامه عليه.

الصبر والاحتساب والكرم

كذلك ينبغي للداعية أن يكون صابرًا، مُحْتَسِبًا، يصبر كما صبر النبي عليه الصلاة والسلام.

ويكون كريمًا، يُكْرِمُ الناس بقوله وفعله؛ لأنَّ الكرم له فوائد عظيمةٌ، الكرم والمال؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أكرم الناس، وكان يتألف القلوب بالمال.

جاء رجلٌ إليه  ودعاه وطلب منه شيئًا، فأعطاه النبي عليه الصلاة والسلام غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه وقال: "يا قوم، أَسْلِمُوا، فإن محمدًا يُعْطِي عطاءً لا يخشى الفاقة"[35]رواه مسلم: 2312.، وقيل أنَّ قومه أسلموا لما دعاهم إلى الإسلام، فكان يُعطي الأموال .

صفوان قبل إسلامه كان يتألفه النبي عليه الصلاة والسلام بالمال، فأعطاه مئةً من النَّعَم، ثم مئةً، ثم مئةً، قال: "والله، لقد أعطاني رسول الله  ما أعطاني وإنه لَأَبْغَض الناس إليَّ، فما برح يُعْطِيني حتى إنه لَأَحَبُّ الناس إليَّ"[36]رواه مسلم: 2313.، أو كما قال .

فالداعية يُحاول أن يكون كريمًا، فَيُكْرِم الناس بما تيسر: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، إن تيسر له هذا يكون من الفوائد العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يعملها.

الإخلاص لله

كذلك من الأمور التي ينبغي للداعية أن يلتزمها: الإخلاص لله، يرجو ثواب الله، ويخشى عقاب الله.

ماذا يريد بالدعوة؟

يريد وجه الله، يريد الثواب، يريد الفوائد التي سمعتُموها، ومنها: لأن يَهْدِي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْر النَّعَم[37]رواه البخاري: 3701، ومسلم: 2406.، هذا من الثواب الكبير، فَيُخْلِص لله، لا يُرَائي، ولا يقصد مالًا، ولا دنيا، وإنما يقصد وجه الله والثواب العظيم، ويحصل على الثواب العظيم الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام.

وينبغي له أن يُحَسِّن خُلُقَه، وحُسْن الخُلُق: هو العمل بالقرآن، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام، قالت عائشة رضي الله عنها: "إنَّ خُلُق نبي الله  كان القرآن"[38]رواه مسلم: 746.، اللهم صلِّ وسلم عليه.

أركان الدعوة

من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية أن يتأدَّب بها ويعلمها: أن يفقه أركان الدعوة، فالدعوة لها أركانٌ:

  1. موضوع الدعوة.
  2. أخلاق الداعية.
  3. المَدْعُو.
  4. الأسلوب والوسيلة.

فموضوع الدعوة: أن يعرف ما يدعو إليه، لأي شيءٍ يدعو؟

فأنت تُنْزِل الناس منازلهم، فتنظر إلى مجموعةٍ من الناس أو قريةٍ من القرى تحصل عندهم بعض الأخطاء في الصلاة، أو في العقيدة، فتأتي إليهم وتختار هذا الموضوع: موضوع دعوتك، تُحدد الموضوع، ثم تتكلم في الأمراض الموجودة.

أما كون بعض الناس -مثلًا- يأتي إلى مشركين يعبدون القبور، فيطوفون بالقبور ويدعون ويقولون: "يا سيدي فلان، يا سيدي فلان، يا سيدتي فلانة"، فيقول: "أيها الإخوة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اعلموا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قد أمر بالصلاة، وقال الله تبارك وتعالى فيها: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، ومَن ترك الصلاة فهذا قد عمل جُرْمًا عظيمًا، فينبغي لكم أن تُحافظوا على الصلاة".

هذا جاهلٌ يدعوهم إلى الصلاة، وصلاتهم باطلةٌ أصلًا ما داموا يدعون غير الله، ويستغيثُون بغير الله، صلاتهم باطلةٌ، فكيف تدعوهم للصلاة؟!

ادعُهم إلى ما يحتاجون إليه، فإن كانوا من المُوحدين، ويُحافظون على الصلاة مع جماعة المسلمين ويلتزمون بها، لكن عندهم أمراضٌ أخرى؛ يحاول الداعية أن يختار موضوع الدعوة النافع للناس.

وموضوع الدعوة العام: هو الدعوة إلى الله، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله -كما تقدم- وأركان الإسلام، وأركان الإيمان، وأركان الإحسان.

فلا بد للداعية أن يعرف موضوع الدعوة الذي يتكلم فيه، ويعرف المَدْعُو: مَن هو؟

قد يكون المدعو يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا، أو شيعيًّا، أو شيوعيًّا، فَيُنْزِله منزلته، ويدعوه على حسب حاله، أو عاصيًا، ودعوة العاصي ليست كدعوة اليهودي والنصراني، أو عنده تقصيرٌ وهو من المسلمين، فيدعوه.

أنزلوا الناس منازلهم على حسب أحوال الناس، فلا تَقُلْ لليهودي: صَلِّ، صَلِّ، الْحَقِ الصلاة، صَلِّ مع المسلمين.

أولًا: تدعوه إلى "لا إله إلا الله".

ولا يَدْعُ -مثلًا- مَن يقوم ببعض الأعمال إلى هذه الأعمال، ويترك أشياء أخرى موجودةً عندهم، فيدعو الناس على حسب أحوالهم.

كذلك الداعية لا بد أن يعرف أخلاق الدُّعاة التي ينبغي أن يلتزم بها ويعمل بها، والأساليب؛ فما الأساليب التي تُستخدم مع هؤلاء الناس؟

أسلوب الوعظ قد يُستخدم مع بعض الناس، وأسلوب الترغيب والترهيب، ويُقال له: موعظة، والوعظ: هو الجمع بين الترغيب والترهيب، وقد ينفع الترغيب بدون الترهيب على حسب الأحوال، وغير ذلك.

والموضوع طويلٌ، ولا أُحبُّ أن أُطيل عليكم، ولعل ما سمعتُموه تكون نماذج مُختصرةً لهذا.

وأسأل الله تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن ينفعني وإياكم بما سمعنا، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا جميعًا من الدُّعاة إليه على بصيرةٍ، ومن الذين يرجون وجه الله ​​​​​​​، ومن الذين قال الله ​​​​​​​ فيهم: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33].

وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الأسئلة

المقدم: نشكر فضيلة الشيخ الدكتور: سعيد بن علي بن وهف القحطاني -حفظه الله وبارك فيه ونفع به المسلمين- على هذه المحاضرة الشَّيِّقة التي أَتْحَفَنَا بها، واستفدنا منها الفوائد الجَمَّة والعظيمة.

س: نريد منكم التَّوجيه لبعض الإخوة الذين قد مَنَّ الله عليهم ببعض العلم، وهم لا يدعون إلى الله بحجة أنهم إلى الآن ليس عندهم العلم الكثير، وبعد ذلك يدعون، فما نصيحتك إلى هؤلاء؟ بارك الله فيك.

ج: بسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومَن وَالَاه.

أما بعد:

الكلام الذي سمعتُموه في طلب العلم على حسب الاستطاعة، فيدعو إلى الله ​​​​​​​ على حسب علمه.

وأنا ضربتُ لكم الأمثلة: أن الإنسان يكون أُمِّيًّا، ويكون داعيةً، فهو يعرف أن الصلاة واجبةٌ فيأمر بالصلاة، ويعرف أن الخمور مُحرَّمةٌ فينهى عنها، ويعرف أن الغيبة مُحرَّمةٌ فينهى عنها.

أما كون الإنسان يبقى لا يدعو إلى الله ​​​​​​ لا، يدعو إلى الله على حسب استطاعته.

أنت حفظتَ حديثًا، سمعتَ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سَهَّلَ الله له به طريقًا إلى الجنة[39]رواه مسلم: 2699.، قُلْ هذا الحديث -الحمد لله- وأيُّ حديثٍ سمعتَه وعلمتَ أنه صحيحٌ ولو بمجرد التلاوة تُبَلِّغه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: بَلِّغُوا عني ولو آية[40]رواه البخاري: 3461.، على حسب العلم.

وهذا الذي يُبَلِّغ العلم الذي سمعه لا شكَّ أنه يكون من العلماء فيما بعد -إن شاء الله-؛ لأنَّه لو كتم العلم الذي عنده يَنْسَى ويُنْسَى.

فالدعوة إلى الله ​​​​​​​ لا تقوم بالخطب والدروس والمواعظ فحسب، وإنما تكون على حسب الاستطاعة، وهي من أعظم الدعوة إلى الله، لكن كون الإنسان يُبَلِّغ ما سمع على حسب علمه وعلى حسب فهمه بشرط: أن يُبَلِّغ شيئًا صحيحًا، فيعرف أن هذا الحديث ليس منسوخًا، وليس ضعيفًا، وغير ذلك، فالإنسان يُبَلِّغه على حسب استطاعته كما تقدم.

س: سائلٌ يقول: يا شيخ، إنِّي أُحبُّك في الله، كلما طلبتُ علمًا أو قرأتُ كتابًا أتاني الشيطان يقول: إنما تريده لطلب الدنيا. وأتراجع، فما الإرشاد في ذلك؟

ج: هذا من الشيطان، أعوذ بالله من الشيطان، استَعِذْ بالله من الشيطان، واطلب العلم، ولا تنظر إلى وساوسه، فإن الشيطان يأتي من طرقٍ للإنسان، منها: أنَّه يُثَبِّطك، يقول: ما تكون لله، ما يكون عملك خالصًا.

لا، اطلب العلم، وأَخْلِص النية، واسأل الله التوفيق والسَّداد، واستَعِذْ بالله من الشيطان، بل هذا من الوسائل المُعِينة على طاعة الشيطان: ترك العلم؛ لأنَّك إذا تركتَ العلم استولى عليك الشيطان وغلبك.

فعليك أن تطلب العلم، وتستعيذ بالله من الشيطان، ولا تنظر إلى وساوس الشيطان.

س: هذا سائلٌ يقول: بارك الله فيكم يا شيخ، ما وسائل التَّخلص من الغضب؟ وما أسباب الثبات على الدعوة؟

ج: هناك أمورٌ بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام في التَّخلص من الغضب:

منها: الاستعاذة بالله من الشيطان.

ومنها: الوضوء، فيتوضأ الإنسان إذا غضب.

ومنها: إذا كان واقفًا يجلس أو يخرج من المجلس.

ومنها: ذكر فضل مَن كَظَمَ الغيظ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن يُنْفِذَه دعاه الله ​​​​​​​ على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يُخَيِّرَه من الحور العين ما شاء[41]رواه أبو داود: 4777، والترمذي: 2021، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2753.، والحديث رواه أبو داود، وهو حديثٌ ثابتٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام.

فالخلاصة: أن هذا من الوسائل التي تُعِين على ترك الغضب وعدم الالتباس بالغضب.

والثبات على الدعوة: تسأل الله التوفيق والثبات: يا مُقَلِّب القلوب، ثَبِّتْ قلبي على دينك، وتدرس وتقرأ فضائل الدعوة إلى الله، الفضائل العظيمة.

والقرآن الكريم تعتني به وتتلوه؛ لأنَّه يُبيِّن فضل الدعوة: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [فصلت:33]، ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].

هذه من أساليب الدعوة: الدعوة بالحكمة.

والحكمة: وضع الشيء في موضعه بإتقانٍ وإحكامٍ.

والموعظة الحسنة: الجمع بين الترغيب والترهيب، تُرَغِّبه في الخير، وتُحَذِّره من الشر.

س: سائلٌ يقول: يا شيخ، كلما أردتُ أن أدعو شخصًا أو أُنْكِرَ عليه عملًا أتاني الشيطان وقال: لا تكن فُضُوليًّا. فما الحل؟

ج: الحل أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فهذا من قِلَّة العلم، يدل على أنَّك قليل العلم -نسأل الله العافية- قليل الفقه.

واسمح لي بهذا الكلام: "لا تكن فُضُوليًّا" هذا من كلام الفُسَّاق، وليس من كلام أهل العلم وطلاب العلم.

فعليك أن تتفقه في الدين، فإذا سمعتَ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لأن يَهْدِي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْر النَّعَم[42]رواه البخاري: 3701، ومسلم: 2406. رغبتَ في الخير، مَن دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله[43]رواه مسلم: 1893..

وأنا أتوقع أنه لو قيل لك: مُرْهُ وأَنْكِرْ عليه ونُعطيك مليون دينار كويتي.

الله أكبر!

كيف يكون الإخلاص والصدق؟!

تأتيه عن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن أمامه، وتزوره لعل الله أن يصرفه عن هذا الشر؛ حتى تحصل على هذا المبلغ، لكن اقصد بعملك وجه الله ​​​​​​​، وأَبْشِرْ بالخير، وأَبْشِرْ بالسعادة، واسأل الله التوفيق والسَّداد والإعانة.

س: هذا سائلٌ يقول: يا شيخ، هل صحيحٌ أن الإنسان في طلب علمه له أمران: يطلب العلم فقط ولا يدعو، أم يدعو فقط؟ هذا ما قسمه، يعني: الشباب المُلتزم.

ج: أَعِدْ، أَعِدْ.

س: يقول: يا شيخ، هل صحيحٌ أن الإنسان في طلب علمه له أمران: يطلب العلم فقط ولا يدعو، والأمر الثاني: يدعو فقط؟

ج: أولًا: ما الدعوة عندك؟

أنت الآن تقول: يطلب العلم ولا يدعو.

سبحان الله!

ما الدعوة عندك؟

يعني: الدعوة شيءٌ فيه صعوبةٌ؟!

معنى الدعوة إلى الله: أن تطلب العلم، فإن مَرَرْتَ على إنسانٍ مُتأخِّرٍ عن الصلاة تأمره بالصلاة، أو رأيتَ إنسانًا مُسْبِلًا إزاره تأمره أن يرفع إزاره، أو رأيتَ إنسانًا يحلق لحيته، أو رأيتَ إنسانًا يدعو غير الله تُرْشِده في طريقك، فليس شرطًا: أن تكون خطيبًا أو عالمًا، لا، كما تقدم: تدعو إلى الله على حسب حالك.

تدعو الناس: في بيتك، وجيرانك، وزملائك، وتدعو دعوةً صامتةً بأعمالك وخُلُقك.

هذا التقسيم تقسيمٌ باطلٌ، فالدعوة مُلازمةٌ لك دائمًا، حتى في أقل الأحوال بدعوتك أنت بعملك بالإسلام تكون دعوةً صامتةً لغيرك من الناس.

وليس هناك دعوةٌ بغير علمٍ، فالدعوة لا بد فيها من العلم، لكن العلم ما هو؟ أن تكون فقيهًا من فقهاء الإسلام؟

تكون فقيهًا في المسألة التي تدعو إليها أو تنهى عنها، تَفْقَهُهَا، تفهمها، فحينئذٍ ادعُ.

أمَّا إذا لم تعرف شيئًا فلا تدعو إلى شيءٍ لا تعرفه، أو عندك شكٌّ فيه.

س: سائلٌ يقول: يا شيخ، إذا سلَّم علينا أهل الكتاب وقالوا: السلام عليكم، ولم يقولوا: السَّام، أفلا نردُّ عليهم بقوله تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا [النساء:86]؟

ج: النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي وجَّهنا فقال: إذا سَلَّمَ عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم[44]رواه البخاري: 6258، ومسلم: 2163.، ما قال: إلا مَن تَيَقَّنتم أنه يقول: السلام عليكم، فَاتَّبِعْ قول النبي عليه الصلاة والسلام.

س: هذا الأخ مُشْفِقٌ ومُحِبٌّ، يقول: نطلب منك نصيحةً لجميع الحاضرين للمحبة فيما بينهم والتَّآلف والتَّراحم، وترك الأهواء والنفوس واتِّباع الهوى، وما إلى ذلك.

ج: هذا مطلوبٌ لكل مسلمٍ، فالمطلوب المحبة في الله ​​​​​​​، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحِبَّ المرء لا يُحِبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أَنْقَذَه الله منه كما يكره أن يُقْذَف في النار[45]رواه البخاري: 16، ومسلم: 43..

فلا بد من الحبِّ في الله، والبُغْض في الله، فالمحبة في الله من أوثق عُرَى الإيمان.

وكذلك مطلوبٌ عدم الشَّحناء؛ لأنَّ الشَّحناء والأهواء من المصائب التي تُفَرِّق بين الإخوة، وبين الدُّعاة إلى الله ​​​​​​​، وهذا يدل على عدم الإخلاص، فلو وُجِدَ الإخلاص لَوُجِدَ الاتفاق على ما يُحِبُّه الله ويرضاه، لكن قد يكون بعض الناس يُريد أن يُظْهِرَ نفسه، ويُريد أن ينفرد بأشياء، ويُريد ...

لا، الإخلاص مطلوبٌ؛ أن تدعو إلى الله بإخلاصٍ وصدقٍ.

وافهم دائمًا أنَّ معنى الدعوة إلى الله: على حسب حالك، ليس على حسب -يعني- تتصور أنَّك تجعل نفسك من علماء الإسلام، على حسب حالك.

الدعوة إلى الله واجبةٌ على كل إنسانٍ بحسبه -كما تقدم- فاتِّباع الأهواء من الشرور العظيمة التي تُفَرِّق بين الدُّعاة إلى الله، وبين المسلمين.

س: سائلٌ يقول: هل يجوز أن نبدأ المشركين والكفَّار بالسلام عندما ندخل عليهم بنية دعوتهم إلى الإسلام؟

ج: لا تبدأ بالسلام، قُلْ: كيف حالك يا أبا فلان؟ طيب؟ إذا أردتَ أن تبدأ بالدعوة.

إذا أردتَ أن تدعو إلى الله تأتي بألفاظٍ ليس فيها سلامٌ، ليس فيها تحية الإسلام، وإنما فيها السؤال عن حاله وحال أولاده، وهكذا حتى تدعوه، فتتخذ معه مدخلًا حتى تدعوه إلى الإسلام.

س: هذا سائلٌ يقول: يا شيخ، إنِّي أُحبُّك في الله، ما ثمرات الحلم؟

ج: ثمرات الحلم: من أعظم الثمرات: الاستجابة للدعوة، كما سمعتَ.

أحبَّك الله الذي أحببتني له.

فَثُمَامَة حينما أسلم ... ما الثمرات التي حصلتْ من حلم النبي عليه الصلاة والسلام؟

الفائدة التي جناها النبي عليه الصلاة والسلام منها: أن هذا الرجل أسلم، ودخل في الإسلام، وهكذا.

س: هذا سائلٌ يقول: فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يجب على المرأة تغطية كَفَّيها وقدميها في الصلاة؟

ج: يجب عليها أن تُغَطِّي قدميها في الصلاة، ويُستحب لها على القول الصحيح أن تُغَطِّي كَفَّيها، يُستحب لها استحبابًا، فإن لم تُغَطِّ كَفَّيها فلا حرج.

وتكشف وجهها في الصلاة إلا إذا كانت بحضرة الرجال، فإذا كانت بحضرة الرجال تُغَطِّي وجهها حتى لو كانت في الصلاة.

س: سائلٌ يقول: يا شيخ، أحسن الله إليك، كم مرة يقول المُصلي الأذكار بعد الصلاة؟ وكذلك المُعَوِّذات بعد صلاة المغرب؟

ج: يقول الأذكار المشروعة بعد الصلاة، إذا سَلَّمَ: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعْطِيَ لما منعتَ -وفي روايةٍ: ولا رادّ لما قضيتَ- ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ.

ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إيَّاه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مُخْلِصين له الدين ولو كره المشركون.

ثم يُسَبِّح ثلاثًا وثلاثين، ويحمد الله ثلاثًا وثلاثين، ويُكَبِّر الله ثلاثًا وثلاثين، ويُتِمُّ المئة بـ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ.

ويقرأ آية الكرسي مرةً واحدةً، ويقرأ المُعَوِّذات مرةً واحدةً بعد كل صلاةٍ.

أما مَن قال بأنه يقرأها بعد المغرب ثلاث مراتٍ، وبعد الفجر ثلاث مراتٍ، فهذا يُريد أن يجمع لك بين الفضائل: بين دعاء الصباح وبين أذكار الفجر التي هي أذكار الصلاة.

فإذا قلتَها ثلاث مراتٍ أَغْنَتْكَ عن قراءتها ثلاث مراتٍ في دعاء الصباح؛ لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال لبعض أصحابه: قل، فلم يَقُلْ شيئًا، فقال: قل، فلم يَقُلْ شيئًا، ثم قال: قل، فقال: يا رسول الله، ما أقول؟ قال: قل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص] والمُعَوِّذتين حين تُمسي وحين تُصبح ثلاث مراتٍ تكفيك من كل شيءٍ[46]رواه أبو داود: 5082، والترمذي: 3575، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 649..

تكفيه من دعاء الصباح، ثلاث مراتٍ من دعاء الصباح، لكن إذا قالها بعد الصلاة أَجْزَأَتْهُ عن قراءة المُعَوِّذات، وعن دعاء الصباح، وكذلك يقولها بعد كل صلاةٍ مرةً.

المقدم: الحقيقة -يعني- الأسئلة كثيرةٌ ومُتشابهةٌ، ولكن لضيق الوقت أَحْبَبْنَا أن نقف عند هذا الحدِّ، ونختم بذلك شكرنا وتقديرنا لفضيلة الشيخ الداعية المبعوث من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية، فضيلة الشيخ: سعيد بن علي بن وهف القحطاني، حفظه الله ورعاه وبارك فيه.

ونشكره على هذه المحاضرة الطيبة التي بيَّن فيها الدعوة وفضائلها وآدابها، وبيَّن أن الدعوة وظيفة الأنبياء، ومعناها هو: الدلالة على الخير.

وذكر حفظه الله أن الدعوة لا بد أن تكون على بصيرةٍ، ومنها: معرفة حال المَدْعُو، وكذلك الدعوة على علمٍ.

وذكر حفظه الله فضائل الدعوة:

  1. أن الداعي يستغفر له كل شيءٍ حتى الحيتان في البحر.
  2. وأن الدعوة تُورِث السعادة والسرور والنُّضْرَة لِمَن دعا وبَلَّغَ دين الله جلَّ وعلا.
  3. ثالثًا: أن الدعوة صدقةٌ، كما قال النبي : وأَمْرٌ بالمعروف صدقةٌ[47]رواه مسلم: 720..
  4. رابعًا: أن الدعوة خيرٌ من الدنيا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن دعا إلى هُدًى ... الحديث[48]رواه مسلم: 2674..

ثم ذكر حفظه الله أن الدعوة تكون بالقول، وتكون أيضًا بالفعل، وهي كذلك دلالةٌ على الخير، فيدل الناس بفعله وقوله.

وذكر حفظه الله أخلاق الداعية وآدابه، ثم ذكر هذه الأخلاق، وهي: العلم، والحلم، والأناة، والرفق، والإخلاص، وغير ذلك من ثنايا المحاضرة الطيبة، والنافعة، والشَّيِّقة.

أسأل الله أن يكون ذلك في ميزانه، وأن تُكْتَبَ له خطواته التي جاء بها من أهله وبلده إلينا داعيًا إلى الله جلَّ وعلا.

كما نشكركم أيها الأحبة على حرصكم على المُواظبة على الحضور لهذه الدروس والمحاضرات.

وأسأل الله أن يجمعنا وإياكم في مُستقرِّ رحمته، وفسيح جناته، وجزاكم الله خيرًا.

الشيخ: آمين، آمين، اللهم صلِّ على محمدٍ.

^1, ^39 رواه مسلم: 2699.
^2 رواه البخاري: 6408، ومسلم: 2689.
^3 رواه البخاري: 73، ومسلم: 816.
^4 رواه البخاري: 7529، ومسلم: 815.
^5 رواه الترمذي: 2685، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 4213.
^6 رواه الترمذي: 2657، 2658، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6764.
^7 رواه البخاري: 1741.
^8, ^47 رواه مسلم: 720.
^9, ^37, ^42 رواه البخاري: 3701، ومسلم: 2406.
^10, ^48 رواه مسلم: 2674.
^11, ^43 رواه مسلم: 1893.
^12 رواه مسلم: 1017.
^13, ^40 رواه البخاري: 3461.
^14 رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037.
^15 رواه البخاري: 1291، ومسلم: 4.
^16 رواه البخاري: 109.
^17 رواه مسلم في مقدمة "صحيحه": 1/ 9.
^18 البيتان للشافعي، ينظر: "ديوان الإمام الشافعي": ص152.
^19 البيتان للشافعي، ينظر: "ديوان الإمام الشافعي": ص138.
^20 ينظر: "ديوان الإمام الشافعي": ص87.
^21 رواه البخاري: 4392، ومسلم: 2524.
^22 "السيرة النبوية" لابن هشام: 1/ 384.
^23 طلب الدَّين. ينظر: "مختار الصحاح" للرازي: ص44.
^24 رواه ابن حبان: 288، والطبراني في "المعجم الكبير": 5147، والحاكم: 6728 وصححه، وذكر بعضه ابن حجر في "الإصابة": 2/ 501.
^25 رواه البخاري: 4372، ومسلم: 1764.
^26 رواه مسلم: 382.
^27 رواه البخاري: 6872، ومسلم: 96، 97.
^28 رواه مسلم: 2594.
^29 رواه البخاري: 6401، 6927، ومسلم: 2165.
^30 رواه البخاري: 6025، ومسلم: 285 واللفظ له.
^31 رواه البخاري: 6010.
^32 رواه أبو داود: 380، والترمذي: 147.
^33 رواه أحمد: 22211، والطبراني في "المعجم الكبير": 7679، وصححه محققو "المسند".
^34 رواه مسلم: 537.
^35 رواه مسلم: 2312.
^36 رواه مسلم: 2313.
^38 رواه مسلم: 746.
^41 رواه أبو داود: 4777، والترمذي: 2021، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2753.
^44 رواه البخاري: 6258، ومسلم: 2163.
^45 رواه البخاري: 16، ومسلم: 43.
^46 رواه أبو داود: 5082، والترمذي: 3575، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 649.