تخطى إلى المحتوى

القرآن وعِظَم آثاره في النفوس والأرواح

جدول المحتويات

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فضل حِلَق الذِّكْر ومجالس العلم

أيها الإخوة، أشكر الله تعالى على ما مَنَّ به علينا جميعًا من حضور هذه الحلقة أو هذا المجلس العظيم الذي عَظَّمَ الله شأنه عن طريق النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ فقد ثبت في البخاري: أن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أن لله ملائكةً سيَّاحين يلتمسون حِلَق الذكر، حتى إذا وجدوا بُغْيَتَهم تَنَادَوا، وبعد ذلك يسألهم الله تعالى -وهو أعلم- وفي نهاية الحديث يقول الله تعالى: فَأُشْهِدُكم أني قد غفرتُ لهم، فيقول أحد الملائكة: فيهم فلانٌ ليس منهم، إنما جاء لحاجةٍ، فقال الله تعالى: وله غفرتُ، هم القوم لا يَشْقَى بهم جليسُهم[1]رواه البخاري: 6408، ومسلم: 2689..

هذا فضلٌ عظيمٌ، ولو لم يحصل الإنسان الحاضر لحلقات العلم أو الدروس العلمية إلا على هذا الفضل العظيم والثواب الكبير لكفى.

وهذا -والله أعلم- يكون مُسْتَثْنًى من النية؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إنما الأعمال بالنِّيَّات، وإنما لكل امرئٍ ما نَوَى[2]رواه البخاري: 1 واللفظ له، ومسلم: 1907..

فهذا الذي أتى إلى حلقة العلم أو الدرس لا يريد شيئًا، وإنما يريد حاجةً من حوائج الدنيا أو غيرها، ولم يُفَصِّل النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك، فقال الله تعالى: وله غفرتُ، هم القوم لا يَشْقَى بهم جليسهم.

فأسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن تَعُمُّهم الرحمة التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام.

حقيقة القرآن ومصدره وتأثيره

لا شكَّ أن القرآن العظيم الذي تكلَّم عنه هو الذي تكلَّم به ، فهو كلامه ، منه بدأ، وإليه يعود، فهو الذي بيَّن فضله، وهو الذي بيَّن تأثيره في النفوس، وهو الذي كرَّر وأعاد في الآيات: مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:23].

فالذي يتكلم عن كلام الله من عند نفسه أرى أنه سيُقَصِّر، لكن كلام الله تعالى وكلام النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يُبَيِّن فضل هذا القرآن العظيم، ومكانة هذا القرآن العظيم، وتأثيره في النفوس.

صفات القرآن العظيم

لا شكَّ أن مَن قام بالقرآن العظيم وعمل بالقرآن العظيم كانت له السعادة، وكانت له المكانة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا بيَّن الله تعالى مكانة هذا القرآن العظيم، وَوَصَفَه في آياتٍ كثيرةٍ؛ ليستفيد الإنسان المسلم السامع لهذه الآيات، ولِعِظَم شأن هذه الآيات، فهو ما سرد الأحكام بدون تبيين التأثير والصفات العظيمة لهذا القرآن العظيم، وإنما بيَّن صفات القرآن العظيم، وتأثيره في النفوس، ومكانته، وأنه كلامه .

عموم رسالة القرآن للإنس والجنِّ

من هذا: أنه كتابٌ عامٌّ للعالمين -للإنس والجنِّ- إلى قيام الساعة، كما قال الله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1]، فهو للناس، بل للجنِّ والإنس إلى قيام الساعة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام هو آخر الأنبياء والمُرسلين صلوات الله وسلامه عليه، فلا نبيَّ بعده.

فهذا القرآن العظيم عامٌّ للناس، وهو كذلك يُحاسَب عليه مَن بَلَغَه: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19]، فمَن بَلَغَه هذا القرآن العظيم على الوجه الذي يَفْقَهُه فإنه يكون بهذا مَحْجُوجًا عند الله تعالى إن لم يعمل بهذا القرآن العظيم.

القرآن هُدًى للمتقين وحُجَّةٌ على غيرهم

لا شكَّ أن هذا القرآن العظيم هُدًى: هُدًى للمتقين، وهُدًى للناس؛ هُدًى للمتقين الذين وفَّقهم الله تعالى لهداية التوفيق، وهداية التَّسديد، وهداية الإرشاد؛ لأن الهداية هدايتان:

  1. هداية التوفيق والإلهام والتَّسديد، وهذه من الله تعالى.
  2. وهداية الإرشاد، وهذه من النبي عليه الصلاة والسلام ومن أتباعه.

فهو للمؤمنين والمتقين هُدًى، دَلَّ على الهدايتين: هداية التوفيق والتَّسديد، وهداية الإرشاد للمؤمن الذي يعمل بهذا القرآن؛ ولهذا قال الله تعالى: الم ۝ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1- 2]، والمُتَّقي هو الذي قام بالواجبات، وابتعد عن المُحرمات؛ ابتغاء رضا ربِّ الأرض والسماوات؛ ولهذا يكون هدًى لهم هذا القرآن العظيم.

أما غير المتقين فهو هدًى لهم، لكنه يكون هدًى للإرشاد والتَّوجيه، ويكون حُجَّةً عليهم يوم القيامة إن لم يعملوا به؛ ولهذا بيَّن الله ذلك فقال في هذا: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185].

إذن هذا هدًى للناس، لجميع الناس، بل للجنِّ والإنس، فهو هدًى يهدي هداية الإرشاد والتوفيق، وهداية التعليم، وهداية الحُجَّة؛ فقامت الحُجَّة على مَن سمع هذا القرآن العظيم ولم يعمل به.

القرآن يهدي للتي هي أَقْوَم

كذلك هذا القرآن يهدي للتي هي أَقْوَم كما بيَّن الله ذلك: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ۝ وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإسراء:9- 10].

فهو يهدي إلى أَقْوَم الطرق؛ يهدي إلى طريق السعادة في الدنيا والآخرة، يهدي إلى أن يُدْخِل صاحبَه الجنة، وكذلك بعد دخول الجنة -كما ستسمعون- يَتَرَقَّى في درجات الجنة بهذا القرآن العظيم، وبفضل الله تعالى.

القرآن روحٌ ونورٌ وحياةٌ للقلوب

كذلك وَصَفَه بأنه روحٌ، حياةٌ، سعادةٌ؛ ولهذا قال : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ [الشورى:52]، فالله تعالى جعله نورًا، وجعله هدًى، وجعله حياةً للقلوب والأرواح.

فلا شكَّ أن القرآن بمثابة الروح، وبمثابة القلب، فإذا فُقِدَت الروح فُقِدَ الجسد ومات، فالقرآن مَن عمل به واستفاد منه فهو الروح، كما بيَّن الله تعالى ذلك: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء:174]، فالله تعالى جعله نورًا وهدًى ورحمةً للمؤمنين، مَن عمل به فاز وسعد في الدنيا والآخرة.

القرآن فرقانٌ وشفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين

وهو فرقانٌ؛ يَفْرُق بين الحقِّ والباطل؛ ولهذا قال: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1].

وقال في وصفه بالشفاء، وأنه شفاءٌ من كل داءٍ، سواءٌ كان الداء من الشُّبهات، أو من الشَّهوات، أو حتى من الأمراض الجسدية كذلك، فالشفاء عامٌّ في هذا القرآن العظيم كما بيَّنه الله تعالى في كتابه العزيز: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ۝ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:57- 58].

هذه النعمة العظيمة ينبغي للمسلم أن يفرح بها، وهذا الفرح هو الفرح المحمود، وليس الفرح المذموم الذي ذمَّ الله تعالى صاحبَه -كما في قارون وغير ذلك- وإنما هذا الفرح المحمود الذي يفرح به المؤمن حينما يحصل على هذه الهداية العظيمة التي تُوصِله إلى السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة.

القرآن حُجَّةٌ على الظالمين

لا شكَّ أن الله تعالى قال في آياتٍ كثيرةٍ يُبَيِّن أنه هدًى ورحمةٌ وشفاءٌ: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء:82]، فالظالم لا يزداد بهذا القرآن إلا خسارةً، فهو حُجَّةٌ عليه، تُقام به الحُجَّة عليه، إن لم يستفد من هذا القرآن العظيم فإن الحُجَّة تُقام عليه، ويكون من الخاسرين، نسأل الله العفو والعافية.

قال سبحانه: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت:44]، وصفهم الله تعالى بأنهم كالذي يُنَادَى من مكانٍ بعيدٍ، يَسْمَع الصوت ويَسْمَع النِّداء، لكن لا يَفْقَه ما يقول صاحب النِّداء؛ ولهذا قال: أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ.

فالذي يسمع القرآن يُتْلَى، لكن لا يتدبر القرآن، ولا يفهم ما يُقال في القرآن؛ فعليه أن يُؤَنِّب نفسه، وعليه أن يُراجع نفسه، وعليه أن يُراجع دينه وقلبه؛ لأنه قد تأثَّر بشيءٍ آخر، ولا يتأثر بالقرآن الكريم إلا القلب السليم الذي وفَّقه الله تعالى وهَدَاه.

القرآن تبيانٌ لكل شيءٍ ومحفوظٌ من التَّبديل

القرآن تبيانٌ لكل شيءٍ، فما ترك الله أمرًا في القرآن الكريم إلا ودَلَّ عليه مما يعود على الناس بالسعادة والخير في الدنيا والآخرة من أمور الدين والدنيا، ولكن قد لا يكون صريحًا في بعض الآيات، ولكن يكون بيانًا عامًّا يستنبطه أهل العلم من هذا القرآن العظيم، قال الله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل:89].

هذا كلام الله تعالى في وصفه لهذا القرآن العظيم، وهو حينما أنزل هذا القرآن العظيم وتكلَّم به ضَمِنَ حِفْظَه من التَّغيير والتَّبديل، فقال : وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ۝ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:41- 42]، محفوظٌ من التَّبديل والتَّغيير: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

وكذلك كتابٌ واضحٌ: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ۝ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة:15- 16]، هذا فضل الله تعالى يُؤْتِيه مَن يشاء.

وهذا القرآن العظيم هو الذي وصفه الله تعالى بهذه الصفات: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1]، فهو الذي فَصَّله، وهو الذي أحكمه : كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [فصلت:3- 4].

عظمة القرآن وتحدِّي الإنس والجن بالإتيان بمثله

القرآن العظيم وصفه بأنه عظيمٌ فقال سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87].

سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي قيل: هي السبع الطِّوال من أول القرآن. وقيل: هي سورة الفاتحة؛ سبع آياتٍ.

من أهل العلم مَن قال هذا، ومنهم مَن قال هذا، والأمر واسعٌ؛ فإن القرآن العظيم كله خيرٌ، وكله عظيمٌ، سواءٌ كانت أعظم سورةٍ في القرآن التي هي سبع آياتٍ، أو كانت السبع سور الطِّوال التي في أول القرآن إلى نهاية التوبة مع سورة الأنفال.

فهذه نعمةٌ من الله تعالى امْتَنَّ بها على النبي عليه الصلاة والسلام وأتباعه، قال في هذا: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88].

فالناس والجن كذلك لو اجتمعوا على أن يأتوا بالقرآن أو يأتوا بسورةٍ واحدةٍ أو ببعض سورةٍ لا يستطيعون إلى ذلك سبيلًا؛ لأنه كلام الله تعالى الذي حَفِظَه؛ ولهذا بعض المشركين -كمُسَيلمة الكذَّاب- أراد أن يأتي بآيةٍ، أو أراد أن يأتي بقرآنٍ كما يزعم، ولكن إذا أتى بآيةٍ أو بسورةٍ ضحك عليه الناس حتى الأطفال في الطُّرقات، كما يُذْكَر أنه قال: "الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذَنَبٌ طويلٌ"، وقال: "والطَّاحنات طَحْنًا، والعاجنات عَجْنًا، فاللاقمات لَقْمًا"، فكلٌّ يضحك عليه؛ لأنه يريد أن يُكَذِّب الله.

والله قد تحدَّى جميع الجنِّ والإنس أن يأتوا بمثله، ثم تَحَدَّاهم أن يأتوا بِعَشْر سُوَرٍ من مثله، ثم تَحَدَّاهم أن يأتوا بسورةٍ واحدةٍ، وهي تنطبق على أقصر سورةٍ في القرآن الكريم: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر]، سطرٌ واحدٌ، فلا يستطيع أي إنسانٍ على وجه الأرض أن يأتي بسورةٍ من أقصر سور القرآن، وتدل على ما دلَّ عليه هذا القرآن العظيم، فدلَّ ذلك على أن هذا الكتاب له شأنٌ عظيمٌ، وهو كلام الله تعالى.

القرآن تذكرةٌ وهُدًى وبيانٌ عظيمٌ لمَن يخشى

كذلك بيَّن الله تعالى أن هذا القرآن تذكرةٌ، لكنه لِمَن يخشى: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ۝ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ۝ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى [طه:2- 4]، وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ۝ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ۝ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء:210- 212]، بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ [العنكبوت:49].

وكذلك بيَّن الله تعالى أنه هو الذكر المُبين -الواضح- وهو الحديث العظيم، وأحسن الحديث، كما قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23].

إذن المسلم عليه أن يعرض هذه الآية على قلبه، فإذا كان إذا سمع القرآن تأثَّر قلبه وَاقْشَعَرَّ جلده كما في هذه الآية، فالله تعالى وصفه بأنه من المؤمنين كما في هذه الآية، وإن حصل غير ذلك فعليه أن يُراجع قلبه، ويُراجع نفسه.

وهو بصائر للناس كما ذكر الله تعالى: هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [الجاثية:20]، وكذلك هو مجيدٌ: وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1]، وقرآنٌ كريمٌ: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ۝ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ۝ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ۝ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة:77- 80].

ولو أُنْزِلَ هذا القرآن على الجبال الشَّوامخ العظيمة وأُمِرَتْ بالأوامر لَتَصَدَّعَتْ، كما قال الله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ [الحشر:21]، فالله تعالى بيَّن ذلك، وأن هذا القرآن لو كُلِّفَتْ به الجبال لَتَصَدَّعَتْ وخشعتْ من خشية الله تعالى.

وهو يهدي إلى الرُّشد كما قال : إن الجنَّ قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ۝ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [الجن:1- 2]، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ۝ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج:21- 22]، وغير ذلك من الصفات التي بيَّنها الله تعالى، وبيَّنها النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وصية النبي بالتَّمسك بالقرآن

ولِعِظَم هذا القرآن كان وصية رسول الله ، فأوصى به عليه الصلاة والسلام في عدة مواطن صلوات الله وسلامه عليه؛ أوصى به في عرفاتٍ عليه الصلاة والسلام، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه، بل في حديث ابن أبي أَوْفَى قيل: هل كان النبي أوصى؟ فقال : لا. قيل: كيف كُتِبَ على الناس الوصية أو أُمِرُوا بالوصية؟ قال : أوصى بكتاب الله[3]رواه البخاري: 2740، ومسلم: 1634.، وهذا الحديث متفقٌ على صحَّته.

كذلك في يوم عرفة في الحجِّ حينما أُنْزِلَتْ عليه الآية العظيمة التي تُبَيِّن أنه قد كمَّل الله به الدين عليه الصلاة والسلام: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3]، خطب الناس عليه الصلاة والسلام وأوصاهم بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، قال : وأنا تاركٌ فيكم ثَقَلَيْن؛ أولهما كتاب الله، هذا في طريقه إلى المدينة، أوصى به في عرفات، وأوصى به في طريقه إلى المدينة، قال: وأنا تاركٌ فيكم ثَقَلَيْن؛ أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور ... مَن اتَّبَعَه كان على الهدى، ومَن تركه كان على ضلالةٍ[4]رواه مسلم: 2408.، فأوصى بكتاب الله، وحثَّ على التَّمسُّك به صلوات الله وسلامه عليه.

والخلاصة: أن القرآن الكريم مَن ابتغى الهدى في غيره أَضَلَّه الله، وهو حبل الله تعالى المتين، ونوره المُبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تَزِيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الأَلْسُن، ولا تَتَشَعَّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَمَلُّه الأتقياء، ولا يَخْلَقُ على كثرة الردِّ، ولا تنقضي عجائبه، مَن عَلِمَ عِلْمَه سبق، ومَن قال به صَدَقَ، ومَن حَكَمَ به عدل، ومَن عَمِلَ به أُجِرَ، ومَن دعا إليه هُدِيَ إلى صراطٍ مُستقيمٍ.

فلا شكَّ أن مَن وَفَّقه الله تعالى للعمل بالقرآن العظيم كان من الفائزين، وكان من السُّعداء في الدنيا والآخرة، وكان من أهل الله تعالى، كما رُوِيَ ذلك في فضل القرآن الكريم[5]روى ابن ماجه: 215، والنسائي في "السنن الكبرى": 7977 عن أنس بن مالكٍ  قال: قال رسول الله : إن لله أَهْلِينَ من … Continue reading.

ضرورة تدبر القرآن وتأثيره في القلب

الأمر بالتَّدبر وفوائده

لا بد مع هذا -مع العلم بهذه الصفات وهذه المكانة- حينما يقرأ المسلم هذا القرآن أن يُدِير الآيات على قلبه وعلى فِكْرِه ويستفيد منها، وإلا فهو بهذه المثابة لا يستفيد من كلام الله تعالى إلا بأن يتدبَّر القرآن ويتعقَّله ويتفكَّر في معانيه، وقد أمر الله تعالى بذلك.

قال الإمام ابن القيم رحمة الله عليه: "القرآن حياة القلوب، وشفاءٌ لما في الصدور، وبالجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتَّدبر والتَّفكر، وهذا الذي يُورِث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتَّوكل والرضا والتَّفويض والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يَزْجُر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه، فلو عَلِمَ الناس ما في قراءة القرآن بالتَّدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها".

فلا شكَّ أن على الإنسان أن يعتني بذلك، كما قال الله تعالى في هذا الكتاب: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29]، وقال: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24].

ولا شكَّ أن العبد عليه أن يتَّقي الله تعالى، ويسأل الله التوفيق، ويسأل الله السَّداد، ويسأل الله أن يُصْلِحَ قلبه حتى يستفيد من هذا القرآن العظيم.

معرفة الفضل دافعٌ للقراءة

كذلك من الأمور التي ينبغي للمسلم أن يعتني بها عنايةً فائقةً حتى يستفيد من هذا القرآن الكريم: معرفة فضله وفضل قراءته، فإن الإنسان إذا عرف صفات هذا القرآن الكريم، وعرف الفضل الذي يترتب على قراءة القرآن الكريم يُعطيه رغبةً في قراءة القرآن، ويُعطيه رغبةً في تعلُّم القرآن وحفظه، وهذا من الفضائل التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام، فقد بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه ذلك، وسيأتي إن شاء الله.

أثر القرآن في قلوب أهل الكتاب وأهل العلم

لكن من المواضع التي بيَّنها الله تعالى، والتي تأثَّر بها كثيرٌ من الخلق مواضع في القرآن الكريم، وهو مُؤَثِّرٌ كله، لكن هذا من باب الأمثلة التي تدلُّ على أن القرآن تتأثر به النفوس والأرواح، وهو علاجٌ وشفاءٌ، ومن هذا ما بيَّنه الله تعالى عن أهل الكتاب النصارى: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة:83] أي: اكتبنا مع أُمَّة محمدٍ عليه الصلاة والسلام العاملين بالقرآن؛ لأنهم هم الشُّهداء على الناس، كما بيَّن الله تعالى ذلك في كتابه، وبيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وقال عن أهل الكتاب يُبَيِّن أن أهل العلم -سواءٌ كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم- يستفيدون من هذا القرآن العظيم، فلا يستفيد -في الغالب- ويتأثر ... كلما تعلَّم الإنسان وارتقى في العلم بالله تعالى وبرسوله عليه الصلاة والسلام وبدين الإسلام، كلما ارتقى في ذلك زاد تأثرًا واستفادةً من كلام الله تعالى؛ لهذا قال الله تعالى: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ۝ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ۝ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:107- 109].

فالله تعالى يقول: آمِنُوا بِهِ أيها المشركون أو أيها الناس أَوْ لَا تُؤْمِنُوا فالله غنيٌّ عنكم، وغنيٌّ عن إيمانكم ، فهو الغني عن خلقه ، وعن كل ما سواه.

فإن هناك أُمَّةً من الناس يستفيدون من هذا القرآن العظيم ويتأثرون به، وإذا قُرِأَتْ عليهم آياته فهم يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا، وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا طاعةً لله تعالى، ورغبةً فيما عند الله .

تأثر الأنبياء والخشوع عند تلاوة القرآن

قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بعد أن ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في سورة مريم، ذكرهم الله تعالى، ثم قال عنهم وعمَّن شابههم: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم:58]، يستفيدون من كلام الله وهم أنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، يستفيدون ويخشعون عند قراءة القرآن، لكن كثيرًا من الناس لا يستفيد من هذا القرآن العظيم، وربما حصل له الكسل إذا بدأ يقرأ؛ لأنه لا يعرف فضل هذا القرآن الكريم الذي بيَّنه الله تعالى.

أثر القرآن في القلوب والأرواح

مما يدل على أن القرآن يُؤثر في القلوب والأرواح ما قال الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا أي: يُشْبِه بعضُه بعضًا، فتأتي القصة أو الحادثة في القرآن الكريم في مكانٍ، وتُكرَّر في مكانٍ آخر، لكن بأسلوبٍ جَذَّابٍ آخر، وبفوائد أخرى، كأن الإنسان لم يقرأها من قبل؛ فيستفيد: مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:23].

وكذلك قال الله تعالى في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ولم يَمْضِ عليهم إلا وقتٌ يسيرٌ: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا هذا للذين آمنوا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وللذين آمنوا إلى قيام الساعة.

ألم يَأْنِ لنا جميعًا أن تخشع قلوبنا لذكر الله تعالى وما نزل من الحق؟

وحذَّرنا مما حصل لليهود والنصارى والذين كفروا؛ لأنهم حينما تركوا الوحي حصلتْ لهم قساوة القلب، أسأل الله لي ولكم العفو والعافية.

من أقوال السلف في تعظيم القرآن

ذكر بعض السلف صفات المؤمن، وأنه هو الذي يستفيد من القرآن العظيم؛ ولهذا قال خَبَّاب بن الأَرَتِّ : "تقرَّب إلى الله بما استطعتَ، فإنك لن تقرَّب إليه بشيءٍ أحبَّ إليه من كلامه"، رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.

مهما تقرَّبتَ إلى الله تعالى بأي نافلةٍ من النوافل لا يمكن أن تتقرب إليه بأفضل من كلامه الذي تكلم به ؛ فأعظم الأجور تحصل على هذا القرآن العظيم إذا كان ذلك من النوافل، أما الفرائض التي فرض الله تعالى فلا شكَّ أن لها شأنًا آخر، لكن النوافل التي يتقرَّب بها الإنسان المسلم إلى الله تعالى أعظمها قراءة القرآن العظيم.

قال عثمان : "لو طَهُرَتْ قلوبكم ما شَبِعَتْ من كلام الله ​​​​​​​هذا يدل على أن الإنسان الذي يشبع من كلام الله تعالى ويَمَلُّ من قراءة القرآن لم يكن قلبه طاهرًا، وإنما فيه شيءٌ، وإلا لم يشبع من كلام الله تعالى وكلام النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وقال عبدالله بن مسعودٍ : "مَن أحبَّ القرآن فهو يُحبُّ الله ورسوله ".

إذن هذا يُحبُّ الله ورسوله: مَن أحبَّ تلاوة القرآن، ومَن أحبَّ قراءة القرآن، ومَن واظب على ذلك.

ومَن أَبْغَضَ القرآن هذا يكون في العقيدة، لكن مَن تكاسل عن قراءة القرآن وآثر عليه غيره دلَّ على أنه عنده شيءٌ؛ فعليه أن يتوب إلى الله تعالى، وعليه أن يستغفر الله تعالى، ويسأله أن يُصْلِحَ قلبه.

حرص النبي على استماع القرآن وتدبره

أمر النبي عليه الصلاة والسلام لِعِظَم هذا القرآن أن يُقْرَأ عليه القرآن، وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي أنزل الله القرآن عليه، ومع ذلك يطلب من بعض أصحابه أن يسمع منهم قراءة القرآن، صلوات الله وسلامه عليه.

طلب النبي من ابن مسعودٍ القراءة عليه

في يومٍ من الأيام كما ذكر عبدالله بن مسعودٍ قال: قال لي رسول الله : اقرأ عليَّ القرآن، قال: فقلتُ: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أُنْزِلَ؟ قال: إني أشتهي أن أَسْمَعَه من غيري، فقرأتُ النساء حتى إذا بلغتُ: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [النساء:41] رفعتُ رأسي، أو غَمَزَني رجلٌ إلى جنبي فرفعتُ رأسي فرأيتُ دموعه تسيل[6]رواه البخاري: 4582، ومسلم: 800 واللفظ له.، رواه مسلمٌ.

هذا يدل على تأثُّره بالقرآن، فقد أُنْزِلَ عليه عليه الصلاة والسلام، ويُحبُّ أن يسمعه من غيره.

فَحَرِيٌّ بنا أن نتدارس القرآن، وأن نسمعه من غيرنا -من إذاعة القرآن وغيرها- حتى يستفيد الإنسان من هذه القراءة؛ فيستفيد قلبه، ويرجع إلى ربه تبارك وتعالى.

تكرار الآية الواحدة للتَّدبر

ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قام بآيةٍ يُرَدِّدُها حتى الصباح، ثبت ذلك عنه صلوات الله وسلامه عليه، آيةٌ يقرأ بها في صلاته صلوات الله وسلامه عليه حتى أصبح وهو يُرَدِّدُها، وهي قوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118][7]رواه النسائي: 1010، وابن ماجه: 1350، وأحمد: 21388، والحاكم: 796، وحسنه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 966.، وهذا الحديث رواه أحمد والنسائي والحاكم، وحسَّنه الألباني رحمة الله تعالى عليه.

وهذا يدل على عناية النبي عليه الصلاة والسلام.

كثيرٌ من الناس كأنه يَهُذُّ القرآن هَذًّا، يحاول أن يقرأ كثيرًا بدون تعقلٍ، وبدون تدبرٍ، وهذا رسول الله عليه الصلاة والسلام يقرأ بآيةٍ في بعض الأحيان حتى أصبح صلوات الله وسلامه عليه.

بكاء أُبَي بن كعبٍ حين سَمَّاه الله لرسوله

عن أنس بن مالكٍ : أن رسول الله قال لأُبَيٍّ : إن الله أمرني أن أقرأ عليك، قال: آلله سَمَّاني لك؟ قال: الله سَمَّاك لي، فجعل أُبَيٌّ يبكي[8]رواه البخاري: 4960، ومسلم: 799.، وفي روايةٍ: إن الله أمرني أن أقرأ عليك: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا، قال: وسَمَّاني؟ قال: نعم، فبكى[9]رواه البخاري: 3809، ومسلم: 799.، رضي الله عنه وأرضاه، وهذا الحديث رواه مسلمٌ.

هذا يدل على أن الإنسان له أن يقرأ على مَن هو دونه في الفضل، لا بأس، إن كنتَ عالمًا بالقرآن وحافظًا للقرآن فلا بأس أن تقرأ على غيرك؛ حتى يستفيد مَن يسمع، ولا بأس أن تَسْمَع القرآن من غيرك ولو كنتَ من أحفظ الناس لكتاب الله تعالى، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فثبت عنه أنه قرأ على غيره عليه الصلاة والسلام، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه أمر غيره أن يقرأ عليه حتى يستفيد؛ لأنه يشتهي أن يسمعه من غيره صلوات الله وسلامه عليه.

فينبغي للمسلمين عامةً أن يَعْتَنُوا بهذا القرآن العظيم، وأن يتدارسوه فيما بينهم، وأن يستمعوا إليه في حلقاتهم، وفي مجالسهم، وفي أماكنهم؛ حتى يستفيدوا من هذا القرآن العظيم الذي أنزله الله تعالى رحمةً للمؤمنين.

وكان عمر بن الخطاب -كما ثبت عنه- يبكي في قراءة القرآن حتى يُسْمَع بكاؤه من خلف الصفوف، رضي الله عنه وأرضاه.

وذكر النووي رحمه الله تعالى أنه قَدِمَ أناسٌ من اليمن على أبي بكرٍ الصديق ، فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون، فقال: "هكذا كنا"، أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه.

الخلاصة: أن التَّأثر بالقرآن من صفات المؤمنين، ومن صفات الأتقياء الذين يخافون الله تعالى، ويرجون الدار الآخرة، يرجون ثوابه، ويَخْشَون عقابه.

فضائل قراءة القرآن وحفظه

يُعِين الإنسان على التَّأثر بالقرآن الكريم والاستفادة منه: ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من الفضل في قراءة القرآن، وفي العناية بالقرآن الكريم؛ فمن ذلك:

فضل حفظ القرآن وغِبْطَة حامله

أن النبي عليه الصلاة والسلام حَثَّ على حفظ القرآن، وشبَّه حافظ القرآن بالأُتْرُجَّة: ريحُها طيبٌ، وطعمها طيبٌ[10]رواه البخاري: 5427، ومسلم: 797.، فهذا يدل على أن حافظ القرآن أفضل الناس -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- إذا عمل به: لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالًا، فهو يُنْفِقُه آناء الليل وآناء النهار[11]رواه البخاري: 7529، ومسلم: 815 واللفظ له.، أي: ساعات الليل وساعات النهار.

هذا يدل على أن مَن عمل بالقرآن فهو أفضل الناس، وأنه ينبغي ألا يُغْبَط أحدٌ من الناس على مالٍ، ولا على جاهٍ، ولا على ولايةٍ، ولا على أي شيءٍ من أمور الدنيا إلا على القرآن.

والغِبْطَة لا بأس بها، وهي: أن تتمنى أن يكون لك مثل هذا الخير من غير أن يزول عن هذا الإنسان الذي وفَّقه الله تعالى لهذا الفضل العظيم.

فَبَيَّن النبي عليه الصلاة والسلام لنا أنه ينبغي ألا نتمنى أي شيءٍ من أمور الدنيا مطلقًا، ولا نتمنى أي شيءٍ إلا لا حَسَدَ إلا في اثنتين، وذكرهما النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يدل على العناية بالقرآن الكريم.

الماهر بالقرآن والقارئ المُتَتَعْتِع

كذلك قد يكون الإنسان يقرأ القرآن، ويكون عليه شاقًّا، فهذا يُثَاب على ذلك؛ ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الماهر بالقرآن مع السَّفَرَة الكرام البَرَرَة، والذي يقرأ القرآن ويَتَتَعْتَعُ فيه وهو عليه شاقٌّ له أجران[12]رواه مسلم: 798.، كذلك يتعلم ويستفيد ويُكرر؛ حتى يحصل على الثواب العظيم.

فضل قراءة الحرف الواحد من القرآن

بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه أن قراءة حرفٍ واحدٍ خيرٌ من الدنيا وما فيها بقوله عليه الصلاة والسلام: مَن قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنةٌ، والحسنة بِعَشْرِ أمثالها، لا أقول "الم" حرفٌ، ولكن ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ[13]رواه الترمذي: 2910، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1416.، هذا يُبَيِّن أن الحرف الواحد (ألف، باء، تاء، ثاء)، كل حرفٍ عليه عشر حسناتٍ.

تصور لو قيل لبعض الناس: مَن قرأ القرآن فإنه يحصل بكل حرفٍ على عشرة ريالات، بل هذا يكون أفضل؛ لأن هذا من باب التَّمثيل، وقد وردت الأمثلة عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك، لكن هذا من باب التقريب، ومن باب ضرب الأمثلة، والبيان المعنوي في مقام المحسوس؛ حتى يستفيد الناس، وحتى يَرْغَبوا في كلام الله تعالى، وإلا فَذَرَّةٌ واحدةٌ من الأجر العظيم خيرٌ من الدنيا وما فيها.

ولهذا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: أيُّكم يُحِبُّ أن يَغْدُوَ كل يومٍ إلى بُطْحَانَ أو إلى العَقِيق وادٍ في المدينة فيأتي منه بناقتين كَومَاوَين في غير إثمٍ ولا قَطْعِ رَحِمٍ؟ أي: عظيمتين، فقالوا: يا رسول الله، نُحِبُّ ذلك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أفلا يَغْدُو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خيرٌ له من ناقتين، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ، وأربعٌ خيرٌ له من أربعٍ، ومن أعدادهنَّ من الإبل[14]رواه مسلم: 803..

وهذه حُمْرُ النَّعَم التي قال النبي عليه الصلاة والسلام فيها: لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَم[15]رواه البخاري: 3701، ومسلم: 2406..

إذن هذا يدل على أن أعظم الأموال عند العرب هي الإبل، لكن لو قيل للإنسان الآن: أيُّكم يُحِبُّ أن يذهب إلى المكان الفلاني فيأتي بسيارتين فخمتين من أعظم السيارات؟ فقراءة آيةٍ واحدةٍ أفضل من ذلك.

وهذا من باب التَّقريب -كما سمعتُم- وإلا فَذَرَّةٌ واحدةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولا شكَّ في ذلك.

القرآن شفيعٌ ومُحَاجٌّ لأصحابه

النبي عليه الصلاة والسلام أمر بقراءة القرآن فقال: اقْرَؤُوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْن: البقرة وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غَمَامَتان، أو كأنهما غَيَايَتان، أو كأنهما فِرْقَان من طيرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّان عن أصحابهما، اقْرَؤُوا سورة البقرة؛ فإنَّ أَخْذَها بركةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا تستطيعها البَطَلَة[16]رواه مسلم: 804.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

فينبغي للمسلم أن يعتني بهذا القرآن الكريم عنايةً عظيمةً.

درجات الجنة على قدر تلاوة القرآن

كذلك درجاتك في الجنة على حسب ما عندك من القرآن، وعلى حسب ما عملتَ به من القرآن، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وَارْتَقِ ورَتِّلْ كما كنت تُرَتِّلُ في الدنيا، فإنَّ منزلك عند آخر آيةٍ تقرؤها[17]رواه أبو داود: 1464 واللفظ له، والترمذي: 2914، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1317.، هذا في جنَّات النعيم.

فعليك يا عبدالله أن تعتني بهذا الفضل العظيم والثواب الكريم الذي بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

فضل قراءة القرآن في الصلاة

بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام فضل قراءة القرآن في الصلاة فقال : أَيُحِبُّ أحدكم إذا رَجَعَ إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفَاتٍ[18]الخَلِفَة: هي الحامل من النُّوق، والجمع: خلفات. ينظر: "غريب الحديث" لابن قتيبة: 1/ 340. عِظَامٍ سِمَانٍ؟ قال الصحابة : نعم. فقال : فثلاثُ آياتٍ يقرأ بهنَّ أحدكم في صلاته خيرٌ له من ثلاث خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ[19]رواه مسلم: 802.، وهذا من فضل الله تعالى على عباده.

تَحُفُّ الملائكةُ مَن يذكر الله ويقرأ القرآن

كذلك من الفضائل العظيمة: أن الإنسان إذا كان في قراءة القرآن -سواءٌ كان في البيت أو المسجد- يحصل على ثوابٍ عظيمٍ؛ لأنه قد جاء في رواية مسلمٍ: لا يقعد قومٌ يذكرون الله [20]رواه مسلم: 2700.، فدلَّ ذلك على أن القوم إذا قعدوا -حتى لو كانوا في البيت أو في أي مكانٍ- فإنهم تَحُفُّهم الملائكة.

الرواية الأولى تقول: ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله[21]رواه أبو داود: 1455، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1308.، لكن في روايةٍ: ما قعد قومٌ يذكرون الله[22]رواه أحمد: 9772، وصححه محققو "المسند"..

إذن هذا يدل على أنه ما قعد قومٌ مقعدًا وذكروا الله تعالى وقرؤوا القرآن إلا حَفَّتْهم الملائكة، وغَشِيَتْهم الرحمة، ونزلتْ عليهم السَّكينة، وذَكَرَهم الله فيمَن عنده[23]رواه مسلم: 2700.، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

ولا شكَّ أن على المسلم أن يعتني بذلك، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

نتائج العمل بالقرآن ونتائج الإعراض عنه

الرفع بالقرآن والوضع بتركه

المسلم الذي يعمل بالقرآن يرفعه الله في الدنيا والآخرة، ولا شكَّ أن النبي عليه الصلاة والسلام قد بيَّن ذلك، فقال صلوات الله وسلامه عليه في حديث عمر : إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويَضَع به آخرين[24]رواه مسلم: 817.، رواه مسلمٌ.

يرفع به مَن عمل به، يرفع به مَن قام به، يرفع به مَن وقف عند حدوده، يرفع به مَن تدبَّره ومَن حكم به، يرفع به كل مَن عمل به على الوجه الذي يُحبه الله تعالى، ويضع به مَن تركه أو أهمله، كما قال الله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ۝ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ۝ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ۝ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:124- 127].

القرآن يهدي إلى التقوى والمُراقبة

يا عبدالله، عليك أن تسأل الله التوفيق، وتسأل الله الإعانة، وتسأل الله أن يُصْلِحَ قلبك وعملك، وتسأل الله أن يشرح صدرك لهذا القرآن العظيم، فإن مَن عمل بهذا القرآن العظيم حصل على الثواب العاجل والآجل في الدنيا والآخرة.

ولا شكَّ أن القرآن العظيم يهدي إلى التقوى، ويهدي إلى السعادة، كما بيَّن الله تعالى ذلك، ويهدي إلى الحق، كما قال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الأنفال:29].

مَن يَتَّقِ الله تعالى يجعل له فُرقانًا، ومَن قام بالقرآن العظيم وعمل به جعل الله له فُرقانًا؛ لأنه اتَّقى الله تعالى.

والفرقان هو التَّفريق بين الحقِّ والباطل، يجعل الله له نورًا يهتدي به ويستفيد، ويجعل الله له نورًا يُفَرِّق به بين الحقِّ والباطل؛ لأنه اتَّقى الله تعالى، وعمل بما يُرضيه  وراقبه.

ولا شكَّ أن القرآن الكريم يدل الإنسان ويَحُثُّه على مُراقبة الله تعالى في كل أموره، كما قال : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7].

فالإنسان إذا قرأ هذه الآية والآيات الأخرى فإنها تَدُلُّه وتُبَيِّن له أن الله تعالى يراه، وأنه لا يخفى عليه شيءٌ: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [يونس:61]، ما تخفى عليه خافيةٌ، يعلم السرَّ وأخفى : يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]، يَدُلُّه القرآن على ذلك، ويُوجِّهه إلى الخير والسعادة في الدنيا والآخرة.

فنصيحتي لنفسي ولإخواني العناية بهذا القرآن العظيم؛ لأن مَن اعتنى به وفَّقه الله تعالى وهداه إلى أقوم الطرق، وهداه إلى سُبُل السلام، فهو يهدي إلى سُبُل السلام، وإلى الطريق المستقيم، ويهدي إلى الجنة، كما بيَّن الله تعالى ذلك، وبيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

سُنَّة السلف في ختم القرآن والعمل به

لا شكَّ أن السلف كانت لهم عنايةٌ بقراءة القرآن؛ فمنهم مَن يقرأ القرآن -كما ذكر النووي رحمه الله تعالى في كتابه "التبيان"- في شهرين، وما ينبغي لحافظ القرآن أن يُؤَخِّر هذا إلى شهرين، ومنهم مَن يقرأ القرآن في أربعين -أي: أربعين يومًا- ومنهم مَن يقرأ القرآن في شهرٍ، ومنهم مَن يقرأ القرآن في أقلَّ من ذلك: في عشرٍ، ومنهم مَن يقرأ القرآن في سَبْعٍ -أي: في سبعة أيامٍ- قال النووي رحمه الله تعالى: "وعلى هذا أكثر الصحابة"، فأكثر الصحابة يختمون في سبعة أيامٍ، وهذا هو الأفضل للإنسان المسلم إذا قدر على ذلك، وإلا فعليه أن يتَّقي الله تعالى ما استطاع.

فإذا قدر على ذلك بأن يقرأ ثلاثًا في اليوم الأول، وفي الثاني خمسًا، وفي الثالث سبعًا، وفي الرابع تسعًا، وفي الخامس أحد عشر، وفي السادس ثلاثة عشر، وفي السابع يقرأ من "ق" إلى "الناس".

إذن هذا هو الأعظم عند كثيرٍ من الصحابة، ومنهم مَن يقرأ في ثلاثٍ؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: لا يَفْقَهُ مَن قرأ القرآن في أقلَّ من ثلاثٍ[25]رواه أبو داود: 1394، والترمذي: 2949، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 2201..

ومنهم مَن يقرأ فيما دون ذلك: في يومٍ، ومنهم مَن يقرأ في الصباح ختمةً، يعني: في كل يومٍ ختمة، وهذا يشتهر عن كثيرٍ من أهل العلم في رمضان، وقالوا بأنه مُسْتَثْنًى، ولا يدخل في حديث: لا يَفْقَهُ مَن قرأ القرآن في أقلَّ من ثلاثٍ، والعلم عند الله تعالى، ولكن على الإنسان المسلم أن يلتزم بالأحاديث الصحيحة التي ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فلا ينقص في ختم القرآن عن ثلاثٍ، يعني: لا يقل عن ثلاثٍ، وإن ختم في أقلَّ من ذلك في رمضان أو في غيره ...

ذُكِرَ عن الإمام البخاري رحمه الله تعالى أنه كان يقرأ بعشرين آيةً في صلاة التراويح بقومه، ثم يرجع ويقرأ في صلاةٍ خاصةٍ عنده فيختم كل ثلاث ليالٍ، في صلاةٍ خاصةٍ، مع الناس يختم القرآن في رمضان كاملًا، ويختم لنفسه كل ثلاثة أيامٍ، يختم ختمةً كاملةً في صلاته، ويختم من الفجر إلى غروب الشمس، وهذا قد يُسْتَغْرَب، لكن على الإنسان المسلم أن يتَّقي الله ما استطاع، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: خُذُوا من الأعمال ما تُطِيقُون، فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا[26]رواه البخاري: 5861 واللفظ له، ومسلم: 782..

الخلاصة: أن على الإنسان أن يتَّقي الله تعالى ما استطاع، ولكن كما قلتُ لكم: إن أكثر الصحابة  كانوا يقرؤون القرآن في سبعٍ، فمَن استطاع ذلك فقد بلغ الدرجة العليا في هذه الأزمان، وهذا مع التَّدبر، ومع العناية بما يدل عليه القرآن، ومع العمل بالقرآن.

كثيرٌ من الناس يقرأ القرآن، لكن لا يعمل به؛ ولهذا كثيرٌ من الناس -إلا مَن عصم الله- تجده من الحَفَظَة -يحفظ القرآن- لكن أعماله وتصرفاته وغير ذلك من سيرته لا تدل على أن هذا الرجل يعمل بالقرآن.

فعلى المسلم أن يلتزم بالقرآن الكريم؛ حتى يدخل في قول النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويَضَعُ به آخرين[27]رواه مسلم: 817..

أسأل الله الذي لا إله إلا هو بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يجعل هذا الكلام حُجَّةً لنا، لا حُجَّةً علينا، أسأله أن يجعله حُجَّةً لنا، لا حُجَّةً علينا، وأن يجعلنا من الذين يلتزمون بكتاب الله تعالى، ويتلونه حقَّ تلاوته، ويعملون بما أمر الله به فيه، ويبتعدون عن جميع ما نهى الله عنه فيه، فهذه من علامات السعادة.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه وَلِيُّ ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الأسئلة

المقدم: شكر الله لفضيلة الشيخ سعيد ما تقدَّم به، ونسأل الله أن يكون في ميزان حسناته يوم يلقاه.

س: يقول: ما الأسباب التي تجعلني أقوم الليل؟ وما فضل قيام الليل؟

ج: بسم الله، اللهم صلِّ على محمدٍ.

من الأسباب التي تجعل الإنسان يقوم الليل: الرغبة فيما عند الله تعالى، وأن يتذكر الإنسان أنه ينتقل إلى الدار الآخرة، ولا ينفعه إلا ما قدَّم، ويسكن وحده في قبره، ويُبْعَث وحده، ويقف أمام الله تعالى وحده، ويَعْرَق وحده في عرقه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: فيكون الناس على قَدْر أعمالهم في العَرَق؛ فمنهم مَن يكون إلى كَعْبَيه، ومنهم مَن يكون إلى رُكْبَتَيه، ومنهم مَن يكون إلى حَقْوَيهِ، ومنهم مَن يُلْجِمُه العَرَقُ إلجامًا[28]رواه مسلم: 2864..

هذا يدل على أن القرآن معك أيها الإنسان في الدنيا والآخرة، معك حتى تدخل الجنة، بل تترقى في جنات النعيم بهذا القرآن العظيم.

وعليك أن تعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قد بيَّن أن قيام الليل شرف المؤمن، فقد ثبت في الحديث الحسن الذي حسَّنه الألباني رحمة الله عليه أن جبرائيل أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا محمد، عِشْ ما شِئْتَ فإنك ميتٌ، واعمل ما شِئْتَ فإنك مَجْزِيٌّ به، وأَحْبِبْ مَن شِئْتَ فإنك مُفَارِقُه، واعلم أنَّ شَرَفَ المؤمن قيام الليل، وعِزَّه استغناؤه عن الناس[29]رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 4278 واللفظ له، والحاكم: 8158، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 627..

فقيام الليل شرف المؤمن، لكن قد يُحْرَمه الإنسان بالمعاصي والسيئات؛ ولهذا قال بعض السلف: "تركتُ قيام الليل ستة أشهرٍ من أجل معصيةٍ عملتُها"، وهذا مُجَرَّبٌ؛ فإذا وقع الإنسان في معصيةٍ من المعاصي وهو يعمل بالقرآن ويحفظ القرآن ويقوم الليل، ربما يُصَدُّ عن قيام الليل مراتٍ حتى يتوب إلى الله تعالى.

هذا من الأسباب العظيمة التي تُعِينك على قراءة القرآن في الليل، وتغتنم هذه الحياة بطاعة الله وطاعة النبي عليه الصلاة والسلام.

ويُعِينك على ذلك: قراءة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، وسِيَر الصحابة .

وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يقوم حتى تتفطر قَدَمَاه، فقيل له، فقال: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟[30]رواه البخاري: 4837، ومسلم: 2820..

وكان يُطِيل عليه الصلاة والسلام القيام في بعض الأحيان، حتى إن بعض الصحابة صلَّى خلفه، فقال: "صليتُ مع رسول الله فأطال حتى هَمَمْتُ بأمر سُوءٍ"، قال: قيل: "وما هَمَمْتَ به؟" قال: "هَمَمْتُ أن أجلس وأَدَعَه"[31]رواه البخاري: 1135، ومسلم: 773 واللفظ له..

وثبت في الحديث الصحيح: أن بعض الصحابة صلَّى خلفه، فقرأ البقرة، ثم قرأ النساء -هكذا قدَّم النساء على آل عمران- ثم قرأ آل عمران، يقرأ مُتَرَسِّلًا، إذا مَرَّ بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبَّح، وإذا مَرَّ بسؤالٍ سأل، وإذا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذ[32]رواه مسلم: 772.، فلم يركع عليه الصلاة والسلام إلا بعدما يُقارب خمسة أجزاء في ركعةٍ واحدةٍ.

وهذا في صلاة الليل الخاصة، أما كون الإنسان يصلي بالناس فَيُطِيل عليهم لا.

إذا كنتَ وحدك فاقرأ ما شئتَ من القرآن العظيم، أما مع الناس فالزم ما فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام.

س: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، يقول السائل: هل يُعتبر قارئ القرآن من الذاكرين لله حتى لو لم يكن من الذين يُسبحون الله؟

ج: قارئ القرآن، حافظ القرآن، القرآن هو أعظم الذكر، هو أعظم ذكر الله تعالى، لكن ذَكَرَ أهل العلم أن الذكر أفضل من قراءة القرآن في بعض الأحوال، مثل: بعد الصلاة المكتوبة، فلو سلَّم الإنسان من الصلاة، ثم قرأ القرآن، ولم يذكر الأذكار، لا، الأذكار أفضل في الأجر من قراءة القرآن بعد الصلوات المكتوبة؛ لأنها شَرَعَها رسول الله عليه الصلاة والسلام وذكرها.

كذلك وقت أذكار الصباح والمساء، والأذكار المشروعة في الخروج والدخول إلى المسجد والمنزل وغير ذلك، فالأذكار المشروعة المُحددة بوظيفةٍ معينةٍ في وقتٍ معينٍ تكون أفضل من قراءة القرآن، أما غير ذلك من الأذكار المُطلقة فقراءة القرآن أفضل من كل ذكرٍ.

س: فضيلة الشيخ، يقول السائل: هل يُشترط في قراءة القرآن تحريك الشَّفتين؟

ج: الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، والظاهر أنه إذا لم يُحَرِّك شفتيه لا يحصل على الأجر الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام؛ قال : مَن قرأ حرفًا من كتاب الله ...[33]رواه الترمذي: 2910، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1416..

وهذا يُشَاهَد عند كثيرٍ من الناس، خاصةً في أذكار أدبار الصلوات، فيُسبح ولا ينطق، بعضهم يقول هكذا، فهذا يذكر بقلبه، وهذا ما يُقال له: ذكر، فهو ذكرٌ بالقلب فقط، لكن أفضل الذكر ما اجتمع فيه القلب واللسان.

فالذي يقرأ بقلبه القرآن بدون لسانه يُعْطَى -إن شاء الله- ثواب التَّفكر في القرآن، لكن كونه يحصل على الثواب الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام لا يحصل عليه.

س: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، يقول: ما حكم ترك القرآن الكريم في المُسجِّل يعمل عند النوم وعند الخروج من المنزل؟

ج: وهو يستمع؟

س: يقول: عند النوم، يكون نائمًا مثلًا.

ج: لا، ما يحصل، الله أمر بالاستماع إلى القرآن: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204]، فلا بد من الإنصات للقرآن الكريم، فإذا كان الإنسان سينام يُغلق المُسجّل، فليس مشروعًا أن ينام الإنسان والقرآن يقرأ عنده، مَن يستمع؟ فلا بد للإنسان أن يستمع، وإذا كان يُشْغَل عن قراءة القرآن يُغْلِقه.

س: يقول: فضيلة الشيخ، عَدِّدْ لنا بعض التفاسير المُيَسَّرة لفهم القرآن.

ج: التفاسير كثيرةٌ، لكن المعتمد منها ينبغي للإنسان المسلم أن يعتمده، فالمعتمد من الكتب المطولة في التفسير: "جامع البيان" للطبري لطلاب العلم، وكذلك تفسير القرطبي رحمه الله تعالى، وتفسير ابن كثيرٍ، وتفسير البَغَوي، هذه من أَجَلِّ التفاسير.

أما الكتب المُختصرة لطالب العلم المُبتدئ: فأرى -والله أعلم- أن أقربها إلى الإفادة هو "مُختصر تفسير ابن كثيرٍ" للرِّفاعي، وكذلك كتاب السعدي رحمه الله تعالى، فإنه كتابٌ جميلٌ مفيدٌ مُيَسَّرٌ لكل مَن قرأه، وكذلك تفسير الجزائري، فهذه كتبٌ مُيَسَّرةٌ لطالب العلم، وكتاب "تفسير الجَلَالَيْن"، لكن يحتاج إلى أن يُقرأ على غيره؛ حتى يجتنب التأويل في بعض الآيات، فإذا كان عنده قد قرأه يقرأ على المشايخ ويستفيد منه، وهو كتابٌ مُيَسَّرٌ.

س: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، يقول السائل: هل يصل ثواب قراءة القرآن إلى الأموات؟

ج: هذا فيه خلافٌ عند أهل العلم؛ فمنهم مَن قال: يصل، ومنهم مَن قال: لا يصل، والجمهور قالوا: يصل، لكن غيرهم قالوا: يحتاج إلى دليلٍ عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن العبادات توقيفيةٌ، فلا بد فيها من دليلٍ.

وممن توقف وقال بهذا سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمة الله عليه، فيرى أنه ينبغي ألا يُهْدَى ثواب القرآن إلى الأموات، وإنما يُهْدَى ما شُرِعَ: كالعمرة والحجِّ والصدقات والدعاء، وغير ذلك من الأعمال الصالحة التي شرعها الله تعالى: الصدقة بالماء، والصدقة بأنواع الصدقات، والحمد لله، أبواب الخير مفتوحةٌ.

س: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، يقول: يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، ما تفسير هذه الآية؟

ج: تفسيرها كلام أبي بكرٍ ، قال: "يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، وإنَّا سمعنا رسول الله يقول: إن الناس إذا رَأَوا المنكر فلم يُغَيِّرُوه أوشك أن يَعُمَّهم الله بعقابه[34]رواه ابن ماجه: 4005، وأحمد: 1 واللفظ له، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5142.، أو كما قال .

هذا المعنى -والله أعلم-: أن الإنسان إذا اتَّقى الله تعالى في نفسه، وقام بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وقام بما أوجب الله؛ لا يضرُّه عملُ غيره.

أما كونه يترك الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر فلا؛ ولهذا يجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حسب الاستطاعة: مَن رأى منكم مُنكرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان[35]رواه مسلم: 49..

س: فضيلة الشيخ، يقول: هل الأفضل قراءة القرآن بهدوءٍ وتدبُّرٍ أم السرعة في القراءة وتحصيل الأجر أكثر؟

ج: الأفضل قراءة القرآن بتدبُّرٍ وتفهُّمٍ وتعقُّلٍ، هذا أكثر ثوابًا وأعظم في الأجر.

س: فضيلة الشيخ، يقول: ما رأي فضيلتكم في ضبط مخارج الحروف وإتقان التجويد؟ حيث إنني أوقفتُ الحفظ ومُواصلته رغبةً في إتقان التجويد، وهذا رأي أحد طلبة العلم، فقد تجاوزتُ أكثر من خمسة عشر جزءًا، ولكن وقفتُ منذ فترةٍ طويلةٍ؛ فَفَتَرَ عزمي، فما حكم التجويد مع مَن يقول بوجوبه؟

ج: اجمع بينهما.

كان سماحة شيخنا رحمة الله عليه إذا سُئل عن أمرين كلاهما خيرٌ قال: "اجمع بينهما"، استمر في الحفظ، وعَدِّل المخارج والتجويد؛ حتى تستفيد، إن شاء الله تعالى.

لكن من الفوائد: أنك إذا حفظتَ تقرأ على مُدَرِّسٍ مُتْقِنٍ قبل الحفظ، تقرأ ثم تُسَمِّع، تقرأ قبل التَّسميع، وتُسَمِّع، ثم تستمر، فتجمع بين التَّطبيق العملي وتعلُّم التجويد.

بعض الناس يُثَبِّط عن هذا، فلا يُثَبِّط عن الخير.

أنت استمر، إذا كنت تحفظ استمر في الحفظ، وعَدِّل القراءة، وعَدِّل التجويد، والحمد لله.

س: فضيلة الشيخ، يقول: هل يأثم مَن يحفظ القرآن ويَنْسَاه؟

ج: وردتْ آثارٌ كثيرةٌ في هذا، لكن ينبغي للمسلم أن يعتني بقراءة القرآن العظيم.

والخلاصة: أن مَن حفظ القرآن ثم نَسِيَه فهذه خسارةٌ فادحةٌ، يعني: خسارة أعظم من أن يملك عشرة ملايين ثم يخسرها، إذا نسي القرآن، هذا من باب التقريب، بل أعظم من أن يملك الدنيا ثم يخسرها، مَن حفظ القرآن ثم نَسِيَه، وهذا يكفي.

س: شابٌّ يسأل يقول: أُصاحب شبابًا مُستقيمين، وأنا مُعجبٌ بأخلاقهم، ولقد تأثرتُ بهم كثيرًا، ولكنني لم أَجْرُؤ على تقصير ثيابي وإطلاق لحيتي؛ لأنني خائفٌ من الانتكاسة في المستقبل.

ج: ما شاء الله! نسأل الله العفو والعافية، لكن لو تبقى على حالك هذه ثم تموت، كيف؟!

أنت تُفَكِّر أن عمرك طويلٌ، وأنت ما تدري هل تُمسي أو لا تُمسي، تُصبح أو لا تُصبح؟

فعليك أن تُبادر بالتوبة فورًا قبل أن يهجم عليك الأجل فتندم وتخسر، وعليك أن تتقي الله تعالى في هذا التفكير، فالله خلقك لعبادته : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وبيَّن الله تعالى أن مَن اتَّقاه جعل الله له مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2- 3].

فعليك التوبة إلى الله تعالى، تُعْجَب بهم، ولكن عليك أن تلتزم بطاعة الله وطاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه حُجَّةٌ عليك، هذه الكلمة حُجَّةٌ عليك، إن مِتَّ في هذه الليلة أو غدًا أو قبل ذلك أو بعد ذلك تكون حُجَّةً عليك، فلا يجوز لك، يحرم عليك أن تُسْبِلَ إزارك، ويحرم عليك أن تحلق لحيتك.

النبي عليه الصلاة والسلام قال: ثلاثةٌ لا يُكلِّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يُزَكِّيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ، كرَّرَها ثلاثًا، فقال بعض الصحابة: "خابوا وخسروا، مَن هم يا رسول الله؟" قال: المُسْبِل، والمَنَّان، والمُنَفِّق سِلْعَتَه بالحَلِفِ الكاذب[36]رواه مسلم: 106..

كثيرٌ من الناس -للأسف- يقعون في هذا، والذي يُسْتَغْرَب جدًّا هو الذي يدَّعي العلم، ويدَّعي حفظ القرآن الكريم، ويدَّعي الفقه، ويُخالف قولُه عملَه، لا.

ترى بعض الناس يُقَصِّر لحيته أو يحلق لحيته، وعنده كذا، وعنده كذا، ويُدَرِّس في كذا، ويُسْبِل إزاره، ويقول: هذه أمورٌ سهلةٌ!

لا، النبي عليه الصلاة والسلام إذا نهى عن شيءٍ فعليك أن تجتنبه، وإذا أمر بشيءٍ فعليك أن تعمل منه ما استطعتَ.

س: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، يقول السائل: عندما أقرأ القرآن تأتيني وساوس ومخاوف وأشياء تَصُدُّني بقوةٍ عن القرآن، فما معنى هذا يا شيخ؟ لدرجة أنني في بعض الأحيان لا أستطيع أن أفهم ما أقرأ، أرجو منكم يا شيخ أن تُعَلِّمني الحلَّ.

ج: عليك أن تذكر قصة عثمان بن أبي العاص من أهل الطائف، شابٌّ من شباب الطائف قَدِمَ إلى النبي عليه الصلاة والسلام في وفد ثَقِيف، وشكا إليه عليه الصلاة والسلام، يقول: "يا رسول الله، إنَّ الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي"، فأعطاه النبي عليه الصلاة والسلام علاجًا ناجعًا نافعًا؛ أمره عليه الصلاة والسلام أن يستعيذ بالله من الشيطان، ويَتْفُل عن يساره ثلاثًا، قال: "ففعلتُ ذلك، فَأَذْهَبَه الله عني"[37]رواه مسلم: 2203.، وهذا الحديث رواه مسلمٌ.

فعليك أن تستعمل هذا العلاج، وعليك أن تعلم أن القراءة التي تقرؤها كلام الله تعالى، وتُثاب عليه.

لو قيل لك: اقرأ جزءًا ونُعطيك مليونًا هذه الليلة، عليك أن تقرأ جزءًا ونُعطيك مليونًا. فهل تجد الرغبة؟

ستجد الرغبة؛ لأن عندك رغبةً، وتعلم الهدف، وتعلم الثمرة التي تحصل عليها.

إذن عليك أن تذكر الثواب الذي تحصل عليه، وعليك أن تستعيذ بالله من الشيطان كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وتسأل الله التوفيق، وتستعيذ بالله من الشيطان، فهذا من الشيطان، حتى لو كنت في بيتك، إذا كنت في بيتك تقرأ القرآن وحصل لك هذا فَاتْفُلْ عن يسارك ثلاثًا، واستَعِذْ بالله من الشيطان، وإذا عاد عُدْ، وهكذا.

س: فضيلة الشيخ، يجتهد بعض الإخوة عند الإشارات عندما يُشَغِّل أحد الناس الموسيقى، فيُطيل القرآن في سيارته؛ للإنكار على مَن شَغَّل الموسيقى؟

ج: هذا ما له أصلٌ، الأفضل أن تفتح الزجاج وتقول: أيها الأخ، اتَّقِ الله تعالى، اتَّقِ الله، هذا يُفْسِد قلبك، ويُفْسِد دينك وأخلاقك، اتَّقِ الله.

أما كونك ترفع القرآن فإنه يقول: هذا مُطَوِّعٌ، يرفع صوت القرآن يظن أنه يُؤثر فينا.

لا، تكلَّم، عِظْهُ، وذكِّره بالله تعالى، وخَوِّفه من الله تعالى.

س: فضيلة الشيخ، يقول: الشخص قد يتعب من قراءة القرآن كثيرًا، فيحتاج إلى الراحة، فهل هذا من مرض القلوب والملل؟

ج: لا، الحمد لله، النبي عليه الصلاة والسلام قال: خذوا من الأعمال ما تُطيقون، فإن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا[38]رواه البخاري: 5861 واللفظ له، ومسلم: 782.، فيقرأ ما تيسر من القرآن، ولا يشقُّ على نفسه، فلا يقرأ القرآن في اليوم كله إذا لم تكن عنده استطاعةٌ، ولا عنده رغبةٌ -الحمد لله- يقرأ ما تيسر، وإذا كان يُراجع في اليوم جزءًا أو جزأين، أو على حسب التوفيق الذي وفَّقه الله وشرح صدره له.

س: فضيلة الشيخ، يقول السائل: كيف أَرْقِي نفسي أو أقرأ على نفسي؟

ج: اقرأ على نفسك بالآيات القرآنية، فتجعل يدك على الذي يُؤْلِمك وتقرأ ما تيسر من القرآن ومن الأذكار التي ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام.

س: سؤالٌ كَثُرَت الأسئلة حوله: هل يلزم من قراءة الأذكار تحصين الإنسان من العين والحسد؟

ج: نعم، إذا حصل هذا، إذا قرأ الأذكار من قلبه وبلسانه يحصل أنه يُحَصَّن من كل شيءٍ؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الكثيرة، ومنها: مَن قال: بسم الله الذي لا يَضُرُّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مراتٍ لم تُصِبْهُ فَجْأَةُ بلاءٍ حتى يُصبح، ومَن قالها حين يُصبح ثلاث مراتٍ لم تُصِبْهُ فَجْأَةُ بلاءٍ حتى يُمسي[39]رواه أبو داود: 5088 واللفظ له، والترمذي: 3388، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 655.، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام.

لكن قدر الله تعالى إذا حصل أُنْسِيتَ؛ فراوي الحديث أُصيب في وجهه ببعض المرض، فنظر بعض التلاميذ إليه، فقال: "ما تنظر؟ أما إنَّ الحديث كما حدَّثتُك، ولكنِّي لم أَقُلْهُ يومئذٍ لِيُمْضِيَ الله عليَّ قَدَرَه"، فإذا أراد الله شيئًا حصل، لكن الأذكار إذا ذكرها لا يمكن أن يُصيبه شيءٌ إذا قال ذلك من قلبه ولسانه، وإن أصابه شيءٌ يُخَفَّف على حسب الإخلاص والصدق، وإذا أراد الله شيئًا حصل وأُنْسِيَ.

س: كيف أُصِيبَ النبي -يا شيخ- مع أنه مُحَصَّنٌ؟

ج: النبي عليه الصلاة والسلام قد يُقال: لم يُصَبْ عليه الصلاة والسلام في عقله، ولا في الوحي، وإنما أُصِيبَ بشيءٍ خارجيٍّ عليه الصلاة والسلام، ولله حكمةٌ في ذلك .

س: فضيلة الشيخ، هل تذكر لنا أمثلةً لمداخل الشيطان عند قراءة القرآن؟

ج: مداخل الشيطان كثيرةٌ، فقد يُكَسِّل الإنسان، قد يُصيبه بالتَّثاؤب والكسل والنُّعاس، وقد يحصل له شيءٌ من التفكير إذا لم يكن من طلاب العلم ويعرف معاني الآيات، فيُفسرها ويُديرها على ذهنه بشيءٍ آخر لا يليق بالقرآن الكريم، لكن على الإنسان إذا بدأ في القرآن أن يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، يستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم، وإذا دار في نفسه شيءٌ يستعيذ، يُكرر الاستعاذة في أثناء القراءة، كما سمعتُم في حديث عثمان .

س: حفظكم الله يا شيخ، يقول: ما حكم قراءة القرآن إذا كان الإنسان على جنابةٍ من دون مَسِّ المصحف؟

ج: لا تجوز قراءة القرآن لمَن كانت عليه جنابةٌ؛ لما ثبت في حديث علي بن أبي طالب : أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في ذلك: فأما الجُنُب فلا، ولا آية[40]رواه أحمد: 872، وحسنه محققو "المسند"..

أما قراءة القرآن لمَن عليه حدثٌ أصغر بدون مَسِّ المصحف فلا بأس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ بأواخر سورة آل عمران حينما يستيقظ من النوم قبل الوضوء عليه الصلاة والسلام[41]رواه البخاري: 183، ومسلم: 763.، أما الجنابة فلا، ولا آية.

ولكن -الحمد لله- لو كان الإنسان ما عنده ماء، كان في الصحراء -البرية- فيقوم التَّيمم مقام الماء عند العجز عن استخدام الماء.

س: فضيلة الشيخ، يكثر سؤال: ما نصيحتكم لمَن ابتُلِيَ بالعادة السرية؟ كثُر جدًّا السؤال يا شيخ.

ج: نصيحتنا مُراقبة الله تعالى، فلو كنت في مجتمعٍ من الناس -في استراحةٍ من الاستراحات أو في وادٍ من الأودية- ثم جئتَ أمامهم -نسأل الله أن يُعافينا وإياك- وتُمارس هذا العمل أمام الناس، وتُعْطَى من المبالغ ما شئتَ، أو بدون شيءٍ أمام الناس، اعملها أمام الناس، هل يعملها إنسانٌ عاقلٌ؟

لا، فهذا يدل على أنه يخشى الناس، ولا يخشى الله تعالى، والله أحقُّ أن يخشاه، وأحقُّ أن يُراقبه.

فلو كان هذا الإنسان استحضر أن الله يراه، وأنه يطَّلع عليه، وأنه سيُحاسبه على هذا العمل، وأنه قادرٌ على الانتقام منه ... ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمنٌ[42]رواه البخاري: 2475 واللفظ له، ومسلم: 57..

فالذي يفعل العادة السرية لا يُراقب الله تعالى، ولا يستحضر استحضارًا كاملًا أن الله يراه .

ولذا يقول بعض القائلين:

وإذا خلوتَ بِرِيبةٍ في ظلمةٍ والنفس داعيةٌ إلى الطغيانِ
فاستحي من نَظَر الإله وقُل لها إنَّ الذي خَلَقَ الظلام يراني[43]البيتان لأبي عبدالله القحطاني. يُنظر: "القصيدة النونية" للقحطاني: ص29.

فعليك أن تعلم أن الله يراك، وعليك أن تسأل الله أن يتوب عليك، وتُقْلِع عن هذا الذنب.

س: فضيلة الشيخ، أنا شابٌّ تائبٌ، أتمنى توجيهك، فأيّهما أفضل: الدعوة إلى الله، أم طلب العلم الشرعي؟

ج: قال البخاري رحمه الله تعالى: بابٌ: العلم قبل القول والعمل: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19].

فعليك أن تطلب العلم أولًا.

وما الدعوة إلى الله تعالى؟

الدعوة إلى الله: الدلالة على الخير، أن تدلَّ على الخير.

أنت تطلب العلم، وتحضر حلقات العلم، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر.

ليس معنى الدعوة إلى الله: أن تقف على المنبر، أو تقف في محاضرةٍ، أو غير ذلك، لا، هذا فضلٌ، زيادة خيرٍ، لكن تدعو إلى الله تعالى نفسك وجيرانك وأهل بيتك بالكلام الطيب، بالإحسان، على حسب، لكن العلم هو الأصل، فتطلب العلم حتى تتكلم على بصيرةٍ.

كثيرٌ من الناس يقول: أدعو إلى الله تعالى. يعني: يتأخر عن طلب العلم.

بأي شيءٍ تدعو إلى الله تعالى؟ بماذا تدعو إلى الله؟

أنت تقول للناس: قال الله ، وقال رسوله ، وقال الصحابة .

إذن عليك أن تتعلم ما قاله الله وقاله رسوله وقاله الصحابة ، ثم تنقل للناس ذلك.

أما الإنكار والدعوة إلى الله تعالى فهي لكل إنسانٍ على حسبه، حتى الأُمي الذي لا يقرأ ولا يكتب يستطيع أن يدعو إلى الله، يرى هذا مُسْبِلًا فيقول: يا أخي، اتَّقِ الله، الإسبال ما يجوز، أهل العلم يقولون: إنه مُحرَّمٌ، وحلق اللحية مُحرَّمٌ، بارك الله فيك، اتَّقِ الله، راقب ربك، يا أخي، لا تستمع إلى الغناء.

هذه الدعوة إلى الله.

س: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، متى تُقرأ أذكار الصباح والمساء؟

ج: الأمر واسعٌ فيها، تبدأ من بعد العصر -ومنهم مَن قال: بعد الزوال- إلى غروب الشمس، لكن حتى لو بعد غروب الشمس لا بأس، فيقرؤها بعد العصر، وإن لم يتيسر له قرأها بعد غروب الشمس، ولا بأس، وأذكار الصباح يقرؤها بعد صلاة الفجر، والذي ما تيسر له يُكملها.

وذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى أنه ينبغي لمَن فاته شيءٌ من أوراده أن يقضيه ولو فات الوقت؛ حتى يُدَرِّب نفسه على عدم ترك ذِكْر الله تعالى في هذه الأوقات.

س: فضيلة الشيخ، كيف يُراجع الإنسان حفظ القرآن؟ وما أفضل الطرق لحفظه؟

ج: يُراجع القرآن، وأفضل الطرق لحفظ القرآن: أن يتعلمه على مُعلمٍ مُتْقِنٍ تعلَّم القرآن.

بعض الشباب ينفرد، يعني: يجتمع ثلاثةٌ أو أربعةٌ أو خمسةٌ ويقولون: نقرأ القرآن ونحفظه على أنفسنا.

طيب، هذا عملٌ مباركٌ، لكن الأفضل منه أن تُخَصِّص شيئًا من القرآن مُعَيَّنًا على مُدَرِّسٍ مُتْقِنٍ للتجويد، وتُسَمِّع عليه، والأفضل أن تختار الأقوياء من المُدرسين.

بلغني أن بعض الأساتذة الذين يُدَرِّسون القرآن ما يسمح للطالب أثناء المراجعة بالخطأ، أما الحفظ فَيُعَدِّله، لكن في المراجعة ما يسمح له بأي خطأ، فالإنسان يستفيد من هذا في حياته كلها.

فعليك أن تتعلَّم على معلمٍ مُتْقِنٍ للقرآن، وما تتعلم على بعض الأعاجم، ولا بأس أن تتعلم إذا كان مُتْقِنًا، لكن بعض الناس يتعلم على بعض الأعاجم فَيُعَوِّج لسانه، ويُخَرِّب لسانه.

اختَرْ أفضل الناس في تعلُّم القرآن، وتَلَقَّ القرآن عن أهله وتعلَّم، فإذا واظبتَ على ذلك تحصل على الخير.

وفي المُراجعة عليك أن تعتمد على مُراجعةٍ، كل يومٍ تُخَصِّص لك شيئًا من القرآن تُحافظ عليه.

وذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن الإنسان إذا قام بالقرآن في الليل والنهار ذكره، وإن لم يفعل ذلك نَسِيَه، ذكره مسلمٌ[44]روى البخاري: 5031، ومسلم: 789 من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله  قال: إنَّما مَثَلُ صاحب القرآن … Continue reading، فهذا يدل على أن الإنسان إذا قام بالقرآن في الليل فهو من أعظم الوسائل لتثبيت القرآن.

أما مَن يُراجع القرآن في النهار، وينام في الليل، ويتأخر عن الصلوات؛ فهذا قد لا يُوفَّق، لكن يقوم بالقرآن، يصلي به في صلواته الجهرية والسرية والسنن الرواتب وغيرها، ولو بخمس آياتٍ.

لو قرأ الإنسان ثلاث آياتٍ في كل ركعةٍ ما يمضي عليه أكثر من شهرٍ إلا وقد ختم القرآن.

أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يتقبل مني ومنكم، وأن يُوفقنا لما يُحبه ويرضاه، وأن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، والتوفيق.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه.

المقدم: الشكر كل الشكر لفضيلة الشيخ سعيد بن علي بن وهف القحطاني على ما قدَّم، نسأل الله أن يكون في ميزان حسناته يوم يلقاه.

وبالله التوفيق، وصلَّى الله وسلَّم على محمدٍ.

^1 رواه البخاري: 6408، ومسلم: 2689.
^2 رواه البخاري: 1 واللفظ له، ومسلم: 1907.
^3 رواه البخاري: 2740، ومسلم: 1634.
^4 رواه مسلم: 2408.
^5 روى ابن ماجه: 215، والنسائي في "السنن الكبرى": 7977 عن أنس بن مالكٍ  قال: قال رسول الله : إن لله أَهْلِينَ من خلقه، قالوا: ومَن هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن، هم أهل الله وخاصته، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1432.
^6 رواه البخاري: 4582، ومسلم: 800 واللفظ له.
^7 رواه النسائي: 1010، وابن ماجه: 1350، وأحمد: 21388، والحاكم: 796، وحسنه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 966.
^8 رواه البخاري: 4960، ومسلم: 799.
^9 رواه البخاري: 3809، ومسلم: 799.
^10 رواه البخاري: 5427، ومسلم: 797.
^11 رواه البخاري: 7529، ومسلم: 815 واللفظ له.
^12 رواه مسلم: 798.
^13, ^33 رواه الترمذي: 2910، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1416.
^14 رواه مسلم: 803.
^15 رواه البخاري: 3701، ومسلم: 2406.
^16 رواه مسلم: 804.
^17 رواه أبو داود: 1464 واللفظ له، والترمذي: 2914، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1317.
^18 الخَلِفَة: هي الحامل من النُّوق، والجمع: خلفات. ينظر: "غريب الحديث" لابن قتيبة: 1/ 340.
^19 رواه مسلم: 802.
^20, ^23 رواه مسلم: 2700.
^21 رواه أبو داود: 1455، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1308.
^22 رواه أحمد: 9772، وصححه محققو "المسند".
^24, ^27 رواه مسلم: 817.
^25 رواه أبو داود: 1394، والترمذي: 2949، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 2201.
^26, ^38 رواه البخاري: 5861 واللفظ له، ومسلم: 782.
^28 رواه مسلم: 2864.
^29 رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 4278 واللفظ له، والحاكم: 8158، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 627.
^30 رواه البخاري: 4837، ومسلم: 2820.
^31 رواه البخاري: 1135، ومسلم: 773 واللفظ له.
^32 رواه مسلم: 772.
^34 رواه ابن ماجه: 4005، وأحمد: 1 واللفظ له، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5142.
^35 رواه مسلم: 49.
^36 رواه مسلم: 106.
^37 رواه مسلم: 2203.
^39 رواه أبو داود: 5088 واللفظ له، والترمذي: 3388، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 655.
^40 رواه أحمد: 872، وحسنه محققو "المسند".
^41 رواه البخاري: 183، ومسلم: 763.
^42 رواه البخاري: 2475 واللفظ له، ومسلم: 57.
^43 البيتان لأبي عبدالله القحطاني. يُنظر: "القصيدة النونية" للقحطاني: ص29.
^44 روى البخاري: 5031، ومسلم: 789 من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله قال: إنَّما مَثَلُ صاحب القرآن كَمَثَلِ صاحب الإبل المُعَقَّلَة: إنْ عاهد عليها أمسكها، وإنْ أطلقها ذهبتْ.