جدول المحتويات
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأشكر الله تعالى أن يسَّر الوصول إلى هذا المكان، وأسأل الله تعالى بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلَى أن يتقبَّل منِّي ومنكم ومن جميع المؤمنين؛ إنه على كل شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير.
أيها الإخوة في الله، لا شكَّ أنَّ الله تعالى خلق العباد لعبادته، بل خلق الجن والإنس، كما قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56- 58]، فالله تعالى خلق العباد لعبادته سبحانه، وحرَّم عليهم مُحرَّماتٍ، وأوجب عليهم واجباتٍ، وكل ذلك من عبادة الله تعالى. مَن قام بالواجبات التي أوجب الله تعالى على عباده، وابتعد عن المُحرَّمات التي حرَّم الله تعالى على عباده؛ فقد قام بهذه العبادة التي أمر الله تعالى بها.
تعريف الظلم وحقيقته
ومن المُحرَّمات التي حرَّم الله تعالى على عباده وحرَّمها على نفسه: الظلم، وهو موضوع الكلمة، إنَّ الظلم ظلماتٌ يوم القيامة[1]رواه البخاري: 2447، ومسلم: 2579، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ولا شكَّ أنَّ مفهوم الظلم هو: وضعُ الأشياء في غير مواضعها، هذا يُقال له الظلم؛ لأن الله تعالى أمر بالعدل، وأمر بالقسط، وحرَّم الظلم، وحرَّم على عباده ذلك؛ بل حرَّمه على نفسه قبل أن يُحَرِّمَه على عباده.
حرَّم الله الظلم على نفسه
ومِن عدل الله أنه حرَّم الظلم على نفسه، وليس للعبد أن يظلم والله تعالى قد حرَّم الظلم على نفسه؛ ولهذا قال الله تعالى في كتابه العزيز: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران:106]، إلى قوله تعالى: تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ [آل عمران:108]. فالله تعالى لا يريد الظلم للعباد، ولا يريد الظلم لأحدٍ من خلق الله تعالى.
ولا شكَّ أن الله تعالى حرَّم الظلم على عباده، وهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لكنه ليس بظلَّامٍ للعبيد، إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40]. فهو لا يظلم الناس، لا يزيد في سيئاتهم، ولا يَنقُص من حسناتهم، بل يُعطيهم على حسب أعمالهم: الحسنة بعشر أمثالها، والمعصية بمعصيةٍ واحدةٍ، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيَّن ذلك، فمَن هَمَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو هَمَّ بها فعَمِلها كتبها الله له عنده عَشْرَ حسناتٍ إلى سَبْعِمِئة ضِعْفٍ، إلى أضعافٍ كثيرةٍ. ومَن هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو هَمَّ بها فعَمِلها كتبها الله له سيئةً واحدةً[2]رواه البخاري: 6491، ومسلم: 131..
فهذا يدلُّ على أنَّ الله تعالى ليس بظلَّامٍ للعبيد، إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس:44]، سبحانه وتعالى، فلا يظلم أحدًا من عباده، وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه:112]؛ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا: يُزاد في سيئاته، وَلَا هَضْمًا: ولا يُنقَص من حسناته، بل يُعطى حقَّه كاملًا: الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بسيئةٍ واحدةٍ. والله هو الذي وفَّق عباده لهذا، وهو الذي حرَّم الظلم على نفسه، وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ [غافر:31]؛ ولهذا بيَّن الله تعالى ذلك بقوله: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق:29].
ولا شكَّ أن الله تعالى حرَّم الظلم على نفسه كما في هذا الحديث: يا عبادي، إني حَرَّمْتُ الظلم على نفسي، وجعلتُه بينكم مُحَرَّمًا؛ فلا تَظَالَمُوا[3]رواه مسلم: 2577.، وبيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه هذا الأمر للناس، وحذَّرهم منه صلوات الله وسلامه عليه.
حرَّم الله الظلم على عباده
إنَّ الله تعالى حرَّم الظلم على عباده كما حرَّمه على نفسه؛ ولهذا قال في الحديث الذي سمعتموه: يا عبادي، إني حَرَّمْتُ الظلم على نفسي، وجعلتُه بينكم مُحَرَّمًا؛ فلا تَظَالَمُوا، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: اتقوا الظلم؛ فإنَّ الظلمَ ظلماتٌ يومَ القيامة. واتقوا الشُّحَّ؛ فإنَّ الشُّحَّ أهلك مَن كان قبلَكم ...، أهلكهم الشُّحُّ. والشُّحُّ: هو أشدُّ البخل، هو أن يعمل الإنسان بالشُّحِّ ويبخل بماله، ويكون حريصًا عليه. فهو الذي حرَّمه على عباده؛ لأنه أهلك مَن كان قبلنا، حَمَلَهم على أن سفكوا دماءَهم، واسْتَحَلُّوا محارمهم[4]رواه مسلم: 2578..
وثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: المسلم أخو المسلم، لا يَظْلِمُه ولا يُسْلِمُه. مَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلمٍ كُرْبَةً فرَّج الله عنه بها كُرْبَةً من كُرَبِ يوم القيامة، هكذا بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقال : مَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته... ومن سَتَرَ مسلمًا سَتَرَه اللهُ يومَ القيامة[5]رواه البخاري: 2442، ومسلم: 2580 واللفظ له.، فهذا من فضل الله تعالى على عباده؛ أن أمرهم بالعدل، ونهاهم عن الظلم.
عاقبة الظلم
ولا شكَّ أنَّ المسلم عليه أن يعلم أن خطر الظلم خطرٌ عظيمٌ في الدنيا والآخرة؛ ولهذا فالظالمون لهم عذابٌ كبيرٌ، كما قال الله تعالى: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا [الفرقان:19]، نسأل الله العفو والعافية! تفخيم: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا [الفرقان:19]، وهذا من عواقب الظلم؛ أن الإنسان إذا ظلم فإن الله تعالى توعَّده بأن يُعاقبه ويُعَذِّبه عذابًا كبيرًا، وقال الله تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ [إبراهيم:42- 43].
فالله تعالى حذَّر الناس من الظلم، حذر عباده من الظلم؛ ولهذا قال الله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:51- 52]. إذن؛ الله تعالى لعن الظالمين -والعياذ بالله تعالى- كما في هذه الآية، وكما في غيرها.
والظالمون يُبغِضهم الله تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى:40]، فالله تعالى لا يُحبُّ الظالمين، بل يُبغِضهم . فالمسلم دائمًا ينتبه لهذه الأمور؛ لأن الله تعالى إذا أبغض العبد إذا ظلم، نادى جبريلَ في السماء: يا جبريلُ، إني أُبغِضُ فُلانًا فأَبْغِضْه. قال: فيُبْغِضُهُ جبريل، ثم يُنادي في أهل السماء: إنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلانًا فأَبْغِضُوه. قال: فيُبْغِضُونه، ثم تُوضَع له البغضاءُ في الأرض[6]رواه مسلم: 2637..
وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام المُفْلِس من أمته، فقال : أتدرون ما المُفلِس؟ قالوا: "المُفلِس فينا من لا درهم له ولا متاع"، فقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ المُفلِس من أُمَّتي يأتي يومَ القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دمَ هذا، وضربَ هذا؛ فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه؛ أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم طُرِحَ في النار[7]رواه مسلم: 2581.، رواه مسلم.
هذا البيان من النبي عليه الصلاة والسلام، يُبَيِّن فيه صلوات الله وسلامه عليه أن الإنسان قد يكون مُفْلِسًا، ولو كانت عنده الصلاة والزكاة والحج والأعمال الصالحة؛ لأنها تؤخذ -هذه الحسنات- فتُعطى العباد الذين قد ظلمهم، فيصبح مُفْلِسًا كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.
الله تعالى ينصر المظلوم
ولا شكَّ أنَّ الله تعالى ينصر المظلوم من الظالم، حتى البهائم العُجْم التي لا تتكلم، غير المُكلَّفة؛ فقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: لَتُؤَدُّنَّ الحقوقَ إلى أهلها يومَ القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحاء من الشاة القَرْناء[8]رواه مسلم: 2582.، هكذا بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه -في هذا الحديث الذي رواه مسلم وغيره- أنه يُقاد للشاة الجلحاء التي ليس لها قرونٌ من القرناء، تنطحها يوم القيامة، ثم يقول الله تعالى لها: كوني تُرابًا، فتكون تُرابًا، فيراها الكافر فيقول: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا [النبأ:40][9]رواه الحاكم في "المستدرك": 8972.، فهذا من عدل الله تعالى بين مخلوقاته، حتى الحيوانات البهائم ينصر الله تعالى بعضها من بعضٍ.
كذلك بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه أن مَن كانت عنده مظلمةٌ لأخيه -من عِرضه أو شيءٍ- فَلْيَتَحَلَّلْهُ منها اليوم، قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهمٌ؛ إن كان له عملٌ صالحٌ أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسناتٌ أُخذ من سيئات صاحبه فحُمِلَت عليه[10]رواه البخاري: 6534 بنحوه.، رواه البخاري. هذا يُحَذِّر الإنسان أن يظلم أخاه المسلم، وعليه إن وقع منه هذا الظلم أن يُبادِرَ ويستحلَّه ويُعطيه حقه، قبل أن يأتي يوم القيامة، فلا درهم ولا دينار، وإنما هي الحسنات، يُؤخذ من حسناته فتُعطى مَن ظَلَمَه، فحينئذٍ يكون من المُفلِسين؛ والعياذ بالله تعالى!
قد بيَّن الله تعالى، بل بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى قد يُمهِل للظالم مدةً طويلةً وسنينَ عديدةً، ولكنه لا يُهِمُله ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله لَيُمْلِي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه. فقد يرى الناس أن بعض الظلمة يظلمون الناس، ويظلمون العباد، ويظلمون رعاياهم، ويعتدون عليهم، ويأكلون أموالهم، وغير ذلك من أنواع الظلم؛ ولكن عليه أن يعلم أنَّ الله تعالى لَيُمْلِي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه -نسأل الله العفو والعافية!- ثم قرأ النبيُّ عليه الصلاة والسلام: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102][11]رواه البخاري: 4686، ومسلم: 2583..
والظلم يُوجب النار، وإن كان يسيرًا؛ فقد ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن اقتطع حقَّ امرئٍ مسلمٍ بيمينه؛ فقد أوجبَ اللهُ له النارَ، وحرَّمَ عليه الجنة، فقال له رجلٌ: "وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟"، قال: وإنْ قضيبًا مِن أَرَاكٍ[12]رواه مسلم: 137.، ولو كان سِواكًا صغيرًا، إذا اقتطعه بيمينه فقد أوجب الله تعالى له النار، وحرَّم عليه الجنة. وهذا في الحقيقة شيءٌ يُفزِع الإنسان الذي يخاف الله، ويُراقب الله تعالى في السر والعلن، ويجعله يبتعد عن ظلم العباد؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن ذلك وحذَّر منه.
كذلك نصرُ الظالم والمظلوم، المظلوم يجب نصرُه على الناس، والظالم يجب نصرُه؛ فقد ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: وَلْيَنْصُرِ الرجلُ أخاه ظالمًا أو مظلومًا، إن كان ظالمًا فَلْيَنْهَهُ فإنه له نصرٌ، وإن كان مظلومًا فَلْيَنْصُرْهُ[13]رواه مسلم: 2584.. وثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: انصُر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال رجل: "يا رسول الله، أنصرُه إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصرُه؟"، قال: تَحْجُزُهُ أو تَمْنَعُهُ من الظلم...[14]رواه البخاري: 6952.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
كذلك ينبغي للمسلم أن يعلم أنه إذا ظلم مَن تحت يده من الرعية، سواءٌ أكانوا دولةً أو كانوا شعبًا أو جماعةً أو أولادًا أو زوجاتٍ أو غير ذلك ممن ولَّاه الله تعالى ولايتهم؛ فإنه إذا غشَّهم فقد أوجب الله تعالى له النار، كما ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ما مِن عبدٍ يسترعيه اللهُ رَعِيَّةً، يموتُ يومَ يموتُ وهو غاشٌّ لِرَعِيَّتِه؛ إلا حرَّم اللهُ عليه الجنة[15]رواه البخاري: 7150، و7151، ومسلم: 142 واللفظ له.، -نسأل الله العفو والعافية!- رواه البخاري.
ما من عبدٍ يسترعيه اللهُ رَعِيَّةً، يموتُ يومَ يموتُ وهو غاشٌّ لِرَعِيَّتِه ...، والرعية قد تكون شعبًا، وقد تكون دولةً، وقد تكون أُمَّةً وغير ذلك، وقد تكون أُسرةً للإنسان؛ فإذا مات وهو قد ظلمهم، فقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يدخل الجنة، نسأل الله العفو والعافية! وهذا وعيدٌ شديدٌ للظالمين الذين يظلمون أهلهم، ويظلمون رعاياهم، ويظلمون شعبهم؛ أنهم لا يدخلون الجنة، إلا من تاب، فالله تعالى يتوب عليه، مع ردِّ الحقوق إلى أهلها.
ولا شكَّ أنَّ مِن أَظلمِ الظلم، بعد الشرك بالله تعالى، ومِن أَغشِّ الغش: أن يَغُشَّ الإنسان ذريته أو أولاده، ولا يُعَلِّمهم ما يجب عليهم، ولا يُعَلِّمهم ما أمرهم الله تعالى به، وما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك مِن أَظلمِ الظلم وأَغشِّ الغش: ألا يحكم الإنسان بين المسلمين بما أنزل الله تعالى في كتابه، وما أنزله على نبيِّه عليه الصلاة والسلام من سُنَّتِه؛ فهذا يدخل في هذا الحديث: ما مِن عبدٍ يسترعيه اللهُ رَعِيَّةً، يموتُ يومَ يموتُ وهو غاشٌّ لِرَعِيَّتِه؛ إلا حرَّم اللهُ عليه الجنة[16]سبق تخريجه.، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
دعوة المظلوم مستجابة
ودعوة المظلوم مُستجابةٌ، وإن طال الزمان على المظلوم، فإن دعوته مُستجابةٌ على مَن ظلمه؛ لبيان النبي صلوات الله وسلامه عليه ذلك؛ فقد حذَّر عليه الصلاة والسلام من دعوة المظلوم، فقال لمعاذٍ حينما بعثه إلى اليمن: إنَّك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، فإن أطاعوا لذلك؛ فأعلِمْهم أن الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في كل يومٍ وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك؛ فأعلِمْهم أن الله افترض عليهم صدقةً تُؤخَذ من أغنيائهم فتُرَدُّ في فقرائهم، وقال في آخر الحديث: واتَّقِ دعوةَ المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب[17]رواه البخاري: 1496، ومسلم: 19..
دعوة المظلوم مُستجابةٌ كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام: واتقِ دعوةَ المظلوم، اجعل بينك وبين دعوة المظلوم حجابًا يقيك هذه الدعوة، فإنها مُستجابةٌ؛ ولهذا جاء في الحديث أن دعوة المظلوم تكون في السماء حتى يُقال لها: وعِزَّتي وجَلالي لأنصُرَنَّكِ ولو بعد حين[18]رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 3718، والبيهقي في "الشُّعب": 6699، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 117.، وإن كان الحديث فيه مقالٌ، لكن هذا الحديث الصحيح يُبَيِّن أن دعوة المظلوم مُستجابةٌ.
وكذلك ممَّا بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه أن دعوة المظلوم مُستجابةٌ، حتى وإن كان فاجرًا، ففجوره على نفسه، كما ذكر ذلك النبي عليه الصلاة والسلام -والحديث رواه الإمام أحمد، وهو حديثٌ ثابتٌ عنه عليه الصلاة والسلام-: دعوة المظلوم مُستجابةٌ، وإن كان فاجرًا ففجورُه على نفسه[19]رواه أحمد في "المسند": 8795، وابن أبي شيبة في "مصنفه": 31346، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2229..
أمثلة تدلُّ على استجابة دعوة المظلوم
ومن أعظم الأدلة، ومن أعظم الأمثلة التي تدلُّ على أن دعوة المظلوم مُستجابةٌ: ما حصل لسعيد بن زيدٍ مع أروى بنت أويس؛ فإنها ادَّعَت عليه أنه أخذ شيئًا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم، فقال: "أنا كنتُ آخُذُ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعتُ من رسول الله ؟!" قال مروان: "وما سمعتَ من رسول الله ؟" قال: سمعتُ رسول الله يقول: مَن أخذ شبرًا من الأرض ظُلمًا، طُوِّقَه إلى سَبْعِ أَرَضِينَ، يعني: طُوِّقه في عُنقه إلى سبع أرضين، يكون كالطوق في عُنقه إلى سبع أرضين؛ لأنه ظَلَمَ. فإذا ظَلَمَ شبرًا من الأرض، فما بالك بالأموال؟!
فحينئذٍ قال له مروان: "لا أسألك بيِّنةً بعد هذا"، ما دُمتَ جئتَ بهذا لا أسألك بيَّنةً، فقال: "اللهم إنْ كانت كاذبةً فعَمِّ بصرها، واقتلها في أرضها"، وفي روايةٍ: "واجعل قبرها في دارها". قال: "فرأيتُها عمياءَ تلتمس الجُدُر، تقول: أصابتني دعوةُ سعيد بن زيدٍ. فبينما هي تمشي في الدار -وفي روايةٍ: تمشي في أرضها- مرَّت على بئرٍ في الدار، فوقعت فيها فكانت قبرها"[20]رواه البخاري: 3198 مختصرًا، ومسلم: 1610 واللفظ له.، نسأل الله العفو والعافية! استجاب الله دعوة سعيد بن زيدٍ على هذه المرأة التي ظلمته.
ومن أمثلة إجابة دعوة المظلوم: قصة سعد بن أبي وقاصٍ ؛ فعن جابر بن سَمُرَة قال: "شكا أهلُ الكوفة سعدًا إلى عُمَرَ ، فعزله واستعمل عليهم عَمَّارًا، فشَكَوْا حتى ذكروا أنه لا يُحْسِن يُصلِّي" -هذا الصحابي الجليل قالوا: لا يُحسِن أن يصلي بهم!- "فأرسل إليه، فقال: يا أبا إسحاق، إنَّ هؤلاء يزعمون أنك لا تُحْسِن تُصلِّي. فقال أبو إسحاق: أما أنا، والله فإني كنتُ أُصلِّي بهم صلاة رسول الله ما أَخْرِمُ عنها، أُصلِّي صلاة العشاء، فأَرْكُدُ في الأُولَيَيْن وأُخِفُّ في الأُخرَيَيْن"؛ فقال: "ذاك الظن بك يا أبا إسحاق" -أي: قاله عمر - فأرسل معه رجلًا -أو رجالًا- إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدًا -هذا الرسول- إلا سأل عنه، ويُثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عَبْسٍ، فقام رجلٌ منهم يُقال له: أسامة بن قتادة، يُكنَّى: أبا سَعْدَة، قال: أما إذ نَشَدْتَنا، فإنَّ سعدًا كان لا يسيرُ بالسَّرِيَّة، ولا يَقْسِمُ بالسَّوِيَّة، ولا يَعْدِلُ في القضية.
قال سعدٌ : "أمَا والله لأَدعُونَّ بثلاثٍ: اللهم إن كان عبدُك هذا كاذبًا قام رياءً وسُمعةً، فأطِلْ عُمْرَه، وأطِلْ فَقْرَه، وعَرِّضْه بالفتن". وكان بعدُ إذا سُئل يقول: شيخٌ كبيرٌ مفتونٌ، أصابتني دعوةُ سعدٍ. قال عبدالملك: فأنا رأيتُه بعدُ قد سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر، وإنه ليتعرَّض للجواري في الطُّرُقات يَغْمِزُهُنَّ".[21]رواه البخاري: 755 واللفظ له، ومسلم: 453 مختصرًا. نسأل الله العافية! رواه مسلم.
وهذه عاقبة الظلم، فدعوة المظلوم مُستجابةٌ كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه. ولا شكَّ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قد حذَّر من دعوة المظلوم، وحذَّر منها العقلاء والحكماء؛ ولهذا قال بعضهم:
| نامت جُفُونُكَ والمظلومُ مُنْتَبِهٌ | يدعو عليكَ وعينُ اللهِ لم تَنَمِ[22]لم نقف على نسبته إلى قائل. يُنظَر: "بهجة المجالس" لابن عبدالبر: ص79. |
أنواع الظلم
والظلم أنواعٌ:
- النوع الأول: ظلم النفس بالشرك بالله تعالى: وهذا لا يغفره الله تعالى إذا مات عليه العبد. إذا مات العبد على الشرك فالله تعالى لا يغفره، أما إذا تاب قبل الموت فالله تعالى يغفر الذنوب جميعًا. وقد قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:116]، وفي الآية الأخرى: فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، فلا شكَّ أنَّ مَن مات على الشرك لا يغفره الله تعالى.
وهذا أظلم الظلم، هو ظلمٌ لأنه وضعُ العبادة في غير محلها، في غير موضعها، هي لله تعالى، فهو تقرَّبَ بها لغيره، فالله تعالى حرَّم عليه الجنة؛ ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وقال: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72].
والشرك هو أن تدعوَ لله نِدًّا وهو خلقك[23]رواه البخاري: 6861، ومسلم: 86.، كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو أن يَصرِف العبد نوعًا من أنواع العبادة لغير الله ؛ كالدعاء والنَّذْر والخوف والرجاء والاستعانة والاستغاثة، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله تعالى بها له ، مَن صرف شيئًا منها لغير الله تعالى فقد كفر كفرًا أكبر، وأشركَ الشرك الأكبر الذي يُخرِجه من دين الإسلام.
ولهذا عرَّف العلماء رحمهم الله تعالى الشرك الأكبر بأنه: صرفُ نوعٍ أو فردٍ من أنواع العبادة أو أفرادها لغير الله تعالى، هذا يُحبط العمل، جميع الأعمال تكون باطلة: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]. كذلك يَخرُج به الإنسان من الإسلام، وكذلك يُخَلِّد صاحبه في النار، وكذلك يُوجِب عداوة المسلمين له والبُغض الكامل من كل وجهٍ، وكذلك يكون حلالَ الدم والمال؛ إلا مَن تاب قبل موته، فالله يتوب عليه.
كذلك الشرك الأصغر، وهو كل وسيلةٍ تُوصِل إلى الشرك الأكبر، سواءٌ أكانت قوليةً أو فعليةً أو إراديةً؛ فالقولية: كأن يقول: ما شاء الله وشئت، أو يحلف بالنبي ، أو يحلف بغير الله تعالى. هذا من الشرك الأصغر، إلا إذا اعتقد أن هذا -يعني إذا حلف بالنبي عليه الصلاة والسلام- ينفع أو يضر، فهذا يكون شركًا أكبر؛ نسأل الله العافية!
ويسيرُ الرياء، يُرائي في عمله، يعمل أعمالًا يُرائي بها الناس، فهذا كذلك من الظلم؛ لأنه وَضَعَ العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير الله تعالى، ولم يُخلص فيها لله تعالى، فقد وقع في هذا النوع من أنواع الظلم، لكنه ظلمٌ دون ظلمٍ، والعبادة التي اقترن بها الرياء باطلةٌ، والعياذ بالله تعالى!
فالفرق بين الشرك الأكبر والأصغر: أن الشرك الأكبر يُحبِط جميع الأعمال الماضية والمتقدمة والمتأخرة، إلا من تاب، أما الشرك الأصغر فهو يُحبط العمل الذي قارنه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عَمِلَ عملًا أشرك فيه معي غيري تَرَكْتُه وشِرْكَه[24]رواه مسلم: 2985.. الله غنيٌّ عنا وعن عبادتنا، فلا بُدَّ للإنسان أن يُخلِص عمله لله. وقد ثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: من سمَّع سمَّع الله به، ومن يُرائي يُرائي اللهُ به[25]رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2987.؛ نسأل الله العفو والعافية!
كذلك من أنواع الشرك الأصغر: أن يُعلِّق تميمة أو خيطًا أو حلقةً أو غير ذلك، ويقول إن هذا من أسباب الشفاء؛ فهذا من الشرك الأصغر الذي لا يجوز للمسلم أن يعمله، بل عليه أن يتوب إلى الله تعالى من أنواع الظلم، الشرك الأكبر والأصغر.
ولا شكَّ أنَّ الشرك الأكبر هو أَظلمُ الظلم، كما قال الله تعالى في بيان ما قاله لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، هذا هو الظلم، ظلم النفس بالشرك.
- النوع الثاني من أنواع الظلم للنفس: ظلم النفس بالمعاصي والسيئات، فالمعاصي التي دون الشرك يظلم بها العبد نفسه، كالأعمال التي يعملها فيما بينه وبين الله تعالى؛ فهذا ظلمٌ، ظَلَمَ نفسه. نَظَرَ إلى الحرام، عَمِلَ الحرام، أكَلَ الربا، عمل أعمالًا من الجرائم والسيئات؛ فقد ظلم نفسه بهذا.
- النوع الثالث: وهو أن يظلم الإنسان العباد، ظُلم العباد: كأن يظلمهم بالغِيبة والنميمة والاستهزاء، أو غير ذلك من أنواع الظلم، أو يأكل أموالهم بالباطل؛ ولهذا ثَبَتَ أن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أنَّ الذي يظلم العبد ولو كان سواكًا -كما سمعتم- فإن الله تعالى يُوجِب له النار، ويُحَرِّم عليه الجنة؛ والعياذ بالله تعالى!
ولا شكَّ أنَّ الظلم -ظُلم الشرك- لا يغفره الله تعالى إلا بالتوبة قبل الموت، وإذا مات على ذلك فإنه يكون خالدًا مُخَلَّدًا في النار؛ والعياذ بالله! وأما ظلم العباد فهو من الكبائر، ظلم النفس بالمعاصي والسيئات وظلم العباد من كبائر الذنوب التي تكون تحت المشيئة، التي قال الله تعالى فيها: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].
كيفية التوبة من الظلم
والتوبة مِن ظلم الشرك تكون بالتوحيد قبل الموت، فمَن تاب قبل أن يموت وأخلص لله تعالى؛ قَبِلَ الله توبته وغَفَرَ له.
أما التوبة من ظلم العباد، فإنها لا تكون إلا باستحلالهم؛ لأن شروط التوبة كما ذكر العلماء: الإقلاع عن الذنب، والعزيمة على ألا يعود إلى هذا الذنب، والندم على ما فات. هذه تنفع في أنواع الظلم التي ليست بين العبد وبين العباد، أما الظلم الذي بينه وبين العباد فلا يُغفَر إلا باستحلالهم مع هذه الشروط: الإقلاع عن هذا الظلم، والعزيمة على ألا يعود، والندم، وأن يرد الحقوق إلى أهلها، أو يستبرئ مَن كان قد ظلمه.
وكلنا قد ظلمَ نفسه، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه حينما قال له أبو بكرٍ : "عَلِّمْني دعاءً أدعو به في صلاتي" -وفي روايةٍ: "وفي بيتي"- فقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: قُل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني؛ إنك أنت الغفور الرحيم[26]رواه البخاري: 834، ومسلم: 2705.. فينبغي للمسلم أن يحافظ على هذا الدعاء في دُبُر كل صلاة؛ ولهذا ثَبَتَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قاله لأبي بكرٍ ، قال : قُل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني؛ إنك أنت الغفور الرحيم.
فيا أخي، يا عبدالله، عليك أن تتقيَ الله، وعليَّ وعليك وعلى كل مسلمٍ أن يتقيَ الله تعالى، ولا يظلم نفسه بالمعاصي والسيئات والشرك -والعياذ بالله-، ولا يظلم عباد الله تعالى، وعليه أن يتوب مما قَدُمَ وسلف، وأن يردَّ الحقوق إلى أهلها إذا كان لهم حقوقٌ، وأن يقوم بالواجبات التي أوجب الله تعالى عليه، ومن تاب تاب الله عليه.
والظلم -كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام- ظلماتٌ يوم القيامة[27]رواه البخاري: 2447، ومسلم: 2579.؛ ولهذا قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:110]، هذا فيما بينه وبين الله؛ أما فيما بينه وبين الناس، فعليه أن يردَّ الحقوق إلى أهلها، وعليه أن يستبرئهم كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وأسأل الله تعالى، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلَى، أن يُعيذَني وإياكم من الظلم، فإنه ظلماتٌ يوم القيامة، وأن يوفِّقني وإياكم وجميع المسلمين لطاعته، وللقيام بالعدل الذي يُحبه الله تعالى وأمر به، وأمر به نبيُّنا صلوات الله وسلامه عليه، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، والتوفيق لما يُحبه ويرضاه.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
ولعلكم تعذرونني؛ لأن الوقت انتهى.
نسأل الله لنا ولكم التوفيق، اللهم صلِّ على محمدٍ.
| ^1 | رواه البخاري: 2447، ومسلم: 2579 |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 6491، ومسلم: 131. |
| ^3 | رواه مسلم: 2577. |
| ^4 | رواه مسلم: 2578. |
| ^5 | رواه البخاري: 2442، ومسلم: 2580 واللفظ له. |
| ^6 | رواه مسلم: 2637. |
| ^7 | رواه مسلم: 2581. |
| ^8 | رواه مسلم: 2582. |
| ^9 | رواه الحاكم في "المستدرك": 8972. |
| ^10 | رواه البخاري: 6534 بنحوه. |
| ^11 | رواه البخاري: 4686، ومسلم: 2583. |
| ^12 | رواه مسلم: 137. |
| ^13 | رواه مسلم: 2584. |
| ^14 | رواه البخاري: 6952. |
| ^15 | رواه البخاري: 7150، و7151، ومسلم: 142 واللفظ له. |
| ^16 | سبق تخريجه. |
| ^17 | رواه البخاري: 1496، ومسلم: 19. |
| ^18 | رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 3718، والبيهقي في "الشُّعب": 6699، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 117. |
| ^19 | رواه أحمد في "المسند": 8795، وابن أبي شيبة في "مصنفه": 31346، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2229. |
| ^20 | رواه البخاري: 3198 مختصرًا، ومسلم: 1610 واللفظ له. |
| ^21 | رواه البخاري: 755 واللفظ له، ومسلم: 453 مختصرًا. |
| ^22 | لم نقف على نسبته إلى قائل. يُنظَر: "بهجة المجالس" لابن عبدالبر: ص79. |
| ^23 | رواه البخاري: 6861، ومسلم: 86. |
| ^24 | رواه مسلم: 2985. |
| ^25 | رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2987. |
| ^26 | رواه البخاري: 834، ومسلم: 2705. |
| ^27 | رواه البخاري: 2447، ومسلم: 2579. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط