جدول المحتويات
المقدم: ..... أما بعد:
أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
حيَّاكم الله في هذا اللقاء الطيب المبارك الذي يجمعنا بصاحب الفضيلة الدكتور: سعيد بن علي بن وهف القحطاني، الأستاذ بجامعة الملك سعود، الداعية بوزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والأوقاف.
حديثنا أيها الأحبة عن أمرٍ جَلَلٍ؛ عن البدع والمُحْدَثات، وأثرها السَّيئ، والتَّحذير منها.
فنسأل الله تعالى أن ينفع بصاحب الفضيلة، وأن يفتح عليه.
نبدأ حديثنا أيها الأحبة مع فضيلة الدكتور: سعيد بن علي القحطاني بالتحذير من البدع، وأنها طريق الجاهلية، وشيءٍ من الحديث عن الدعوة إلى الله في نبذةٍ، فليتفضل، جزاه الله خيرًا.
الشيخ: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
حقيقة البدعة في اللغة والشرع
أيها الإخوة، لا شكَّ أن البدعة: هي الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استُحْدِثَ بعد النبي صلوات الله وسلامه عليه من الأهواء والأعمال، هذا في اللغة.
واصطلاحًا -كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى-: هي ما لم يشرعه الله ورسوله ، وهو ما لم يأمر به النبي عليه الصلاة والسلام أمر استحبابٍ، أو إيجابٍ، أو قرره صلوات الله وسلامه عليه.
ولا شكَّ أن البدع أنواعٌ، منها: بدعةٌ مُكَفِّرةٌ، يكفر بها الإنسان ويخرج من دين الإسلام: كتقديم النُّذور للأموات، ودعوة الأموات من دون الله تعالى، والاستغاثة بهم.
ومنها كذلك ما يكون مُفَسِّقًا: كوسائل الشرك التي تُوصل إلى الشرك بالله تعالى.
شروط قبول العمل
لا شكَّ أن الأعمال لا تُقْبَل إلا بشرطين:
- الشرط الأول: الإخلاص لله تعالى، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى[1]رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907..
- الشرط الثاني: اتِّباع النبي صلوات الله وسلامه عليه ومُتابعته عليه الصلاة والسلام في العبادة.
فأي عبادةٍ لا تُقبل إلا بالإخلاص لله تعالى وحده لا شريك له، ومُتابعة النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام: مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ[2]رواه مسلم: 1718.، مردودٌ.
الأدلة الشرعية على ذَمِّ البدعة والتَّحذير منها
قد ورد ذَمُّ البدعة في كتاب الله تعالى، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك قول الله تعالى في كتابه العزيز: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:7].
فالزائغون: هم الذين يعملون بالمُتشابه، ولا يردُّونه إلى المُحْكَم من كتاب الله تعالى، وقد قال الله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153]، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [الأنعام:159].
ولا شكَّ أن الله حذَّر من ذلك؛ حذَّر من معصيته، وحذَّر من البدع، وهذا يدخل في قوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].
وصية النبي بالتَّمسك بالسُّنة عند الاختلاف
ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول في خطبته صلوات الله وسلامه عليه: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهَدْي هَدْي محمدٍ، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتها، وكل بدعةٍ ضلالةٌ[3]رواه مسلم: 867.، وفي روايةٍ أخرى: وكل ضلالةٍ في النار[4]رواه النسائي: 1578، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1487..
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرةٍ التَّحذير من البدع عليه الصلاة والسلام، منها: حديث العِرْبَاض الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: أُوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبدٌ، فإنه مَن يَعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بِسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المَهْدِيين، عَضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإياكم ومُحْدَثَات الأمور، فإن كل بدعةٍ ضلالةٌ[5]رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 37.، كل بدعةٍ بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام وحذَّر منها فهي ضلالةٌ.
قال حذيفة : كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر؛ مخافة أن يُدْرِكَني، فقلتُ: يا رسول الله، إنَّا كنَّا في جاهليةٍ وشرٍّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شَرٍّ؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم، قلتُ: فهل بعد ذلك الشر من خيرٍ؟ قال: نعم، وفيه دَخَنٌ، قلتُ: وما دَخَنُه؟ قال: قومٌ يَسْتَنُّون بغير سُنَّتي، ويَهْدُون بغير هَدْيي، تعرف منهم وتُنْكِر، قلتُ: وهل بعد ذلك الخير من شَرٍّ؟ -الخير الذي فيه دَخَنٌ- قال: نعم، دُعَاةٌ على أبواب جهنم، مَن أجابهم إليها قذفوه فيها، قلتُ: يا رسول الله، صِفْهُم لنا. قال: قومٌ من جِلْدَتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلتُ: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلتُ: فإن لم تكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تَعَضَّ على أصل شجرةٍ حتى يُدْرِكَك الموت وأنت على ذلك[6]رواه البخاري: 3606، ومسلم: 1847.، متفقٌ على صِحَّته.
هذا فيه بيان التَّحذير من البدع، حذَّر منها النبي عليه الصلاة والسلام، وفيه البيان للنَّجاة من البدع، وما الذي يسلكه الإنسان حتى ينجو من هذه البدع التي حذَّر منها النبي صلوات الله وسلامه عليه.
قال أبو بكرٍ : أيها الناس، إنما أنا مُتَّبِعٌ، ولستُ بِمُبْتَدِعٍ، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن زُغْتُ فَقَوِّمُوني.
قال عمر : إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء السُّنن، أَعْيَتْهُم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فَضَلُّوا وأَضَلُّوا.
وقال الإمام مالكٌ رحمه الله تعالى: مَن ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنةً فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة؛ لأن الله يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3].
أسباب الوقوع في البدع
لا شكَّ أن الناس يقعون في البدع لأسبابٍ تَجُرُّهم إليها، فإن ابتعدوا عن هذه الأسباب ابتعدوا عن البدع، وهي كالأبواب للدخول في البدع.
- أول هذه الأسباب: الجهل؛ فإن الجهل بشريعة الله وبِهَدْي النبي عليه الصلاة والسلام يُوقع الناس في الضَّلالات، ويُوقعهم في البدع؛ ولهذا قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33].
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتَّخذ الناس رؤوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوا بغير علمٍ؛ فَضَلُّوا وأَضَلُّوا[7]رواه البخاري: 100، ومسلم: 2673..
هكذا يُبين النبي عليه الصلاة والسلام أسباب الوقوع في الضَّلالات والبدع. - واتِّباع الهوى من أعظم الأمور التي تُوقع الناس في البدع؛ ولهذا قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23].
لا شكَّ أن هذا من الأسباب التي تُوقع الناس في البدع. - ومنها: الشُّبهات والتَّعلق بالشُّبهات، كما جاء في الآية التي سمعتُموها: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:7].
- ومن الأسباب التي تُوقع الناس في البدع: الاعتماد على العقل المُجرد بدون دليلٍ؛ فإن الاعتماد على العقل وترك الدليل من الضَّلالة؛ ولهذا قال الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7].
- والتقليد للآباء والأجداد والمشايخ وغيرهم من الناس بدون دليلٍ، هذا من الأسباب في الوقوع في البدع؛ ولهذا قال الله تعالى: بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22].
- ومُخالطة أهل الشرك ومُجالستهم، واليهود والنصارى، وغيرهم من أهل البدع، هذا مما يُوقع الناس في البدع إن لم يتداركهم الله تعالى برحمته؛ ولهذا قال الله تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:68].
- وسكوت العلماء كذلك من أسباب الوقوع في البدع -وقوع الناس في البدع- وقد أمر الله تعالى العلماء بالتَّبليغ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن رأى منكم مُنكرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فإن لم يستطع فَبِلِسَانه، فإن لم يستطع فَبِقَلْبِه، وذلك أضعف الإيمان[8]رواه مسلم: 49..
- والاعتماد على الأحاديث الضعيفة والموضوعة المكذوبة على النبي صلوات الله وسلامه عليه تُوقع الناس في البدع، والعياذ بالله.
- والغلو في الصالحين من أعظم أسباب انتشار البدع، فقد بقيتْ ذُرية آدم على التوحيد عشرة قرون -ألف سنة- حتى غلا الناس في الصالحين؛ فأرسل الله تعالى نوحًا والنَّبيين من بعده صلوات الله وسلامه عليهم يدعون إلى التوحيد.
نماذج من البدع المعاصرة
لا شكَّ أن البدع أنواعٌ:
منها: مَن يسأل الميت حاجته عند القبر ويقول: "يا سيدي فلان، يا سيدي مرغني، يا سيدي العيدروس، يا سيدي عبدالقادر، يا سيدي فلان، انصرنا على أعدائنا"، فهذه بدعةٌ مُكَفِّرَةٌ تُخرج مَن فعلها من الإسلام.
ومنها: بدعٌ من أسباب الوقوع في الدَّركات في البدع، وهي لا تُكَفِّر الإنسان إلا إذا عمل معها مُكَفِّرًا يخرج به من الإسلام، ومن هذا: مَن يسأل الميت بِجَاهِهِ، أو مَن يسأل الله بِجَاهِ الميت: أسألك بِجَاهِ النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ومنها: الدعاء عند القبور يظن أن هذا من الدعاء المُباح، وأنه تُستجاب الدعوات في هذا المكان، فهذا من البدع المُحْدَثة في الدين التي لا تنبغي للمسلم، ولا يجوز له أن يعمل شيئًا منها.
الاحتفال بالمولد النبوي
لا شكَّ أن البدع المُنتشرة في هذه الأزمان كثيرةٌ، وينبغي للمسلم أن يعلمها ويبتعد عنها، ومن أول هذه البدع: الاحتفال بالمولد النبوي في شهر ربيع الثاني، فإن الناس يبتدعون هذه البدعة، ويعملون الاحتفال بمولد النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ولا شكَّ أن الاحتفال بالمولد من البدع المُحْدَثة؛ ولهذا قال الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7].
ولا شكَّ أن الخلفاء الراشدين، بل النبي عليه الصلاة والسلام لم يعمل ذلك صلوات الله وسلامه عليه، ولم يحتفل بمولده صلوات الله وسلامه عليه، ولا عمله الخلفاء الراشدون، وكذلك مَن بعدهم من التابعين ومن القرون المُفضلة لم يحتفلوا بهذا.
إن أول مَن احتفل بهذا هم العُبَيديون الفاطميون، هم أول مَن ابتدعها.
والفاطميون العُبَيديون أولهم المُعزّ لدين الله المغربي الذي خرج من المغرب إلى مصر في شوال سنة ثلاثمئة وإحدى وستين، وقدم إلى مصر في رمضان سنة ثلاثمئة واثنتين وستين، وهو أول مَن ابتدع هذه البدعة المُحْدَثة، ودعا الناس إلى هذه البدعة؛ فوقع فيها كثيرٌ من الخَلْق.
والإنسان لا يَغْتَرُّ بكثرة مَن يقع في هذه البدع، بل عليه أن يعلم أن الله تعالى يقول: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116].
والاحتفال بالمولد كذلك فيه تَشَبُّهٌ باليهود والنصارى، وقد نُهِينا عن التَّشبه بهم، كما نهانا النبي عليه الصلاة والسلام.
والقاعدة الشرعية في جميع الأمور وفي جميع العبادات: أن يَرُدَّ الناسُ ما تنازعوا فيه إلى كتاب الله تعالى، وإلى سُنَّة النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد قال الله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59].
وكذلك المشركون واليهود والنصارى هم الذين يبتدعون هذه البدع، ويُقَلِّدهم كثيرٌ من المسلمين، نسأل الله العفو والعافية.
والاحتفال بالمولد لا يُحَقِّق محبة النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ فإن الله بيَّن أن تَحَقُّق المحبة لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام يكون باتِّباع النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].
بدعة الاحتفال بأول ليلة جمعة من شهر رجب
من هذه البدع المُحْدَثة في الدين -المعاصرة-: الاحتفال بأول ليلة جمعة من شهر رجب.
قد ذكر أبو بكر الطرطوشي رحمه الله تعالى: أن أول ما أُحْدِثَتْ هذه البدعة في بيت المقدس سنة أربعمئة وثمانين، فهي أول سنةٍ أُحْدِثَتْ فيها هذه البدعة.
الاحتفال بأول جمعةٍ من شهر رجب أول مَن أحدثها هذا الذي جاء إلى بيت المقدس.
قال: "والمشهور عند الناس المُبتدعة أن صلاة الرَّغائب تُصلَّى بين المغرب والعشاء أول ليلة جمعةٍ من شهر رجب"، قاله أبو شامة رحمه الله تعالى.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "وأما الصلاة فلم يصح في شهر رجب صلاةٌ مخصوصةٌ تختصُّ به، والأحاديث المروية في صلاة الرَّغائب في أول ليلة جمعةٍ من شهر رجب كذبٌ وباطلٌ، لا تصح، وهذه الصلاة بدعةٌ عند جمهور العلماء رحمهم الله تعالى".
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيءٍ منه معينٍ، ولا في قيام ليلةٍ مخصوصةٍ فيه حديثٌ صحيحٌ يصلح للحُجَّة"[9]"تبيين العجب بما ورد في شهر رجب" لابن حجر رحمه الله تعالى..
وحديث صلاة الرَّغائب فيه: أنه يصوم أول خميس من رجب، ثم يُصلي بين العشاءين ليلة الجمعة اثنتي عشرة ركعةً، وذَكَرَ قراءةً مُبتدعةً.
وهذا الحديث مكذوبٌ على رسول الله ؛ ولهذا قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى في أحاديثها: "موضوعةٌ على رسول الله ".
وذكر العِزُّ ابن عبدالسلام في صلاة الرَّغائب قال: "صلاة الرَّغائب بدعةٌ مُنْكَرَةٌ، وحديثها كذبٌ على رسول الله ".
بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج
من هذه البدع التي يعملها كثيرٌ من الناس: بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج.
ليلة الإسراء والمعراج من آيات الله تعالى العظيمة الدالة على صِدْق نبينا محمدٍ صلوات الله وسلامه عليه، كما قال الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء:1].
وهذه الليلة لا يُحْتَفَل بها، ولا تختص بشيءٍ من أنواع البدع؛ للأمور الآتية:
- أولًا: هذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج لم يَأْتِ خبرٌ صحيحٌ في حديثها، وعلى هذا أهل التَّحقيق من العلماء الرَّاسخين في العلم.
- ثانيًا: لا يُعْرَف عن أحدٍ من المسلمين -أهل العلم والإيمان- أنه جعل لليلة الإسراء فضيلةً عن غيرها.
- ولأن النبي صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه والتَّابعين وأتباعهم بإحسانٍ لم يحتفلوا بها، ولو كان الاحتفال بها أمرًا مشروعًا لَبَيَّنَهُ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه للأُمَّة، ولو وقع ذلك لَعُرِفَ واشتَهَرَ ونقله الصحابة عن نبيهم صلوات الله وسلامه عليه.
- والله تعالى قد أكمل الدين لهذه الأُمَّة، وأَتَمَّ عليها النعمة، فلا تحتاج إلى بدعٍ ومُحْدَثاتٍ، كما قال الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3].
- وحذَّر النبي صلوات الله وسلامه عليه من البدع، وبيَّن أن كل بدعةٍ ضلالةٌ صلوات الله وسلامه عليه.
بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان
من هذه البدع: الاحتفال بليلة النصف من شعبان.
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله تعالى: "أخبرني أبو محمد المقدسي قال: لم يكن عندنا ببيت المقدس قطُّ صلاة الرَّغائب هذه التي تُصلَّى في رجب وشعبان، وأول ما حدثتْ عندنا في سنة أربعمئة وثمانٍ وأربعين قدم علينا في بيت المقدس رجلٌ من نابلس يُعْرَف بابن أبي الحَمْراء، وكان حسن التِّلاوة، فقام فصلَّى في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان، فأحرم خلفه رجلٌ، ثم انضاف إليهما ثالثٌ ورابعٌ، فما ختمها إلا وهم في جماعةٍ كثيرةٍ.
ثم جاء في العام القابل فصلَّى معه خلقٌ كثيرٌ، وشاعَتْ -هذه البدعة- في المسجد، وانتشرت الصلاة في المسجد الأقصى وبيوت الناس ومنازلهم، ثم استقرتْ كأنها سُنَّةٌ إلى يومنا هذا". انتهى كلامه رحمه الله تعالى من كتابه "الحوادث والبدع" للطرطوشي.
وقال الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن مازن رحمه الله تعالى في كتابه "التَّحذير من البدع": "وأما ما اختاره الأوزاعي رحمه الله من استحباب قيامها للأفراد، واختيار الحافظ ابن رجب لهذا القول فهو غريبٌ وضعيفٌ؛ لأن كل شيءٍ لم يثبت بالأدلة الشرعية كونه مشروعًا لم يَجُزْ للمسلم أن يُحْدِثه في دين الله، سواءٌ فعله مُفردًا أو جماعةً، وسواءٌ أَسَرَّه أو أَعْلَنَهُ؛ لعموم قول النبي صلوات الله وسلامه عليه: مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ[10]رواه مسلم: 1718.".
والذي عليه المُحَقِّقون الرَّاسخون في العلم: أن تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاةٍ أو غيرها من العبادة غير المشروعة بدعةٌ لا أصل لها من كتابٍ ولا سُنَّةٍ، ولم يعمله أحدٌ من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وهناك بدعٌ أخرى مُنكرةٌ مختلفةٌ كثيرةٌ لا أُحبُّ الإطالة فيها، منها: الجهر بالنية، والذكر الجماعي، وطلب قراءة الفاتحة على أرواح الأموات، وإقامة المآتم على الأموات، والأذكار الصوفية بأنواعها.
ويُرَدُّ عليها كلها بقوله عليه الصلاة والسلام: مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ.
الآثار السيئة والأضرار المُترتبة على الابتداع
أختم هذه الكلمة بالآثار المُختصرة التي تضرُّ الأُمَّة، وتُبين آثار البدع التي يقع فيها الناس، وتدل على أن مَن وقع في هذه البدع فقد أساء إلى الأُمَّة، وقد وقع في أضرارٍ عظيمةٍ، وأوقع الأُمَّة في أضرارٍ جسيمةٍ.
البدع بريد الكفر
من هذه الأضرار: أن البدع بريد الكفر، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام: لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَن كان قبلكم شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذراعًا بذراعٍ، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ تَبِعْتُموهم -أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه- قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمَن؟![11]رواه البخاري: 7320، ومسلم: 2669.، والحديث متفقٌ على صحَّته.
القول على الله بغير علمٍ
هذا من أضرار البدع التي تضرُّ الناس: أنهم يقولون على الله بغير علمٍ، ويتعمدون الكذب على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد قال: مَن تعمَّد عليَّ كذبًا فَلْيَتَبَوَّأ مقعده من النار[12]رواه البخاري: 108، ومسلم: 2..
ردُّ عمل المُبْتَدع
كذلك من هذه الأضرار: ردُّ عمل المُبْتَدع: مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ[13]رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718.، أعماله مردودةٌ؛ التي ابتدع فيها ولم يتبع فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام.
بُغْض المُبْتَدعة للسُّنة وأهلها
وهذا يدل على خطورة البدع، وعلامات أهل البدع ظاهرةٌ على أهلها باديةٌ، وأظهر آياتهم وعلاماتهم: شدة مُعاداتهم لحملة أخبار النبي عليه الصلاة والسلام، واحتقارهم لها، أي: لِسُنن النبي عليه الصلاة والسلام.
سُوء عاقبة المُبْتَدع
لا شكَّ أن من هذه الأضرار التي تقع للناس في هذه الأزمان من الوقوع في هذه البدع: سُوء عاقبة المُبْتَدع؛ لأن الشيطان يريد أن يُوقع الإنسان في عقبةٍ من عقباتٍ سبعٍ ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى؛ فالعقبة الأولى: الشرك بالله تعالى، فإن نجا العبد من هذه العقبة طلبه الشيطان على عقبة البدعة، وهذا يُؤكد أن البدع أخطر من المعاصي، وبعد الشرك بالله تعالى.
والبدعة لا يتوب صاحبها منها -في الغالب- إلا مَن تداركه الله تعالى برحمته؛ لأنه يرى أنه مُحْسِنٌ، ويرى أنه على حقٍّ؛ ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إن الله حجب التوبة عن صاحب كل بدعةٍ[14]رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 4202، والبيهقي في "شعب الإيمان": 9011، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 1620.، أخرجه الطبراني، وهو حديثٌ ثابتٌ، ولكن هذا معناه: أنه إذا استحسن هذه البدعة، وانقاد لها، ولم يَتُبْ.
أما إذا تاب، فمَن تاب تاب الله تعالى عليه، لكن هذا المعنى يدل على أن المُبتدع يُزَيَّن له سُوء عمله فيراه حسنًا، فهو لا يتوب ما دام يراه حسنًا، ولكن التوبة ممكنةٌ وواقعةٌ.
ومَن قال: إن توبة المُبتدع لا تُقْبَل مطلقًا؛ فقد غلط غلطًا مُنكرًا، ولا شكَّ أن الله تعالى يقبل التوبة إذا حصلتْ بشروطها:
- الإقلاع عن الذنب.
- والندم.
- والعزيمة على ألا يعود.
- وأن يردَّ الحقوق إلى أهلها.
- واتِّباع سُنَّة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
انعكاس الفهم
من أضرار البدع: انعكاس فهم المُبْتَدع؛ فيرى الحسنة سيئةً، والسيئة حسنةً، والسُّنة بدعةً.
هذا من أخطارها على المُبْتَدع؛ ولهذا قال حذيفة : "والله، لَتَفْشُوَنَّ البدع حتى إذا تُرِكَ منها شيءٌ قالوا: تُرِكَت السُّنة".
عدم قبول شهادة المُبْتَدع
من هذه الأمور والآثار: عدم قبول شهادة المُبتدع الذي يكفر ببدعته، وكذا مَن كان داعيةً إلى بدعته، فلا تُقبل شهادته عند المسلمين.
والمُبْتَدعة أقرب إلى الفتن من غيرهم؛ فهم الذين يقعون في الفتن، وقد حذَّر الله تعالى من الفتن: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25]، وقال: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].
الابتداع استدراكٌ على كمال الشريعة وتمامها
المُبْتَدع استدرك على شرع الله تعالى؛ لأن الله قد كَمَّلَ الدين، فهو يأتي بدينٍ من عند نفسه، ويُكَمِّل الدين، والله تعالى يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3].
والمُبتدع تلتبس عليه الأمور، ولا يعرف الحقَّ من الباطل؛ ولهذا لا يُلْهَم ولا يُوفَّق من الله تعالى؛ لأنه لا يطلب الحقَّ من الله تعالى؛ ولهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال:29].
استحقاق اللَّعنة
من الآثار السيئة والأضرار في المُبتدع: أن البدعة تُدْخِل صاحبها في اللعنة، فهناك من البدع ما تُدْخِل صاحبها في اللعنة، ومن ذلك قول النبي صلوات الله وسلامه عليه في المدينة، قال عليه الصلاة والسلام فيمَن أحدث فيها: مَن أحدث فيها حَدَثًا أو آوَى مُحْدِثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين[15]رواه البخاري: 1870، ومسلم: 1370..
الطَّرد عن الحوض
كذلك من آثار البدعة التي تحصل للناس: أن المُبتدع يُحَال بينه وبين الشرب من حوض النبي صلوات الله وسلامه عليه.
فالناس يأتون -من أتباعه عليه الصلاة والسلام- إلى حوضه يريدون الشرب من حوضه، ولكن أهل البدع يُحَال بينهم وبين حوض النبي عليه الصلاة والسلام، فيقول النبي صلوات الله وسلامه عليه في هذا: أصحابي، أصحابي، فيُقال: إنك لا تدري ما أَحْدَثُوا بعدك[16]رواه البخاري: 3349، 4625، ومسلم: 2860.، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: سُحْقًا سُحْقًا لِمَن غيَّر بعدي[17]رواه البخاري: 6584، ومسلم: 2290..
هكذا يُحَال بينه وبين الشرب من حوض النبي صلوات الله وسلامه عليه.
الإعراض عن الحقِّ وتفريق الأُمَّة وتشويه الإسلام
كذلك المُبْتَدع مُعْرِضٌ عن ذكر الله تعالى، وعن هَدْي النبي عليه الصلاة والسلام، ويكتم الحقَّ.
والمُبْتَدع يُعَرِّض نفسه للابتعاد عن سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام.
والمُبْتَدع يُفَرِّق الأُمَّة: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام:159].
والمُبْتَدع مُتَّبِعٌ لهواه.
والمُبْتَدع كذلك يُشَوِّه الإسلام، فإذا رأى الكفارُ والمشركون ما يعمله المُبْتَدع قالوا: هذا من الدين الإسلامي! فَفَرُّوا منه.
وهناك آثارٌ كثيرةٌ وأضرارٌ للبدع لا أُحِبُّ الإطالة فيها.
أسأل الله تعالى لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا وإياكم من المُتَّبعين لِسُنَّة النبي محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام كما يُحبُّ ربنا تعالى ويرضا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
المقدم: شكر الله لصاحب الفضيلة على ما تفضل به من هذه الندوة الطيبة المباركة، ونختم بتعليقٍ مباركٍ لسماحة الوالد الشيخ: عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ -المفتي العام للمملكة ورئيس هيئة كبار العلماء- على هذه الندوة، فليتفضل، جزاه الله خيرًا وسدَّده.
تعليق سماحة المُفتي
سماحة المفتي:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ، أشرف الأنبياء والمُرسلين، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى التَّابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
وبعد:
الموضوع موضوعٌ مهمٌّ، والتَّحدث عنه والإخبار عنه من أعظم المُهمات، فالشيخ السعيد أتى على هذا الموضوع بما لا مزيد لقائلٍ يقوله، وتحدث عن "البدعة وأثرها السَّيئ على المسلمين أفرادًا وجماعةً، وانعكاساتها على الأقوال والأعمال"، وحقًّا ما قال، وفَّقه الله.
لزوم الصراط المستقيم
إخواني، هاتان آياتان من كتاب الله تُبَيِّنان شأن البدعة وضررها؛ يقول الله جلَّ وعلا في سورة الأنعام: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153].
خَطَّ النبي خَطًّا مستقيمًا، وخَطَّ عن يمين ذلك الخَطِّ ويساره خطوطًا، وقال: هذا سبيل الله، وهذه السُّبُل، على كل سبيلٍ شيطانٌ يدعو إليه[18]رواه أحمد: 4142، والنسائي في "السنن الكبرى": 11109، وحسنه الألباني في "مشكاة المصابيح": 166..
وحقًّا ما قال رسول الله ؛ فمَن خرج عن منهج الله المستقيم بقولٍ أو فعلٍ فإنه يخرج إلى سبيل ضلالٍ، فسبيله سبيل ضلالٍ، كما قال جلَّ وعلا: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ، وتُخْرِجكم عن المنهج القَوِيم.
قال جلَّ وعلا في سورة الأعراف: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [الأعراف:3].
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ اتَّبِعُوا الحقَّ الذي جاء به محمدٌ ، وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، فإن ما عدا الكتاب والسُّنة فَدُعَاة ضلالٍ، حتى لو كان قصدهم حسنًا، وغايتهم طيبةً، لكن ما دام الأمر لا يُوافق الشرع فإنه بدعةٌ، بلا إشكالٍ.
جاء أناسٌ لأبي موسى الأشعري ، فقالوا: "إنَّا رأينا بالأمس أُناسًا حِلَقًا يقولون: سَبِّحُوا عشرًا، كَبِّرُوا عشرًا، هَلِّلُوا عشرًا"، عُدُّوا: الله أكبر، سبحان الله، لا إله إلا الله.
فأبو موسى ما أنكر عليهم، فجاء ابن مسعودٍ فَحَثَا في وجوههم الحَصْبَاء، وقال: "يا أُمَّة محمدٍ، ما أسرع هَلَكَتَكم! هذه إناء النبي لم تنكسر، وثيابه لم تَبْلَى، وأصحابه مُتواجدون"، قالوا: "يا أبا عبدالرحمن، ما أَرَدْنَا إلا الخير"، قال: "وكم من مُريدٍ للخير لم يُصِبْهُ، عُدُّوا سيئاتكم، فإني ضامنٌ لكم ألا يضيع شيءٌ من حسناتكم".
قال بعض الرواة: "فلقد رأيتُ معظم هؤلاء يُطاعنوننا يوم النَّهْرَوان مع الخوارج".
فالبدعة وإن صَغُرَتْ كبيرةٌ من حيث إنها تَقْدَح في عقيدة المسلم، وتنقص إيمانه.
البدع إذا وقعتْ لا بد أن تُحْدِث أمورًا تُخالف الشرع، مهما أراد مُشَرِّعوها أن يقتصروا فلا بد أن تظهر البدع وإن لم يَرَوها.
دُعَاة إحياء الموالد -المولد النبوي- قالوا: "إنَّا نُحيي ليلة المولد لأجل أن نُذَكِّر الناس بنعمة الله علينا بِمَبْعَث محمدٍ ، ونَذْكُر سيرته وحياته ترغيبًا للناس"، لكن هذا الأمر الذي أَتَوا به بِدْعٌ من العمل، لماذا؟
لأن محمدًا ما جاءنا أنه احتفل بمولده ولا بِمَبْعَثِه، ولا حزنوا ولا أقاموا مَأْتَمًا لموته!
وخلفاؤه الراشدون المَهْدِيُّون -أحبُّ الخلق لرسول الله - ما أَحْيَوا ذلك مع علمهم به؛ إذن فهو بدعةٌ.
تطورت هذه البدعة حتى أصبحتْ تُقام فيها خطبٌ ومقالاتٌ ومدائح نبويةٌ كثيرٌ منها شركٌ بالله وخروجٌ عن المنهج المستقيم.
شرعوا ما يُسَمُّونه: "صلاة الرَّغائب" في شعبان، أو الألفية السَّلفية، أو إحياء رجب، أو نحو ذلك، وكل هذه من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطانٍ.
يقول الإمام مالك: "المُبْتَدع كأنه يتَّهم رسول الله في أنه ما بَلَّغَ رسالة ربه، وقد بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة ".
كل بدعةٍ قوليةٍ أو فعليةٍ لا بد أن تُحْدِث نَقْصًا في العبادة.
سمع مالك بن أنسٍ مُؤذنَ مسجد النبي صعد لِيُؤَذِّن فضرب باب المنارة، فقال له مالكٌ: "لا تُحْدِثوا في أمرنا شيئًا"، فجاء في اليوم الثاني وتَنَحْنَحَ، فقال: "لا تُحْدِثوا شيئًا"، فجاء في اليوم الثالث وقال: لا إله إلا الله، صلُّوا على رسول الله . فقال: "ما أراك إلا رجل سُوءٍ"؛ فأبعده عن الأذان، وحافظ على السُّنة والتَّقيد بها، وعدم الخروج عنها.
سمع ابن عمر رضي الله عنهما رجلًا في المسجد يقول: "الصلاة خيرٌ" في الظهر، فقال: "بدعةٌ"، ولم يُصَلِّ في ذلك المسجد.
كل هذا منهم حمايةً للسُّنة، وحمايةً للمجتمع، وقصرًا له على الحقِّ، ومحاولة إبعاده عن البدع، فالبدع في الأقوال والأعمال كلها تُخالف شرع الله؛ ولهذا يوجد عندنا في بعض الدول الإسلامية قبل الفجر ما يُسَمُّونه: "ابتهالات"، ويمكث نصف ساعةٍ في أذكارٍ وصلواتٍ على الرسول كلها بدعةٌ؛ لأن الرسول شرع لنا الأذان الشرعي فقط، وما شرع أن نزيد في أذاننا شيئًا.
المهم أن البدع على اختلافها ضارةٌ، لكن منها مُكَفِّرةٌ: كابتداع أهل القبور الذين عَظَّموا قبور الأولياء، واستغاثوا بهم من دون الله، وذبحوا لهم من دون الله.
وكبدع المُبتدعة الذين ابتدعوا في دين الله: كالخوارج الذين كفَّروا المسلمين بالمعاصي، واستباحوا دماء المسلمين، وبدع الرافضة الذين غَلَوا في آل البيت، وبدع الجهمية مُنْكِري الأسماء والصفات، وبدع الأشاعرة مُأَوِّلِي الصفات، وغير ذلك.
المهم أن المنهج الصحيح الحقَّ هو اتِّباع الكتاب والسُّنة: اتَّبِعُوا ولا تَبْتَدِعوا فقد كُفِيتُم.
نسأل الله السلامة والعافية.
وصلى الله على محمدٍ.
| ^1 | رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907. |
|---|---|
| ^2, ^10 | رواه مسلم: 1718. |
| ^3 | رواه مسلم: 867. |
| ^4 | رواه النسائي: 1578، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1487. |
| ^5 | رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 37. |
| ^6 | رواه البخاري: 3606، ومسلم: 1847. |
| ^7 | رواه البخاري: 100، ومسلم: 2673. |
| ^8 | رواه مسلم: 49. |
| ^9 | "تبيين العجب بما ورد في شهر رجب" لابن حجر رحمه الله تعالى. |
| ^11 | رواه البخاري: 7320، ومسلم: 2669. |
| ^12 | رواه البخاري: 108، ومسلم: 2. |
| ^13 | رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718. |
| ^14 | رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 4202، والبيهقي في "شعب الإيمان": 9011، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 1620. |
| ^15 | رواه البخاري: 1870، ومسلم: 1370. |
| ^16 | رواه البخاري: 3349، 4625، ومسلم: 2860. |
| ^17 | رواه البخاري: 6584، ومسلم: 2290. |
| ^18 | رواه أحمد: 4142، والنسائي في "السنن الكبرى": 11109، وحسنه الألباني في "مشكاة المصابيح": 166. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط